يرصد التقرير ويحلل أهم المستجدات والتطورات التي شهدتها الساحة الإسرائيلية خلال العام المنصرم، ويحاول استشراف وجهة التطورات في الفترة المقبلة، خاصة من جهة تأثيرها على القضية الفلسطينية وعلى ديناميكيتها.

يتناول التقرير المشهد الإسرائيلي في سبعة محاور أساسية هي: المحور الإسرائيلي -الفلسطيني، المحور السياسي الإسرائيلي الداخلي، محور العلاقات الخارجية، المحور الأمني – العسكري، المحور الاقتصادي، المحور الاجتماعي، وأخيرًا محور الفلسطينيين في إسرائيل. ويقدم للتقرير ملخص تنفيذي يجمل أهم المتغيرات الإستراتيجية التي تؤثر في إسرائيل وفي وجهتيها الداخلية والإقليمية، ويأمل من خلال ذلك الإضاءة على المشهد الإسرائيلي بعوامله الأساسية المؤثرة.

شارك في وضع التقرير وإعداده مجموعة من الباحثين المختصين والمتابعين للشأن الإسرائيلي. ونظرا لصدور التقرير هذا العام مع الذكرى المئوية لوعد بلفور ومرور سبعين عاما على التقسيم ونصف مئوية الاحتلال، فقد ارتأينا وضع مقدمة طويلة تأريخية وتحليلية ترصد الثابت والمتحول في المشروع الصهيوني بدايةً، وإسرائيل لاحقا، وتربط التغيرات التي تشهدها إسرائيل في السنوات الأخيرة بالتقاطع بين المقولات المؤسسة للفكرة الصهيونية من جهة، مقابل التغيرات الاجتماعية والسياسية والتاريخية وأثرها على وجهة إسرائيل.

ويشكل في هذا السياق صعود اليمين الجديد وتحكمه بالمشهد الاسرائيلي وبوجهته المستقبلية جزء من هذه التغيرات، ويعكس صعوده الذي أشرنا إليه في تقاريرنا السابقة وبإسهاب إلى حد بعيد التغيرات الاجتماعية – التاريخية التي مرت بها إسرائيل، من حيث تحولها التدريجي إلى مجتمع أكثر تديينا ومحافظة، ودخول الشرقيين إلى النخب بعد أن كانت أشكنازية خالصة وزيادة قوة المستوطنين في الخارطة السياسية بعد احتلال 1967. وشهدت إسرائيل أفول مستمر للنخب التقليدية للصهيونية المؤسسة بقيادة حزب مباي التي حكمت إسرائيل حتى صعود اليمين ‘التنقيحي’ للحكم عام 1977، والذي حمل صعوده في ظل تصعيد المشروع الاستيطاني وتديينه كما نوضح لاحقا بذور أفول حكم اليمين التنقيحي بصيغته الجابوتنسكية، والذي يعتبر في إسرائيل ممثلا لـ’اليمين العقلاني’، ويضم ما يسمى أمراء الليكود من أبناء مؤسسي اليمين التنقيحي الحاكم على غرار دان مريدور وبيني بيغن، ورئيس الدولة رؤوفين ريفلين[i]. مقابل أفول هذا اليمين، شهدت إسرائيل صعود مستمر لـ’اليمين الجديد’ الذي يتألف من الأحزاب الحريدية (المتشددة دينيًا)، والأحزاب المتدينة القومية، والمستوطنين، وأعضاء الكنيست المتطرفين في حزب الليكود، والجماعات القومية المتطرفة المنضوية ضمن حزب ‘إسرائيل بيتنا’، وحركات مثل ‘إم ترتسو’ وغيرها.[ii]

وتظهر متابعة صعود هذا اليمين مساعيه الدؤوبة للسيطرة على النخب وعلى مفاتيح مؤسسات الدولة المختلفة ووجهتها، وسط تشديده على يهودية الدولة مقابل ‘قيم الديموقراطية’ .

يتقاطع وجود هذا اليمين بأيديولوجيته المعادية للفلسطينيين خاصة وللمسلمين عامة، وتمجيد الهوية القومية للدولة اليهودية وسياسات القوة مع الأيديولوجية المشابهة العنصرية والمعادية للمسلمين والغرباء لليمين الأمريكي الجديد( الذي يسميه البعض البديل[iii]) الذي دعم صعود ترامب لسدة الحكم والذي يتميز أيضا بتمجيد القوة والابتعاد عن الكياسة الدبلوماسية ، و كذلك مع حركات اليمين المتطرف في أوروبا التي حلت فيها معاداة الإسلام مكان معاداة السامية التقليدية.

يؤثر هذا التقاطع الزماني بين اليمين الجديد في إسرائيل وأمريكا واليمين المتطرف في أوروبا على سياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين وعلى فرص إنهاء الاحتلال، ويفتح أمامها مساحات واسعة للالتفاف على أي محاولات للضغط عليها لإنهاء الاحتلال، ويعطيها فرصة للمناورة السياسية ولفرض وقائع على الأرض تحول إقامة دولة فلسطينية حقيقية إلى مهمة مستحيلة ، وتستخدم الحكومة الإسرائيلية كما يوضح فصل العلاقات الخارجية حالة الفوضى الدموية التي يسبح فيها العالم العربي والحرب الأهلية في سوريا والعراق، وصعود قوة الحركات المتطرفة التي تستخدم الدين في أيديولوجيتها من أجل الترويج إلى التهرب من إنهاء الاحتلال، ولتدعي أن المواجهة مع الفلسطينيين هي مواجهة ثقافية وحضارية بين العالم المتحضر والعالم الظلامي، وللادعاء كما صرح نتنياهو في أكثر من مناسبة أن القضية الفلسطينية ليست إلا حجة تستخدم لمواجهة إسرائيل، وهو ما يفسر الإسراع إلى اتهام ‘داعش’ بالعمليات التي قامت بها جهات فلسطينية عام 2016، واتهام يعقوب أبو القيعان دقائق بعد قتله أنه من داعش،  باعتبار أن إسرائيل وأوروبا وأمريكا في خندق واحد أمام قوة إرهابية واحدة. وعلى الرغم ن التقاطع في الرؤى بين إسرائيل بقيادة نتنياهو واليمين الجديد اليوم وبين ترامب واليمين الجديد في أمريكا، إلا أن هذا التقاطع يحمل بالذات  بذور ترسيخ صورة إسرائيل كدولة احتلال عنصرية تقف هي واليمين الفاشي والجديد العنصري في ذات المربع، وهو ما يقض مضاجع إسرائيل التي ترى بالعزل والمقاطعة أحد مخاطر نزع الشرعية عنها، علما أن إسرائيل تعتبر محاربة العزل والإقصاء أحد المركبات الأساسية في منظورها للأمن القومي! وينعكس حكم اليمين الجديد في إسرائيل بقيادة نتنياهو في ثلاثة محاور أساسية يسعى إلى ضبطها وفق مفاهيمها السياسية:

الموقف من الاحتلال/الاستيطان: شهد عام 2016 محاولات مستمرة من أجل ترسيخ مكانة المستوطنين والمستوطنات ضمن الإجماع الرسمي، وتعدت هذه المحاولات الأدوات التقليدية من حيث سيطرة الدولة ومنظومتها على أدوات قضم الأرض عبر المصادرة ووضع اليد بحجج مختلفة، إلى تبييض سرقة الأراضي على يد الأفراد بشكل رجعي، من خلال تمرير قانون التسوية، وهو ما يعني أن الدولة صارت تتقاسم ‘أدوات العنف’ والسيادة مع المستوطنين، وتحولت إلى أداة من أجل تبييض خروجهم عن القانون الذي سنته هي، في إشارة إلى حجم القوة التي يتمتع بها هؤلاء في تسيير وجهة الدولة. وعلى الرغم من الأثار الدولية التي ترتبت عن سن قانون التسوية والتي كانت أحد دوافع امتناع الولايات المتحدة عن استخدام حق النقض (الفيتو) ضد قرار 2334 الصادر عن مجلس الأمن، والمواقف الدولية الرافضه له، إلا أن فوز ترامب الذي حاول منع صدور القرار عبر الضغط على مصر لسحب مقترحها عاد وخفف حدة الضغط الدولي على إسرائيل. كما استغل اليمين الإسرائيلي فرصة صعود ترامب من أجل المطالبة مطالبة نتياهو التراجع نهائيا عن حل الدولتين الذي أعلن قبوله في ما صار يعرف خطاب بار إيلان، وضم مناطق ج، غير أن نتيناهو امتنع عن ذلك وتظهر تصريحاته أنه يسعى إلى إدارة ملف الاحتلال بالتنسيق الكامل مع إدارة ترامب بدل القيام بخطوات تفاجئه لتفادي أية أزمة ممكنة مع وإلقاء الكرة في الملعب الفلسطيني.

العلاقة مع الفلسطينيين في إسرائيل: استمرت حكومة نتنياهو عام 2016 بالتعامل مع الفلسطينيين في الداخل على أساس كونهم مصدر خطر سواء الأمني أو الديموغرافي، وانعكس الأمر في استمرار حظر الحركة الإسلامية الشمالية والتحريض ضد أعضاء الكنيست من القائمة المشتركة، بالإضافة إلى تمديد العمل بقوانين تستهدفهم كقانون لم الشمل واستمرار سن قوانين ذات طابع عنصري، بالإضافة إلى ذلك  شهد عام 2016 تصعيد هدم البيوت خاصة في النقب، التي شهدت محاولات هدم قرية أم الحيران كجزء من سياسات تهويد النقب وبهدف إقامة قرية ‘حيران’ المخططة كيهودية خالصة على أنقاض أم الحيران.

بنية الدولة والتوجه نحو إسرائيل يهودية أكثر وديموقراطية أقل: تعرف إسرائيل ذاتها أنها دولة يهودية وديموقراطية ويعتبر الحفاظ على التوازن بين المركب الديموقراطي واليهودي أحد الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها كما تقول، وقد أدى الصعود المستمر لليمين الجديد إلى تطور ثقافة شعبوية كما سنوضح لاحقا تسعى نحو ترسيخ البنية القومية اليهودية للدولة ومساعي للسيطرة على النخب التي تحولت من نخب أشكنازية علمانية عمالية إلى نخب استيطانية متدينة ويمينية وشرقية، تتصدر اليوم المشروع الصهيوني وتحاول حسم الصراع مع الفلسطينيين عبر مساعي ضم مناطق ج وحسم مستقبل هضبة الجولان، وإبقاء الواقع السياسي للسلطة باعتباره الحل النهائي.

في الجزء التالي سيتم التطرق بتوسع للعوامل الثابتة والمتحولة في المشروع الصهيوني في محاولة لاقتفاء البنى الأساسية والمقولات المؤسسة وتفحص التبدلات التي مرت بها منذ وعد بلفور وحتى حكومة نتنياهو الرابعة.

* إسرائيل بين المستعمرة والدولة: الثابت والمتحول بعد 100 عام لبلفور… 70 للتقسيم… و50 للاحتلال

تمرّ هذا العام ذكرى ثلاث مناسبات مرتبطة بالمشروع الصهيوني بداية وإسرائيل لاحقاً، قلبت كلّ واحدة منها تاريخ المنطقة رأساً على عقب، وأعادت تشكيل المشهد المحلي والإقليمي، حتّى امتدّت آثارها العميقة إلى النظام الدولي برمّته، وظلّت المنطقة تعيش ارتداداتها وتفاعلاتها المستمرة إلى اليوم. هذه المناسبات، التي يخفت صداها من سنة إلى أخرى، تمرّ هذا العام مع اكتمال عقد آخر في ذكراها مجتمعة، وهي: أولاً، الذكرى المئوية الأولى لوعد بلفور، ثانياً، ذكرى مرور سبعين عاماً على قرار تقسيم فلسطين، وثالثاً، مرور نصف قرن على الاحتلال الإسرائيلي لأراضي الضفة الغربية وقطاع غزة. تلك المحطّات التاريخيّة المفصليّة تعكس، إلى حد بعيد، التشابك البنيوي والإستراتيجي بين المحلي والإقليمي والدولي على صعيد الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وعمق الترابط والأثر بينها.

الأرض، الهجرة، السيادة اليهودية

شكّل وعد بلفور (وعد من لا يملك لمن لا يستحق) أول وثيقة دولية تؤسس لـ’حق يهودي لوطن قومي’ على أرض فلسطين، وهو الوعد الذي تم تبنّيه والالتزام به لاحقاً في مؤتمر سان ريمو عام 1922، وحُددت بموجبه فلسطين جزءاً من الانتداب البريطاني الذي أقرّته عصبة الأمم لاحقاً في 1922. شكّل وعد بلفور غطاءً ‘قانونيّاً’ لتحقيق المشروع الصهيوني على أرض فلسطين واعتمد على ثلاث أسس مركزية غير قابلة للاختزال والتبديل في الطريق لتحقيق إقامة دولة يهوديّة سياديّة:

– الهجرة اليهودية إلى فلسطين (سكان).
– تيسير السيطرة على الأرض (إقليم).
– إقامة مؤسسات يهودية (الييشوف) تكون نواة منظومة الدولة السيادية اليهودية الآتية (سيادة).

شكّلت هذه المركبات الثلاثة معاً العناصر الأساسية من أجل تحقيق المشروع الصهيوني على أرض فلسطين، حيث سمحت الهجرة بالتأسيس لواقع ديموغرافي جديد، أما الارض فأعطت الحيز لتأسيس المستعمرة اليهودية، فيما أتاحت إقامة مؤسسات يهودية خاصة تأسيس بنية الدولة الآتية، والتي شملت بالإضافة للأجهزة السياسية والأيديولوجية (أجهزة التعليم والمسرح والصحافة) جهاز العنف الذي يضم البنية العسكرية والاستخباراتية، تلك البنية التي استخدمت لاحقاً لطرد الفلسطيينيين من بلادهم، وإتاحة الفرصة لتحقيق واقع ديموغرافي- سيادي جديد مبني على مبدأ أغلبية يهودية سيادية حاسمة، وهو ما يشكل الثابت الدائم للمشروع الصهيوني منذ بداياته إلى اليوم.

وفي حين وضع وعد بلفور الأساس الدولي الأول لإقامة كيان قومي يهودي في فلسطين، ووفّر غطاء دوليّاً لاستعمارها؛ فإن قرار التقسيم جاء ليعطي غطاء دولياً لتحويل المستعمرة الصهيونية إلى كيان سياسي قومي لدولة يهودية واضحة الحدود في فلسطين، تضم 45% من مساحة البلاد التي كان أكثر من ثلثيها عرباً. وسرعان ما انتهى تطبيق القرار على أرض الواقع إلى نكبة الشعب الفلسطيني، وطرد ما يزيد عن 90% منه من المساحة التي أقيمت عليها الدولة اليهودية، والتي وصلت إلى 78% من أرض فلسطين، خلافاً لقرار التقسيم ذاته. لم يكن الطرد والتهجير في حينها حدثاً عابراً في لحظة الانتقال من المستعمرة إلى ‘الدولة’، فقد شكّلت مؤسسات ‘الييشوف’ اليهودي جزءاً من منظومة ‘العنف المؤسس'[iv] السابق لتحقيق الدولة اليهودية ذات الأكثرية اليهودية السيادية من جهة؛[v] فيما شكلت منظومة الحكم والقوانين التي سنت بعد إعلان استقلال الدولة، خاصة قانون ‘العودة’ ومنع عودة اللاجئين ووضع فلسطينيي الداخل تحت الحكم العسكري، أدوات للمحافظة على البنية التي تأسست عام 1948 للدولة اليهودية السيادية من جهة أخرى.

وبعد انقضاء 20 عاماً على قرار التقسيم وما أعقبه من نكبة فلسطين وإقامة ‘الدولة اليهودية’، جاءت حرب عام 1967 مع دول الإقليم المجاورة لتثبّت إسرائيل قوة أساسية في المنطقة، وتسهم بشكل متناقض في تحويلها التدريجي من حالة ‘المستعمرة’ إلى ‘الدولة المحتلة’ من جهة؛ وفي تعميّق البعد الإقليمي العربي والإسلامي للصراع من جهة أخرى، فقد انتقل الصراع بعد النكسة، تدريجيّاً، من مسألة تحرير فلسطين وإعادة الحقوق الفلسطينية إلى المطالبة بانسحاب إسرائيل من الأرض الفلسطينية والعربية التي احتلت عام 1967، وصولاً إلى مشروع إقامة الدولة المستقلة ضمن حدود أراضي 1967. في المقابل، تحوّل الاحتلال إلى عامل أساسي في إعادة تشكيل الخارطة السياسية الإسرائيلية، وترك آثاراً بنيوية على الهوية الداخلية للمجتمع الإسرائيلي، من خلال تقوية البعد المسياني التوراتي للصراع. لا بدّ هنا من الإشارة إلى أن بذور تديين الصراع ترتبط جوهريّاً باستخدام الصهيونية بشكل عام للموروث الديني للتأسيس لحق يهودي في فلسطين، وبشكل خاص بالدور المحوري الذي لعبه دافيد بن غوريون من بداية الخمسينيات في تحويل الموروث التوراتي إلى جزء من الهوية القومية للدولة، في ما يسمى بـ’الدين المدني’ للدولة، والذي يستدمج الدين وطقوسه وأعياده في الهوية العلمانية القومية للنظام السياسي[D1] . ونشير في هذا السياق إلى تصريح بن غوريون بعد احتلال أجزاء واسعة من سيناء: ‘اليوم قامت المملكة الثالثة’،[vi] معتبرًا سيناء جزءاً من مملكة إسرائيل العتيقة.[vii] وهو ما شكل الصيغة العلمانية المسبقة لخطاب أرض إسرائيل المسياني الذي رفعه اليمين الديني الاستيطاني بعد النكسة.

احتلت إسرائيل عام 1967 مساحة تفوق مساحتها بثلاثة أضعاف، وأطلقت إثر ذلك مشروعاً استيطانيّاً إستراتيجيّاً لإعادة ترسيم الخارطة الجيو-ديموغرافية. لم يقتصر استيطانها على الأراضي الفلسطينية؛ بل شمل أيضاً بناء المستوطنات في شبه جزيرة سيناء، والتي فككتها لاحقاً بعد اتفاقية كامب ديفيد، بعد أن ضمنت من خلالها تحييد مصر عن الصراع العربي الإسرائيلي. أطلقت إسرائيل أيضاً الاستيطان في هضبة الجولان السورية تمهيداً لضمّها، وعزّزت ذلك عبر سنّ ‘قانون الجولان’ عام 1981، والذي تمّ بموجبه فرض القانون والقضاء الإسرائيلي عليها، كما  ضمّت قبل ذلك القدس الشرقية لحدود بلدية القدس الإدارية،[viii] ثمّ سنّت عام 1980[ix] قانون أساس ‘القدس عاصمة إسرائيل’، مما عمق البعد الإسلامي للصراع نظراً لقدسية المدينة، فيما أبقت أراضي الضفة والقطاع تحت الإدارة العسكرية. غير أنّ الناظم الموجِّه لإدارة العلاقة مع الأرض المحتلّة بعد 1967، كان ذاته الناظم المحرّك للمشروع الصهيوني منذ بداياته: بناء المستعمرات السيادية اليهودية على الأرض، لكن بوصفها امتداداً للدولة هذه المرّة وليس جزءاً سابقاً لقيامها. هذا الأمر ضمن تحولاً في البنى الاجتماعية الإسرائيلية السياسية، إذ حلّ الطليعي اليميني المسياني الاستيطاني محلّ الطليعي العمالي العلماني الأشكنازي، الذي رفع مشروع ‘الييشوف’ وقاد الدولة في عقدها الأول والثاني، وذلك في ظل تشابه السياق الديموغرافي على الأرض المحتلة مع الواقع الديموغرافي فترة اليشوف: وجود أغلبية ساحقة فلسطينية في المكان المحتل. ذلك ما اضطر الدولة إلى أن تجترح أدوات سيطرة إدارية مميزة تستجيب لفكرة المستوطنة، لكنها لا تحوّل إسرائيل إلى دولة ثنائية القومية، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن أكثرية يهودية هي أحد الشروط الصهيونية الثابته لتحقيق مشروعها القومي.

السكان المحتلون في الارض غير المحتلة!

تبلورت العلاقة الإسرائيلية مع الأراضي الفلسطينية وتشكلت في مستويات قانونية وسياسية ومدنية مركبة، اعتمدت أساساً لها التمييز العملي والقانوني بين الأرض والسكان، إذ اعتبرت الأرض غير محتلة بل ‘متنازع عليها’، واعتبر السكان محتلين وأعطوا مكانة رعايا باغلبيتهم الساحقة في ما عدا سكان القدس والجولان ممن أعطوا مكانة متوسطة بين الرعية والمواطن هي مكانة المقيم الدائم.

استقى هذا التمييز مبرراته من الأسس الاستعمارية للمشروع الصهيوني الذي شكلت فيه السيطرة على الأرض العنصر الثابت، فيما اعتبر السكان مشكلة يجب التعامل معها[x].

اعتمد الادعاء القانوني الإسرائيلي على أن أراضي الضفة والقطاع التي احتلت ليست محتلة على الادعاء أنها ورغم سيطرتها على تلك المناطق من خلال الحرب؛[xi] إلا أنها انتزعتها من سيادة هي أصلاً غير شرعية، فقد ادّعت، مثلاً، أن السيادة الأردنية على أراضي الضفة والقدس الشرقية غير شرعية، مشيرة إلى أن ضمّ هذه الأراضي لسيادتها لم يتم الاعتراف به سوى من قبل دولتين، هما باكستان وبريطانيا. بالاعتماد على ادعائها هذا، وأمام إشكالية تطبيق المواثيق الدولية المتعلقة بالأراضي المحتلة، خاصة اتفاقية جنيف الرابعة، صكت إسرائيل مفهوما جديدا للتعامل مع الأرض المحتلةّ: ‘التطبيق الإراديّ’ للمواثيق والافاقيات الدولية، وهو ما يعني تطبيق المواثيق الدولية المتعلقة بالمناطق المحتلة دون الاعتراف بأنها محتلة! ومع أهمية التفسير القانوني الذي رفعته إسرائيل، إلا أن التمييز بين الأرض والسكان واعتبار  الأرض غير محتلة بالمرجعيات الأيديولوجية وبمنظور الأحزاب المرتبط بمفهوم الأمن القومي لأكثر، تعكس هذه القضية التحولات البراديجماتية والانزياحات الأيديولوجية التي أفرزها الاحتلال على المستوى الداخلي.

الانزياحات الأيديولوجية:

١. الليكود: اعتمد موقف اليمين الليبرالي المحسوب على الليكود بشكل خاص[xii] في موقفه الرافض لاعتبار الأرض الفلسطينية محتلة على ‘السرعية الدولية’ وليس على الموروث الديني الذي تبناه اليمين الاستيطاني القومي. بحسب المنظور الليكودي الكلاسيكي يشكل وعد بلفور أولاً، وقرار وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني في اتفاقيات سان ريمو لاحقا، ثم وضع بنود واضحة في صك الانتداب لتوفير ظروف لإقامة الوطن القومي لليهود في فلسطين دون ذكر لحقوق الشعب الفلسطيني مرجعية قانونية دولية لموقفه.[xiii] لكن هذا لموقف التنقيحي بدأ يتغير باتجاه الموقف المسياني الديني مع تبدل نخب اليمين الليبرالي أو ما يسمى بأمراء الليكود وصعود اليمين الجديد .

٢. الصهيونية الدينية: لم يكن كما يشير باحثين كثيرين التيار الصهيوني الديني دائما تيارا يمينا، بل تحول إلى ذلك في مقابل التحول في نخب الليكود من اليمين الليبرالي لليمين الجديد وبأثر مباشر لنتائج حرب 1967. [xiv]حيث اعتبار الانتصار في الحرب بمثابة معجزة إلهية، أعادت اليهود إلى الأرض التوراتية وحولت تيار الراب كوك الأب الروحي لليمين الاستيطاني إلى التيار المركزي في الصهيونية الدينية، بعد أن كان تيارا هامشيا عشية الاحتلال، وهو مختلف عن التيار المركزي للمفدال الذي قاده يوسف بورغ.

٣. حزب مباي – العمل : اشتق موقف حزب العمل من الأراضي الفلسطينية من اعتبارات إستراتيجية-أمنية وديموغرافية كما انعكست الأولى بخطة ألون التي اقترحت الأماكن التي يجب ضمها، وتلك التي يجب الانسحاب منها في اتفاق مستقبلي. لم يكن حزب العمل الذي تم الاحتلال فترة حكمه يرفع قضية السلام مع الفلسطينيين ولم يكن يحسب لهم أي حساب، وكان يرفض وجودهم، واستمر على هذا المنوال حتى اتفاقية كامب ديفيد، حيث بدأ تحول تدريجي في موقفه وصولا إلى اتفاقية أوسلو التي أدت إلى انسحاب إسرائيل من أجزاء من الضفة فيها كثافة سكانية وإقامة السلطة الوطنية، وصار يعتبر في الخطاب الإسرائيلي الداخلي بوصفه حزبا ‘يساريا’ إلى حد ما.

مع مرور الوقت وخاصة بعد اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987 والتي تمر ذكراها الثلاثين أيضا هذا العام، وبروز الفلسطيني كقضية أمنية تحول النقاش حول مستقبل الأراضي المحتلة وسياسات إسرائيل تجاهها إلى منتج أساسي للصراع السياسي الإسرائيلي الداخلي المحتدم من جهة، وعاملا مؤثرا في علاقات إسرائيل الخارجية ومكانتها الدولية من جهة، وصل نقطة حاسمة في اتفاقيات أوسلو، وما أعقبه من تصدعات سياسية حادة انتهت باغتيال إسحق رابين وصعود ثابت ومتواتر لليمين الجديد والاستيطاني وسيطرته منذ ذلك الوقت، في ما عدا فترة سنتين ونصف حكم فيها إيهود براك وانتهت بإطلاقه رصاصة قاتلة على العملية السياسية وبانفجار ميداني تخلله ادعاؤه أن لا شريك فلسطينيا لينتقل الحكم إلى اليمين بعدها بشكل متواصل حيث صارت الساحة الإسرائيلية السياسية تتواتر بين حكم يمين جديد برئاسة نتنياهو ويمين تنقيحي ورسمي مثلته حكومة أرئيل شارون حين أقام كاديما ثم حكومة إيهود أولمرت لتعود وتستقر منذ 2009 على حكم اليمين الجديد برئاسة نتنياهو، الذي يترأس اليوم حكومته الرابعة [xv]!

يتميز المشهد السياسي اليميني الذي يهيمن على مؤسسات الدولة اليوم بتشرب الخطاب التوراتي-المسياني، ولا يقتصر الأمر على تبني هذا الخطاب من الحركات الدينية، كالبيت اليهودي، بل بين حركات كالليكود و’كولانو’ وإلى حد ما ‘يوجد مستقبل’ وإ’سرائيل بيتنا’ ممن يتبنون ثيولوجيا سياسية دينة معلمنة، كان طورها عمليا بن غوريون وتتقاطع سياسيا في الاعتقاد بأن أراضي الضفة الغربية وشرقي القدس بالأساس هي جزء من أرض إسرائيل ومن وطنه التاريخي القومي، وأن أي تنازل عن أجزاء منها هو ‘ثمن باهظ’ للسلام الذي يدعي نتنياهو ولبيد وليبرمان أنهم يريدونه، فيما يرفضه بينت ممثل اليمين الاستيطاني القومي.

وبوجود تمايزات داخلية بين مكونات اليمين حول الثمن الذي يمكن أن تدفعه إسرائيل تجاه السلام أو لا تدفعه،  تحظى حكومة نتنياهو الحالية التي هي يمنية -استيطانية-دينية بمساحة واسعة للمناورة لتوسيع الاستيطان وتعميقه، وذلك بالاعتماد على التمييز المهيمن بين الأرض والسكان، وفي ظل وجود سلطة فلسطينية تدير شؤون السكان، وتستغل هذه الحالة من اجل استغلال مصادر الأرض الطبيعية والتصرف بمقدراتها، كما يجري، على سبيل المثال، في مناطق البحر الميت أو الأغوار والقدس الشرقية.[xvi]

تحول الموقف من الأرض (وليس السكان)، إلى خط إنتاج للقوس الحزبي السياسي تواجد في أقصى يساره الحركات أو الأحزاب المعارضة للاحتلال، مثل حزب ‘ميرتس’، والتي تعتبر أن الأرض التي سيطرت عليها إسرائيل بعد 1967 هي أرض محتلة وليست منطقة نزاع، وعلى يمين هذه الحركات نجد حزب العمل على تركيباته المتعاقبة ومواقفه المتبدلة من الاستيطان والذي يبدي استعداده للوصول إلى حل سياسي مبني على حل الدولتين لكنه يشترط إبقاء الكتل الاستيطانية ويرفض حق العودة، مع العلم بأن مشروع الاستيطان بدأ في ظل حكومته ورسمت جغرافيته وفق اعتبارات أمنية-استعمارية مستندة إلى خطة يجئال ألون التي قدمت صيف 1967 لحكومة ليفي إشكول، وعلى الرغم من أن هذه الخطة لم يتم تبنّيها رسميّاً، لكنها مع ذلك شكّلت مرجعية الخطط الاستيطانية، وتم بحسبها البناء في كتل بمحاذاة الخط الأخضر والأغوار وغوش عتصيون. وعلى يمين حزب العمل يأتي حزب ‘يش عتيد’ (يوجد مستقبل) الذي يدعي موافقته على حل الدولتين لكنه يرفض الانسحاب من القدس ويغازل المستوطنين ويبدي مواقف يمينية في ما يتعلق بالكثير من القضايا، وعلى يمينه الليكود، والذي كان الاعتقاد بـ’أرض إسرائيل الكاملة’ جزءاً من عقيدته أو أيديولوجيته الحزبية. وكان شهد المشروع الاستيطاني منذ تسلم مناحيم بيغن عام 1977 زمام الحكم قفزة نوعية وكمية واسعة من حيث حجمه وتوزيعه في العمق الفلسطيني المحتل، وذلك بهدف عرقلة أي حلّ مبني على الانسحاب من هذه المناطق مستقبلاً… وفي هذا السياق، يمكن أن نشير إلى أن الليكود، بزعامة بيغن، تبنّى الاستيطان بوصفه، في الأساس، مشروعاً وطنيّاً -قوميّاً، على خلاف اعتباره مشروعاً استيطانيّاً – أّمنيّاً وفق طرح ألون.

استخدمت إسرائيل تمييزها بين الأرض والسكان لبناء مئات الآلاف من الوحدات السكانية، لتغيير الوقائع على الأرض، وحسم الصراع لما تراه ملائماً… وفي سبيل ذلك عمدت، منذ الاحتلال، إلى نقل مئات الآلاف من السكان اليهود إلى الأراضي المحتلة، وتحويل المستوطنات عبر سياسات اقتصادية واجتماعية أو أمنية محسوبة، ووتصاعد الاستثمار بالاستيطان في فترات صعود حكم اليمين منذ 2003،  وتحولت المستوطنات إلى أماكن سكن جاذبة وحيز للرفاه الذي يغري اليهود للعيش فيه.[xvii] وفي هذا السياق، تشير أبحاث إسرائيلية إلى أن ميزانية إسرائيل، التي أقرت للعام 2017 و2018، تضمّنت تمييزاً واضحاً لصالح المستوطنين الذين سيحصلون على هبات ومساعدات ضريبية تزيد بنسبة 24% عن سكان داخل إسرائيل، وتشير المعطيات إلى أن حصّة المستوطن اليهودي في الضفة الغربية من الميزانية العامة الجديدة تعادل خمسة أضعاف حصة المواطن الإسرائيلي في أي من المناطق السكنية المختلفة في داخل إسرائيل.[xviii]

ومع سيطرة اليمين على مفاتيح الحكم؛ خاصة منذ حكومة نتنياهو الثانية عمل بشكل مواظب على استدماج الاستيطان وموضعته في قلب الإجماع الصهيوني، حتّى أصبحت السياسة الإسرائيلية تتعامل مع الكتل الاستيطانية بوصفها وقائع ثابتة لدى الحديث عن أي سلام مقبل وأحد مرتكزاتها. وكان تقرير لجنة إدموند ليفي أعطى أساساً قانونيّاً دوليا لاعتبار الاستيطان غير مخالف للقانون الدولي،[xix] ورغم عدم تبنّيه بشكل رسمي، إلا أن هناك اعتقاداً واسعاً بأن نتنياهو ينفّذ توصياته، بشكل غير معلن، لتلافي أية ضجة دولية.[xx]

وعلى الرغم من تغوّل سياسات إسرائيل الاستيطانية، إلا أن المجتمع الدولي والمؤسسات الدولية رفضت هذه الإجراءات، واعتبرتها غير قانونية، كما عاد وأكد قرار مجلس الأمن 2334 على ذلك، مجسّداً رؤية المجتمع الدولي القائمة على أن الأراضي المحتلة هي أراضي الدولة الفلسطينية التي ستقوم وتكون جزءاً من حل القضية الفلسطينية، التي تراكمت مآسيها منذ وعد بلفور.

ومع مرور قرن على بلفور، وسبعين عاماً على قرار التقسيم، ونصف قرن على احتلال 67، يمكن أن نميّز أن المبدأ الثابت كان وما زال ‘تحقيق الدولة القومية اليهودية وذلك من خلال ’الهجرة’، والسيطرة على الأرض، ونظم مؤسسات وقوانين الدولة لتتفق مع هذه الرؤية’. كان هذا هو الأساس الثابت في المشروع الصهيوني، الذي استجاب له وعد بلفور، ثم تبنته لجنة سان ريمو التي وكلت بريطانيا انتداب فلسطين، ورغم أن الانتداب تقلبت مواقفه أكثر من مرة لأسباب مختلفة، إلا أنه ظل الشرط الأول الذي أعطى مساحة لانطلاق الاستعمار الصهيوني وتغوله وإقامة مؤسساته وبناه التحتية ليشكل دولة في طريق التحقق، ومن هنا جاء قرار التقسيم 181 ليعطي الشرعية لإقامة هذه الدولة بعد أن بنيت فعليا على أرض الواقع حيث جيرت  الحركة الصهيونية كل ممارساتها وبناها من أجل تحقيق هذا الهدف… ويمكن القول إن الصهيونية حققت هدفها الكبير بإقامة دولة يهودية مع أقلية فلسطينية ضعيفة ما بين عام  1948وحتى الاحتلال عام 1967، وهي الفترة التي  تأسست بوصفها دولة قومية يهودية علمانية اشتراكية عمّالية مع حدود شبه رسمية؛ هي حدود وقف إطلاق النار لكنها ظلت مع ذلك أسيرة المسيانية الدينية التي استدمجتها في هوية الدولة القومية وحولتها إلى ‘دين مدني'[xxi]. لكن ما بدا أنه مشروع مكتمل، انفتح من جديد على كل الاحتمالات مع احتلال 1967، مع إعادة إنتاج واقع ديموغرافي ثنائي وفتح مسألة العلاقة مع الموروث التوراتي (المعلمن) الذي استخدمته أداتيا الصهيونية لتبرر اختيارها أرض فلسطين، ليتحول إلى ما يشبه الشبح الذي يطاردها ويسعى إلى السيطرة عليها واستدماج بعدها القومي لخدمة مشروعه المسياني. إذ إن  الأرض الجديدة التي احتلت هي جزء من المخيال القومي التوراتي لأتباع الراب كوك، والذي أخذ يهيمن على الصهيونية الدينية حيث تعتبر الضفة الغربية هي يهودا والسامرة التي تقع في لب أرض إسرائيل التوراتية-تاريخية المتخيلة، فيها أقيمت مملكة يهودا ومملكة إسرائيل القديمتان، وهي تبعاً لذلك أهم توراتيّاً من مدن الساحل، وعلى هذه الخلفية المتشابكة تشكلت مجموعة من القضايا التي تندرج تحت عنوان المتحول في المشهد الإسرائيلي اليوم، قد يعيد تشكيل المشروع الصهيوني كمشروع مسياني—قومي يهودي.

* المتحول في المشهد الإسرائيلي الحالي

فيما يشكل العامل القومي – استعماري، أي إقامة الوطن القومي اليهودي بأدوات استعمارية، العامل الثابت في المشهد الإسرائيلي؛ فإن هناك عدة موامل متحولة وغير محسومة تؤثر في الصيرورات والممارسات السياسية ووجهتها؛[xxii] وهي: إشكاليات حدود الدولة، حدود المواطنة، والعلاقة بين اليهودية والديموقراطية، وتلك مسائل تأثرت النقاشات حولها، بشكل عميق، بالتغيرات التاريخية (احتلال 1967) والاجتماعية (التغيرات الديموغرافية) أوالأيديولوجية (صعود اليمين واليمين الاستيطاني).

١. حدود الدولة الجغرافية: ما زالت حدود إسرائيل غير واضحة وغير معروفة، وهي مصدر خلاف سياسي–أيديولوجي مرة، وأمني مرة أخرى. وفي هذا الإطار ما زال من غير الواضح هل سيتم ضم كامل فلسطين التاريخية (أرض إسرائيل)؟ أم إن إسرائيل هي تلك التي تقع فقط داخل الخط الأخضر؟ هل تُضم المستوطنات كلها؟ أم فقط الكتل الاستيطانية؟ ماذا بالنسبة لهضبة الجولان؛ هل هي جزء من إسرائيل؟ وأبعد من ذلك؛ هل ستظل منطقة المثلث داخل حدود إسرائيل في المستقبل أم لا؟

٢. حدود المواطنة والتعامل مع غير اليهود: كيف يجب التعامل مع مفهوم المواطنة في الدولة التي تعتبر نفسها دولة اليهود في كل العالم وليست دولة مواطنيها؟ ما هي مساحة المواطنة للفلسطينيين فيها؟ وما هي مكانتهم في الدولة: متساوون، على الأقل نظريّاً، أم أعداء أو خصوم؟ ما هي شروط مساواتهم؟ وهل يمكن إعطاؤهم مواطنة كاملة ضمن الدولة اليهودية الديمقراطية كما تدعو ميرتس؟ أم اعتبارهم خطراً ديموغرافيّاً يجب التخلص منه مستقبلاً في الاتفاقات كما يدعو ليبرمان؟ هل يمكن أن يكون الفلسطينيون في إسرائيل مواطنين متساوين بالكامل مع اليهود في الدولة؟ ماذا عن سكان القدس والجولان من حملة الهوية الزرقاء؛ هل ستظل مكانتهم السياسية محدّدة على أساس الإقامة؟

٣. تحديد الرؤية القيمية للدولة اليهودية – الديموقراطية: كيف يمكن أن تكون إسرائيل ديموقراطية ويهودية؟ ما هي النسبة والتناسب الأفضل بين القيم العالمية (التي تندرج تحت قيم الديموقراطية) والقيم المحلية – يهودية؟ وهل يمكن التوفيق بين الديموقراطية واليهودية وكيف؟

تشكّل الصراعات حول المتحول (حدود الدولة والمواطنة والرؤية القومية) محور النقاشات الإسرائيلية، لكنها، في ظل عدم حسمها واستمراريتها، تفرز واقعاً جيو-إستراتيجيّاً مركباً وحافلاً بالتناقضات التي قد تحمل أيضاً بذوراً لتغيير الثابت ذاته:

عدم وضوح [D2] حدود إسرائيل الجغرافية الرسمية وعدم حسمها إسرائيليا بعد احتلال 1967، وعلى الرغم من أن الخط الأخضر يشكل من ناحية القانون الدولي حدود الحل السياسي المقبل؛ إلا أن المشروع الاستيطاني خلق واقعاً جيو-ديموغرافيّاً متشابكاً وجديداً، فيه مواطنو إسرائيل اليهود يسكنون في ما وراء الخط الأخضر؛ في المناطق المعرّفة وفق القانون الدولي مناطق محتلة، لكنهم يخضعون لقانون الدولة التي في حدود الخط الأخضر، بينما يخضع سكان المناطق ذاتها من الفلسطينيين لقانون آخر مختلف يدمج بين القانون الفلسطيني المدني والإسرائيلي العسكري، لكون الاحتلال هو صاحب السيادة العليا في نهاية الأمر. هذه الحالة من شأنها أن تعيد قلب الواقع الديموغرافي، وتنتج واقع أبارتهايد واضحاً كما هو اليوم، لكنها أيضاً من الممكن أن تعيد الواقع السياسي على ما كان عليه قبل النكبة؛ مفتوحاً على كل الخيارات: الدولة الثنائية، والواحدة، والأبارتهايد.

سيولة حدود المواطنة والمكانة القانونية المرتبطة بالسكان الفلسطينيين في إسرائيل أو في أراضي (ج) أو القدس الشرقية، مقابل صلابة المواطنة اليهودية الإسرائيلية. في هذا الإطار ما زال يتم مناقشة التبادل السكاني، كما يقترح وزير الأمن، أفيغدور ليبرمان، وكذلك مناقشة طروحات لإعطاء الهوية الزرقاء لسكان مناطق (ج)، كما يقترح حزب البيت اليهودي أو رئيس الدولة رؤوبين ريفلين،[xxiii] وحتى بعض رموز اليسار، مثل الصحفي جدعون ليفي،[xxiv] والكاتب أ.ب. يهوشوع[D3] .[xxv] تنتُج هذه الحالة في ظل استمرار الصراع من جهة؛ وتزايد قوة اليمين الذي من شأنه أن يعزز الشعبوية تجاه الفلسطينيين من جهة أخرى، وخاصة في حالات التصعيد التي قد تواكبهت أجواء فاشية تشرعن استهداف المواطنين الفلسطينيين، وتعمّق المس بحقوقهم وملاحقتهم. ذلك ما يمكن أن نستشفه اليوم من تصعيد التحريض عليهم وعلى قياداتهم، ومن خلال عدّة شواهد تكرّرت العام الماضي تحديداً، كحملة التحريض على الفلسطينيين خلال موجة الحرائق التي اندلعت ما بين 22 و27 تشرين الثاني 2016، واتهامهم بافتعال ‘إرهاب الحرائق’، ثم التحريض الذي أعقب قضية أم الحيران، ومسارعة وزير الأمن الداخلي، غلعاد أردان، وقائد الشرطة، روني ألشيخ، لاتهام الشهيد أبو القيعان، وخلال دقائق، بأنه ينتمي إلى ‘داعش’، من دون إجراء أي تحقيق، قبل أن يتّضح لاحقاً بأنه اتهام كاذب. هذا التحريض، واستسهال استهداف الفلسطينيين في الداخل، ناتج عن بنية المواطنة التفاضلية الإثنية، وعن التاريخ الاستعماري للدولة الذي شرعن فعليّاً هدم قرية عربية (أم الحيران) من أجل إقامة قرية يهودية على أنقاضها، مع ترحيل أهلها ومنعهم من البقاء، ولو حتى في حي هامشي في القرية اليهودية المخططة.

تسهم حالة الصراع وعدم حسم القضايا أعلاه بتصعيد الاستقطاب الداخلي، وتعميق الصدوعات الاجتماعية حول ثقافة وقيم الدولة ومستقبلها السياسي، ويمكن أن نلاحظ أن هذا الاستقطاب يتزايد تبعاً لازدياد قوة اليمين الجديد واليمين الاستيطاني، كما يمكن أن نرصد، في هذا الإطار، السعي المحموم لليمين نحو إعادة تشكيل النخب الثقافية والسياسية والقضائية، كما يشير إلى ذلك فصل مشهد السياسي الداخلي، مقابل التآكل في قيم الديموقراطية وتصاعد المخاوف على مستقبل مؤسساتها، كمحكمة العدل، وهو ما يوضحه فصل المشهد الاجتماعي في هذا التقرير.

ويمكن القول إن ما يترتّب على حالة عدم الحسم لحدود الدولة الجغرافية، واستمرار الاستيطان في ظل استمرار الاحتلال، فضلاً عن عدم بلورة حدود المواطنة وبنية الدولة (ديموقراطية أم يهودية)، هو تشكّلُ منظومة حكم مركبة تدمج ما بين أدوات الاستعمار الاستيطاني والاحتلال العسكري والأبارتهايد. إذ ناهيك عن تاريخ تشكّل الدولة من خلال أدوات الاستعمار الاستيطاني، وبناء كيانها على أنقاض الشعب الفلسطيني؛ فإن الواقع اليوم، وبعد خمسين عاماً من الاحتلال ومئة عام من بلفور، لم يعد قابلاً للتحليل بوصفه حالة احتلال عسكري تقليدية مؤقتة؛ لأن إسرائيل استخدمت الادعاء بأن الاحتلال مؤقت من أجل تغيير الواقع الديموغرافي على الأرض، عبر القيام بنقل مئات الآلاف من مواطنيها إلى الأرض التي احتلتها، ثم صارت تطالب بالاعتراف بأن هذا الواقع غير قابل للرد، أي أنها استخدمت حجة المؤقت لتخلق واقعها الاستيطاني باعتباره ثابتاً، ثم سعت إلى إضفاء شرعية قانونية على هذا الاستيطان، وآخر ما تحقّق في هذا الإطار هو قانون التسوية الذي يشرعن عمليّاً السيطرة الفردية على أملاك الفلسطينيين، ومن قبله تقرير لجنة ليفي الذي ادّعى أن الاستيطان لا يخالف القانون الدولي لأن أراضي الضفة ليست محتلة بل ‘متنازع عليها’. وناهيك عن توسع المشروع الاستيطاني المستمر، والتعامل مع أراضي الضفة الغربية بمفهوم ‘التخوم’ الاستعماري (كيمرلينغ)، فإن الأراضي الفلسطنية وسكانها ما زالوا يخضعون لسيادة الحكم العسكري ومؤسساته، ويتم ضبط حركتهم وفق مبادئ جدوى خاضعة لأمن المستوطنين بشكل أساسي. وعلى الرغم من وجود السلطة الفلسطينية، فإن إسرائيل تحكم سيطرتها على الأراضي المصنّفة (ج)، الممتدّة على ما يقارب 60% من أراضي الضفة، والتي تحوّلت إلى الحيّز الأساسي للتوسع الاستيطاني، الأمر الذي خلق واقعاً مزدوجاً يخصع فيه الفلسطيني لمنظومة الحكم العسكري والفلسطيني المدني، مقابل خضوع المستوطن لمنظومة القوانين الإسرائيلية. بالإضافة إلى ذلك، فإن تقسيم أراضي 67 إلى مناطق (1H) (2H) (A) (B) (C)، وقطع المناطق بجدار عازل، إضافة إلى خلق تصنيفات سكانية ما بين مواطني سلطة (هوية خضراء) وسكان دائمين في القدس (هوية زرقاء) ومواطني غزة؛ أنتج منظومة حكم معقدة تتعدى منظومة الفصل والتحكم العرقي التي ميزت الأبارتهايد، ومطعّمة بمنظومة عسكرية ومشروع استعماري استيطاني إحلالي.

ترفد الصراعات على المسائل الكبرى الصراعات السياسية الداخلية، لكن الصراعات عليها (أي المسائل الكبرى غير المحسومة) تتأثر بشكل جذريّ من جدلية العلاقة بين البنية الاجتماعية والديموغرافية للمجتمع الإسرائيلي من جهة؛ وبين بنية النظام السياسي الإسرائيلي المرتكز على نسبية التمثيل من جهة أخرى. وفي هذا السياق، نشير إلى بعض التحولات المهمة التي تشهدها الدولة الإسرائيلية، وستكون لها آثار بعيدة المدى على المسألة الفلسطينية ومستقبل الفلسطينيين في بلادهم.

١. السيطرة على النخب

كما أشرنا في تقارير ‘مدار’ الإستراتيجية السابقة،[xxvi] مرّت إسرائيل بتغيرات اجتماعية عميقة أدت إلى تحولها، بشكل منتظم ومثابر وتدريجي، من مجتمع علماني عمالي اشتراكي أشكنازي إلى مجتمع يميل نحو أن يكون أكثر تديّناً ومحافظة ويمينية، وهو ما أسميناه في تقرير عام 2015 بصعود ‘إسرائيل الثالثة’. انعكس هذا التغير بشكل مهم في إزاحة تدريجية للنخب التقليدية، وسيطرة القوى اليمينية المتدينة والاستيطانية بدلاً منها على مفاتيح الحكم في إسرائيل. وفي لمحة سريعة للنخب الحاكمة، يمكن أن نلحظ سيطرة القوى اليمينة – دينية- استيطانية على السلطة التشريعية (الكنيست) منذ 2003 حتى اليوم، فثمة في الكنيست اليوم أغلبية دينية – يمينية – استيطانية، يمثّلها 67 عضواً ينتمون إلى التيارات الدينية واليمنية، فيما ينتمي 11 آخرون إلى تيار الوسط – يمين (ويمثله حزب ‘يش عتيد’ – يوجد مستقبل)، مقابل انكماش الوسط – يسار إلى 34 مقعداً (ميرتس والمعسكر الصهيوني)، بالإضافة إلى 13 مقعداً للقائمة المشتركة. ويسيطر اليمين، بحكم ذلك، على مقاليد السلطة التنفيذية (رئاسة الحكومة والوزارات) ومفاتيح القرارات، وهو من يتحكم بوجهة المجتمع والدولة والمؤسسات، ويفرض الوقائع على الأرض ليحسم القضايا الخلافية حول حدود الدولة والمواطنة ويهودية الدولة عبر توسيع وتعميق الاستيطان، وتمرير قوانين ذات طابع عنصري، وتحديد مواطنة فلسطينيي الداخل، كما يسعى لضبط الثقافة السياسية كثقافة يمينية من خلال التشهير بمنظمات حقوق الإنسان والمناهِضة للاحتلال، واتهامها بالعمل لصالح ‘الأعداء’ ونزع الشرعية عنها.[xxvii] ومع أن بدايات صعود اليمين تعود لـ’انقلاب’ انتخابات 1977، إلا أنه أحكم السيطرة فعليّاً على السلطة التنفيذية منذ 2003، وما زالت حكوماته تتعاقب عليها بشكل متواصل منذ أكثر من 14 عاماً، مع الإشارة إلى أن بنيامين نتنياهو موجود في رئاسة الحكومة منذ 2009 بلا انقطاع (بائتلافات مختلفة كلها يمينة الطابع). ويضاف إلى كل ذلك مساعي اليمين الاستيطاني، بزعامة وزيرة القضاء، أييلت شاكيد، للسيطرة على  السلطة القضائية من خلال التحكم بلجنة تعيين القضاة، وعلى رأسها محكمة العدل العليا، وهو ما أثار توتراً شديداً بين رئيسة المحكمة العليا، مريانم ناؤور،  وشاكيد نفسها.[xxviii] من المهمّ الإشارة هنا أيضاً إلى أنه رغم عدم تمكّن وزيرة القضاء من تغيير بنية لجنة تعيين قضاة المحكمة العليا؛ إلا أنّها خلال اجتماع لجنة تعيين قضاة المحكمة العليا، الذي عقد منتصف شباط هذا العام، نجحت فعليّاً في إدخال شخصيات جديدة ذات ميول يمينية إلى تركيبة قضاة المحكمة العليا بدل الشخصيات التي خرجت، [xxix] أي أن اليمين، وبدعم من شاكيد، استطاع أن يتسلل إلى آخر معاقل النخبة الصهيونية الأشكنازية الكلاسيكية. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار التغيرات التي تحصل في النخب العسكرية وتديين الجيش المستمر؛[xxx] فمن الممكن القول إن اليمين نجح، إلى حد كبير، في إحكام قبضته على مفاتيح الدولة المركزية.

٢. شرقنة اليمين:

برز بشكل خاص في الأعوام السابقة تقاطع التغيرات السياسية والحزبية مع البنية الإثنية للدولة، والموزعة أساساً بين أشكناز وشرقيين (مزرحايم). وفي هذا السياق، نشير إلى التقاطع بين الانتماء الإثني وأنماط التصويت، وإلى صعود تدريجي لظاهرة جديدة يمكن أن نسميها ‘شرقنه اليمين’، أي إضفاء صبغة إثنية شرقية عليه في إطار سياسات اليمين، وعلى رأسه الليكود، لاستقطاب الشرقيين وتعميق اغترابهم عن حزب العمل والأحزاب الصهيونية اليسارية، وجزء من ذلك يمضي عبر التذكير بالسياسات المجحفة التي قادها حزب مباي في عقود الدولة الأولى.

ويميل الشرقيون، بشكل واضح، ونتيجة تجربتهم التاريخية المريرة مع سياسات حزب مباي التمييزية والعنصرية تجاههم، نحو انتخاب الليكود، بالإضافة إلى انتخاب حزب شاس بعد صعوده. وتشير الإحصائيات إلى أنه في عام 1992 كان 68% من مصوتي الليكود من الشرقيين، و21% من الأشكناز، و11% من مواليد البلاد؛ أما في عام 1999، حين تنافس إيهود باراك وبنيامين نتنياهو على رئاسة الحكومة، فقد صوّت 62% من الشرقيين لنتنياهو، مقابل 38% صوتوا لباراك. الميول التصويتية ذاتها ظهرت أيضاً في الانتخابات الأخيرة، التي تمت عام 2015، وانعكست بشكل واضح في البلدات المهمشة اقتصاديّاً – اجتماعيّاً، والمتشكّلة، في أغلبيتها، من الشرقيين (سديروت 42.8%، أشكلون ،39.8%، أور يهودا  42.8%، الرملة 39.8%).[xxxi] وبسبب ثقل المصوتين الشرقيين لليكود؛ نرى أن هناك محاولات دؤوبة من الحزب لاستقطابهم وتعميق دعمهم له، وقد يكون تصريح نتنياهو في أيار 2016 بأنه ‘ينحدر من أصول سفاردية’ إشارة إلى هذه المحاولات،[xxxii] ناهيك عن تعيين ميري ريغيف الشرقية وزيرةً للثقافة، مع مساعيها نحو تغيير النخب التقليدية الأشكنازية واستبدالها بنخب يمينية، واستهدافها المثابر النقدي للمثقفين الإسرائيليين باعتبارهم يمثّلون يساراً أشكنازيّاً متعالياً، واعتزازها بأنها لا تخجل من عدم معرفتها الثقافة الغربية، وأنها لم تقرأ في حياتها تشيخوف،[xxxiii] في مقابل مساعيها لضبط واشتراط الدعم الذي تقدمه وزارتها بعدم ‘تخطي الخطوط الحمراء’، وهو ما تجلّى في قضية مسرح الميدان والتهديد بقطع الدعم عنه بسبب عرض مسرحية ‘الزمن الموازي’ للأسير وليد دقة، ناهيك عن خروجها الاحتجاجي خلال إلقاء قصيدة لمحمود درويش من قبل فرقة ‘دام’ الفلسطينية خلال حفل توزيع جوائز السينما الإسرائيلية في 23 أيلول 2016.[xxxiv] وفي موازاة مساعي شاكيد هذه، ثمة توجّه نحو إعادة إنتاج رواية ‘شرقية قومية صهيونية ‘ بديلة تشدد على الدور الريادي للشرقيين في إقامة إسرائيل، وتركّز على معاناة الشرقيين من محيطهم العربي والإسلامي، ‘واللاسامية’ التي تعرضوا لها هناك، في محاولة لخلق رواية شرقية صهيونية شبيهة -بل متنافسة -مع الرواية الأشكنازية حول رواد الصهيونية من أوروبا ومعاناتهم من اللاسامية.

وفي هذا السياق، يأتي قيام وزارة التربية، برئاسة نفتالي بينت، بتشكيل لجنة بيطون[xxxv] في شباط 2016، لإعطاء حيز مناسب لرواية وهوية اليهود الشرقيين في الدولة، عبر ‘تقوية هوية اليهودية السفاردية ويهودية الشرق في الجهاز التعليمي’ كما تنصّ أهدافها. وبالإضافة إلى أن هذه اللجنة تندرج ضمن مساعي اليمين الجديد في إسرائيل لتبديل النخبة الأشكنازية التقليدية ذات التوجه العمالي،[xxxvi] كما يوضح بشكل موسع الفصل السياسي في هذا التقرير، فإنها جاءت أيضاً بهدف استدماج النخب الشرقية في البنى والقصص[D4]  الصهيونية الموجودة، والتنافس على صدارة الصهيونية والروايات القومية. هنا لا بد من الإشارة إلى أنه مقابل مساعي ‘شرقنة اليمين’ و’يمننة الشرقيين’، إن صحّ التعبير، خرجت من بين الشرقيين نخب راديكالية عملت على تفكيك الرواية الصهيونية حول الشرقيين، وسعت نحو إعادة كتابة تاريخ الشرقيين باعتبارهم ضحايا للصهيونية.[xxxvii]

٣. تزايد الشعبوية السياسية

لم تغيّر التحولات الاجتماعية والسياسية التي مرت بها إسرائيل النخب التقليدية الأشكنازية العمالية العلمانية فحسب؛ بل طال التغيير النخب اليمينية التقليدية ذاتها، والتي تجاوزت ‘اليمين التنقيحي’ التقليدي، الذي حاول أن يتبنّى فكراً ليبراليّاً عقلانيّاً (من أبرز ممثليه دان مريدور، وبنيامين بني بيغن، ورؤوبين ريفلين، رئيس الدولة الحالي)، وتحوّلت إلى ما صار يصطلح عليه بـ’اليمين الجديد’، وهو ‘توليفة مشكلة من كلّ من الأحزاب الحريدية (المتشددة دينيّاً)، والأحزاب المتدينة القومية، والمستوطنين، وأعضاء الكنيست المتطرفين في حزب الليكود، والجماعات القومية المتطرفة المنضوية ضمن حزب ‘إسرائيل بيتنا’، وحركات مثل ‘إم ترتسو’ وغيرها’.[xxxviii] ويرتبط هذا التغيير، بشكل بنيوي، باستمرار حالة الصراع مع الفلسطينيين، وتحوّل الاحتلال إلى جزء من تشكّل المجتمع الإسرائيلي واقتصاديات سلوكه السياسي وحساباته الحزبية للربح والخسارة من جهة[D5] ؛ وإلى جزء من طبيعة النظام الانتخابي المبني على مبدأ التمثيل النسبي من جهة أخرى، إذ إن الصراع الأيديولوجي – ثيولوجي حول حدود إسرائيل وطبيعتها، والذي يستدمج في طيّاته الصراع بين الديني والعلماني، وبين اليمين واليسار، وبين الديموقراطية واليهودية، يتحوّل إلى صراع محتدم على الصوت لعبور نسبة الحسم، والتي تبلغ 4% من أصوات المنتخبين، وتسمح بوصول أحزاب صغيرة للكنيست، تتحوّل إلى بيضة الميزان في بعض الأحيان، حيث يمكن لحزب صغير أن يسقط حكومة كاملة بسبب مصالح ضيقة حزبية أو فئوية. تتعزّز هذه الحالة في ظلّ الانكماش المستمر للحزبين الكبيرين (الليكود والعمل)، وتحوّلهما إلى أحزاب وسط، وظاهرة بروز أحزاب وسط واختفائها بشكل مستمر، كما انعكس ذلك مثلاً في تشكّل حزب شينوي، برئاسة طومي لبيد، وحصوله على 15 مقعداً عام 2003؛ ثم اختفائه لاحقاً من الساحة الحزبية، وكذلك تشكيل وصعود حزب كاديما بعد انفصال شارون عن حزب الليكود عام 2005، وحصول الحزب في انتخابات 2006 على 29 مقعداً، قبل أفوله نهائيّاً في 2015، ثم صعود نجم يائير لبيد وحزبه يوجد مستقبل، وحصوله في الانتخابات عام 2013 على 19 مقعداً. ضمور الحجم النّسبي للأحزاب الكبيرة، مقابل تمدّد أحزاب الوسط والأحزاب الصغيرة على رقعة المشهد السياسي في إسرائيل، أفرز واقعاً يتيح لأي حزب صغير التحكم في قرارات الحكومة، وهو ما يعني، في حال وجود حكومة يمينية تتآلف مع أحزاب استيطانية ودينية، أن الحكومة ستذهب نحو اليمين والتطرف أكثر لترضي أطرافها الحزبية، حتى لو كانت أحزاباً صغيرة. وفي هذا الإطار، يمكن أن نشير إلى أن حزب ‘إسرائيل بيتنا’، الذي حصل على 6 مقاعد في الانتخابات الأخيرة، حصل مؤخّراً على وزارة الأمن.

*** 

البعد الدولي والإقليمي

بمعزل عن الديناميكية الداخلية المؤثرة، فإن المشهد الإسرائيلي واتّجاهاته يتأثران أيضاً بالبعد الدولي والإقليمي بشكل كبير، وقد حدثت عام 2016 مجموعة من المتغيرات التي من شأنها أن تعطي مساحة لحكومة اليمين الإسرائيلية لتنفيذ سياساتها التي تهدف إلى حسم المسائل غير المحسومة بما يتواءم وبرامجها السياسية، وتمنحها فرصاً جديدة لتعزيز مكانة إسرائيل الدولية، وأهمها:

* انتخاب دونالد ترامب رئيساً لأمريكا، وتنامي قوة اليمين في أوروبا[D6] : يعتبر ترامب حليفاً مناصراً لإسرائيل عموماً، كما يراه اليمين الإسرائيلي، من جهته، حليفاً مناصراً لسياساته، ويتوقع أن يكون انتخابه فرصة تاريخية غير مسبوقة لتصفية حل الدولتين من جهة؛ وضم مناطق في الضفة الغربية للسيادة الإسرائيلية من جهة أخرى، أو على الأقل؛ توسيع مشروع المستوطنات، كما يوضح ذلك فصل العلاقات الخارجية. إلى جانب ذلك، يتوقع أن يوفر صعود ترامب، كما يتوقّع اليمين، دعماً غير مشروط لإسرائيل في المحافل الدولية، ومعاقبة المؤسسات التي تنتقد إسرائيل. لكن رغم الآفاق الواسعة التي يحملها فوز ترامب لليمين واليمين الاستيطاني؛ فإن تماهي إسرائيل مع ترامب، الذي تثير مواقفه العنصرية الفجّة أيضاً معارضة عالمية واسعة، قد تسبب بالذات تعميقَ الاستقطاب حول إسرائيل بوصفها صنوة للعنصرية والفوقية وحليفة لها، خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن مواقف ترامب والمحيطين به تكاد تكون مطابقة لمواقف نتنياهو من جهة؛ وعمق الاستقطاب في الولايات المتحدة حول ترامب الذي ينتمي جزء غير قليل من داعميه إلى اليمين المتطرف الأبيض والعنصري المعادي للمهاجرين والمسلمين من جهة أخرى.

* صعود قوى اليمين في أوروبا وفي دول أخرى: يتوازى انتخاب ترامب ذو المواقف العنصرية المناصرة لإسرائيل مع صعود لقوى اليمين واليمين المتطرف في أوروبا، والذي كان من أهم تجلياته خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وصعود التيّار السياسي الشعبوي خلال المواسم الانتخابيّة المتزامنة في عموم أوروبا، وعلى سطحه ظهرت شخصيّات تحاكي ترامب في الخطاب العنصري المعادي للمهاجرين والأقليّات، مثل زعيمة ‘الجبهة الوطنيّة’ في فرنسا، مارين لوبان، وزعيم حزب ‘الحرّية’ في هولندا، غيرت فيلدرز. وفي ظلّ عالم ينزع أكثر نحو اليمينيّة بحكم ارتدادات الأزمة في الشرق الأوسط تحديداً، يحاول نتنياهو ربط إسرائيل بالعالم الغربي بوصفها رأس الحربة في مواجهة ‘الإسلام المتطرف’، ونشير في هذا السياق إلى أن إسرائيل أخذت تنسب الهجمات التي تتعرض لها من قبل الفلسطينيين إلى ‘داعش’، بما في ذلك الاتّهامات التي طالت الشهيد يعقوب أبو القيعان، الذي قتل بإطلاق نار من قبل الشرطة في أم الحيران، خلال دقائق من استشهاده، وذلك في محاولة لموضعة نفسها ضمن العالم الغربي الذي يواجه قوى ‘الظلام’ الإسلامية، كما أسماها نتنياهو نفسه. ولا بد هنا من التدليل على الفرص التي يحملها صعود اليمين لصالح إسرائيل؛ بالتغير الذي حصل في الموقف الهندي مع صعود حزب الرئيس ناريندرا مودي اليميني المتطرف، فمنذ ذلك الحين تعزز التحالف بين الهند وإسرائيل باعتبارهما يواجهان خطر ‘الإسلام المتطرف’.

* المستوى الإقليمي: الفوضى المستمرة في العالم العربي مصدر لتعميق الأمن القومي الإسرائيلي

تمخّضت الأحداث التي عصفت بالعالم العربي منذ الحرب على العراق عام 2003، مروراً بالربيع العربي الذي انتهى إلى صراعات دموية، عن عدة نتائج ترتبط بالأمن القومي الإسرائيلي أهمها:

١. تفكّك الخطر التقليدي الذي شكّلته الجيوش النظامية العربية، في مقابل تحييد الجيش المصري والأردني من خلال اتفاقيات سلام، ثم تحييد الجيش العراقي والجيش السوري بسبب انشغالهما بالمواجهات الداخلية الدموية.

٢. خلط الأوراق المرتبطة بالتحالفات التقليدية: تمخض عن الصراعات في المنطقة بروز الصراع الطائفي السني الشيعي، الذي خلط الأوراق وأعاد هندسة التحالفات وفق مصالح خاصة لا تشكل القضية الفلسطينية أساسها، وقد مثّلت عداوة إيران إحدى القضايا التي استخدمتها إسرائيل من أجل التأكيد على أن هناك مصالح مشتركة مع دول الخليج، خاصة السعودية، ناهيك عن التسريبات المستمرة لمصادر إسرائيلية عن تعاون أمني وتنسيق بينها وبين دول الخليح في مواجهة العدو الإيراني المشترك، وبالإضافة إلى ذلك، التعاونُ بين الجيشين المصري والإسرائيلي في مواجهة المنظمات المتطرفة المحسوبة على ‘القاعدة’ و’داعش’ في سيناء، فضلاً عن مواجهة حماس في غزة، وإغراق الأنفاق في منطقة رفح.

الفوضى كمصدر للمخاطر:

في المقابل، فإن حالة التفكك والفوضى هذه تحمل أيضاً مخاطر تتعلق بعدم وضوح المستقبل، وعدم القدرة على التنبؤ بتحوّلاته، إضافة إلى بروز ظاهرتين جديدتين تهددان الأمن الإسرائيلي وهما:

١. انتهاء عصر الحروب الحاسمة، إذ لم يعد ممكناً بالنسبة لإسرائيل مواجهة جيش وهزيمته لتحقيق النصر، على اعتبار أنّ حالة الفوضى تعني أيضاً توزيع المراكز التي تحمل السلاح، وعدم وجود عنوان يمكن استهدافه، سواء للردع او الحسم.

٢. التحول من مواجهة الجيوش إلى مواجهة المنظمات المسلحة، وهو كما أشرنا في تقاريرنا السابقة يعني أن الردع، بمفهومه التقليدي الذي يشير إلى استهداف جيش ومؤسسات رسمية لردع الدولة، يتحول في حالة المواجهة مع المنظمات المسلحة إلى استهداف البنى المدنية، وإلى استهداف المدنيين الذين يشكّلون فعليّاً البيئة الحاضنة لهذه المنظات (سواء بإرادتهم أم لا).

ومع استقرار الوضع الاقتصادي في إسرائيل، ومتانة أسواقها، وضخامة الإنفاق على المجالات الحيويّة المختلفة، لا سيما مع بلوغ الميزانية المعدة لعام 2016، حسب قرارات الكنيست في العام المنصرم، 347.7 مليار شيكل، وانخفاض نسبة البطالة إلى حدود 4.8%، وبلوغ المتوسط الحسابي لأجرة العامل الأجير في تشرين الثاني الماضي 9415 شيكل، كما يوضخ التقرير الاقتصادي، إضافة إلى أن إسرائيل تعتبر من أهم دول العالم في صناعات الهاي تك، وتصنّف في المكان الرابع في هذا المجال، وقد اجتذبت في السنوات الأخيرة كبريات شركات المعلومات للاستثمار كـ’أمازون’ و’جوجل’ و’IBM’، وفي ظلّ التطور الذي حققته في مجال العلوم، حيث حصل 12 إسرائيليّاً على نوبل منذ أقيمت إسرائيل، ومع استتباب  الهدوء الأمني، في ما عدا حالات قليلة، كما يشير إلى ذلك مشهد العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية، وفي ظلّ صعود ترامب، حليف اليمين، ومع فوضى المحيط العربي وتفكك دول مركزية كسوريا وليبيا والعراق؛ فإنه من الممكن القول إن إسرائيل في مئوية بلفور ونصف مئوية الاحتلال لن تسارع لإبرام صفقات سلام لا تلبي سقف شروطها الأمنية والإستراتيجية والأيديولوجية و تعطي فيها أرضاً ولا تحقق في المقابل شيئاً.

ولا يتناقض هذا مع ما يلوح في الافق من إمكانيات لتغيير المشهد السياسي في ظل قضايا الفساد التي تلاحق نتنياهو وإمكانية تقديم لائحة اتهام تنتهي بانتهاء حكومته، إضافة إلى مساعي تشكيل أحزاب جديدة لمنافسته على رأسها ما أعلنه مؤخرا بوغي يعلون من نيته التنافس على رئاسة الحكومة، إذ إن الهيمنة اليمينية على المشهد السياسي لا تبشر بنوايا للتغيير الحقيقي، إلا إذا فرض عليها الأمر من قبل المجتمع الدولي، الذي لا تبشر وجهته أيضا بالخير!