علي حيدر:

كشفت المحادثات الأميركية ــ الإسرائيلية حول التوسع الاستيطاني في الضفة المحتلة، وما تمخض عنها من نتائج، أن الآمال الاستيطانية لدى اليمين الإسرائيلي بعد وصول الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى البيت الأبيض، لم تبلغ السقف الذي كانوا يطمحون إليه، خاصة بعدما أعلنوا بناء آلاف الوحدات الاستيطانية بعد فوزه بمنصب الرئاسة.

لكن مواقف إدارة ترامب وأداءها في هذا الملف تميزت عن مواقف إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما ونتائجها. خاصة أن الخلاف يتمحور حول المدى المسموح لإسرائيل في التوسع الاستيطاني الذي تطالب به حكومة بنيامين نتنياهو، وهو أن يشمل ما مساحته نحو 10% من مساحة الضفة. فيما تحاول واشنطن الحفاظ على سقف يسمح لها بهامش مناورة تحافظ به على إمكانية نظرية للتسوية على المسار الفلسطيني.
وتبلور هذا المفهوم بطريقة صياغة المبادئ العامة التي تضمنها بيان البيت الأبيض في التعبير عما تمخضت عنه المباحثات الأميركية ــ الإسرائيلية، وهدفت الصياغة إلى تجاوز بعض الخلافات التي تتصل بمدى النطاق الاستيطاني وباتساعه المسموح به أميركياً لإسرائيل. ووصف البيان الأميركي المحادثات مع المبعوثين الإسرائيليين بـ«الجدية والمجدية»، ولفت الناطق باسم البيت الأبيض، إلى أن مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، جيسون غرينبلات، أكد لرئيس الطاقم الإسرائيلي، يوآف هوروفيتس، قلق ترامب من التأثير السلبي للنشاطات الاستيطانية في الضفة، في احتمال التقدم في «مسيرة السلام».
في المقابل، عبر هوروفيتس بمفهوم عام، مؤكداً أن إسرائيل ستتبنى سياسة استيطانية تأخذ القلق الأميركي بالاعتبار. كذلك، أضاف الناطق الأميركي أن المحادثات تناولت أيضاً السبل الكفيلة بتحسين وضع الاقتصاد الفلسطيني في الضفة وبتوسيع إدخال المساعدات الإنسانية والاقتصادية إلى قطاع غزة.
ورغم الخلاف «الموضعي» الذي يبدو أنه لا يزال سائداً، حرص الطرفان، الأميركي والإسرائيلي، على بث جو إيجابي والامتناع عن تظهير الخلافات في الرأي، إذ رأى البيان الأميركي أن «إرسال الحكومتين وفدين رفيعي المستوى لإجراء محادثات لمدة نحو أسبوع كامل، يشير إلى التعاون بين الدولتين والأهمية التي يوليانها للقضية».
وتأتي هذه المباحثات المكثفة بين الطرفين حول التوسع الاستيطاني، التي استمرت أربعة أيام، في أعقاب زيارة نتنياهو لواشنطن، وزيارة غرينبلات لفلسطين المحتلة، وكذلك بعد توجه هوروفيتش، مع المستشار السياسي لرئيس الحكومة، يوناثان شختر، في مطلع الأسبوع إلى واشنطن، لإجراء محادثات تهدف للتوصل إلى تفاهمات بشأن البناء الاستيطاني. كذلك شارك في المحادثات السفير الإسرائيلي لدى واشنطن، رون ديرمر.

في ضوء هذه النتائج، نقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت»، عن مصدر سياسي إسرائيلي، قوله إنه «تبين أن غرينبلات هو توأم أوباما، وأنه طلب معرفة مدى استعدادات إسرائيل لتجميد البناء، وقد تحدث مطولاً عن معاناة الفلسطينيين».
من جهة أخرى، عكست عدد من التقارير الإعلامية الإسرائيلية حالة القلق التي عمت أحزاب الائتلاف الحكومي نتيجة تلويح نتنياهو بخيار الانتخابات المبكرة، وتحديداً الأحزاب الحريدية: «شاس» و«يهدوت هتوارة»، التي ترى في الحكومة الحالية، حكومة مثالية، لا لأنها حكومية يمينية، بل لقربها من توجهاتهم السياسية وتلبية مطالبهم المالية.
ووفق صحيفة «هآرتس»، أكثر من سيطر عليه الهلع، هو رئيس كتلة «كولانو»، وزير المال، موشيه كحلون، الأمر الذي دفع نتنياهو إلى مزيد من التشدد، وهو ما انعكس تراجعاً من كحلون عن موقفه من هيئة البث الجديدة التي شكلت محور الخلاف بين الطرفين. ولفتت «هآرتس» إلى أن مؤشرات تبلورت على أنه سيتم «تحطيم» هيئة البث عبر التصديق على مشروع قانون بمبادرة نتنياهو ويرمي إلى فرض رقابة أكبر على وسائل الإعلام.
في هذه الأجواء، نقلت الصحيفة أن كحلون بات مستعداً للموافقة على تأجيل إطلاق بث الهيئة لعدة أسابيع. وفي خلال هذه الفترة، سيُسَنّ مشروع القانون المذكور، ليزيل عائقاً أمام «تحطيم» هيئة البث. مع ذلك، تبقى قضية التحقيقات مصدر قلق نتنياهو، خاصة أنه حتى الآن لم يتبلور موقف نهائي لدى الشرطة حول ما إن كانت ستقدم لائحة اتهام، وهو ما سيؤدي إلى دينامية سياسية داخلية قد تطيحه هو ومستقبله السياسي والشخصي، ولو لاحقاً.