بعد 23 عاماً، ماذا جنى الأردن من «وادي عربة»… أو ماذا جنت إسرائيل من هذه الاتفاقية؟ تبدو إجابة السؤال من جانبه الثاني أوفر حظاً، إذ حصد العدو راحة بال لم تكلفه حتى إنشاء سياج متين، أو جدار كما الحال مع غزة والضفة وجزء من سيناء، على أطول حدود مع دولة عربية. أكثر من ذلك، بينما يدخل الإسرائيلي حدود المملكة بلا تأشيرة، يحتاج الأردني إلى تأشيرة من سفارة العدو لدى بلاده ليدخل إلى فلسطين. ليس هذا من باب محاربة عمّان التطبيع، بل لأن مبدأ المعاملة بالمثل غائب، لا في دخول رعايا الطرفين إلى حدود بعضهما بعضاً… بل في كل بنود اتفاق التسوية وملحقاته

أسماء عواد:
عمان | ترتفع لوحات تحذيرية من قطعان الجِمال والرمال المتحركة ما إن تصل إلى وادي عربة على الطريق الصحراوية بين البحر الميت وخليج العقبة، جنوب الأراضي الأردنية. في هذا الوادي الذي يبلغ طوله نحو 85 كلم، اجتمع في مثل هذا اليوم عام 1994 كبار المسؤولين الأردنيين برئاسة الملك الراحل حسين، والإسرائيليين برئاسة عيزر وايزمن وشمعون بيريز، والأميركيين برئاسة بيل كلينتون. كان الهدف توقيع «معاهدة سلام» بين الأردن وإسرائيل برعاية أميركية.

كانت النتيجة أن اعترف الأردن بإسرائيل «دولة ذات سيادة على فلسطين» لا يشار إليها بوصف كيان محتل، ولا حتى عدو سابق استولى، على أقل تقدير، على أراضي الضفة المحتلة عام 1967 حينما كانت تحت السيادة الأردنية. أما النتيجة الأهم، فكانت أن إسرائيل فصلت بالاتفاقية الموضوع الفلسطيني عن علاقتها بالأردن، إذ إن كامل البنود مقتصرة على «مواضيع تتعلق بالدولتين» حتى في الزاوية المتعلقة باللاجئين والنازحين، كما وصفت العلاقة السابقة بين الجانبين بأنها نزاع، على سبيل النزاع الحدودي مثلاً!

ذريعة الاقتصاد

شكّلت جملة الظروف التي مرّ بها الأردن قبل ما يقارب ربع قرن ذرائع للنظام استند إليها في المضي إلى طريق «السلام» الذي وصف كثيرون بأنه «سلام حار»، وهو وصف يتطابق حقيقة مع اتفاقية شاملة تقفز عن مفهوم الاتفاق السياسي الأمني العسكري حصراً. جاء آنذاك على لسان الملك حسين في خطابه أمام «المؤتمر الوطني العام» عام 1991، قبيل التوجه إلى «مؤتمر مدريد للسلام»، قوله: «لا أظنني أفاجئكم في الحديث عنه (السلام)، أو في سعينا الجاد لبلوغه أو التبشير بمركزيته في حزمة آمالنا، وبأهميته لمواصلة مسيرتنا كدولة وشعب، وبضرورته حتى نعيش حياتنا الطبيعية التي هي حق مشروع لكل إنسان كي يحلم ويعمل ويخطط لنفسه ولأسرته ويرفع من مستوى معيشته».
الآن، بعد 23 عاماً على توقيع ذلك الاتفاق، هل نجحت الدولة الأردنية بالفعل في تحقيق مكاسب لمواطنيها ورفع مستوى معيشتهم كما وعد الملك، شرط التزام بنود «وادي عربة» (سميت الاتفاقية على اسم القطاع الثالث من أصل أربعة قطاعات تمثل الحدود الرسمية بين الأردن وفلسطين إلى جانب نهر الأردن والبحر الميت وخليج العقبة). بنظرة سريعة إلى الواقع الاقتصادي، نجد أن النظام الأردني بدأ علاقاته الرسمية مع إسرائيل بمديونية تبلغ ما يقارب 7 مليارات دولار أميركي لتصل الآن إلى نحو 38 ملياراً. وبعبارة أخرى: يشكّل الدين العام ما يربو على 96% من الناتج المحلي الإجمالي المعتمِد على الضرائب بنسبة تناهز 70% من مجمل ما يدخل للخزينة!
جراء ذلك، يتعرض الأردن لضغوط من «صندوق النقد الدولي» بسبب ارتفاع مديونيته، وفي المقابل، لم تجد الحكومة سوى بعث رسائل «حسن نيات» تتعهد فيها تحصيل ملايين الدولارات بسنّ قانون ضريبة جديد ورفع الدعم عن بعض السلع، حتى إن الحديث الآن عن نيتها رفع أسعار الخبز، فأين الانتعاش الموعود؟ الاتفاقية الأردنية ــ الإسرائيلية الدقيقة ترتبط نصف بنودها الثلاثين مباشرة بقضايا اقتصادية لا تستهدف العلاقات الثنائية فقط، التي تظهر كأنها هدف مرحلي، بل تؤسس بصورة استراتيجية لعلاقات «ضمن الإطار الأوسع للتعاون الاقتصادي الإقليمي»، كما ورد حرفياً في المادة السابعة منها، وذلك بالتركيز على العلاقات التطبيعية أو «الطبيعية» طبقاً للنص الرسمي.
تؤكد الوقائع التالية أن المشاريع التي أُعلنت لم ينتعش إثرها الاقتصاد الأردني، وحتى تلك المشاريع التنموية المشتركة لمنطقة العقبة (البوابة البحرية الأردنية الوحيدة) و«إيلات»، والمتعلقة بالسياحة والرسوم الجمركية ومناطق التجارة الحرة والطيران، أو التي تناولت النقل والتفاهمات التي لحقت توقيع «وادي عربة»، وأيضاً البند الخاص بالعلاقات الاقتصادية، استفاد منه أكثر ما استفاد الطرف الإسرائيلي، الذي تخلص من مبدأ المقاطعة الأردنية بإزالة ما كان يعوق العلاقات الاقتصادية «الطبيعية»، علماً أن هذه النقطة ترد أيضاً في اتفاقية «كامب ديفيد» مع مصر، بل كُتب تعهد بأن العلاقات «ينبغي أن تسير بهدي مبادئ الانسياب الحر الذي لا يعترض شيء سبيله» وفق البند السابع.
واليوم الجانب الإسرائيلي هو المستفيد الأكبر، فقد ضَمِن سوقاً لبضائعه ومعبراً لها إلى دول المنطقة حتى لو استدعى الأمر إزالة بلد المنشأ (عن المنتج) واستبدال بلد آخر به، كما تمتعت آلاف السلع الإسرائيلية بإعفاءات ضريبية، عدا مشاريع المناطق الصناعية المؤهلة (QIZ) بدعم من الولايات المتحدة التي منحت منتجات هذه المصانع إعفاءات جمركية في سوقها المحلية، بشرط أن تكون 8% من مدخلات الإنتاج إسرائيلية، ما يعني عملياً أن هذه التجربة لم تنجح في رفد الاقتصاد الأردني، خاصة أن استيراد المواد الخام يكون من الخارج وإسرائيل، كما لم تقدم فرص عمل حقيقية إلى العمال الأردنيين الذين حلّت مكانهم العمالة الوافدة ذات الأجور الزهيدة وشروط العمل الأقل كلفة على المستثمرين.
ومع مرور السنين واستقرار الجبهة الشرقية للإسرائيليين، صاروا يستطيعون التقدم لمشاريع مهمة في المنطقة، ومنها توقيع عمان اتفاقية لاستيراد الغاز من إسرائيل لمدة 15 عاماً دون بيان سبب مقنع لهذا الخيار من أجل توليد الكهرباء، رغم وجود خيارات أخرى متعددة تعتمد على الطاقة المستدامة أو استيراد الغاز من دول أخرى، بل إنه حتى اللحظة لم تكشف بنود الاتفاقية ولم يناقشها البرلمان بعد!

«ما بدك وطن بديل، ليش بتحمي إسرائيل؟»

رغم حرص النظام الأردني على أفضل علاقات مع إسرائيل طوال السنوات الماضية، أحرجت «حادثة السفارة» التي قتل فيها مواطنان أردنيان على يد حارس إسرائيلي الجانبين، ما اضطرهما إلى صفقة، تغادر بموجبها البعثة الديبلوماسية الإسرائيلية لعمّان مع إغلاق شكلي للسفارة من دون انقطاع العلاقات، وذلك بما يضمن سلامة الحارس. وعملياً، استمرت العلاقة بصورة طبيعية (راجع العدد ٣٢٩٩ في ١٦ تشرين الأول)، وبقي السفير الأردني لدى تل أبيب وليد عبيدات. كذلك لا يتوقع أن تنظر الأخيرة في طلب عمان محاكمة الحارس بعين الاعتبار.
رويداً رويداً اختفى الغضب الشعبي على الجريمة، بل مرّت الذكرى الأولى لتوقيع اتفاقية الغاز مع العدو بهدوء دون ردود فعل مؤثرة كحال الفعاليات الأخرى منذ بضع سنوات المناصرة لإضرابات الأسرى في سجون الاحتلال وذكرى النكبة وغيرها الكثير. هؤلاء المتظاهرون كانوا قد رفعوا شعار «ما بدك وطن بديل، ليش بتحمي إسرائيل؟»، في إشارة إلى مشروع «الوطن البديل»، الذي كان يمثل إحدى القضايا المقلقة للنظام الأردني والمعارضين له في آن واحد! وهنا يأتي السؤال الثاني بعد الاقتصاد: هل تضمن «وادي عربة» حماية الجانب الأردني بالفعل من موضوع «الوطن البديل» الذي لم يختفِ يوماً من أجندات أحزاب صهيونية متطرفة تصرّ على أن الأردن هو فلسطين؟
في الواقع، هناك تحايل إسرائيلي في الاتفاقية بخصوص هذا الموضوع، بل إن «وادي عربة» لا يمثل مرجعية للبت في مسألة «الوطن البديل»، إذ لم تتحدث عنه ولم تأت على ذكر حق العودة لا للاجئين ولا للنازحين الذين يشكلون النسبة الكبيرة من سكان المملكة، بل يشار إلى الموضوع على أنه مشكلة إنسانية، وسيسعى الطرفان إلى تخفيفها! كذلك يدخل موضوع العودة في الاتفاقية ضمن متاهات اللجان والأطر والمحافل المختلفة التي تشترك في حل قضيتهم دون رؤية واضحة أو خط زمني ملزم بالأمر، ولكن الضربة القاضية جاءت في البند الثامن وبالتحديد في النقطة الثالثة، حيث يذكر توطين الفلسطينيين صراحة مقروناً بتطبيق برامج الأمم المتحدة!

ما وراء التمسك بـ«وادي عربة»

تختبئ إسرائيل وراء جدران إسمنتية شيّدتها لتفصل الأراضي التي احتلتها عن الضفة وغزة، وحتى الأردن، كذلك أعلنت بداية هذا العام مخططات لجدار فاصل رابع مع مصر. هذه العقلية المتشككة حتى مع أولئك الذين يبذلون كامل طاقتهم في الحفاظ على نهج التفاوض معها (موقِّعي المعاهدات معها) وحماية مصالحها بحجة البروتوكولات الديبلوماسية وسيادة الدول رغم الخروقات الإسرائيلية الدائمة لمواثيقها معهم، هي عقلية لا تؤمن بـ«نيات أصدقائها الحسنة»، ولذلك تبحث دائماً عن حليف جديد ذي ثقل أكبر، تستطيع بجانبه الشعور بأمان.
لعاب الاحتلال يسيل لمثل تطبيع عربي كهذا تبوح به دول الخليج، ولكنها تحاول بحذر الحفاظ على حلفاء الأمس ومحطة عبورها للإقليم. لهذا السبب، يظل عتاة الساسة الإسرائيليين، وحتى أشد المتحمسين لاقتناص «الفرصة الذهبية» وسط خراب المنطقة، متمسكين بمعاهدات التسوية مع دول الطوق كمصر والأردن.
والمملكة، صاحبة أطول حدود مع فلسطين، تمر اليوم في مأزق اقتصادي كبير قد يُفضي إلى هبّة شعبية، وهي ليست المرة الأولى، حتى إنه إذا كانت دائرة صنع القرار قد احتوت الحراك الذي انطلق متزامناً مع «الربيع العربي» عام 2011، فالملاحظ أن ثلاثة من رؤساء الوزراء من أصل خمسة (فايز الطراونة، عون الخصاونة، معروف البخيت)، الذين عُيِّنوا في تلك المرحلة، كانوا من طاقم الوفد المفاوض في وادي عربة!
وبينما تحيط بالأردن من الشمال والشرق معارك مع تنظيمات إرهابية، تقلق عمّان من خلو السفارة الإسرائيلية من طاقمها رغم ارتفاع العلم الإسرائيلي فوقها، خاصة أن الثقل الإسرائيلي يتجه إلى السعودية والإمارات الآن، وهو ما يبرز تساؤلات عن وضع المملكة اللاحق، والمساحة المتاحة لها على هامش معاهدات جديدة قد تسطع على ما قبلها.
مع ذلك، فإنه قبل ثلاثين عاماً، وبينما كانت تمرّ القضية الفلسطينية بمرحلة ركود، عُقد في عمّان مؤتمر للقمة العربية «قمة الوفاق والاتفاق»، الذي أعطى النظام الأردني تفويضاً للمضي قدماً نحو تسوية الصراع مع العدو. لم تمضِ آنذاك بضعة أسابيع حتى اندلعت «انتفاضة أطفال الحجارة»، وحظيت بجماهيرية واسعة، وكان لها حاضنة شعبية داخل الأرض المحتلة وخارجها في مخيمات الشتات والمدن العربية. هذه الحاضنة اليوم، رغم كل مشاريع التوطين والتغريب والنسيان، هي الوحيدة القادرة على دفع عربة السلام لتغرق في وادٍ من الرمال المتحركة.


اتفاقية «بأراضٍ ضائعة»!

في البداية، استند موضوع ترسيم الحدود بين الأردنيين والإسرائيليين في بنود «وادي عربة» إلى الخطوط المرسّمة زمن الانتداب البريطاني (خط الهدنة المحدد عام 1949)، لكن سرعان ما جرى تدارك الأمر بالتشديد عند ترسيم الحدود على تجنب المساس بـ«الأراضي الواقعة تحت سيطرة الحكم العسكري الإسرائيلي»، أي التي احتلها العدو عام 1967. بناءً على ذلك، جرى التعامل مع الأراضي التي استرجعت وفقاً للاتفاق (الباقورة شمالاً والغمر جنوباً) كخرائط صمّاء وأماكن يستخدمها الجانب الإسرائيلي فقط، أي إنها تقع تحت السيادة الشكلية الأردنية والفعلية لإسرائيل، وذلك من باب «المتصرفون بالأرض» كما في الباقورة أو «المستخدِمون للأرض» كما في الغمر.
ورد ذكر ذلك في ملحق ساري المفعول لمدة 25 عاماً، فضلاً عن أنه يجدد تلقائياً ما لم يعلن أحد الطرفين رغبته في ذلك قبل عام من انتهاء المدة المقررة (أي 2018). ووفق الشروط المدرجة في الملاحق، هناك حرية لمن يعمل فيهما ولضيوفهم ومستخدميهم وهم لا يخضعون للقوانين الأردنية المتعلقة بالضرائب والجمارك وحتى الهجرة.