بيّن تقرير إسرائيلي يتصل بالاستيطان، أن الاحتلال لا يعمق سيطرته على أراضي الضفة الغربية المحتلة عن طريق مخططات البناء الاستيطاني المعلنة التي تلقى إدانات دولية، فحسب، وإنما يستخدم أساليب أخرى بعيدة عن الأضواء وعن الإدانات الدولية تحت مسميات ‘إقامة مناطق صناعية’.

ويتضح أن أذرع الاحتلال تقوم بتحويل مناطق شاسعة إلى مناطق صناعية بعيدا عن الأضواء وعن الرقابة الدولية، رغم أن غالبية هذه المساحات غير مستغلة. كما يتضح أنه من المخطط لهذه المساحات أن تتحول مستقبلا إلى مركز جذب المزيد من المستوطنين إليها بحيث لا يضطروا للسفر إلى مركز البلاد بحثا عن أماكن عمل.

وضمن هذه المناطق، تمتد المنطقة الصناعية ‘شيلاه’، القريبة من المستوطنة، مستوطنة ‘شيلاه’، في مركز الضفة الغربية المحتلة على مساحة تصل إلى 500 دونم. ولكن، على أرض الواقع، فإنه يوجد في هذه المنطقة بضعة مصانع صغيرة تحتل مساحة تصل إلى 28 دونما، أي ما يقارب 5% من مجمل المساحة، ويعمل فيها 36 عاملا، في حين أن باقي المساحة هي منطقة مفتوحة وخالية. وقد وضع على جزء منها بضعة بيوت متنقلة (كرافانات) أعدت لاستيعاب المستوطنين الذين تم إخلاؤهم من البؤرة الاستيطانية ‘عمونا’، ولكنهم رفضوا الانتقال إلى هناك، وظلت هذه البيوت فارغة.

وتنضاف هذه المنطقة الصناعية إلى 13 منطقة أخرى أقامها الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة. وضمن هذه المناطق هناك مساحات واسعة تزيد عن المساحات المستغلة كأماكن عمل. ورغم ذلك فإن الاحتلال يواصل إقامة مناطق صناعية أخرى في الضفة الغربية، بما ينطوي ذلك على الاستيلاء على مساحات أخرى من الأرض.

وأفاد تقرير نشرته صحيفة ‘هآرتس’ اليوم، الإثنين، أنه خلافا لإقامة الوحدات السكنية في المناطق ج، ‘C’، من الضفة، فإن إقامة وحدات تجارية لمناطق صناعية لا تلفت الأنظار الدولية ولا تستدعي توجيه انتقادات لسياسة الاستيطان المتواصل.

ويتضح أن المصادقة على إقامة مراكز صناعية لم تستدع ردود فعل دولية، حتى خلال ولاية الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما. كما يتضح أن المناطق الصناعية التي يجري الدفع بها عبر القنوات البيروقراطية، والتي تصل مساحتها إلى آلاف الدونمات، تتيح للاحتلال السيطرة على مناطق خارج الكتل الاستيطانية لم تتم المصادقة على إقامة مبان سكنية فيها. وعندما عرضت إمكانية توطين مستوطني ‘عمونا’ في منطقة من هذا النوع، فقد تحدثت جهات في هيئات التخطيط أنه يمكن إقامة مبان سكنية سريعة في المناطق الخالية، والتي سبق وأن أعدت لتكون مناطق صناعية.

وفي هذا السياق يقول الناشط في منظمة ‘كيرم نفوت’، درور أتيكس، وهي منظمة تبحث في سياسة إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، إنه ‘يمكن رؤية ذلك بشكل واضح في المنطقة الصناعة في غوش عتسيون، حيث يوجد مساحات لم يبن فيها أي شيء، ولكن الدولة تسارع إلى بناء توسيعات بالقرب منها ستبقى لسنوات خالية’.

ويشير التقرير إلى أنه من بين 200 دونم خصصت لإقامة ‘المنطقة الصناعية عتسيون’ لم يتم استخدام سوى 60 دونما منها. وهذه الحقيقة لم تمنع مؤسسات التخطيط في دولة الاحتلال من المصادقة في السنة الماضية على زيادة هذه المساحة بـ17 دونما أخرى. ويدعي المجلس الإقليمي الاستيطاني ‘غوش عتسيون’ أن هناك طلبا على مساحات أراض في هذه المنطقة.

إلى ذلك، وعلى بعد عشرات الأمتار من شارع 443، شرقي جار الفصل، وقرب مستوطنة ‘مكابيم’، من المقرر أن تتم إقامة منطقة صناعية جديدة في الفترة القريبة. ومن الناحية الرسمية فإنها ستسمى ‘منطقة مكابيم الصناعية’ ولكن الإدارة المدنية تطلق عليها الآن ‘منطقة خربثا الصناعية’، بسبب قربها من قرية خربثا الفلسطينية.

وتبين أنه سيتم تخصيص 310 دونمات من أراضي المنطقة لإقامة هذه المنطقة الصناعية الجديدة. وفي هذا السياق يقول مهندس المجلس الإقليمي ‘بنيامين’، شارون ليفي، إنه يجري الدفع بهذه الخطة منذ 15 – 20 عاما، قبل المصادقة النهائية على إقامة المنطقة. ومن المتوقع أن تتم إقامة 3 مناطق صناعية جديدة أخرى، مثل ‘منطقة خربثا’، يجري الدفع بها في الشهور الأخيرة، إحداها في شمال الضفة الغربية.

وإلى جانب هذه المناطق، فإن بحوزة المجلس الإقليمي الاستيطاني ‘جنوب جبل الخليل’ تعهدا من ‘الإدارة المدنية’ بالدفع بمخطط لإقامة منطقتين صناعيتين، الأولى في مستوطنة ‘طيني عومريم’، والثانية في ترقوميا. وبحسب المجلس الإقليمي الاستيطاني فإن إقامة المنطقة الصناعية في ترقوميا ليست مرتبطة بتعهدات المستوى السياسي بشأن الدفع بمخطط إقامة منطقة صناعية أخرى للفلسطينيين في المنطقة.

وفي سياق الحديث عن جنوب جبال الخليل، فإنه، بحسب وزارة الاقتصاد، هناك معطى يتصل بالمناطق الصناعية الاستيطانية القائمة في المنطقة، حيث أنه في مستوطنة ‘كريات أربع’، شرق ترقوميا، تمتد منطقة صناعية تصل مساحتها إلى 200 دونم، لم يستغل منها سوى 27%. كما أن هناك مساحة غير مستغلة بجوار المنطقة الصناعية ‘طيني عومريم’ التي ستتم إقامتها. وبحسب وزارة الاقتصاد فإن 66% من مساحة تصل إلى 220 دونما خالية.

ويشير التقرير أيضا إلى أن اختيار المواقع من شأنه أن يثير علامات تساؤل واستغراب أيضا، حيث أن الضفة الغربية تتحول إلى منطقة مهمة جدا من ناحية القدرة الإنتاجية في الاقتصاد الإسرائيلي، إذ أنه من بين 91 منطقة صناعية تدعمها وزارة الاقتصاد هناك أكثر من 15% منها تقع في الضفة الغربية المحتلة.

وبحسب التقرير، فإن المستوطنين يدعون أن إقامة مثل هذه المناطق الصناعية من شأنه أن يدفع بما يسمى ‘السلام الاقتصادي’، بزعم أن هذه المناطق توفر أماكن عمل للفلسطينيين ولليهود. ولكن رئيس المجلس الإقليمي الاستيطاني ‘جنوب جبل الخليل’، يوحاي دمري، يقول إن هذه المناطق تسهم اقتصاديا في المشروع الاستيطاني.

من جهته يؤكد نائب الوزير بن دهان، بدوره، لصحيفة ‘هآرتس’، على المساهمة الاقتصادية للمناطق الصناعية في الاستيطان إلى جانب المساهمة السياسية، فيقول إن الهدف الحقيقي هو خلق أماكن عمل لجذب مستوطنين إلى المنطقة كي تتطور المنطقة دون أن يضطر المستوطنون إلى السفر إلى مركز البلاد.

وتشير معطيات وزارة الاقتصاد إلى أنه إلى جانب المناطق الصناعية الخالية، هناك مناطق تتحقق فيها وجهة نظر بن دهان، مثل المنطقة الصناعية ‘ميشور أدوميم’ التي تمتد مساحة تزيد عن 1600 دونم، ويعمل فيها أكثر من 1300 عامل، علما أنها تضم 500 من الدونمات الخالية. في حين أن المنطقة الصناعية ‘بركان’ مستغلة بنسبة عالية حيث أن 14 دونما فقط خالية من بين 728 دونما. ويجري استغلال مساحة 203 دونما في المنطقة الصناعية في ‘شاحاك – شاكيد’.