علي حيدر:

ليس جديداً الحديث في إسرائيل عن التهديد الذي تمثله الجمهورية الإسلامية في ايران، وحلفاؤها في المنطقة، على الامن القومي الاسرائيلي. بل يكاد لم يفوّت أي من المسؤولين الرسميين، السياسيين أو الأمنيين، فرصة الإدلاء بموقفه في هذا المجال، بدءاً من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي بات التحذير من التهديد الذي تمثله طهران مفردة ثابتة من خطابه السياسي في كل المناسبات وعلى كل المنابر، مروراً بوزير الأمن افيغدور ليبرمان، وكل من سبقه في هذا المنصب، وصولاً الى رئيس أركان الجيش غادي أيزنكوت، والاجهزة الاستخبارية.

ولا تخفي اسرائيل الأبعاد التي ينطوي عليها الحدث السوري لجهة علاقته بالصراع مع اسرائيل، وتأثيره في الأمن القومي الاسرائيلي. ونتيجة ذلك، حدَّدت خطوطاً حمراء تتصل بقدرات حزب الله وتموضع قواته، اضافة الى ضباط الحرس الثوري الايراني، بالقرب من الجولان المحتل. ولم تكتف بإطلاق مواقف سياسية في هذا المجال، بل ترجمت ذلك عملياً عبر اقتناص الفرص من خلال الضربات التي توجهها من فترة الى أخرى بمقدار معلوماتها المفترضة. ومع أنهم في تل ابيب خلصوا بعد اربع سنوات من تطبيق هذه الاستراتيجية (منذ مطلع عام 2013) الى أنها لم تحقق المأمول منها، لكنهم يصرون على مواصلتها على قاعدة «ما لا يدرك كله لا يترك جُلّه». ومع ارتفاع منسوب الحديث عن حل سياسي لمستقبل سوريا، دخلت اسرائيل بقوة على خط موسكو (بعد واشنطن) في محاولة لدفع القيادة الروسية لتبني الخطوط الحمراء الاسرائيلية التي تتصل بما تسميه النفوذ الايراني، ووجود حزب الله في سوريا في إطار أي ترتيب سياسي يتصل بالساحة السورية.
في الاطار العام، تندرج المواقف التي أطلقها عضو المجلس الوزاري المصغر، ووزير الاسكان، اللواء يوآف غالانت، من التهديد الايراني في السياق نفسه. ولكنه تناوله ايضاً، من زاوية استراتيجية وتاريخية، ولجهة كونه التهديد الاكبر المحدق بإسرائيل، وهو ما يلتقي به مع كل أو معظم القادة السياسيين والعسكريين. فاعتبر أن «الخطر الأكبر الذي يواجه اليوم دولة اسرائيل هو العاصفة الشيعية التي بدأت في ايران (في إشارة إلى انتصار الثورة عام 1979) واجتاحت العراق»، في إشارة الى مرحلة ما بعد الاحتلال الاميركي للعراق عام 2003 الذي ادى الى فشل الولايات المتحدة في بلورة نظام معادٍ لايران في العراق وانسحاب قواتها بفعل العمليات التي كانت تنفذها فصائل المقاومة المدعومة من ايران، وفصائل اخرى ايضاً. واضاف غالانت في مقابلة مع إحدى الإذاعات الاسرائيلية، أن ما سماه «العاصفة الشيعية» امتدت الى لبنان، وهي تحاول الآن، «فرض هيمنتها في سوريا»، محذراً من أن «سيطرة ايران في دمشق هو أمر خطير جداً» بالنسبة إلى إسرائيل. وهو التعبير الذي تستخدمه تل ابيب في سياق حملتها السياسية والاعلامية لمواجهة النظام السوري، وعلى رأسه الرئيس بشار الأسد، الذي رفض التنازل عن موقع سوريا ودورها في المواجهة ضد اسرائيل. وتناول غالانت مفاعيل وتداعيات تكريس انتصار محور المقاومة في سوريا، ايضاً، من زاوية تأثيره على الجبهة الشرقية لاسرائيل، مشيراً الى أن بقاء ايران في سوريا سيُسهم في «الضغط على الاردن… وهو أمر يقلقنا». وخلص في ضوء هذه الرؤية الى أن «كل تحرك يتم من أجل تفكيك المحور الشيعي هو فعل مبارك من جهة اسرائيل». وهو يشير بذلك، الى أكثر من عنوان منها ما يتصل باسقاط الرئيس الاسد، لكون ذلك يخدم في تفكيك قنوات التواصل بين اطراف محور المقاومة، ومنها ما يتصل بالمساعي الاميركية مباشرة وعبر حلفائها من أجل السيطرة على الحدود العراقية السورية، بهدف فصل دمشق عن بغداد، ومن خلالها عن طهران.
وانسجاماً مع الخطاب الرسمي والدعائي الاسرائيلي الذي يحاول أن يقدم السنّة، باستثناء الفلسطينيين، كما لو أنهم حلفاء طبيعيون للولايات المتحدة وشركاء في الموقف المعادي للمقاومة ضد اسرائيل، رأى غالانت ايضاً، أن الولايات المتحدة باتت اليوم، في ظل ادارة ترامب، تدرك أن السنّة الذين يسكن أغلبهم في مصر والسعودية والاردن وتركيا واماكن اخرى هم مركز العالم الاسلامي، مشيراً الى أن «داعش» ليس لها عمق وامتداد في الوسط السني.
ولفت غالانت الى أن الخطر الحقيقي الذي يمثله حزب الله يعود الى أن من يقف وراءه «ايران، وهي دولة صناعية وتكنولوجية غنية ومتطورة في مجالات معينة»، مشدداً على ضرورة التعامل معها على أنها «مشكلة وليست حلاً»، وموضحاً أن كل من يعمل على ادخالها في اطار التحالف ضد داعش «يخطئ خطأً فادحاً». وشدد غالانت الذي كان في السابق عضو هيئة اركان الجيش، على أن «العاصفة الشيعية هي مشكلة الشرق الاوسط»، ودعا الى ضرورة «اعادة المارد الشيعي الى القمقم، أي الى ايران على بعد 1500 كلم من هنا… ويجب أن يعودوا الى هناك، ويجب أن لا يبقوا في لبنان ولا في سوريا».
وتناول غالانت، في مقابلة اخرى مع الاذاعة الاسرائيلية، الضربة الصاروخية الاميركية ضد القاعدة الجوية السورية، بالقول إن الرئيس ترامب «اتخذ القرار الصائب… ونقل المعضلة الى ملعب السوريين والروس بمعان معينة، واعتقد أنه من هذه الناحية استفادت دولة اسرائيل». لكنه اضاف ايضاً أنه في أعقاب الضربة الاميركية «اشتد التوتر» ونتيجة ذلك «امرنا قواتنا الامنية والجيش بالتيقظ، والبقاء على أهبة الاستعداد ومراقبة التطورات المحتملة». وأعلن أن اسرائيل ستواصل «منع نقل اسلحة كاسرة للتوازن على الطريق البري من ايران الى لبنان، وقبل أي شيء وهو أمر مفصلي: الحرص على ألا تكون ايران هنا، فهذا ليس مكانها».