يحيى دبوق:

في العادة المتبعة إسرائيلياً، يتحدث رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، أو أحد ضباط الأركان العامة للجيش، بمناسبة رأس السنة العبرية التي حلت أمس، عبر مقابلات إعلامية ليطمئن الإسرائيليين إلى وضعهم الأمني، وإلى جاهزية الجيش الإسرائيلي واستعداده لمواجهة أي تحديات أو أخطار.

تميزت المناسبة هذه السنة بمقابلتين لرئيس أركان الجيش الإسرائيلي، غادي أيزنكوت: أولى مع موقع «واللا» الإخباري، والثانية مع موقع صحيفة يديعوت أحرونوت. والمقابلتان، اللتان يمكن القول إنهما مستنسختان، وجهتا في الأساس وكما كان متوقعاً لطمأنة الإسرائيليين، لكنهما لم تخلوا من رسائل و«تهديدات» ــ إلى جانب إشارات «حكمة» ــ تجاه «قوس الأعداء» الممتد من إيران إلى سوريا ولبنان، وتحديداً ما يرتبط بالتهديدات المتشكلة في سوريا، في مرحلة ما بعد انتصار الدولة السورية وحلفائها.

لنتصرف بحكمة وصبر… تجاه الساحة اللبنانية

لم تخلُ مقابلات أيزنكوت، تجاه الساحة اللبنانية، من إشارات «الغطرسة»، الصفة التي سأله عنها المحاورون، وسعى إلى دفعها في إجاباته. لكنها غطرسة كانت مطلوبة في سياق طمأنة الإسرائيليين، وإن كانت أيضاً لأغراض تعزيز الردع تجاه الجانب الثاني من الحدود. المفارقة أن المقابلتين لم تخلوا من إشارات «الحكمة»، والحثّ على التريث في مواجهة التحديات في لبنان، مع طلب «مزيد من الوقت»، إضافة إلى الإقرار غير المباشر بمعادلة الردع المتبادل مع حزب الله. لا داعي لعرض المواقف المتكررة التي وردت على لسان أيزنكوت، والتي لا جديد فيها، إذ باتت نوعاً من «اللوازم الكلامية». لكن من المجدي الإشارة حصراً إلى جملة مواقف جديدة:
سؤال: تهاجمون في سوريا. هذا ما أقرّ به رئيس الحكومة (بنيامين نتنياهو)، لكن عندما تصل الأمور إلى لبنان، الوضع يختلف؟
إجابة أيزنكوت عن هذا السؤال، جاءت إقراراً بحضور وفاعلية المعادلة القائمة مع حزب الله: الردع المتبادل. معادلة يؤدي خرقها إلى إمكان الانجرار إلى مواجهة، من مصلحة إسرائيل الابتعاد عنها. أجاب أيزنكوت: «تبلوَرَ وضع في لبنان منذ حرب لبنان الثانية (عام 2006)، كانت فيه هجمات (من جانب إسرائيل) رداً على أحداث حصراً. تبلوَرَ وضعٌ أمني هادئ على جانبي الحدود. التحدي الماثل أمامنا (تجاه الساحة اللبنانية) هو ضرورة منع تهديد استراتيجي (في لبنان)، ومن جهة أخرى الحفاظ على الوضع الأمني الهادئ، المتواصل منذ 11 عاماً، من أجل رفاهية السكان في كلا الجانبين».

مع ذلك، يؤكد أيزنكوت أن «الجيش الإسرائيلي أقوى». ويشير إلى أن الميزان الاستراتيجي هو لمصلحة إسرائيل. في المقابل، يجدد استبعاده نشوب حرب، ورفضه مقولة «إننا الآن موجودون عشية الحرب المقبلة»، رداً على سؤال المحاورين. وقال: «أنا لا أشخّص وجود رغبة أو حافز، من جانب أيٍّ من أعدائنا، لشن حرب ابتدائية علينا». وتجاوز أيزنكوت في إجابته الشق الثاني من السؤال، عن الحرب الابتدائية من جانب إسرائيل، وإمكان وقوعها في خطأ حسابات مغلوطة.
لكن كيف يمكن مواجهة حزب الله؟ سأل المحاورون في المقابلتين، وإن بعبارات مختلفة. إجابات أيزنكوت جاءت عامة، وإن كانت تحمل إشارات الإدراك الإسرائيلي المسبق لمحدودية فاعلية القوة العسكرية في تحقيق الأهداف، مع المكابرة، والإصرار على التذكير أيضاً، بقوة الجيش الإسرائيلي. يجيب أيزنكوت: «إنها عملية تستغرق وقتاً طويلاً. صورة الاستخبارات الموجودة لدينا هي أن (الأمين العام لحزب الله السيد حسن) نصرالله لا يزال موجوداً في جميع القرى (في جنوب لبنان)، وبالتأكيد في القرى القريبة من إسرائيل. وهو يبني هناك قدرات (عسكرية) بشكل متواصل وبلا انقطاع. في هذا الواقع المعقد، من الحكمة التصرف على نحو صحيح».
أضاف أيزنكوت: «الجديد في لبنان في العام الماضي (العبري)، هو انتخاب رئيس للجمهورية، وكذلك رئيس للحكومة، والمطالبة بتحمل الدولة اللبنانية مسؤولياتها. فبعد وقت قصير من استعراض نصرالله وعناصره قوتهم مع تصريحات عدائية (على الحدود مع فلسطين المحتلة)، سارع سعد الدين الحريري إلى هناك، وأراد المحافظة على الهدوء. عاد وزار (الحريري) الولايات المتحدة، وسمع هناك (من الأميركيين) طلباً بضرورة ممارسة الدولة اللبنانية مسؤولياتها. كذلك قائد الجيش اللبناني (العماد جوزيف عون)، الذي شدد مفاخراً بالانتصار الذي تحقق في القلمون، قائلاً: «نحن قادمون الآن، من أجل تطبيق مسؤوليتنا في الجنوب»».
وأردف أيزنكوت: «الجيش الإسرائيلي يستثمر معظم استعداده للمواجهة شمالاً بما يشمل الجبهة مع لبنان، حيث يوجد رئيس جمهورية وقائد جيش ومؤسسة عسكرية. ومسؤولية الدولة اللبنانية تجاه حزب الله، هي جزء أساسي في أي مواجهة مستقبلية، إذا حدث تصعيد».نذير شؤم في سوريا

سؤال: ما هي الخطوط الحمراء إزاء ما يحدث في سوريا؟
أيزنكوت: «ليس من الصواب وضع خطوط حمراء، كما ليس من الصواب إعلان خطوط حمراء. في الأشهر الأخيرة يتبلور وضع خطير جداً في سوريا، حيث تسعى إيران إلى النفوذ الإقليمي، وإذا نجحت إيران في سوريا، فستكون نذير شؤم للمنطقة كلها وللمعسكر السني المعتدل وأيضاً للعالم كله، ولهذا السبب وضعنا التهديد الإيراني وكبح مساعي إيران لفرض نفوذها في المنطقة، على رأس سلم أولوياتنا».
سؤال: حسب التقارير المنشورة أخيراً، رفضت روسيا وأميركا طلب إسرائيل إيجاد منطقة خالية من القوات الإيرانية بعمق 60 كيلومتراً في جنوب سوريا؟
أيزنكوت: «لم يأتِ رد سلبي. توجد محادثات باتجاه تسوية في هذه المرحلة، ومن المقدر أن يوقع على الاتفاق مطلع الشهر المقبل. الطلب الإسرائيلي هو إبعاد القوات الإيرانية من سوريا، الأمر الذي يخدم المصالح الأمنية لإسرائيل وأيضاً من أجل الاستقرار الأمني الإقليمي. لكن الطلب الفوري الآني، كان إبعادهم هم أو قوات من حزب الله، عن الحدود. والرسالة قد وصلت».
وهل هناك خلاف مع أميركا وروسيا، حول هذا الموضوع؟
أيزنكوت: «لا خلاف مع الأميركيين. الموقف مع واشنطن مشترك وواحد. وأوضحنا للروس أننا نطالب بإخراجهم إلى مسافات طويلة في العمق السوري، وكذلك نطالب بإخراج كل القوات الإيرانية في اليوم الذي يلي. وأقول للأوروبيين إن سيطرة شيعية في سوريا تعني أن ملايين السوريين سيهاجرون إليكم».


السلطة الفلسطينية مصلحة إسرائيلية

في سياق مقابلتيه مع موقعَي «واللا» و«يديعوت أحرونوت»، أكد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، غادي أيزنكوت، أن «إيران هي التهديد المركزي لإسرائيل في السنوات العشر الأخيرة، ونحن نبذل جهوداً لمواجهة هذا التهديد، وهو على رأس سلم أولويات الجيش الإسرائيلي، قبل الاتفاق النووي وفي أعقابه أيضاً، للحؤول دون تحولها إلى كوريا شمالية إقليمية». ولفت إلى أن «إيران هي هدف لإسرائيل، وكذلك للدول «السنية المعتدلة» في الشرق الأوسط، وكذلك للعالم كله». وأشار إلى أن المهمة رقم واحد للجيش الإسرائيلي، هي منع وصول إيران إلى قدرة نووية، وكذلك تقليص نفوذها في المنطقة.
وفيما أكد أيزنكوت أن إيران لا تخرق، في المحصلة النهائية، بنود الاتفاق النووي لعام 2015. ورد على سؤال إن كانت إسرائيل تملك القدرة الفعلية على مهاجمة إيران عسكرياً، بالقول إنه «عندما يتحدث صاحب القرار السياسي عن أن لدى إسرائيل قدرة، فهذا يعني أن لدى الجيش خططاً أساسية، إذا طلب منه فعل شيء ما، وهو يعرف التصرف ويعرف كيف يحقق الأهداف، التي رسمت له من قبل المؤسسة السياسية».
وتطرق أيزنكوت إلى الأوضاع في قطاع غزة والضفة الغربية، مشدداً على الفائدة الكبيرة لإسرائيل، في وجود السلطة الفلسطينية، وقال إن «وجود السلطة هي مصلحة إسرائيلية، لكونها تحمل عبئاً أكثر من مليوني فلسطيني في الضفة الغربية». ووصف العلاقات بين الجيش الإسرائيلي وأجهزة الأمن الفلسطينية بالجيدة، مشدداً على أنها «مصلحة مشتركة للطرفين».
وفي تقدير غير مباشر، استبعد أيزنكوت إمكان التوصل إلى صفقة تبادل أسرى مع حركة حماس في قطاع غزة، مشيراً إلى أنه «لا يحمل بشائر لعائلات الجنود المفقودين في غزة»، وأكد أن «لا جديد في هذا الملف». ولفت في المقابل إلى وجود تغييرات في الساحة الفلسطينية بشكل عام، وفي قطاع غزة بشكل خاص، و«نحن نعمل على إعادة الجنود لدفنهم في إسرائيل».