بين صمت حمساوي وتحشيد دحلاني إعلامي، لا يزال الحديث عن صفقة بين «حماس» ومحمد دحلان يشغل الفلسطينيين. فالحركة لم تبادر إلى نفي مطلق، إنما يُسِرّ بعض قيادييها بأن الأمور «تضخّم» كالعادة، فيما لا يسارعون إلى نفي كامل لعلمهم بأنّ الحديث عن تصالح مع دحلان ودورٍ له يغيظ محمود عباس أيّما غيظ

هاني إبراهيم:

غزة | ماذا جنى وفد حركة «حماس» العائد من القاهرة؟ لم تجب «حماس» حتى اللحظة عن هذا السؤال، إذ لم يعقد بعد مؤتمر تعلن فيه الحركة ما توصلت إليه مع السلطات المصرية، وربما لن يحدث ذلك أسوة بما جرى بعد زيارات سابقة، رغم أن قيادات في الحركة أكدت أن الأخيرة ستعلن بعض التفاصيل في مؤتمر خلال الأيام المقبلة.

فالطابع الأمني لزيارة الوفد، والشخصيات التي قابلها هناك (رئيس جهاز المخابرات المصرية خالد فوزي)، يصبغان خط التواصل الحمساوي ــ المصري بالصبغة الأمنية، كما أن «طبخة كاملة» لم تنضج بعد، والأهم أن الحركة لا تريد أن تعلن أي شيء على عاتقها حتى لا تعِدَ بما لا تملك، ولذلك «فليقُل دحلان… أو المصريون، ما يريدون، وليتحمّلوا هم تبعات الوعود»، تشرح مصادر حمساوية في غزة.
وكان لافتاً أن تأخير كشف بعض التفاصيل يرجع إلى أن «مكتب الخارج» لم تصل إليه التفاصيل كافة إلا بعد عودة الوفد إلى غزة، وذلك لاعتبارات تتعلق بصعوبة التواصل في ظل الأزمة الجارية مع قطر، خاصة أن القاهرة، حيث كان الوفد، رأس حربة فيها. وفي الأيام الأولى لزيارة الوفد، عندما بدأت الأزمة مع قطر، لم يظهر للزائرين، الذين طلبت المخابرات المصرية قدومهم بصورة استثنائية، أن زيارتهم تصادفت مع الأزمة، أو أن القاهرة تعمدت طلب قدومهم مع علمها سلفاً بتوقيت الحرب الخليجية الداخلية، كي يمثل ذلك جبهة ضغط على «حماس».
ما زاد الشكوك أن القاهرة لم تجامل الوفد بفتح معبر رفح للعالقين أو المسافرين من غزة خلال خروجه أو عودته، كما كانت الحال في مرات سابقة، عند ما كان يفتح المعبر لعبور المسافرين فيما يخرج وفد ما أو يعود، خاصة أن شهر رمضان وما قبل عيد الفطر وكذلك إجازة الصيف هي «مواسم التسهيلات» المصرية التي ينتظرها الغزيون عادة.
على الأقل، ضَمِن الوفد وعداً مصرياً بالسماح لرئيس المكتب السياسي للحركة، إسماعيل هنية، بالخروج في مطلع الشهر المقبل، لبدء جولة خارجية، غالباً ستكون وجهتها إيران، خاصة في حال لم تكن الأزمة مع قطر قد انتهت في ذلك الوقت، على أنّ لبنان وجهة أولى حفّز المصريون على البدء منها، لكي لا يثير ذلك السعوديين، وهو ما نقله الوفد لهنية.
أما الحديث القديم ــ الجديد عن عودة النائب المفصول من حركة «فتح»، محمد دحلان، إلى الحياة السياسية الفلسطينية عبر بوابة غزة، فهو أولاً حلم لا يخفيه النائب المدعوم إماراتياً، بل عبر عنه خلال الأيام الماضية على صورة «بشريات» وعد بها ليس المحاصرين في غزة، بل فلسطينيي الضفة المحتلة، عبر حسابه على «فايسبوك».
ينقل مسؤول مصري مطلع على المباحثات أن اللقاءات الأخيرة أشرف عليها خالد فوزي شخصيًا ولم يرسل وكيله كما جرت العادة. وبشأن عناوين التفاهمات، يشرح أنها كانت في جانبين: الأول يتعلق بترتيب الإدارة السياسية والميدانية بين «حماس» ودحلان في غزة، والثاني بترتيب العلاقة الأمنية مع مصر وعلى الحدود.
وقال المسؤول نفسه إن القاهرة أعطت «الضوء الأخضر لوفد حماس ودحلان بالتوصل إلى حل حول الشق الأول، وسيباركه ويعمل على اعتماده»، مشيراً إلى أنه في سبيل ذلك عقد وفد «حماس» ومستشارو دحلان أربعة لقاءات تمخض عنها «اتفاق مبدئي لتشكيل لجنة إدارية مشتركة لإدارة غزة، تتفرع عنها لجان تعمل على تنفيذ الاتفاقات التي تتضمن إعادة تشغيل معبر رفح والمعابر الأخرى، وإدارة الوزارات في القطاع، فيما يبقى الملف الأمني ــ باستثناء الشريط الحدودي ــ تمسك به حماس».
البند الأخير هو ما كان يعني المصريين خلال المحادثات، إذ إن نظرتهم إلى غزة كملف أمني بدرجة أولى لا تزال هي المسيطرة، كما ينقل مطلعون على الزيارة. ويتقاطع ذلك مع ما قاله القيادي الحمساوي موسى أبو مرزوق خلال زيارته الأخيرة إلى بيروت (تبعت وجوده في القاهرة)، حيث أبلغ مسؤولين لبنانيين بأن «الحوار مع مصر إيجابي… والتوافق الأساسي هو على دور أكبر في ملف داعش في سيناء»، كما نفى أن يكونوا قد أبلغوا رسمياً بالخروج من قطر. وكان ملاحظاً خلال زيارته أن حديثه ركز على أزمة «حماس» والعلاقة بكل من مصر وقطر أكثر من الحديث عن وضع المخيمات الفلسطينية في لبنان.
ومن جملة ما اتفق عليه إجراءات جديدة على الحدود تنفذها «حماس» ضمن خطة أمنية متكاملة لحماية الحدود، وذلك بتعزيز قواتها وإنشاء خط على مدار الحدود وتوفير إنارة دائمة هناك ليلاً، وهو ما بدت ملامحه سريعاً عبر زيارة أحد أعضاء الوفد (مسؤول الأجهزة الأمنية في القطاع توفيق أبو نعيم) إلى الحدود مباشرة بعد عودته من مصر.

وبشأن الخلاف على قوائم مطلوبين تصرّ مصر دوماً على تسليمهم، ومنهم فلسطينيون وآخرون كانوا يخدمون تنظيم «ولاية سيناء» وأُمسك بهم في غزة، أفاد القيادي الحمساوي أحمد يوسف بأن «حماس» اقترحت هذه المرة بأن تحاكم الحركة «أي متهم بتجاوزات داخل غزة دون تسليمه لمصر». وأضاف يوسف، في حديث إلى «الأخبار»، أن «الجانب المصري تفهم الجهد الذي تبذله حماس على صعيد ملاحقة المتطرفين»، خاصة أن أي عملية تسليم ستضع الحركة على مهداف السلفيين بصورة كبيرة، لأنها ستظهرها متعاونة أمنياً مع المخابرات المصرية.
«جرعة التفاؤل» الكبرى أعاد تأكيدها القيادي المحسوب على دحلان، سمير المشهراوي، الذي تحدث عن لقاء تم بين دحلان والسنوار، شارحاً في حوار متلفز أمس، أن الوفد من جهتهم ضم أيضاً النائب ماجد أبو شمالة والقياديين سليمان أبو مطلق وسامي أبو سمهدانة.
وأضاف المشهراوي أنهم (تيار دحلان) أخطأوا كما حال «حماس»، لكن «من يريد بناء نظام ديموقراطي عليه أن يبدأ بانتقاد نفسه»، لافتاً إلى أن اللقاءات «نجم عنها اعتماد وثيقة الأسرى… ما ينشر بشأن الاتفاق على دولة في غزة كلام فارغ». وتابع: «لا يجوز أن نرتهن لمزاج شخص ــ رئيس السلطة محمود عباس ــ وقررنا مغادرة مربع العجز والهوان»، مبيّناً أنهم لمسوا لدى «حماس» رغبة مماثلة، وثمة «مقترحات ستصبح موضع التنفيذ في القريب العاجل».


تفاصيل «الاتفاق الحلم»

ينقل الإعلامي والكاتب المقرب من حركة «حماس» فايز أبو شمالة، الذي تربطه علاقة جيدة برئيس «حماس» في غزة يحيى السنوار، أنه خلال المحادثات بين وفد الحركة ومحمد دحلان، تم التوافق على فتح معبر رفح بصورة تجريبية لمدة شهرين، ضمن طواقم جديدة ستعمل في المعبر بعد عيد الفطر مباشرة. وفي حال نجح الاتفاق، سوف يستكمل فتح المعبر بصورة دائمة للجانب التجاري، ووفق الآلية السابقة لتنقل الأفراد.
أبو شمالة، الذي كان من أوائل المتحدثين عن اتفاق بين دحلان و«حماس» بمباركة مصرية، قال إن التفاهم جرى على أن المعبر سيفتح وفق آلية 2005، وهو الاتفاق الذي أشرف عليه دحلان سابقاً عندما كانت هناك رقابة أوروبية على المعبر. لكنه شرح أن الاتفاق مبدئي، وسيجرى التفاهم على الآليات لاحقاً. كذلك، أوضح أن الاتفاق ينص على سماح السلطات المصرية لأي شخصية من «حماس» بمغادرة القطاع، إضافة إلى أن الضرائب العائدة من المعبر ستكون مخصصة لصرف رواتب موظفي غزة.
هذا الحديث تقاطع مع إفادة أحمد يوسف الذي قال إن ثمة مؤشرات إيجابية خلال المرحلة المقبلة، ستتكلل فعلياً «بفتح معبر رفح، وتسهيل حركة المواطنين وعبور المواد الخاصة بالبناء والإنشاءات، وزيادة كميتها، كما الحال مع الكهرباء».
في ملف آخر، نقل أبو شمالة أنه تم رصد 50 مليون دولار لبدء المصالحة الاجتماعية ودفع التعويضات والديات لقتلى أحداث 2007، على أن يبدأ العمل بذلك قريباً خلال زيارة وفد من القاهرة عندما يبدأ فتح المعبر، كما أن «دحلان سيعود خلال المرحلة التجريبية ويحضر جلسة للمجلس التشريعي» تعقد في غزة.