كلما اتصلت بها خلال ساعات النهار يُقال لي إنها نائمة، ومساءً أراها تشكو وبعصبية شديدة بأنه لم يغمض لها جفن ليلاً، وبأنها كلّ ليلة على هذا المنوال، وبأنها تعاني فعلياً من هذا الأمر. هي مصابة بالأرق، ما يُشعرها بتعب شديد وتوتّر دائم، كما بدأت تظهر عليها علامات التقدّم بالسن مع أنها لا تزال في عمر الصبا.الأرق هو اضطراب في النوم، صعوبة في الغفو أو الإنزعاج أثناء النوم والإستيقاظ لمرات عدّة خلال الليل، ما ينعكس سوءاً على الصحة النفسية والجسدية والعلائقية للفرد.

في حالات الأرق، لا يتوصّل الجسم إلى حالة الراحة من تعب اليوم السابق، وبالتالي يفتقد الحيوية والإشراقة للبدء بنهار جديد، وقد سلبه الأرق وقلة النوم الفرح والنشاط. هذا الشخص يترك فراشه صباحاً، متعباً مرهقاً، فاقداً للإيجابية والهدوء، ويواجه الآخرين في المنزل والعمل بوجه شاحب عابس، وبعصبية وعدوانية غير مبرّرتين.

أسباب الأرق

نشكو من اضطرابات النوم لكننا لا نعرف مسبّباتها المتعدّدة، الجسدية والنفسية.

جسدياً، يتسبّب الألم جراء الخضوع لعملية جراحية، أو الإصابة بعارض صحي بصعوبة في الخلود للنوم السليم، إلّا أنّ تلك أسباباً عابرة تنتهي مع تحسن الصحة والشفاء. وقد نساهم نحن أنفسنا في عدم القدرة على الغفو من خلال تناولنا للمواد المنبّهة مثل الشاي والقهوة بالإضافة إلى السجائر والأرجيلة. كما تتسبّب شروط الراحة في المكان الذي ننام فيه بنوم عميق مريح أو على العكس، بأرق وتعب ومعاناة.

فلا نستطيع أن ننام بشكل متواصل على سرير يبلغ صوته لدى تحرّكنا فيه آذان الجيران، أو فرشة تسبّب لنا الآلام لعدم توفّر شروط الراحة فيها. كما أنّ درجة الحرارة المرتفعة أو المنخفضة جداً، تمنعنا من الغرق بنوم جيد. وفي فترات السفر، تمنعنا ساعة جسمنا البيولوجية من النوم بحسب توقيت البلد الجديد، وقد تعوّدنا لفترة طويلة على ساعة نوم مختلفة.

أما نفسياً، فيرتبط الأرق بأعراض الخوف والقلق، بسبب الإصابة باضطرابات نفسية، كنوبات الهلع الشديد التي نصاب بها عند التمادي في التفكير بأمور تخيفنا وتقلقنا، ومنها الموت مثلاً. كما نُصاب بالأرق نتيجة الهموم والضغوطات الحياتية اليومية كالأعباء الإقتصادية أو القلق على صحة أحد المقرّبين، وقد يشكو من الأرق الواقع في الحب لشدة الشوق للمحبوب البعيد.

بين القلق والأرق

غالبا ما نخطئ في تسمية الأرق، فنقول إننا قلقون لا نستطيع النوم، إلّا أنّ الفرق شاسع بين الإثنين، مع وجود علاقة وثيقة بينهما. فالقلق هو توتّر الفرد بسبب شعوره بخطر يتهدّده، وقد يكون هذا الخطر حقيقة أو وهماً. من مسببات القلق، التجارب القاسية والسلبية للفرد، وأحداث قد تعود إلى مرحلة الطفولة.

وعلى رغم كون القلق ضرورياً للإنسان، كي يتمكن من حماية نفسه والإبتعاد من الخطر في حياته اليومية، إلّا أنه يصبح هو الخطر بعينه عندما يتخطّى الحدّ الطبيعي، فيمنع الفرد من ممارسة حياته بشكل طبيعي، خصوصاً عندما لا يكون مرتبطاً بواقع حقيقي، وهنا لا بدّ من العلاج النفسي. يؤثر القلق الشديد سلباً على الصحة النفسية والجسدية للفرد، وعلى تركيزه وقدرته على التعلّم والإنتاجية، وبناء العلاقات السليمة مع المحيطين.

كلما ارتفع مستوى القلق، زاد معه الأرق. ويظهر ذلك من خلال اضطراب النوم، ساعات غفو قصيرة، متقطعة، كوابيس، مترافقة مع ضيق في النفس ورغبة في ترك الفراش. فالإنسان القلق لا يتوقّف عن التفكير بأمور حياته السلبية أثناء الوقت المُخصّص للراحة الجسدية والنفسية.

علاج الأرق

بسبب الأضرار التي ترتد على الإنسان جراء الأرق، يصبح علاجه ضرورة قصوى لمَن يعاني منه. أما العلاج، فمرهون بالحالة التي يعاني منها كلّ بحسب وضعه الصحي، النفسي والحياتي. ومن المفضل اللجوء إلى المعالج النفسي للإستشارة وطلب العلاج، من خلال جلسات العلاج السلوكي المعرفي، الإسترخاء كما علاج مسبّبات القلق الذي يؤدي في معظم الأحيان إلى الأرق. وفي حال يحتاج الشخص الذي يعاني من الأرق لعلاج دوائي، يتم تحويله من قبل المعالج النفسي أو طبيب العائلة إلى طبيب نفسي ليصف له الدواء.

فوائد النوم

للنوم فوائد صحية، جسدية، نفسية وإجتماعية كثيرة، تغيب عن بال مَن يطيل ساعات السهر، إن بسبب الأرق أو للتسلية والمرح، أو حتّى لضرورات أخرى مثل العمل والسفر، فيضحّي بحصة النوم السليم لمصلحة أمور أخرى.

يساهم النوم في تمتعنا بصحة جيدة من خلال الحفاظ على العظام والعضلات، تجديد الخلايا والأنسجة في الجسم، المحافظة على صحة القلب، كما يخفف من ظهور أعراض التقدّم في العمر، ويضعف نموّ الخلايا السرطانية. يساعد النوم أيضاً على تنظيم الشهية وفقدان الوزن، والتخلص من الدهون الزائدة.

يغذي النوم السليم الجسم بالنشاط والإشراق، ويرفع مخزون الطاقة، ما يظهر من خلال الإنفتاح الإجتماعي والعلاقات الإيجابية مع المحيط. وينظّم النوم الجيد عمل الجهاز العصبي، كما ينشّط الذاكرة، وينمّي القدرة على التركيز وبالتالي يضاعف القدرات التعلّمية. يحسّن النوم الكافي، الجيّد، نوعية المزاج ويحدّ من الإحباط الذي يساهم به النوم السيّئ المتقطع.

بعض النصائح للنوم السليم

يُنصح بمعدل ما بين 7 و8 ساعات نوم يومياً، ما يرتبط بشكل مباشر بفترة اليقظة من خلال نوعية النشاط والتفاعل مع الغير والإنتاجية والقدرة على التحمّل. كما أنّ النوم أثناء ساعات الليل هو الأكثر إفادة، أي بين الحادية عشرة ليلاً والسابعة صباحاً.

كما يُنصح بـ:

• الإبتعاد من المنبّهات، الشاي والقهوة والتدخين في فترة بعد الظهر.

• الإستحمام قبل النوم، ما يساهم في الإسترخاء والهدوء.

• تأمين جوّ مناسب للنوم، سرير مريح، حرارة معتدلة في الغرفة، الهدوء، والتخفيف من الضوء والضوضاء.

• تناول وجبة طعام خفيفة قبل النوم بساعتين أو ثلاث، مع عدم تجويع الجسم لأنّ الجوع يسبّب الأرق.

• الإبتعاد عن التوتر والقلق من خلال عدم التركيز على الأمور السلبية والمزعجة.

• تجنّب القيام بالرياضة بكثافة قبل النوم، مع النصح بممارسة النشاطات الرياضية خلال النهار.

• الإبتعاد عن مشاهدة التلفزيون ووسائل التواصل الإجتماعي خلال التحضير للنوم، ووضع الهاتف في مكان بعيد من متناول يدنا.

• الإبتعاد من السمنة التي تسبّب حدوث توقف في النفس.

• تجنّب النوم خارج ساعات الليل، خصوصاً النوم خلال النهار.

• اللجوء إلى السرير للنوم فقط، عدم مشاهدة التلفزيون، القراءة وتناول الطعام في السرير في حال الصعوبة في دخول مرحلة الغفو.

نمرّ جميعاً بمراحل دقيقة في حياتنا، من ضغوطات إقتصادية، عاطفية، إجتماعية وغيرها، إلّا أنه لا بد من طلب المساعدة في حال المعاناة من القلق والأرق، تجنّباً للأضرار التي تنتج عنهما. ويطيل النوم الأعمار، ويمدنا بالصحة الجيدة، كما يزيد مستوى النشاط والحيوية والإيجابية، أي يفتح لنا أبواب النجاح.