علي حيدر:

إذا ما تجاوزنا جذور الخلاف بين المملكة السعودية وإمارة قطر، والدور الأميركي في ابتزاز الطرفين، وأبعاداً أخرى تتصل بسياسات وعلاقات قطر الإقليمية، التي قد تتمايز عن الرياض في بعض معالمها، فقد كانت لافتة دعوة وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، قطر وقف دعم «حماس» (والإخوان المسلمين)، كشرط لحلّ الأزمة، مؤكداً أن المملكة لا تريد إلحاق الضرر بقطر، ولكن عليها أن تتخذ خياراً وتختار طريقها.

ما تريده السعودية من قطر له مجالاته ومقاربته. لكن السؤال الذي يحظى باهتمامنا، هو حول ما تريده السعودية من حركة «حماس». فما الذي يُغضب حكام الرياض حتى يكنوا للحركة كلّ هذا التحامل الذي أظهر الجبير بعضاً منه؟ وأيّ أداء تعترض عليه السعودية، وفي أيّ ساحة؟
في الموضوع السوري، تجاوزت «حركة حماس» كلّ الدعم الذي قدّمه لها النظام والرئيس بشار الأسد، وتجاهلت حقيقة أنه رفض كل الإغراءات للتخلي عن خيار دعم المقاومة الفلسطينية، ووقف بوجه كلّ التهديدات في هذا المجال. وكان موقفها الصريح والعلني من الأحداث التي تشهدها سوريا أقرب إلى النظام السعودي وكلّ المحور الذي تنتمي إليه.

في الموقف من مصر، إلى حين صدور موقف الجبير كانت العلاقات بين «حماس» والقاهرة أفضل مما كانت عليه سابقاً، وبالتالي لا يوجد أيّ مبرر للضغط على الحركة من هذه البوابة، في هذه المرحلة.
أما بخصوص كون «حماس» جزءاً وامتداداً لحركة «الإخوان المسلمين»، فإنّ السعودية تدرك أن للحركة خصوصية تنبع من كونها حركة مقاومة، ولا تشكّل التهديد المفترض الذي يشكله «الإخوان المسلمون». هذا مع الإشارة إلى أن الموقف السعودي يختلف من حركات «الإخوان المسلمين» من بلد الى آخر. فأتباع الطرفين في سوريا واليمن هم حلفاء ويقاتلون أعداء مشتركين، فيما تدعم الرياض النظام المصري الذي يخوض صراع وجود مع «الإخوان».
على ما تقدم، وبلحاظ التوقيت والسياق السياسي الذي تشهده المنطقة، وفي ظل الخيارات السعودية الصريحة في الانفتاح على إسرائيل، وبعد الصفقة ــ المعادلة التي قدمت بموجبها حوالى نصف ثروتها مقابل الحماية والدعم من الولايات المتحدة، يعكس المطلب السعودي بوقف دعم «حماس»، أكثر من مفهوم أو رسالة سياسية.
من نافلة الكلام أن السعودية لا تكتفي فقط برفض مقاومة الشعب الفلسطيني ضد الكيان الإسرائيلي، بل ترى فيه تهديداً لخياراتها وللمعسكر الذي تنتمي إليه في المنطقة. وتتعزز هذه الرؤية السعودية تحديداً في هذه المرحلة التاريخية التي تمر بها القضية الفلسطينية والمنطقة.
بلحاظ مواقفهم العدائية ضد المقاومة في فلسطين ولبنان، يظهر أن آل سعود يتعاملون مع المواقف المتشددة ضد الاحتلال الإسرائيلي، والضربات التي يتلقاها كما لو أنها موجهة ضد كيانهم ووجودهم. وتعكس تصريحات ومواقف المسؤولين السعوديين، في العديد من محطات الصراع بين المقاومة وإسرائيل، أن ضربات المقاومة التي كان يتردد صداها في تل أبيب، كانت أعراض آلامها تظهر أيضاً في الرياض.
ليست المرة الأولى التي تظهر فيها هذه الهوة العميقة بين خيارات الشعب الفلسطيني المقاوم، وبين المملكة السعودية التي لا تتردد في التعبير عن استعداداها لإضفاء شرعية عربية و«إسلامية» على الاحتلال الإسرائيلي، وصولاً إلى اعتباره حليفاً علنياً في خريطة موازين القوى الإقليمية.
بعدما قطعت السعودية أشواطاً في تدجين الرأي العام للانتقال في العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي إلى المرحلة العلنية، وفي ظلّ مساعي الرئيس الأميركي الجديد في الدفع نحو صفقة إقليمية كبرى بين إسرئيل والسعودية ومعها بقية دول «الاعتدال العربي»، بات لزاماً على الرياض المواكبة عبر مسار تمهيدي تصاعدي ضاغط على فصائل المقاومة الفلسطينية.
ومن هنا، لم تلقَ الوثيقة السياسية التي قدَّمتها «حماس» وأظهرت فيها أقصى ما يمكنها من «المرونة» السياسية في هذه المرحلة، أصداء إيجابية في الرياض. إنما أتى الموقف السعودي الذي عبّر عنه وزير الخارجية، كصدى وامتداد لردود فعل تل أبيب وواشنطن. والسبب بكل بساطة ووضوح، أنهم لا يرضون بأقل من الخضوع والاستسلام الصريح والمباشر الذي يتمثل بالاعتراف بوجود إسرائيل والتخلي الصريح عن خيار المقاومة المسلحة، ومن ثم الجلوس على طاولة المفاوضات من موقع الضعف والمتلقي لإملاءات الآخرين.
مشكلة السعودية في الانتقال السريع إلى التحالف مع الكيان الإسرائيلي أن أكثر من سيكشف ويدين مخططها هو الشعب الفلسطيني. لأنها في هذه الحالة ستضعه بين خيارين: إما أن يواصل طريق المقاومة، ولن يجد سوى في الجمهورية الإسلامية في إيران وحلفائها من يملك الجرأة والإرادة على تقديم الدعم له ضد الاحتلال؛ وإما أن يتخلى عن خيار المقاومة، كما تطلب منه السعودية، والسكوت على جرائم الاحتلال ومستوطناته وتهويده وتشتت أبنائه في بلاد اللجوء، وبالتالي ضياع قضية فلسطين. وسيكون عليه في هذه الحالة، أن يرضى باليسير الذي يُقدَّم له تحت مسمى «التسوية النهائية»، تماشياً مع حسابات النظام السعودي وأولوياته التي يتداخل فيها الحقد والتخلف والتبعية للسيد الأميركي.
وهكذا، يتضح أنّ خلفية الموقف السعودي المتشدّد في الضغط على مقاومة الشعب الفلسطيني، في هذه المرحلة تحديداً، تنطلق من إدراك مسبق بأن أيّ فعل مقاوم يمارسه أيّ فصيل أو أحد أبناء الشعب الفلسطيني بشكل فردي، ضد الاحتلال، يشكّل إدانة للصفقة الإقليمية الكبرى، ويكشف أنّها تستهدف تصفية القضية الفلسطينية، وأنها تستكمل المخطط ــ الصفقة التي شهدتها المنطقة في أربعينيات القرن الماضي وأدت إلى إنتاج وتأسيس دولة إسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني.
من هنا، لم يكن غريباً أن تبادر السعودية بنفسها لممارسة الضغوط على المقاومة الفلسطينية عامة و«حماس» خاصة، التي ترى في إخضاعها مدخلاً لإخضاع مجمل الساحة الفلسطينية. بل ينبغي النظر إلى المطلب الذي قدمه الجبير كشرط لحلّ الأزمة مع قطر، على أنه محطة لها لما بعدها… والتي سنشهد لاحقاً تجلياتها الأكثر تطرفاً في معارضة مقاومة الشعب الفلسطيني.