تل ابيب – تحتل أجهزة الاستخبارات والأمن الاسرائيلية مكانة وأهمية بالغتين في البنية الاسرائيلية، وقد أدت ادوارا رئيسة وخطيرة ولاتزال في مجال تعزيز وجود الكيان الإسرائيلي وحمايته وتوسعه، لهذا تعتبر هذه الأجهزة من أهم أدوات الاستراتيجية الاسرائيلية ونظريتها الامنية و”الدرع الحصين” والذراع الطويلة في مواجهة تحديات الامن القومي الإسرائيلي بمختلف اشكالها. وتعتمد القيادة الاسرائيلية على هذه الاجهزة وما تقدمه من معلومات وتقديرات استخبارية استراتيجية وعملياتية في عملية صنع القرارات وفى توجيه سياستها الداخلية والخارجية على حد سواء.

ولتنفيذ هذه الاستراتيجية تشكلت أجهزة الاستخبارات والأمن الاسرائيلية الرئيسة ليضم كل منها دوائر وأقسام متخصصة بجمع المعلومات وتحليلها وتقييمها خاصة ما يتعلق منها بالتنظيمات الفلسطينية وقياداتها وأنشطتها وتنفيذ العمليات السرية ضدها وبالتنسيق مع أجهزة المخابرات المتحالفة معها..

نظرية الاستخبارات

الهالة التي تحيط بأجهزة الاستخبارات الاسرائيلية وتنظيماتها وأنشطتها نابعة في الأساس من محدودية المعرفة بجوهرها. والبحث في نظرية الاستخبارات غالباً ما يعتمد على المتوفر من المصادر العلنية بالدرجة الأساس ومن تلك التي تصدر عن مؤسسات ومسؤولين اسرائيليين في الغالب وخاصة الصادرة باللغة العبرية، وحتى هذه المعلومات، التي قد تكون مسربة عن قصد بوسائل متعددة اعلامية أو تنظيمات مشبوهة، يجب أن تخضع للتحليل والتمحيص والتدقيق كلما كان ذلك ممكنا، للتوصل إلى الاستنتاجات الاكثر صوابا وقربا من الحقيقة والواقع. من هنا تقتضى الضرورة إعطاء العدو حجمه الحقيقي فلا تقزيمه يفيد ولا تضخيمه يحقق الغاية المتوخاة..

في كتابه “اليهودي اللايهودي” يصور اسحاق دويتشر حالة المستوطنين الاسرائيليين والفلسطينيين بشخص سقط من طابق في فندق فوقع بالصدفة على شخص كان عابراً فوقع كلاهما كسيحا. ويرى دويتشر أن عليهما أن يتعاونا للنهوض، والواقع أن اليهودي الذى سقط على الفلسطيني على أرض فلسطين لم يكن قد سقط بالصدفة بل كان عملا مخططا له وجزءا من مشروع مدروس ومحمى بأيديولوجية معلنة وليس هناك من خيار أمام الفلسطيني إلا التعامل مع هذا المشروع انطلاقا من حسابات دقيقة وبما يخدم قضيته العادلة على كافة الاصعدة والمستويات، فهذا قدره لأن الصراع ليس مجرد صدفة بل هو مصيري وتشكل معرفة العدو العنصر الأكثر أهمية وتأثيرا فيه، وبالطبع فإن هذا لا يتم بمعزل عن التعاون والتنسيق مع الدول العربية والاسلامية والصديقة.

والباحث المتتبع لما ينشر من معلومات في المصادر العلنية يجد أن هناك تشابها كبيرا فيما تحتوى هذه المصادر وتطرحه عن الأنشطة الاستخبارية. وهذا يعنى أن هناك مادة قليلة مكررة بصيغ وأشكال مختلفة لكنها تتوزع على أكبر عدد من المصادر العلنية الاسرائيلية والعربية والأجنبية، وهذا الموضوع يشكل معضلة بالنسبة للباحثين المختصين في مجال الاستخبارات، خاصة المبتدئين منهم، غالباً ما ينتج عنها أخطاء كثيرة.

ولأجل تفادى هذه الأخطاء أو التكرار أو التضليل المتعمد للمعلومات والمادة المنشورة وتقديم مادة مقبولة ومفيدة للقارئ العربي وللمختصين في هذا المجال تجدر الإشارة إلى أننا اعتمدنا:

الرجوع إلى المصادر الأصلية، سواء المنشورة باللغة العبرية وترجمتها من قبل الباحث شخصيا أو المترجمة عنها، وخاصة الصادرة عن مراكز الأبحاث والمسؤولين الأمنيين الإسرائيليين بعد اخضاعها للتحليل والاستنتاج.
الاستعانة بالمصادر الفلسطينية والعربية المتخصصة والرصينة وكذلك بالمصادر الخاصة.
اجتزاء نصوص وادراجها في الدراسة للتعزيز والتدليل.
اعتماد مبدأ التحليل والترابط المنطقي لمواد وفقرات الدراسة واغنائها واثرائها بما يعتقده الباحث أنها قريبة من الواقع مستعينا بخبرات أشخاص متخصصين في هذا المجال تم اللقاء بهم لهذا الغرض.
مفهوم نظرية الاستخبارات الاسرائيلية

تقوم نظرية الاستخبارات الاسرائيلية على أساس تعددية الأجهزة الأمنية والاستخبارية والبحثية لغرض خلق حالة من التنافس فيما بينها من أجل خدمة الأمن القومي الإسرائيلي وللتقليل من احتمالات المباغتة العربية، بالإضافة إلى بناء أجهزة متعددة تقوم على أساس التخصص في المهام والعمل حسب الموقع الجغرافي.

والخبرة الاستخبارية التي يتلقاها المسؤولون الاسرائيليون من الغرب بشكل خاص تنعكس هي الأخرى على وضع النظرية الاستخبارية موضع التطبيق في مجالات التنظيم والتخصص ولهذا نجدها في الغالب من حيث المهام والمسؤوليات والتنظيم تتشابه مع مثيلاتها من الأجهزة الأخرى في الدول الغربية.

وثمة عامل آخر ساهم في هذه التعددية هو طبيعة – العدو- المقابل وتهديدات الامن الإسرائيلي كالانتفاضة الفلسطينية على سبيل المثال لا الحصر.
من مزايا هذه التعددية أيضا أنها منحت الأجهزة نوعاً من الاستقلالية ولكن هذه الحالة لن تخلو من عيوب وثغرات عانت منها هذه الأجهزة والقيادة الاسرائيلية على حد سواء منذ مرحلة التأسيس الرسمي والمنظم لها في بداية الخمسينات، ومن ذلك أن الاهداف والمهمات الملقاة على عاتقها كثيرة ومتعددة وبعضها صعبا، فهي تتطلب نطاق معلومات واسع وشامل وتفصيلي وفى ميادين كثيرة وانتشار على مساحة جغرافية واسعة في العالم ومواجهة اجهزة استخبارية وأمنية ونظم سياسية متقدمة ونامية. وقد انعكس هذا على وضع وامكانيات الاجهزة الاسرائيلية لأنها تتطلب قدرات فنية وبشرية كبيرة وكلفة مادية عالية وهياكل تنظيمية إدارية كبيرة ومتعددة…الخ ومع أن قيادة العدو الإسرائيلي وضعت لها عددا من المعالجات، لا مجال لذكرها هنا، إلا أنها كانت حلولا جزئية وليست جذرية مازالت تشكل معضلة تعانى منها الأجهزة الاسرائيلية حتى الوقت الحاضر .

وتتضح وجهة النظر الاسرائيلية حول التعددية الاستخبارية على النحو الاتي:

أن التنسيق حالة ملحة وضرورية لأجهزة الاستخبارات وهى انعكاس طبيعي وتحصيل حاصل لتعددية الأجهزة.
ب. أن خطوط وقنوات التنسيق في البنى التحتية والفوقية للأجهزة الأمنية غير كافية وتعانى من مشاكل وعيوب.
ج. أن ايجاد التعددية لخلق حالة التنافس بقدر ماهي حالة مفيدة لكونها تعزز حالة الفردية في العمل وتسير بالاتجاه المعاكس للتنسيق خاصة عندما يتولى قيادة أحد هذه الأجهزة أو بعضها في الخط الأول والثاني قادة ذوى ميول ونزعات فردية في العمل.
وتنبع فلسفة الاستخبارات الاسرائيلية أساسا من طبيعة المجتمع الإسرائيلي حيث السمة الغالبة لهذا المجتمع هي التنافر وعدم الانسجام نتيجة لتعدد الجنسيات واختلاف البيئات التي جاء منها اليهود لإقامة الاستيطان الاحتلالي في فلسطين، فقد نقلت جماعات المهاجرين عاداتها وتقاليدها وطرق معيشتها المتباينة الى الكيان الإسرائيلي الغاصب, ويتضح ذلك التنافر في التفرقة العنصرية السائدة داخل هذا الكيان بين طوائف الاشكنازيم والسفاراديم واليهود السود -الفلاشا- وتتأكد هذه الخلافات أيضا داخل المجتمع الإسرائيلي حيث ينقسم إلى جناحين رئيسيين : الاول ديني والثاني علماني، الامر الذى ترك بصمات اجتماعية سلبية على مجمل الحياة داخل اسرائيل.
في ضوء هذا الواقع تعمل القيادة الاسرائيلية على صهر المجتمع الإسرائيلي في بوتقة واحدة في محاولة منها لخلق مجتمع متجانس له طابعه وسماته المشتركة وذلك بتنفيذ سلسلة من الاجراءات أبرزها:

استخدام الجيش للتجنيد الإجباري كوسيلة من وسائل صهر المجتمع.
توحيد مناهج التعليم لخلق ثقافة مشتركة.
تأمين حد أدنى لمستوى المعيشة وإدخال العمال في الهستدروت
إقامة مستعمرات خاصة بالشباب ليكونوا نواة المجتمع في المستقبل.
إقرار اللغة العبرية ونشرها لخلق قاسم مشترك جديد غير الديانة اليهودية يجتمع عليه الاسرائيليون و المتدينون.
تلقين الصغار والكبار مبادئ الحركة الصهيونية القائمة على مثلث: الهجرة والاستيطان – القوة – الصفاء العرقي.
واستنادا إلى ما تقدم فإن الصهيونية العالمية نجحت، من جانب آخر، في أن تغرس في نفوس المستوطنين الصهاينة منذ بداية الاستيطان الصهيوني لفلسطين عقيدة سارت عليها الاستخبارات الاسرائيلية أهم مرتكزاتها هي:

إن اسرائيل في حالة حرب دائمة مع الأقطار العربية حتى تحقق أهدافها بالكامل..
إن اسرائيل تشكل نقطة ارتكاز ليهود العالم وهى تسعى إلى تهويد الأراضي الفلسطينية بكافة الوسائل وتهجير سكاتها العرب لاستيطان أكبر عدد من اليهود.
إن قيام “الدولة” هو تحقيق لأسطورة توراتية صنعها اليهود منذ القدم وتمكنوا من اقناع الغربيين بها وهى “أن الرب وعدهم بارض الميعاد.”
إن تأسيس هذه “الدولة” مسؤولية دينية واجبة على كل يهودي في بقعة من العالم.
إن ولاء اليهودي مهما كانت جنسيته يجب أن يكون “للوطن الأم اسرائيل” وتحقيق أمن واستقرار “الدولة” وازدهارها هو الخطوة الأولى لعودة ملكوت اسرائيل طبقا للوعد الالهي.
في ضوء العقيدة آنفة الذكر خططت قيادة العدو الإسرائيلي وبالتشاور مع أجهزتها الاستخبارية والأمنية من أجل استغلال الظروف التي مرت بها الجاليات اليهودية في مختلف أنحاء العالم، مستغلة الكراهية التي كانت سائدة ضدهم، في تلقين أطفالهم العقيدة الدينية والسياسية ولقد استخدمت الصهيونية العالمية أساليب مختلفة لإبقاء جذوة هذه العقيدة مشتعلة, فقد حرصت، وما تزال، على أن تذكر اليهود في العالم والرأي العام العالمي دائما وبكل الطرق بحق اليهود في العودة إلى أرض الميعاد.
ولقد أفرزت مرتكزات نظرية الإستخبارات الاسرائيلية وعقيدتها فلسفة خاصة بالعنف والارهاب يمكن إيجازها على النحو الآتي:

إذا ضربت أحد الكوادر “المعادية” فإن ظهور بديل له سيستغرق وقتا طويلا وبالتالي سيفكك الشبكة “المعادية” وربما سيمزقها.
الاغتيال يعنى القضاء على الكادر القيادي الأكثر خبرة وخطورة وهذا يعنى أنك حققت الردع ضد الآخرين.
إن اغتيال الخصوم يرفع معنويات الاسرائيليين ويكون تأثيره سلبياً على اتباع هؤلاء الخصوم خاصة اذا جرى التخطيط للعملية وتنفيذها بطريقة استعراضية ونظيفة ومن دون أن تترك أي أثر.
دور الاستخبارات في صناعة القرار السياسي – تصفية القيادات الفلسطينية نموذجا.

معروف أن صناعة القرار السياسي في اسرائيل أمر يرتبط بوجودها غير الشرعي على الأرض الفلسطينية وكذلك يرتبط بادراك العوامل المحركة والرابطة للأحداث والتطورات الداخلية والخارجية بغية الوصول إلى تحديد واضح للسلوك الإسرائيلي تجاه “أزمة ما” والباحث في السياسة الاسرائيلية يجد أنها تتسم بثلاث سمات رئيسة هي:

الثقافة السياسية، التي تعبر عن مجموعة العقائد والافكار التي يعتنقها صانعو القرارات.
اصطباغ السياسة بالصيغة الاجتماعية أو ما يسمى التفاعل الاجتماعي للسياسة.
خصائص البنيان السياسي ذاته.
ومن دراسة هذه السمات وتطبيقاتها الميدانية، حتى قبل ظهور الكيان الإسرائيلي للوجود عام 1948، نجد أن هذا الكيان العنصري التوسعي هو كيان منتج للعنف والارهاب بحكم طبيعته وتكوينه البنيوي وتشكله التاريخي ولا يمكن لهذا الكيان أن يتخلى عن العنف حتى لو أراد ذلك لأن المجتمع الإسرائيلي لا يمكن أن ينتج شيئاً بعيداً عن الإرهاب لأنه متشبع بمبادئ الحركة الصهيونية، القائمة على العنف والارهاب، والتي اقرها مؤتمرها التأسيسي في بازل بسويسرا عام 1897 وما تلاها من مؤتمرات وقرارات وممارسات إرهابية لاحقا.
وأنواع الإرهاب حسب الفلسفة الصهيونية ثلاثة هي:

الإرهاب المادي: الذى يعنى الاستخدام غير العادل للقوة بشكل سلوك فعلى أو لفظي لإلحاق الأذى بالآخرين.
الإرهاب الرمزي: الذى يستهدف إلحاق الضرر بالطرف الذى يمارس عليه الارهاب والعنف سيكولوجيا لزعزعة شعوره بالأمن والطمأنينة وخلخلة توازنه.
الإرهاب الفكري: هو المقدمة التي يتكئ عليها الإرهاب المادي والرمزي، فيعمد إلى تجريد “الضحية” باستخدام آلية التهميش والتغييب وهو ما تطبقه إسرائيل حاليا في الأراضي العربية المحتلة ومن بين إجراءاتها، على سبيل المثال، إلغاء أسماء القرى والبلدات والشوارع الفلسطينية.
حسب هذا المفهوم الإسرائيلي للعنف والإرهاب فإن القوى الفاعلة والضاغطة في اسرائيل، والتي تتحكم في مسارات السياسة الارهابية الاسرائيلية، تتمثل في الأحزاب السياسية والجماعات الضاغطة أو ذات المصالح التي تلعب دورا فاعلا في التأثير على شكل القرار وطبيعته ومحتواه. ومن تصنيفات هذه الجماعات تبرز المؤسسة العسكرية والاجهزة الاستخبارية والامنية الاسرائيلية وما يسمى يهود الشتات واتحاد العمال اليهود أو الهستدروت، وبعض هذه الجماعات قليلة التأثير وسريعة الزوال لكن البعض الآخر يتصف بالتركيب الحيوي المستمر ومن ذوى الأهمية خاصة تجاه قضايا حيوية بالنسبة لإسرائيل ومن ذلك الموقف من عمليات المقاومة الفلسطينية والإنتفاضة وغيرهما.
فالمؤسسة العسكرية تمثل مركز الصدارة لاعتبارات قوية جعلت منها أحد العناصر التي منها وبها يتشكل القرار السياسي على أساس أن الأمن، حسب الأدبيات الاسرائيلية، هو الإطار الذى يتحكم في العمل السياسي.

جدير بالذكر أن دور العسكريين في الحياة السياسية الاسرائيلية يعتمد بشكل كبير على دور رئيس الوزراء ووزير الدفاع، ويمكن تلمس ذلك في الصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها أولمرت حاليا، وقبله شارون، والذى يتمكن من اتخاذ قرارات مهمة وشاملة وخطيرة مثل اعلان الطوارئ وتعبية الاحتياط لمواجهة الظروف الطارئة كما يحصل في الاجراءات القسرية التي تنفذها قوات الاحتلال.

التصنيف الثاني الذى يلعب دورا أساسياً في صناعة القرار السياسي وخاصة ما يتعلق بالإرهاب والعنف والتصفية الجسدية هي الأجهزة الاستخبارية الاسرائيلية التي تحتل موقعا متقدما وخطيرا في بنية الكيان الاسرائيلي، لذلك تعد من أهم أدوات الاستراتيجية والحرب الاسرائيلية وتعتمد عليها قيادة العدو في عملية صنع القرارات السياسية وفى توجيه سياستها الداخلية والخارجية والعسكرية وذلك استنادا لمهامها وتنظيمها وخصائصها، وللاستخبارات الاسرائيلية خاصية تختلف عن باقي أجهزة الاستخبارات في العالم كونها تشكل العمود الفقري لنظرية الأمن الاسرائيلي، وهذه الأخيرة تمثل جوهر العقيدة العسكرية الاسرائيلية، وعليها يتوقف بقاء “الدولة” واستقرارها في كيانها الحالي. من هذا يتبين أن هذه الأجهزة تحظى أيضاً باهتمام وعناية من الدرجة الاولى مقارنة بالمؤسسات الاسرائيلية الأخرى.

إن القرارات السياسية الخطيرة والمصيرية في اسرائيل تبنى على ما تقدمه أجهزتها الاستخبارية من معلومات وتقديرات وانذارات عن “العدو” وتتمثل مساهمة هذه الأجهزة في رسم السياسة الاسرائيلية في صورتين هما:

تقديرات وتوقعات بشأن موضوع محدد ومبلور، الهدف منها مساعدة صانع القرار في عملية اتخاذ القرار أو مجموعة القرارات.
ب. تقديرات جارية ومستنفذة تشمل مجالات اهتمام صانعي القرارات ويكون الهدف منها في هذه الحالة إطلاع المستوى القيادي على التطورات المستجدة وشحذ ادراكهم ويقظتهم تجاه المعضلات والتحديات الاكثر خطرا واهمية بالنسبة لإسرائيل.
في الصورة الأولي: تقديرات تمهيداً لاتخاذ القرار السياسي، الاستراتيجي، وهنا تكون الاستخبارات إحدى الهيئات الرئيسة التي تساعد على توضيح الاحتمالات التي تواجه القادة السياسيين تمهيدا لاتخاذ القرار، فمثلا : مساهمة هذه الاجهزة بمساعدة صانعي القرار بشأن موضوع الانتفاضة والثورة الشعبية الفلسطينية، تركزت بشكل خاص على جمع المعلومات الدقيقة عن أماكن تواجد الفدائيين والابلاغ المسبق عن استعدادهم للقيام بعملية فدائية في إحدى المناطق الفلسطينية المحتلة، وعندما ينجح الفدائيون في تنفيذ عمليتهم الفدائية ضد أهداف إسرائيلية يعمل الموساد والاستخبارات العسكرية وجهاز الأمن العام على تزويد صانعي القرارات بالمعلومات لتحديد هوية منفذي العملية وقواعدهم ومن ثم تقديم المعلومات والمشورة ودراسة الاحتمالات للعمل المضاد وهنا تشارك الاستخبارات العسكرية “أمان” بثقل في هذه المرحلة كونها تتطلب اتخاذ اجراءات عسكرية معينة.
إن هذه المعلومات الوضعية تشكل مساهمة ذات أهمية كبيرة، وحاسمة أحيانا، في عملية اتخاذ قرار الرد على العملية الفدائية. في الصورة الثانية: الموجهة لإثراء معلومات ومعرفة ويقظة صانعي القرار بشكل أوسع تبرز هناك قيود الاستخبارات سواء في مجال المواضيع أو في مجال الصورة والعمق في عرضها. فالإنذار الاستخباري الفوري هو الذى يفرض إلى درجة كبيرة مدى وافق المواضيع، في حين أن النظرة للمسائل الأساسية في السياسة الخارجية، هي بشكل عام تتجاوز أفق النظرة الإنذارية الفورية. وهنا قد يحصل تقاطع بين تقييم ومشورة أجهزة الاستخبارات وبين تقييم الجانب السياسي للموضوع وهذه الحالة هي من إفرازات الفشل الاستخباري الإسرائيلي الذى تكرر أكثر من مرة، ولذلك اتخذت الحكومة الاسرائيلية جملة من الإجراءات لاحتواء هذه الحالة -لا مجال لذكرها هنا- ولكن الامر ظل بين مد وجزر ومناقشات مطولة ولم يحسم بشكل نهائي كونه يتعلق بنظرة وفهم واجتهادات شخصية لكل من قادة الأجهزة الاستخبارية والقادة السياسيين وهذا يفسر سبب حصول تغييرات مستمرة لبعض القادة الاستخباريين والسياسيين والعسكريين بين الحين والآخر.
إن مدراء ورؤساء الاجهزة الأمنية والاستخبارية يساهمون هم الآخرون في عملية المناقشة مع القادة السياسيين والعسكريين حول المواقف والأحداث والقرارات من خلال اللجان السياسية والعسكرية والتي هم اعضاء فيها أو يستدعون إليها عند الحاجة -هيئة الأركان العامة في الجيش، اللجنة الوزارية لشؤون الأمن، لجنة الخارجية والأمن في الكنيست…الخ- لذلك فهم يساهمون شخصياً ببناء ووضع القرارات إلى جانب المعلومات والانذارات والتقديرات التي تقدمها أجهزتهم للقيادة الاسرائيلية. ومن الأمثلة على ذلك المشورة التي قدمتها أجهزة الاستخبارات لرئيس الوزراء شارون منتصف شهر سبتمبر- أيلول عام 2002 بعدم تصفية أو ابعاد الرئيس الراحل ياسر عرفات من رام الله والاستمرار بمحاصرته ومضايقته لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية ونفسية محددة.

من جانب آخر، فإن صاحب القرار السياسي الذى يعتمد على معلومات الاستخبارات في صنع قراراته السياسية دائما يتأثر بقدرات وحدود التقدير والتحليل الاستخباري لهذه الأجهزة، وهذه مسالة ذات أهمية حيوية بالنسبة لصانعي السياسة، لذلك نجد أن نظرية الاستخبارات الاسرائيلية في تقديم التقديرات الاستخبارية لصانع القرار السياسي ترتبط دائما بمواقف ثلاثة كل موقف له شروطه الخاصة وهي:
أ. قيام الاستخبارات بقراءة القرارات المتخذة من قبل الجانب السياسي بصورة صحيحة وفى الوقت المناسب.

تولى الاستخبارات تحديد ردود الفعل المحتملة والممكنة تجاه موقف معين وأي من هذه الردود هو الأكثر احتمالا.
ينبغي على الاستخبارات تحديد بداية أي عملية وأن تراقب عن كثب تطورها وأن تعرف في وقت مبكر لحظة القرار.
التنسيق الميداني

لغرض إعداد ملفات التصفية الجسدية وأحكام صياغة القرارات الخاصة بعمليات الارهاب والعدوان العسكري ضد أبناء شعبنا الفلسطيني المجاهد وقياداته وممتلكاته، كنموذج لصناعة القرار السياسي، تتولى لجنة رؤساء الأجهزة والمعروفة باسم “فاعادات” وهى الهيئة التي تنسق بين عمليات وأنشطة أجهزة الأمن والاستخبارات والتي يشرف عليها رئيس الوزراء شخصياً أو ينوب عنه مدير الموساد عند غيابه – إدارة الاجتماعات الخاصة باتخاذ مثل هذا القرار، وهذه الاجتماعات يحضرها في بعض الأحيان وزير الدفاع أو أي مسؤول آخر تتطلب المهمة التجسسية أو الإرهابية أو العسكرية حضوره في مقر جهاز الموساد في ضواحي تل أبيب أو في مدرسة الاستخبارات العسكرية شمالي تل أبيب على الطريق المؤدية إلى مطار “سديه دوف” أو في غيرها من المقرات الأمنية.

ويتم خلال هذه الاجتماعات تبادل وتنسيق المعلومات والخبرات والآراء التي تساعد في بلورة قرارات العمليات السرية الجديدة وطرق تنفيذها ضد الأهداف والمؤسسات الفلسطينية، وتشير بعض المصادر المتخصصة بالاستخبارات الاسرائيلية -أنظر : قصي عدنان عباس في كتابه المخابرات الاسرائيلية- إن أحد أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية يتولى افتتاح هذا الملف الأساسي ثم توزيعه على ممثلي الأجهزة الأمنية ذات العلاقة وهى الموساد والامان والشاباخ وكل طرف من هذه الاجهزة يقوم برسم خطته وتحديد وسائل العلاج والمتابعة الخاصة به بناء على حدود صلاحياته ونطاق مسؤولياته.

بعد ذلك تقوم الأجهزة الثلاثة المذكورة بجمع المعلومات عن الهدف المطلوب، وكل حسب وسائل تجسسه الخاصة من المصادر البشرية والالكترونية، ثم ترسل هذه المعلومات الى “بنك معلومات” مشترك، مهمته الإشراف على تحليلها وتقييمها بطرق مختلفة، بناء على درجة الاهتمام الموجودة لدى كل جهاز لذلك الهدف، وجدير بالذكر أن قسم جمع المعلومات في الاستخبارات العسكرية “أمان” هو الذى يتولى مسؤولية الاشراف على ادارة مهام ذلك “البنك المشترك”.

وبعد عملية جمع المعلومات عن الهدف وإجراء التحليل الاستخباري والأمني لها والتوصل الى استنتاج مشترك مفاده أن الهدف يشكل خطراً على اسرائيل وأنه ينوى القيام بعمل مباشر ضدها، يباشر فوراً بوضع الخطط المقترحة للاغتيال أو للقيام بالعمل العسكري المطلوب ضد هذا الهدف. تقوم بعد ذلك لجنة “فاعادات” بدراسة الخطط المقترحة من كافة جوانبها لحين القرار على خطة واحدة، ويتركز جانب مهم من مراحل إعداد عملية التنفيذ على كل الاحتمالات بما في ذلك إعداد خطط بديلة وطرق فرار وانسحاب مختلفة وكل ذلك يتم وفقا لتطور الأوضاع على الأرض.

إن عملية التصفية الجسدية مسألة استخبارية ميدانية معقدة يشارك فيها عادة عشرات العناصر، وبسبب التكتم الشديد عليها لا يسمح إلا باطلاع عدد محدود جداً من المسؤولين على تفاصيل الخطة النهائية للعملية بعد أن يصادق عليها المجلس الوزاري الأمني. واذا كانت العملية تختص بجهاز واحد فقط فإن هذا الجهاز غير ملزم بكشف تفاصيلها أو وصف آلية العمل، لكنه ملزم بتحديد وقت العملية ومكان تنفيذها لعدم حصول تقاطعات في العمل أو تضارب في مصالح الأجهزة الأخرى التي تعمل في نفس الوقت وفي نفس المنطقة أو تمس بعملية جمع معلومات يقوم بها جهاز آخر، إلا أن الكثير من عمليات الاغتيال التي نفذت كانت باشتراك جهازين على الأغلب.

أساليب التصفية

تقوم أجهزة الاستخبارات والأمن الإسرائيلية بتنفيذ عملياتها بوسائل مختلفة ومنها:

استخدام الوحدات العسكرية والقوة الجوية والدبابات والمدفعية والصواريخ الموجهة والقطع البحرية والعبوات الناسفة التي توضع في العجلات أو في مكان الهدف ويتم تفجيرها بتوقيت زمنى محدد أو بالتفجير المسيطر عليه عن بعد وكذلك قصف المنازل والمقرات التي يتواجد فيها الهدف المطلوب.
استخدام الغازات الكيمياوية، حيث أشارت مصادر مطلعة أن قوات الاحتلال الإسرائيلي استخدمت خلال الانتفاضتين الأخيرتين ثلاثة أنواع من الغازات هي : غاز مسيل للدموع cn وغاز مهيج للأغشية المخاطية dm وعبوة رصاصية أمريكية الصنع تحوى غازي cn وdm وغاز سام مجهول بالإضافة إلى استخدام الغازات المسببة لحالات الاغماء والانهيار وشل القدرة.
استخدام وحدات القناصة لقتل واصابة القيادات الفلسطينية وتركيز الاصابة في مناطق الرأس والصدر.
مشاغلة أهداف فلسطينية في غزة ومدن فلسطينية أخرى بصواريخ أرض- أرض التعبوية.
استخدام وحدات “دوفدوفان وشمشون” وهى وحدات من المستعربين في الجيش الإسرائيلي لتنفيذ عمليات تصفية جسدية ضد كوادر الانتفاضة والقيادات الثورية الفلسطينية.
إستخدام عناصر من جيش لحد لتنفيذ مثل تلك العمليات.
قيام عناصر الأمن العام باقتحام المناطق الفلسطينية عن طريق التسلل أولا ثم الانتشار المقنع في الضفة والقطاع وفى المناطق الحساسة.
استخدام الوحدات المظلية والقوات الخاصة لاقتحام محاور الطرق والمدن والمناطق المأهولة بمشاركة طائرات الكوبرا وبلاك هوك والأباتشي والشينوك المروحية.
استخدام الاغراء الجنسي لاصطياد شبان الانتفاضة والثورة الشعبية، وتعد هذه من أقذر الوسائل التي تستخدمها الأجهزة الاستخبارية والأمنية الاسرائيلية لتحقيق أهدافها، لكنها لا تشكل مفاجأة بالنسبة للمطلعين على “تعاليم التلمود” التي توصي باستخدام الجنس والمال لتحقيق المطامع الصهيونية. وقد أكدت هذه المعلومات مصادر فلسطينية مطلعة وذكرت أن سلطات الإحتلال تلجأ إلى الحيل لاصطياد شبان الثورة الفلسطينية والانتفاضة بما في ذلك استخدام المجندات الاسرائيليات من وحدات سلاح النساء “حيل ناشيم” في التعري أمامهم ثم اطلاق النار عليهم.
استخدام طريقة جديدة في تعذيب المعتقلين الفلسطينيين هي التعذيب عن بعد بالريموت كونترول. فقد كشف تقرير أعدته لجنة اسرائيلية مناهضة للتعذيب النقاب عن أن خبراء الامن الداخلي ابتدعوا هذه الطريقة، واعترفت اللجنة أن عناصر الشاباخ مستمرون في أساليب تعذيبهم للسجناء الفلسطينيين بطرق وأساليب اجرامية لا إنسانية منها جلسة الضفدع وربط اليدين والرجلين والهز العنيف ومنع النوم..الخ.
استخدام القوات الإسرائيلية لمنظومات الأسلحة الأكثر تطوراً ووحشية وتدميراً وكذلك الأسلحة المحرمة دولياً كاليورانيوم المنضب حيث أكدت مصادر رسمية وغير رسمية ومنها منظمة “انترناشيونال اكش سنتر” الأمريكية أن القوات الإسرائيلية قصفت مكاتب حركة فتح في رام الله بقذائف وصواريخ احتوت على اليورانيوم المنضب أطلقت من طائرات الهليكوبتر والأباتشي والكوبرا.
وقد اعترفت صحيفة “يديعوت احرونوت” الصادرة بتاريخ 10/1/2001 أن هذه القذائف موجودة ومستخدمة من قبل القوات الاسرائيلية منذ عشرين عاماً.
وأضافت أنه يتم تجهيز الطرادات البحرية القاذفة للصواريخ بمدافع خاصة نوع “فالكون” عيار 20 ملم قادرة على إطلاق ما بين 2000 – 6000 اطلاقة يورانيوم بالدقيقة.
كذلك استخدمت قوات اسرائيلية طلقات الدمدم والمطاطية وقنابل النابالم والقنابل الذكية والعنقودية والفراغية وكلها أسلحة متطورة وخطيرة وذات تأثيرات هائلة تكاد تصل إلى مستوى تأثيرات الأسلحة النووية التعبوية. جدير بالذكر أن هذه الترسانة العسكرية المدمرة والمخصصة أصلا لقتال الجيوش النظامية في الميدان، والتي تم تحريمها دوليا، قد استخدمتها القوات الاسرائيلية بعشوائية وهمجية لم يشهد لها التاريخ مثيلا ضد شعب اعزل يقاتل بالحجارة وضد أهداف مدنية خالية من أي وسائل الدفاع والحماية.