كتب الصحافيّ الإسرائيليّ المُخضرم، بن كاسبيت، والمُقرّب جدًا من دوائر صُنع القرار في تل أبيب من المُستويين الأمنيّ والسياسيّ :-  الأخبار التي دلفت إلى إسرائيل هذا الأسبوع بشأن الدعم الأمريكي المتحمس كثيرًا للمصالحة الفلسطينية بين فتح وحماس لم تفاجئ القيادة الإسرائيلية.

رغم أنه وفي الأسبوع الماضي صدرت تصريحات أمريكية بشأن المصالحة الفلسطينية متناغمة تمامًا مع الموقف الإسرائيلي، بما في ذلك مطالبة أي حكومة فلسطينية بالاعتراف بإسرائيل والتخلي عن الإرهاب والمصادقة على الاتفاقات الموقعة بين الطرفين؛ لكن هذا الأسبوع، وبعد انقشاع الغبار، اقتبس مسؤولون من البيت الأبيض في صحيفة “هآرتس” وهم يؤكدون ان “الوساطة المصرية بين فتح وحماس خلقت فرصة إيجابية نادرة”، وأضافوا بأن تفكيك سلاح حماس “لا يمكن ان يحدث بين عشية وضحاها” [22 أكتوبر].

نتنياهو ووزراء الكابينت السياسي – الأمني كان واضحًا لهم ان ذلك سيحدث، ولهذا السبب زرعوا قنبلة موقوتة صغيرة تتكتك على منضدة جيسون غرينبلات منذ قرار الكابينت الأسبوع الماضي [17 أكتوبر]: إسرائيل تفخخ العملية برمتها بقرار الكابينت الذي اتخذ بعد يومين متتابعين فقط من المناقشات الماراثونية (سبع ساعات على الأكثر) نجح خلالها وزراء اليمين، وسيما نفتالي بينيت وايليت شاكيد وزئيف الكين بجر الكابينت كله إلى اليمين بعنف، القرار المتخذ قضى بأن “إسرائيل لن تجري مفاوضات سياسية مع أي حكومة فلسطينية تشارك فيها حماس”.

الشيطان كالعادة يكمن في التفاصيل الصغيرة وينتظر بفارغ الصبر، لو ان الأمريكيين كانوا حللوا في الوقت المناسب صيغة قرار الكابينت الدقيقة لكانوا فهموا الفخ الذي نصبته لهم حكومة نتنياهو. بإعلان الكابينت ان إسرائيل لن تجري مفاوضات مع حكومة فلسطينية “تضم حماس” تم القضاء على إمكانية القيام بالتفاف من النوع الذي تم تنفيذه في العام 2014، حينها وبعد “المصالحة” السابقة مع حماس، شكّل أبو مازن “حكومة تكنوقراط”، لم تضم أعضاء من حماس أو فتح؛ وهكذا أبقى إمكانية إجراء المفاوضات على قيد الحياة.

أبو مازن وبدعم دولي نجح حينها، “يذهب معهم ويشعر أنه من دونهم”؛ من جهة فحكومته حكومة وحدة وطنية، ومن جهة أخرى فحماس لا تجلس فيها حقًا، حكومة كهذه لا يجدر ان يكون لديها مشكلة في الاعتراف بإسرائيل وأن تتعهد بالعمل ضد الإرهاب، ذلك أنها لا تلزم حركة حماس شخصيًا بأن تستمر في الاحتفاظ بذراعها العسكرية وأن تدير الشؤون المهمة بالنسبة لها حقًا. هذا هو “نموذج حزب الله” الذي تخشاه إسرائيل كثيرًا: ترتيب مريح تدير حسبه الحكومة اللبنانية السيادية الدولة في الظاهر، بينما حزب الله يعزز قوته ويعمل بشكل مستقل تمامًا أمام إسرائيل.

بالتالي، وأمام النسخة الإسرائيلية فإن هذه الاحتمالية لم تعد قائمة، حتى حكومة تكنوقراط فلسطينية تستجيب لتعريف “تضم حماس”، لأنها ستكون معقدة وستحصل على صلاحياتها من اتفاق المصالحة وأعضاؤها ستصادق عليهم حماس أيضًا. كل ما بقي الان هو الانتظار، ومشاهدة كيفية مواجهة الأمريكيين لهذه العقبة الجديدة، حسب كل الدلالات فإن الأمريكيين لا ينوون التنازل بأي شكل من الأشكال، التسريبات من واشنطن حول مبادرة السلام القريبة تتعزز؛ من جهة فهم يوضحون أنهم لن يفرضوا أي شيء على الطرفين، ولكنهم حقًا ينوون ان يعرضوا عليهم “الصفقة النهائية”، هل نقف أمام المرة الأولى التي سيلوي فيها ترامب ذراع نتنياهو ويجبره على دخول غرفة المفاوضات؟

الكابينت جلس لهذا القرار أيام الأحد والاثنين من الأسبوع الماضي، وعلى خط التماس بين الجلستين رفع رئيس الحكومة نتنياهو كف الهاتف واتصل بالسفير الأمريكي ديفيد فريدمان وأبلغه بقرار الكابينت المتبلور. من غير الواضح إذا ما كان نتنياهو انحنى لمعطيات القرار التي يمكن ان نفهم منها مغازيه، ربما أبقى الرسالة غامضة عن قصد، فريدمان – كما أبلغ نتنياهو الوزراء – استمع ولم يجب.

الكابينت أسرع باتخاذ القرار قبل مجيء فيتو أمريكي من واشنطن، هذا كله حدث بسبب وزراء اليمين على وجه الخصوص، وسيما نفتالي بينيت وايليت شاكيد اللذان يحاولان تهميش نتنياهو في اليمين منذ إقامة الحكومة. كان نتنياهو ليكتفي بمقولة أكثر شمولية، بل وربما كان ليكتفي بالخيار الآخر القاضي بعدم اتخاذ قرارات والخروج بتصريحات، وإنما تعقب الأحداث ومجاراتها، بينيت لم يسمح له بهذه الخيارات، رئيس “البيت اليهودي” أصر على ان تصفع إسرائيل الباب في وجه أي إمكانية للتفاوض بعد المصالحة الفلسطينية، نتنياهو انحنى وتردد، وفي النهاية خضع وأطاع. فيما بعد سنعرف على أي يد صفع هذا الباب بالتحديد: يد الرئيس ترامب أم أيدي الفلسطينيين أم على اليد التي صفعتها يد إسرائيل؟

نتنياهو وضع الأمريكيين في فخ، لكن فخه هو الأخطر، لقد ضغط من ثلاث جهات متعارضة: من جهة الأمريكيون، ونيتهم الواضحة لتجديد المفاوضات، من جهة أخرى التحقيقات التي قوي عودها من حوله، والتي ستقوده حسب التقديرات إلى التوصية بتقديم لائحة اتهام جنائية، ومن الجهة الثالثة اليمين الذي يدفعه طوال الوقت إلى ساحة التطرف.

في الأيام العادية كان نتنياهو يتملص من اليمين ويبلور موقفًا رياديًا سياسيًا معقولًا لا يستقبل في واشنطن على أنه كسر للآنية، لكننا لا نعيش أيامًا عادية، نتنياهو يعمل هذه الأيام على تمهيد طريق للهروب من مشاكله الجنائية من خلال تشريع مستعجل ضد التحقيقات والهرولة سريعًا إلى الانتخابات بعد ذلك مباشرة، لكي يذهب إلى الانتخابات ويفوز مرة أخرى فهو مدين لليمين برمته، بمن فيهم المستوطنين والهيئة المتطرفة؛ تمامًا كما فاز في المرة السابقة.

لذلك، وعلى خلاف أبي مازن، لا يمكنه ان “يمشي معهم ويشعر أنه وحده”، فهو بحاجة إلى سحر أكبر، بل وربما مستحيل. نتنياهو يعلم أنه ورغم التصريحات الأمريكية بأن لا يكون هناك اتفاق مفروض على الطرفين، يفضل ألا يكون هو الطرف الذي يقول “لا” لدونالد ترامب، أما الآن فنتنياهو هو بالتحديد هذا الطرف.