حلمي موسى:

 

أبلغت إسرائيل فرنسا رسمياً، يوم أمس، أنها لا تزال تُعارض مُبادرة عقد مؤتمر سلام دولي في باريس، وأنها لن تُشارك في هذا المؤتمر إن عُقد خلافاً لرأيها. وجاء هذا البلاغ في لقاء عقده القائم بأعمال رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي يعقوب بنجل ومبعوث نتنياهو لعملية السلام المحامي اسحق مولخو في تل أبيب مع المبعوث الفرنسي الخاص بعملية السلام بيير فايمون. وكانت إسرائيل قد أعلنت رفضها لعقد هذا المؤتمر، معتبرة إياه مُحاولة لفرض حلول من طرف واحد عليها. ولا تتوقّف المُعارضة الإسرائيلية على عقد المؤتمر الدولي في باريس بل تتخطّاه لمعارضة أي موقف قد تتّخذه الإدارة الأميركية في الأمم المتحدة تأييداً لأي خطوات سلمية هناك.
وذكرت وسائل الإعلام الإسرائيلية أن مبعوث السلام الفرنسي فايمون وصل إلى تل أبيب لعرض الخطة الفرنسية المُعدّلة لعقد المؤتمر الدولي قبل نهاية العام الحالي. وأطلع فايمون المسؤولين الإسرائيليين اللذين التقاهما، بنغل ومولخو، على الاتصالات التي أجراها مع مختلف الأطراف والدول ذات الشأن وحول مجموعات العمل التي تشكّلت في أعقاب لقاء وزراء خارجية الدول التي شاركت في افتتاح المؤتمر التمهيدي في باريس في حزيران الماضي كجزء من مبادرة السلام الفرنسية.
وحسب وسائل الإعلام الإسرائيلية، فإن بنغل ومولخو أوضحا للمبعوث الفرنسي موقف إسرائيل القاطع القائل بأن كل تقدّم حقيقي للعملية السلمية وتحقيق السلام لن يتمّ إلا عبر مُفاوضات مُباشرة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. ونقلت هذه الوسائل عن ديوان رئاسة الحكومة الإسرائيلية القول إن «كل مبادرة أخرى فقط تُبعد السلام عن المنطقة».
وأشار ديوان رئاسة الحكومة الإسرائيلية أيضاً إلى أن مولخو وبنغل أوضحا للمبعوث الفرنسي أن إسرائيل لن تُشارك في أي مؤتمر دولي يُعقد خلافاً لرأيها. وأضاف أن «حث عقد مؤتمر كهذا يمسّ بشدة بإمكانية تحقيق العملية السلمية لأن ذلك يسمح لأبو مازن وللسلطة الفلسطينية بمواصلة التهرّب من القرار لدخول مُفاوضات مُباشرة مع إسرائيل من دون شروط مُسبقة». وقال بنغل ومولخو لفايمون إن «إسرائيل تنتظر ألا تحثّ فرنسا على عقد مؤتمر أو إجراء عملية خلافاً للرأي الرسمي لإسرائيل».
وكان فايمون قد أعلن أن مُشاركة إسرائيل في المؤتمر الدولي الذي دعت إليه فرنسا في باريس يُثبت التزامها بحلّ الدولتين. وأضاف أن فرنسا ستُنسّق مواقفها مع الإدارة الأميركية بعد الانتخابات الرئاسية في الفترة المتبقية حتى نهاية ولاية الرئيس أوباما في كانون الثاني المُقبل. وجاءت أقوال فايمون، في كلمة ألقاها في مؤتمر عقده مركز دراسات الأمن القومي في تل أبيب. وقد أوضح فايمون، في كلمته، أن فرنسا عازمة على عقد المؤتمر الدولي الذي دعت إليه قبل نهاية العام الحالي، مُؤكداً أنه سيخرج بعد الانتخابات الأميركية إلى واشنطن لتنسيق خطوات مُحتملة في الأشهر القريبة.
وأوضح فايمون أن «هدف مُبادرتنا هو توفير الزخم والالتزام مجدداً بحلّ الدولتين»، مُشدّداً على أن «الواقع هو أن حلّ الدولتين يختفي بالتدريج. وبالنسبة لفرنسا هذا مُقلق جداً… أن يختفي حلّ الدولتين بهدوء من دون أن يحلّ مكانه أي شيء آخر». وأشار المبعوث الفرنسي إلى أن «المُبادرة لمواصلة الوضع القائم تعني إلغاء حلّ الدولتين»، مؤكداً أننا «نُريد إبقاء حلّ الدولتين على قيد الحياة»، مُضيفاً أنه «عند هذا الطريق نحن نعمل فعلياً ضد استمرار الوضع القائم».
ومعروف أن فايمون حاول في الأشهر الأخيرة مرات عدّة الوصول إلى إسرائيل، لكن تنسيق زيارته كان يتعرّض للتأجيل مرة تلو مرة من ديوان رئاسة الحكومة ووزارة الخارجية الإسرائيلية بحجج واهية تتعلّق بالجداول الزمنية. وقد استغل فايمون الأشهر الأخيرة في عقد اللقاءات والتنسيق مع كبار المسؤولين الأميركيين والروس ومُمثّلي الدول العربية. وحثّ فايمون على عقد اجتماعات عدّة لمجموعات العمل التي انبثقت عن مؤتمر وزراء الخارجية التمهيدي بقصد بلورة رزمة مُحفّزات اقتصادية لإسرائيل والفلسطينيين كجزء من عقد المؤتمر الدولي.
وقد تعاملت إسرائيل بسلبية شديدة مع المُبادرة الفرنسية منذ اللحظة الأولى، كما تعاملت معها بوصفها جزءاً من مُؤامرة تستهدفها. وربطت إسرائيل بين المُبادرة الفرنسية وخطوات تشعر أن إدارة أوباما ستُقدم عليها في الفترة الانتقالية بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية. ولم تقتنع إسرائيل بكل مُحاولات فرنسا للتأكيد أن المؤتمر لا يرمي إلى فرض حلّ من طرف واحد كما أنه ليس نقيضاً للمُفاوضات المُباشرة.
وتخشى إسرائيل جداً من احتمال إقدام الإدارة الأميركية في الشهرين المُقبلين على خطوات ذات صلة بالعملية السلمية، سواء على شكل بيان رئاسي يُحدّد الموقف الأميركي من الحلّ النهائي للنزاع أو تأييد واشنطن لمشاريع قرارات مُناهضة للاستيطان في مجلس الأمن الدولي أو حتى عدم استخدام «الفيتو» ضدّها. وكان نتنياهو قد أعلن الأحد في مستهل جلسة حكومته الأسبوعية أنه يتوقّع من الرئيس المُنتخب، سواء كان هذا دونالد ترامب أم هيلاري كلينتون، أن يُعنى بحلّ النزاع الاسرائيلي ـ الفلسطيني من خلال المُفاوضات المُباشرة فقط.
وأعلن نتنياهو: «أياً كان من سيفوز، الرئيس الجديد، الرئيسة الجديدة، أنا مُقتنع بأن علاقات اسرائيل ـ الولايات المتحدة والتي هي متينة وقوية، لن تبقى هكذا فقط، بل ستُعزّز أكثر». وقال نتنياهو: «نحن نتوقّع أيضاً أن تبقى الولايات المتحدة مُخلصة للمبدأ الذي قرّرته على مدى سنوات طويلة في أن النزاع الاسرائيلي ـ الفلسطيني لا يُمكن حلّه إلا بالمفاوضات المُباشرة وبلا شروط مُسبقة، وليس بقرار من الأمم المتحدة ومؤسسات دولية أخرى».
وبحسب «معاريف»، فإن محافل سياسية إسرائيلية رفيعة المستوى تخشى من أن يُبادر أوباما إلى خطوة في مجلس الأمن أو يدعم مشروعاً تتقدّم به دولة أخرى في موضوع مثل الحدود، شجب المستوطنات أو اللاجئين. سيناريو آخر يؤخذ في الحسبان هو خطاب دراماتيكي من أوباما يُعنى بتلك المواضيع. وقالت محافل أميركية رفيعة المستوى مؤخراً إنه لم يتّخذ بعد القرار في هذا الموضوع.