هي المدينة نفسها التي انطلقت منها شعلة الانتفاضة الثانية. القدس عاشت نهار أمس وليله على جمر المواجهات. تحاول إسرائيل ومعها السلطة والعالم ضبط الأوضاع، لكن يبدو أنها مهمة صعبة بعد قتل المستوطنين فتى فلسطينياً وحرق جثته. هو وضع لا مثيل له منذ 14 عاماً، لكنه يحتاج هبّة باقي المدن
محمد مرار
رام الله | سيطرت حالة من الغضب على الشارع الفلسطيني عقب الجريمة التي نفذها مستوطنون بحق الفتى محمد أبو خضير (16 عاماً) من بلدة شعفاط شمال القدس، بعدما اختطفوه خلال توجهه أمس إلى صلاة الفجر ثم قتلوه وأحرقوا جثته. في البداية سيطر القلق على أهالي شعفاط حين علموا بخبر اختطاف أبو خضير. لم يستمر الأمر طويلاً حتى تحول القلق إلى حالة غضب كبرى حين أُعلن العثور على جثته قرب قرية دير ياسين المهجرة غرب القدس.
من الفور، دارت مواجهات عنيفة مع قوات الاحتلال أصيب فيها خمسون شاباً وثلاثة صحافيين بجروحٍ متفاوتة جراء استخدام الشرطة الرصاص الحي وقنابل الصوت والغاز المسيل للدموع، فنقل عدد كبير منهم لتلقي العلاج في المستشفيات العربية في المدينة، فيما أعلنت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني حالة الطوارئ.
وفي مقابل احتجاز جثة الفتى الشهيد، استدعت شرطة الاحتلال عصر أمس والدته بعدما كانت قد احتجزت الوالد للتحقيق منذ الفجر. كذلك أغلق الاحتلال المسجد الأقصى في وجه المستوطنين الإسرائيليين خوفاً من غضب المرابطين داخله عقب الجريمة.
مباشرة، استنكر رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، قتل الفتى أبو خضير، وطالب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بإدانة خطفه وقتله. وذكّر عباس، نتنياهو، بأنه كان قد استنكر قتل المستوطنين الثلاثة. ودعاه في الوقت نفسه إلى «اتخاذ إجراءات فعلية تلجم المستوطنين وتوقف الاعتداءات التي أدت إلى استشهاد 15 فلسطينياً منذ بداية حزيران الماضي».
وبينما أكدت قيادة السلطة أنها تواصل اجتماعاتها بحضور عباس ورئيس وزراء الحكومة رامي الحمدالله، طالبت بـ«تأمين الشعب الفلسطيني وألا يبقى رهينة تحت رحمة المستوطنين وحماية الجيش الإسرائيلي لهم في اعتداءاتهم المستمرة»، مؤكدة «حق المقاومة الشعبية وتمسكها بحكومة الوفاق الوطني». وشددت في الوقت نفسه على «أن الموقف الفلسطيني توافقت عليه كل الفصائل في اتفاق القاهرة وهو تبنّي المقاومة الشعبية السلمية».
يشار إلى أن الناشطين الفلسطينيين وجهوا دعوات عبر مواقع التواصل الاجتماعي إلى اعتبار اليوم يوم إضرابٍ شامل تحت عنوان «إضراب الكرامة».
من بين تلك الاجتماعات، استطاعت «الأخبار» الوصول إلى عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، حنا عميرة، الذي وصف ما جرى للشهيد أبو خضير بأنه «نتيجة سياسة التحريض التي اتبعتها الحكومة الإسرائيلية منذ مدة طويلة وزادت بعد عملية المستوطنين الأخيرة»، مضيفاً: «لقد أباحت حكومة بنيامين نتنياهو الدم الفلسطيني، وهي تنفذ الآن سياسة العقوبات الجماعية بحق الشعب الفلسطيني».
وعاد عميرة ليؤكد في حديثٍ مع «الأخبار» أن المحافظة على المصالحة الداخلية هي الطريقة المثلى لمواجهة انتهاكات الاحتلال ومستوطنيه، مشيراً إلى «الحاجة إلى تدخل دولي لوقف هذه الاعتداءات»، لكنه توقع أن تشهد المرحلة المقبلة المزيد من الأعمال العنصرية ضد الفلسطينيين. في الرد على ذلك لم يجد سوى القول إن «القيادة الفلسطينية تعقد اجتماعات متواصلة منذ مساء أمس لبحث المستجدات» وأنها «تواصل العمل على الانضمام إلى المنظمات الدولية».
على الجانب الإسرائيلي، قال نتنياهو إنه يدين بشدة مقتل أبو خضير، واصفاً ذلك بالجريمة الشنيعة، لافتاً إلى «أن إسرائيل دولة قانون وعلى الجميع فيها أن يتصرفوا وفق القانون». وفيما تحدثت مصادر عبرية عن أن رئيس الوزراء الإسرائيلي تحدث مع وزير الأمن الداخلي في حكومته، طالباً منه العمل على كشف النقاب عن الجهة التي تقف وراء القتل الشنيع والخلفية له، نفت وسائل الإعلام الإسرائيلية ضلوع المستوطنين في الحادث. كذلك أعربت وزيرة القضاء الإسرائيلية، تسيبي ليفني، عن أملها «ألا يكون مقتل الفتى الفلسطيني سببه الانتقام». وقالت ليفني، في تصريحات نقلتها صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية، إن «إسرائيل دولة تحكمها القوانين المدنية وليست منظمة إرهابية متجاوزة».
ضمن هذه المعطيات، يرى المحلل السياسي، أحمد عوض، أن عملية اختطاف وقتل الفتى أبو خضير قد تؤسس لمرحلة جديدة من الصراع ضد إسرائيل والمستوطنين، متوقعاً أن تتحول ردود الفعل التي تشهدها مدينة القدس إلى انتفاضة جديدة. ونوه عوض في حديثه لـ«الأخبار» إلى أن «ميليشيا المستوطنين موجودة منذ مدة طويلة وبصورة علنية، وهي تعمل تحت غطاء الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، وليس هذا أول اعتداء تنفذه».
وفي تقويمه المواجهات العنيفة التي استمرت لساعات طويلة في أحياء القدس، قال إن «الحوادث التي شهدناها غير مسبوقة، وهناك غضب شعبي هائل قد يترجم إلى انتفاضة، وهذا مؤشر إلى أننا على أبواب مرحلة جديدة وإن لم تحدد ملامحها بعد»، داعياً السلطة إلى قراءة واقع الاحتلال من جديد رغم أن مساحات الرد أمامها قليلة.
على المستوى العربي، طالبت مجموعة السفراء العرب المعتمدين لدى الاتحاد الأوروبي، وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي كاترين أشتون، بالتدخل العاجل لوقف سياسة العقاب الجماعي الذي تمارسه إسرائيل تجاه الشعب الفلسطيني. وقال السفراء العرب في الرسالة التي وجهوها إلى أشتون أمس إن «إسرائيل استغلت حادثة المستوطنين الثلاثة لإنزال أقسى العقوبات الجماعية بالمدنيين الفلسطينيين».
في سياق متصل، قال نادي الأسير الفلسطيني إن الجيش الإسرائيلي اعتقل، فجر أمس 44 فلسطينياً من مدن الضفة وبلداتها. وأضاف النادي في بيان صحافي أن غالبية المعتقلين أسرى محررون، مشيراً إلى أن عدد المعتقلين منذ بداية الحملة الإسرائيلية عقب اختفاء المستوطنين الثلاثة ثم العثور على جثثهم وصل إلى 639 أسيراً.