رهام عودة:

منذ عدة عقود زمنية و إسرائيل منهمكة ببناء مستوطناتها في كل من القدس و الضفة الغربية تحت شعار حق اليهود في أرض فلسطين ، مما زاد من حدة الصراع و تأزم الأوضاع السياسية و الأمنية بين الإسرائيليين و الفلسطينيين ، وجعل الفلسطينيين يشعرون باليأس و الإحباط و بفقد الثقة بتصريحات القادة الإسرائيليين الذين يصرحون دوماً لوسائل الإعلام العربية و الغربية ، أنهم يرغبون بالسلام مع الفلسطينيين ، لكن عند الرجوع إلي أرض الواقع و الإطلاع على الإجراءات الإسرائيلية المتعلقة بالاستيطان ، يجد معظم الفلسطينيون أن تلك التصريحات الإسرائيلية متناقضة مع الواقع ولا يتم تطبيقها بشكل فعلي و حقيقي ، حيث مازالت إسرائيل مستمرة بتوسيع مستوطناتها في الضفة الغربية ، ومازالت ترفض التخلي عن سياستها الاستيطانية ، مما يعيق الطريق أمام الفلسطينيين لبناء دولتهم المستقلة بكل حرية و بدون أي اختراق لسيادتها من قبل إسرائيل.

وتجدر الإشارة ، أنه عندما يتم طرح سؤال على أي مسئول إسرائيلي عبر وسائل الإعلام ، عن سبب تمسك إسرائيل بالاستيطان ، ورفضها المتواصل لتفكيك المستوطنات المتواجدة في كل من أراضي الضفة الغربية والقدس الشرقية ، يجيب هذا المسئول الإسرائيلي ، بأن تلك المستوطنات الإسرائيلية ليست العائق الوحيد أمام السلام ، و أنه وقد سبق لإسرائيل و أن انسحبت من قطاع غزة خلال عام 2005 ، ولكن ذلك الانسحاب انعكس سلبيا على أمن الشعب الإسرائيلي ، لأن حماس سيطرت على قطاع غزة ، ومن ثم بدأت صواريخ المقاومة الفلسطينية تنطلق بشكل مكثف تجاه المدن الإسرائيلية الواقعة ضمن غلاف غزة.

لذا تتخذ إسرائيل من تجربتها السابقة في قطاع غزة، ذريعة كبرى لعدم تفكيك مستوطناتها في كل من الضفة الغربية والقدس الشرقية تحت شعار الخوف من أن تتحول الضفة الغربية إلي غزة أخرى ، مما يجعلها تتهرب من مسئوليتها الكبيرة بالانسحاب الكامل من أراضي الضفة الغربية.

أما بالنسبة للقادة و المسئولين الفلسطينيين، فيرى معظمهم ، أن تلك التبريرات الإسرائيلية حول المستوطنات ، هي مجرد حجج واهية و غير مقنعه ، و مجرد ذريعة لاستمرار الاحتلال الإسرائيلي للقضاء على حلم الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967.

و أرى هنا ، أن من أهم أسباب تمسك إسرائيل في الاستيطان، لا يعود لأسباب دينية توراتية كما يروج البعض لذلك ، حتى و إن أعلنت إسرائيل مراراً عن تمسكها بيهودية دولتها، إلا و أنني أعتقد أن إسرائيل مازالت تعتبر نفسها بمثابة دولة علمانية ، حيث أن بطاقات هوية مواطنيها ، لا يوجد بها أي بند يتعلق بنوع الديانة ، إضافةً لذلك ، فإن أغلب القوانين المدنية الإسرائيلية التي يعتمدها القضاء الإسرائيلي هي قوانين معظمها مشتقه من قوانين علمانية مصدرها كل من بريطانيا و ألمانيا و الولايات المتحدة الأمريكية.

ومن الملفت للنظر أيضاً ، أنه يوجد عدد كبير من المستوطنين العلمانيين الذين يسيطرون على عدد كبير من المستوطنات الإسرائيلية ، لذا نستطيع القول، أن الدين ليس هو الدافع الأساسي لاستمرار إسرائيل في استيطانها للأراضي الفلسطينية ، بل هناك أسباب أخطر و أعمق من ذلك، تجعل إسرائيل تشتعل غضباً، عندما تسمع أن هناك استنكار دولي للاستيطان و أن هناك مطالبات جدية لتفكيك مستوطناتها في كل من القدس الشرقية و الضفة الغربية ، خاصة في منطقة غور الأردن.

و بناءً على تحليلي لطبيعة و أهداف تلك المستوطنات الإسرائيلية، أعتقد أن من بعض الأسباب الحقيقية من خلف بناء تلك المستوطنات، تتمثل في أسباب إستراتيجية و أمنية بحتة تتلخص ضمن مما يلي:

أولاً) فرض واقع قسري و حدود مؤقتة على الفلسطينيين

تجدر الإشارة، أن عدد البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية والقدس الشرقية يبلغ نحو (251) بؤرة استيطانية ، حسب بعض الإحصائيات الصادرة من هيئة مقاومة الجدار و الاستيطان .و تربط إسرائيل عادة تلك البؤر الاستيطانية عن طريق شارع رئيس وهو شارع رقم (60 ) من أجل ترسيخ شريط حدودي إسرائيلي بواسطة جدار استيطاني يعزل ما بين مدن الخط الأخضر و الضفة الغربية، و بذلك تكون إسرائيل قد شكلت لنفسها حدود ديمغرافية تفصلها عن الفلسطينيين ، الأمر الذي يجعل إسرائيل بأن تقوم بفرض و بشكل قصري واقع أمني جديد و حدود مؤقتة للدولة

الفلسطينية المستقبلية حسب الرؤية الإسرائيلية ، وذلك بعد اقتطاع تلك المستوطنات لأجزاء من الأراضي الفلسطينية، تبلغ نسبتها نحو ( 1.2 %) من مساحة الضفة الغربية، مع سيطرتها بطريقة غير مباشرة عل نحو ( 40%) من مجمل أراضي الضفة الغربية ، عبر الطرق الالتفافية الاستيطانية و الجدار العازل و الحواجز العسكرية الإسرائيلية .

وبناءً على تلك المعطيات ، تبقى المستوطنات الإسرائيلية كعثرة كبيرة للتواصل الجغرافي بين المدن الفلسطينية و كعائق حدودي استراتيجي أمام الفلسطينيين لتوسيع دولتهم الفلسطينية و للتمدد مستقبلا، بالإضافة لعدم وجود أية ضمانات إسرائيلية بعدم اختراق السيادة الفلسطينية في المستقبل.

ثانياً) حصانة أمنية ضد أي محاولة اختراق عربية للحدود

مازالت تعتبر إسرائيل منطقة غور الأردن منطقة حدودية هامة وخطيرة، فهي تشكل بوابة شرقية للدول العربية للدخول إلي الأراضي الفلسطينية عبر الحدود الأردنية المتاخمة لغور الأردن ، فقد سبق و عبرت الجيوش العربية من خلال منطقة غور الأردن للأراضي الفلسطينية أثناء محاربتها لإسرائيل في عام 1967.

لذا بعد نكسة عام 1967 ، نفذت حكومة حزب العمل الإسرائيلية ، خطة ألون الاستعمارية ، التي تتمثل بإنشاء شبكة من المستوطنات العسكرية في منطقة غور الأردن ، وذلك حتى تكون تلك المستوطنات بمثابة حصانة أمنية إسرائيلية و بوابة عسكرية مغلقة أمام أية محاولات لاقتحام الحدود الفلسطينية المشتركة مع الأردن من قبل جيوش الدول العربية ، فبغض النظر عن توقيع إسرائيل لاتفاقية سلام مع كل من الأردن ومصر ، إلا و أن الإسرائيليين مازالوا لا يثقون بالعرب و يفكرون بشكل استراتيجي في حماية حدودهم المشتركة مع الفلسطينيين ، عن طريق إنشاء تلك الكتل الاستيطانية التي توفر الدعم العسكري و الأمني لقوات حرس الحدود الإسرائيلية المتواجدة في منطقة غور الأردن.

ثالثاً) عزل الشعب الفلسطيني جغرافيا عن القدس العاصمة

حسب الكاتب الإسرائيلي بنيامين شوارتز ، الذي نشر مقال باللغة الانجليزية بعنوان الأسباب المنطقية للاستيطان ، فإن من الأسباب الرئيسة لتأسيس وتوسيع مستوطنة معاليه أدوميم في القدس ، هو أن شارون أراد أن يُبعد الفلسطينيين في الضفة الغربية من الاقتراب من شارع ( 60 ) ، و أراد في نفس الوقت أن يعزل فلسطيني الضفة الغربية جغرافياً عن القدس، و يضع حاجز بينهم وبين سكان القدس ، لذا تم اقتطاع مساحات شاسعة من أراضي بلدة أبو ديس ، تبلغ نحو(50) ألف دونما لبناء وتوسيع تلك المستوطنة لكي تكون بمثابة فاصل ديمغرافي كبير ، يحد من التواصل بشكل قسري بين سكان الضفة الغربية و القدس ، مما يمزق الحلم الفلسطيني بإعلان القدس الشرقية كعاصمة أبدية للدولة الفلسطينية على حدود عام 1967.

رابعاً) نقاط أمنية و مراكز لجمع معلومات استخبارتية

و من الأسباب الأخرى لوجود المستوطنات في الضفة الغربية ، هو أن تلك المستوطنات يتم استخدامها من قبل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية كنقاط أمنية لاستقبال العملاء الذين يتعاونون مع إسرائيل في الضفة الغربية ، حيث أن اختراق المستوطنات الإسرائيلية لأراضي الضفة الغربية ، يوفر بيئة أمنة للتواصل و لالتقاء مسئولي أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية مع عملائهم العرب .

و تعتبر أيضاً تلك المستوطنات كأماكن أمنية هامة لاختراق الحياة الفلسطينية الخاصة بشكل يومي من أجل جمع معلومات دورية عن أنشطة عناصر المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية، لذا بكل بساطة لا تستطيع إسرائيل الاستغناء عن وسيلة رئيسة و إستراتيجية تخدمها في مجال عملها الاستخباراتي و الأمني.

و أخيراً ، بعد عرض مختصر للأسباب الأمنية و العسكرية ، من وراء استمرار إسرائيل بمشاريعها الاستيطانية في الضفة الغربية و القدس الشرقية ، لابد من القول أن إسرائيل تعتبر المستوطنات بمثابة سلاح استراتيجي ديمغرافي ، تواجه به الفلسطينيين و العرب سويا ، وهذا يفسر سبب فشل جميع مفاوضات السلام بين الإسرائيليين و الفلسطينيين ، لأن إسرائيل تعتقد أن أمنها القومي هو فوق كل الاعتبارات الأخرى ، وهي حسب تصريحات قياداتها ، لا تؤمن إسرائيل بالسلام المبني على حسن النوايا ، بل بالسلام الأمني الذي يؤمن حدودها ويضمن بقاء دولتها للأبد دون التعرض لأية تهديدات خارجية.

فإسرائيل بالأساس هي دولة أمنية وعسكرية، و منطلقات تأسيسها جاءت بناء على حاجة أمنية لتوفير وطن أمن ليهود العالم على حساب الفلسطينيين، بعد أن تم استهداف هؤلاء اليهود من قبل النازية الألمانية ، لذا يعتبر الأمن عند إسرائيل حجر الأساس في بناء دولتهم العبرية.

و بناءً على ذلك التصنيف الأمني لإسرائيل، أعتقد أن على المفاوض الفلسطيني أن يدرس بدقة وجدية الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية، و أن يحاول الفهم بشكل جيد ومعمق ، العقلية و السيكولوجية الأمنية للطرف الإسرائيلي ، لكي يستطيع التفاوض معه بشكل عقلاني و منطقي حول أي موضوع يتعلق بالأرض و الأمن معا.

و أعتقد أيضا ، أن فريق التفاوض الفلسطيني ، يجب أن لا يشمل فقط خبراء فلسطينيين يحملون الشهادات العليا في الدبلوماسية و علم المفاوضات، بل يجب أن يشمل هذا الفريق أيضاً ، خبراء أمن و ضباط عسكريين فلسطينيين، لكي يستطيعوا تقديم ردود أمنية بحتة تخدم مصلحة الشعب الفلسطيني ، وتمكنهم من التصدي لأي حجة إسرائيلية تتهرب من خلالها عن مناقشة موضوع الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي الفلسطينية ، وحسم الحدود النهائية للدولتين وذلك تحت ذريعة أمن إسرائيل ونظريتها في الدفاع عن النفس.

فالسياسة بشكل عام و المفاوضات بشكل خاص ، هما علم كبير ، و ليس مجرد حوارات ونقاشات تدور حول دائرة مستديرة ، بل هي حسابات أمنية وعسكرية، يجب أن يقوم بها خبراء أمن استراتيجي، لديهم رؤية أمنية خاصة تتعلق بمستقبل الدولة الفلسطينية، وكيفية رسم حدودها بشكل دقيق يضمن سيادة الدولة الفلسطينية ، ويضمن عدم اختراقها من قبل الجيش الإسرائيلي في أي وقت .

وهنا لابد من الإشارة أن الفلسطينيين يتعاملون مع دولة أمنية ومتفوقة عسكرية ، تُصدر أسلحتها التكنولوجية للعالم و تتفاخر بتقديمها استشارات أمنية لحلفائها، لذا علينا كفلسطينيين أن نتعامل مع العقلية الأمنية الإسرائيلية بذكاء شديد و بمنطقية واقعية و بحجة قوية ، و ليس بناءً على اعتقادات أيدلوجية و انفعالات عاطفية ، قد تضللنا عن رؤية الواقع كما هو ، وقد تجعلنا نشعر بالإحباط بسبب عدم تمكنا من التعامل مع الدهاء الأمني للطرف الإسرائيلي، الذي يرفض الاعتراف بالحدود النهائية للدولة الفلسطينية ، مما يجعل حلم تحقيق الدولة الفلسطينية المستقلة حتى الآن حلم بعيد المنال بسبب فقدان الفلسطينيين لشروط تأسيس الدولة الفلسطينية التي تتمثل بالسيادة و التواصل الجغرافي للأراضي الفلسطينية و الاعتراف الدولي .

لذا فلنفكر سوياً ، كيف يمكننا كفلسطينيين تبديد المزاعم الإسرائيلية و ذرائعهم الأمنية لوجود تلك المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وشرق القدس ، من أجل الوصول لاتفاق سلام نهائي عادل ينهى الصراع للأبد ويفسح المجال لنا كشعب فلسطيني ببناء دولتنا المستقلة القابلة للحياة على حدود عام 1967 ، وعاصمتها القدس الشرقية.