حسن زين الدين:

كبُر روبرتو باجيو. غزا الشيب شعره. ها هو السبت الماضي يحتفل بعيده الخمسين، لكنه لا يزال ذاك الشاب في ذاكرة المتابعين. باجيو هو من فئة اللاعبين الذين تعشقهم الذاكرة ويبقون خالدين. من فئة السحرة القلائل الذين تشهد على إبداعاتهم الملاعب.

هو ذاك النجم الكبير الذي قدّمته إيطاليا ذات حقبة من مجدها الكروي. هو العازف الإيطالي على نوتة التألق الخيالية في بلاد اشتهرت بلاعبيها الأشداء وكرة “الكاتيناتشو” الدفاعية القاسية. لكن باجيو خرج عن المألوف وجسّد السحر الكروي ذا النفحة الأميركية الجنوبية كما لم يفعل غيره في إيطاليا من خلال فنياته ومهاراته الفائقة. كان باجيو يمر بالكرة مرور السحاب بين المدافعين. كانت الكرة بين قدميه متعة للناظرين.
كيف يمكن أن يستوعب عقل أن باجيو تعرض في التاسعة عشرة من عمره في بداية مسيرته لإصابة الرباط الصليبي وصنع كل الذي صنعه ولعب لكبار إيطاليا، يوفنتوس وميلان وإنتر ميلانو، وقاد “الآتزوري” في ثلاث بطولات كأس العالم وأوصله تحديداً إلى نهائي مونديال 1994 في الولايات المتحدة يوم سدد كرته الشهيرة، التي دخلت سجلات البطولة، قبالة حارس البرازيل كلاوديو تافاريل في سماء باسادينيا في ولاية كاليفورنيا بعدما قدّم بطولة رائعة واستحق في نهايتها لقب “الساحر الخاسر”؟
ترى، ماذا لو لم يتعرض باجيو لتلك الإصابة “القاتلة” للاعبي الكرة، فما الذي كان سيفعله في مسيرته؟ لكن رغم ذلك، فإن هذا الساحر الإيطالي روى عطشنا جميعاً لفنون الكرة، إذ لا يمكن أن تكون محباً للكرة من دون أن تحب باجيو وأولئك السحرة على شاكلته. ما يزيد من موهبة باجيو أن فترة لعبه كانت في التسعينيات أي في حقبة عجّت بالنجوم الكبار، لكن باجيو كان علامة فارقة بينهم وتحديداً بعدما ابتعد الأسطورة الأرجنتيني دييغو مارادونا عن الملاعب قبل اعتزاله لاحقاً.
ولعل موهبة باجيو تتجلى أكثر في تألقه في الكبر قبل ختامه مسيرته بعد تخطيه الـ 35 عاماً عندما ارتدى قميص بريشيا وأثبت أن السحر لا يشيخ، فأذهل الجميع بأهدافه الرائعة رغم أن التعب كان قد نال منه والإصابات قد أرهقته.
يكفي لوصف مدى حجم هذه الموهبة أن المدرب الإيطالي الشهير أريغو ساكي قال عنه: “باجيو هو مارادونا إيطاليا”، أما مارادونا نفسه فقال عنه ذات مرة: “باجيو هو أكثر من قارب مستواي”، وفي أخرى عندما قرر الاعتزال: “باجيو أرجوك لا تعتزل ولا تكرر خطئي، أنت عطر الكرة الإيطالية والأفضل في السنين الماضية”… هذا العطر الذي لا تزال رائحته فائحة.