الحكم العثماني وظله المشيخى. ثورة قرى القدس على مصطفى باشا. مقاومة الفلاحين لحكم إبراهيم باشا.

تهدف دراسة العمل والانتاج في الحياة الشعبية إلى جلاء عدة أمور تتعلق بحياة الوسط الشعبي في فلسطين ونضال هذا الوسط من أجل لقمة العيش في مواجهة الاقطاع الذي ظل سائداً في فلسطين حتى العقد الرابع من القرن التاسع عشر ثم استمر هذا النضال للحفاظ على الأرض في مواجهة الملتزمين ورأسماليي المدن وشيوخ الحمائل الذين استغلوا الفلاحين والشغيلة في العمل الزراعي ودفعوهم إلى حافة المجاعة للاستيلاء على الأرض وسنرى كيف أن تلك الطبقة من رأسماليي المدن والأفندية وبقايا الإقطاعيين والمشايخ والوجهات العشائرية قد ساعدت على تجريد الفلاحين من أراضيهم ثم قامت بدفع البحث عن الربح الوفير وتحقيق الثراء ببيع الأرض للمجموعات الأوربية الوافدة إلى فلسطين في القرن التاسع عشر ثم إلى الصهاينة كما أن هذه الدراسة ترمي إلى دحض وتفنيد الأسطورة الصهيونية التي رددها العدو والتي مفادها بأن فلسطين كانت خالية وخربة وأنهم جاؤوا لاستثمارها واستصلاحها.

إن ذلك يقودنا إلى ضرورة تحليل وضع المجتمع الفلاحي والعمال الزراعيين في الوسط الشعبي في ضوء مجموعة من العلاقات المتشابكة وبالتالي أثر ذلك على ما آلت إليه قضية الوطن إن هذه العلاقات كثيرة ومتشابكة ويمكن تلخيصها فيما يلي:

1.      العلاقات مع الدولة العثمانية بالأشكال التي واجهها الفلاح: الوالي، الاقطاعي، الملتزم، العشار، شيخ طبقة الأفندية.

2.      العلاقات الناتجة عن التفاعل مع طبيعة الأرض والمناخ والمواصلات والنبات.

3.      العلاقات داخل القرية مع مالك الأرض وأفراد الأسرة ووجهاء القرية والخطيب والناطور والحرفيين الآخرين.

إن علاقات العمل والانتاج هذه ستسفر الظروف المعاشية التي كان الفلاح يرزح تحت وطأتها كما تفسر مجمل الظروف الاجتماعية والاقتصادية المتصلة بانتقال جزء من الأرض للسماسرة والمضاربين والإقطاعيين وبالتالي للصهاينة.

1.الأرض: في المجتمع الزراعي تكون الأرض واحدة من أهم وسائل الانتاج يليها البذار وأدوات الزراعة والقوة العاملة ولذلك يحسن في بدء هذه الدراسة أن نلقي نظرة على وسائل الانتاج هذه ونبدأ  بالأرض كانت هناك الأرض الملك وهي الأرض التي يمتلكها صاحبها ويستطيع بيعها أو التنازل عنها متى يشاء، وكانت الأرض في أوائل هذا القرن في العهد العثماني تدفع ضريبة من (3-5) في المائة ويمكن أن تزرع الأشجار على هذه الأرض وتبني البيوت وكانت هناك أرض الميري، أي الأميرية والتي أخذ اسمها من الأمراء الذين فتحوا فلسطين أبان الفتوحات الإسلامية في القرن السابع الميلادي ويسميها الفلاحون الأراضي المفتلح وكانت العادة أن تخصص هذه الأراضي لزراعة الحبوب والتبغ وتتم زراعتها من جانب كل اهل القرية وتسمى “مشاع”، وهي ملك الدولة وأما أهل القرية فلهم حق المزارعة وينال هذا الحق من يقدر على حرث الأرض وبذرها في كل سنة وتقسم هذه الأرض إلى فدادين جمع فدان ويعطي حق زراعتها لأكثر من شداد ويعطي كل شداد عدداً من الفدادين بحسب قدرته على تشغيل الثيران والحراثين ويمكن أن يأخذ الشداد نصف فدان إذا كان لديه ثور واحد.

ويمكن بموافقة أهل القرية أن يسمح لغريب (من غير أهل القرية) أن يفلح كذا فدان على أن يعود لسداد ضرائب أهل القرية ويتم منحه هذا الحق بصورة مؤقتة وتقسم الأرض إلى موارس جمع مارس وهي في الغالب تحمل أسماء شعبية جاءت من صفات معينة في الأرض أو من مبررات تاريخية أو جغرافية ويتم توزيع الحصص بواسطة كتابة أسماء القطع على ورق يوضع في صندوق، ويقوم إمام القرية  أو الخطيب بالإشراف على عملية القرعة فيأتي طفلان من أطفال القرية دون الخامسة ويتناول أحدهما الورقة ويسأل الإمام الطفل الثاني عن اسم الشخص الذي ستكون له هذه الحصة فيقول فلان وتعطى الحصة له، وهكذا تستمر القرعة التي لا يجوز الاعتراض عليها وهكذا ينال الفلاح قطعة مختلفة على الأغلب في كل عام، ومن ضمن هذه الأرض تكون الأرض الخراب التي لا تزرع بل تستغل للرعي الجماعي أو كأماكن للبيادر وعلى هذه الأرض الأميرية يترتب دفع نوعين من الضرائب: الأول ضريبة الميري وهي من 3-5% تدفع نقداً سواء زرعت الأرض أو لم تزرع  ويقوم الخطيب والوجهاء بجمع الضريبة من الشدادين بنسبة الفدادين التي استغلوها أما إذا كانت الأرض قد تركت “بور”  فإن الضريبة توزع على الذكور في القرية بالتساوي والنوع الثاني من الضريبة هو الأعشار وهو عشر المحصول وهناك أرض الوقف التي يوقفها المالك من أرضه أو السلطان من الأرض الميرية ويقدم ريعها للجهة التي تم وقفها لها مثل مسجد عمر.

تبقى هناك وسائل الانتاج الأخرى مثل البقر الذي يستعمل للحراثة والبذار وأدوات الحراثة والحصاد وفصل الحبوب عن السنابل والمخازن والأكياس ونحو ذلك.

وسنجد في استعراضنا لعلاقات العمل والانتاج في الحياة الشعبية الفلسطينية أن من يسيطر على وسائل الانتاج يحصل على حصة الأسد من ذلك الانتاج.

ترى بيد من كانت وسائل الانتاج لقد كانت الأرض ملكاً للاقطاعيين والملاك في حالة أرض الملك وملكاً للهيئات الدينية بالنسبة لأراضي الوقف وفي كل هذه الحالات هناك مالك أرض وهناك عامل زراعي وفي غالبية الحالات كان العامل الزراعي الذي يشقى في انتاج المحصول من أواخر الخريف حتى أوائل الصيف يحصل على نسبة ضئيلة من الانتاج  ويرى المعمرون أنه في كثير من الحالات كان الفلاح -العامل الزراعي- لا يحصل على قمحات أولاده ففي حالة زراعة الأراضي الميرية كان العشار في موسم الحصاد يأتي راكباً حصانه ومعه العديد من الخدم والمساعدين إلى القرية وخلال الأربعة أو الخمسة أيام الأولى لا يفعل شيئاً بحجة التعب أو المرض وعلى اهل القرية أن يزودوه بالطعام هو وخدمه وخيله وحيوانات ركوب خدمه، بعد ذلك يقوم العشار بعمل قائمة بأسماء الشدادين الفلاحين الذين يشدون العود على حيوانات الحرث لحراثة الأرض وكذلك تحديد عدد الفدادين التي يحرثها كل واحد منهم وبعد ذلك يطوف بالمزارع ويعبر عن رضاه العميق عن خصب الأرض وعطائها ويبالغ في التحدث عن ذلك حتى لو كانت السنة سنة شبه ماحلة ويهدف من وراء ذلك إلى الحصول على كمية أكبر من الحبوب ضمن حصة العشر، وبعد ذلك يعود العشار إلى القرية ويجمع الشدادين مع الخطيب وهنا يكرر العشار مديحه لجزالة المحصول وخصب الأرض ويحمد الله أولاً وثانياً وثالثاً على عظيم نعمه، وهدفه من ذلك أن تكبر حصة العشر ولا يستطيع الفلاحون المساكين أن يفعلوا شيئاً سوى أن يؤمنوا على قوله فيقولون الحمد لله.

وهنا يطلب العشار كمية من صاعات القمح والشعير والقطاني هي في الواقع خمسة أو ستة أضعاف العشر وتبدأ المساومة وهنا يقرر العشار ترك القرية لعدة أيام تاركاً أحد خدمه ليتأكد من أن الفلاحين لن يجمعوا المحصول في غيابه حتى تنتهي عملية المساومة والاقتطاع ويهدد العشار في أن يضع قضيته أمام السلطات لتبت فيها متهماً الفلاحين بأنهم يتهربون من دفع العشر ويحين وقت الاتفاق تحتى تهديد بالدولة  مالكة الأرض وتأخير جني المحصول وإرساله لأولاده الجياع ويأخذ العشار حصته أخيراً لتكون ثلث المحصول بدل عشره، وهكذا ترسخ في الوجدان الشعبي معنى كلمة عشار وهو المبتز المستغل.

في حالة الأرض الأميرية حصلت الدولة من خلال جامعي الضرائب الجشعين على ثلث الانتاج دون أن تقدم من وسائل الانتاج غير الأرض، فالقرويين الذين يستغلون الأراضي الأميرية كان عليهم توفير أدوات الحراثة والحصاد وفصل الحبوب عن السنابل فضلاً عن العمل اليدوي من نهاية الخريف إلى أوائل الصيف من كل عام، وفضلاً عن البذار الذي كان يقتطعه الفلاح من قوت عياله.

نأتي الآن إلى دراسة علاقات الانتاج في حالة ما تكون الأرض ملكاً لاقطاعي أو مالك في القرية هناك نوعان من العلاقة النوع الأول ويحمل اسم المزارعة وفي هذه الحالة يقوم الفلاح بالانتاج ويقدم كل وسائل الانتاج بما في ذلك العمل والبذار وجني المحصول، ويحصل الملاك على ضعف الحصة الاسمية للدولة في حالة الأراضي الأميرية- أي الخمس- ويحصل الفلاح على 4/5 المحصول وتبدو هذه الحالة في صالح الفلاح لأنه هنا يمثل دور مالك وسائل الانتاج ما عدا الأرض، أم النوع الثاني فهو أن يعمل الفلاح بصفته حراث لدى مالك الأرض  بتقديم الأرض والبذار وحيوانات الحراثة والأدوات الزراعية كاملة، أي أنه يقدم كامل وسائل الانتاج ويتكفل الحراث من جانبه بالعمل اليدوي فحسب لتتضاءل حصته من الانتاج إلى الخمس وإذا شارك في العمل أكثر من حراث فإن عليهم الاكتفاء بتقاسم ذلك الخمس من المحصول، إذ يقسم المحصول إلى الأقسام التالية:

أولاً: ثلاثة أخماس المحصول (3أكوام) للمالك صاحب الأرض ووسائل الانتاج، والمالك هو وارث الأرض ووسائل الانتاج عن والده أو هو الذي حصل على الأرض بالقوة والدهاء.

ثانياً: خمس المحصول للحراثين مهما كان عددهم (كوم واحد) ويحصل أن يكون هناك ثلاثة من الحراثين تعاون كل واحد منهم زوجته والتي تسمى “قايمة” أي قائمة بالعمل المرادف مثل التعشيب الغمارة. التنظيف للأسطبل وخدمة زوجة السيد المالك ويتوجب على (الحراث) أن يحرث الأرض ويعشب ويحصد ويدرس ويذري ويخزن المحصول في بعض هذه الحالات يعمل الحراث أو الحراثون وحدهم وفي حالات أخرى مثل التعشيب والحصاد والغمار والدراس والذراوة يتعاون مع آخرين يدفع (المعلم المالك) من أجورهم بنسبة ثلاث حصص ويدفع الحراث بنسبة حصة واحدة مثل ما بوكل بحط أي يدفع بنسبة ما يحصل وتشارك زوجة الحراث في أعمال الغمارة ويحق لها أن تلتقط السنابل (تلقط) بين الغمور كامتياز خاص لأن زوجها شريك بالخمس.

وفي شهر التخطيط في الربيع يحرث الحراث طوال النهار وبالليل يقوم بالتعاون مع الحراثين باطعام البقر العامل بالحراثة، فإذا كان هناك لدى المالك السيد ثلاثة من الحراثين قام بالعناية بالبقر واحد منهم 1/3بالليل وتناوب زملاؤه في الثلثين الثاني والثالث من الليل على العمل وإذا كان الحراثون اثنين قام ” بتعشاية” البقر احداهما ” وضحاه” الآخر وبين المعشيوالمضحي فترة راحة.

ثالثاً:الخمس الأخير من المحصول ويسمى “كوم اللطش” ويوزع على النحو التالي:

1.   حصة القطروز: وهي في العادة من ثلاثة إلى خمسة أكيال والقطروز هو مساعد الحراث الذي يمتد عمله من كانون الأول إلى نيسان أي فترة الحراثة إلى ما قبل الحصاد وإذا امتد عمل القطروز إلى البيدر مقابل كيل او كيلين من القمح سمي بالقطروز الصيفي ويبدأ عمل القطروز في الصباح باحضار الطعام للحراثين وأثناء تناولهم الأكل يقوم مقام أحدهم، وكذلك يفعل في أوقات الراحة والتدخين وفي العادة يكون القطروز فتى بين سن 12-17 سنة.

2.   حصة راعي العجال، وهو راعي أبقار الحراثة التي تتوقف عن العمل من نهاية موسم الحرث حتى الموسم التالي، ويحصل الراعي على مد قمح عن كل ثور.

3.   حصة المخظر: وهو حارس الحقول الذي يحميها من تعدي الإنسان والحيوان، في العادة يركب المخظر فرسه ويطوف بالمزارع، وحصته ثلاث صاعات من كل نوع من الحبوب عن كل “حراث سكة”.

4.        حصة الشوباصي وهو وكيل الاقطاعي الذي يحرس القمح على البيادر والذي يرشم الصليبة بقطعة خشب مكتوب عليها  اسم الله ليتأكد من أن أحدا لم يسرق القمح ويأخذ حصة تعادل حصة المخظر.

5.                  حصة النجار الذي يقوم بتجهيز عود الحراثة وهي مثل حصة المخظر.

6.                  حصة الخطيب إمام المسجد وهي عبارة عن مقدار من القمح يتفق عليه أو يحصل على ناتج شكارة خاصة يحصل على ربعها.

7.                  حصة الناطور وهي مثل حصة المخظر.

8.        حصة الأرامل واليتامى وباطية الخليل والجروعة إلى غير ذلك من الأسماء فأول وعاء من القمح الصليبة للخليل أو الولي القريب أو للأرامل واليتامى وهناك إمكانية لذبح عنز عند نهاية جمع الغلال تقربا إلى الله، في بيت جالا يقدمون أول الفواكه لمذبح الكنيسة ليباركها الخوري ثم توزع على الحاضرين ونسمع عن تقليد بمقتضاه تدفن آخر حزمة من القش في المكان الذي حصدت منه مع قراءة الفاتحة والشهادتين كتقدمة للقوى غير المرئية، ساكنة الأرض وهي الجن ونستطيع أن نفسر ذلك كدلالة على ممارسة سحرية بدائية لدى الإنسان هدفه منها استمرار النوع بحيث تظل في الأرض خميرة تنبت من جديد وتثمر أضعاف أضعاف ما دفن فيها، وعند موسم توزيع الغلال على ارض البيدر يؤدي المالك والحراث ما استحق عليه من دين للداية التي تساعد النساء في الولادة والحلاق الذي لا يحصل على أجرته إلا في هذا الوقت ولغيرهما من بقال ولحام ونحوهما ويستحق أطفال الحي” شروة قمح” هي عبارة عن عدة حفنات يأخذها الطفل في حجر ثوبه ويسرع إلى الدكان ليشتري العجوة والقطين والكعكبان والحلويات الأخرى ويأخذ الأطفال حصتهم ويسرعون مهرولين ومغنين.

الله يعطي اللي أعطانا

ويطعمه من منانا

وكما سبق ذكره يستأجر المالك والحراث من يعاون في أعمال التعشيب والحصاد ويدفع كل منهما بنسبه ما يستحق وتقوم زوجة الحراث بالمساعدة في أعمال جمع الغمور “الغمارة” والتعشيب وتحصل على امتيازات خاصة “اللقاط” ويستحق الحصاد الجيد ملء (خرج ) ركوبته من سنابل القمح كمكافأة له ليعود للعمل في اليوم التالي.

وبعد انتهاء العملية برمتها يأتي دور غربلة المحصول وتنقيته وفرز ما يخصص للبذار عما يخصص للمؤونة والغربلة مهنة نسائية بحتة وغالبا ما تقوم بها امرأة الحراث وامرأة المالك وللغربلة اجر يتفق عليه.

الحكم العثماني وظله المشيخي :

عاش الريف الفلسطيني في القرن التاسع عشر في ظل الحكم العثماني الذي لم يكن يهمه من أمر سوى مقادير الضرائب التي يجمعها من السكان لملء خزينة سلاطين الدولة العثمانية وعدد المقاتلين الذين يقدمهم الرعايا كوقود لحروب الدولة وأعمالها التوسعية لإخضاع المزيد من الشعوب الذين يصبون المال والرحال لخزينة الباب العالي وتدعيم قوته المحاربة ومن الطبيعي أن تنسحب هذه الصورة على ولاة الدولة ورجالهم وموظفيهم بحيث يتسلسل الاستبداد والاستغلال من السلطان حتى يصل إلى أدنى مراتب أدوات الدولة من مثل وكيل العشار وقد أهملت الدولة تقديم الخدمات للسكان لدرجة أنها لم تقم ببناء الطرق الضرورية لخدمة جنودها اللازميين لإخضاع الولاة المتمردين أو حتى المشايخ المحليين الذين استفردوا بالسلطة فترات طويلة وللأسف كانوا يقومون بذلك لخدمة طموحاته الاستغلالية الشخصية وبالتالي كانوا يمارسون المزيد من الاستغلال للفئات الفقيرة الفلاحين وشغيلة الأرض، بسبب هذا الوضع الشاذ انعزلت المناطق في فلسطين بعضها عن بعض تحت سلطة المشيخات الإقطاعية المحلية ونتج عن ذلك وجود تجمعات سكانية منفصلة واصبح الإنتاج يهدف إلى الاكتفاء الذاتي وسد الرمق لا إلى الإنتاج الكثيف بهدف الاتجار والتبادل وحالة الجبال والمستنقعات عن الحركة وكان التنقل والتجول محفوفا بالمخاطر بسبب أعمال السلب والنهب التي مارسها البدو والزكورتية والقباضيات وقطاع الطرق.

وطبيعي فان هذا يفسر تنوع وكثرة الثقافات الفرعية المحلية فكانت هناك اللهجات المتباعدة لاناس يسكنون منطقة واحدة اختلفت أنماط الأزياء الشعبية وأساليب التطريز والزخرفة والعادات والتقاليد من مكان لاخر لا تفصلها مسافات شاسعة.

ثورة قرى القدس على مصطفى باشا :

رفض الفلاحون ضريبة إضافية تزيد على العشر فارسل مصطفى باشا والذي كان آنذاك في حلب –جنودا لإخضاع القرويين الذين احتموا بأديرة وكنائس بيت لحم، وهم الوالي بتدمير الأمكنة الدينية لولا أن الرهبان توسطوا بين الفلاحين وبين الوالي وطلب الوالي القاسي القلب غرامة كبيرة من الفلاحين التعساء مقدارها مائة وعشرة آلاف ولم يكن الفلاحون يملكون ذلك المبلغ وتوسلوا للوالي دون جدوى وبعد ذلك اضطر رجال الدين أن يرهنوا صلبانهم ومجوهرات الكنيسة عند اليهودي انجل لاقتراض خمسين ألف قرشا بفائدة عالية لكن الوالي كان يريد المبلغ مرة واحدة وكان قد اقترب عيد الفصح فأمر بإغلاق أبواب كنيسة القبر المقدس ليمنع إجراء قداس الخميس والجمعة وبعد توسلات كبيرة قبل تعهدا بدفع المبلغ المتبقي ورحل وبمجرد أن غادر مصطفى باشا المنطقة ثار الفلاحون من جديد وطردوا جنود الوالي وقتلوا بعضهم وشارك عرب التعامرة بالثورة وعندما جاء موسى بيه بالمتسلم لإخضاع الفلاحين أغلقوا في وجهه الطريق بتحصين بيت صفافة والقرى المجاورة لها وتمكن الفلاحون من السيطرة على قلعة القدس ووزعوا السلاح على الناس وحشدوا قوة كبيرة أخذت بالسيطرة على المنطقة.

وعندما جاء المتسلم إلى القدس وجد الحقيقة ماثلة أمام عينيه وهي أن الفلاحين قد سيطروا على البلاد ورجاهم المتسلم أن يدخل إلى المدينة ليأخذ أمتعته ويخرج ولكنهم رفضوا طلبه.

وارتد المتسلم إلى أولاد أبو غوش في القبية الذين أعطوه كلمة الأمان للمرور إلى الرملة حيث هناك عبد الله باشا.

وهناك شعر أهالي القدس بالحرية قاموا بتعيين اثنين يمثلونهم هما أحمد اغا الدزدار ويوسف عرب جبيطة واقسم الجميع على ألا يسمحوا من جديد لتركي أو الباني أن يدخل المدينة المقدسة سواء كان مسلما أو غير مسلم بصفته حاكما أجنبيا لكن يد الدولة العثمانية كانت قادرة على إنهاء تلك الثورة.

مقاومة الفلاحين لحكم إبراهيم باشا المصري

وعندما استولى إبراهيم باشا على فلسطين وسوريا كانت له متاعب وافرة مع الفلاحين في بعض المناطق وعلى الأخص بيت لحم أن سكان الجبال الفلسطينية لم يعتادوا تلك القبضة الحديدية المصرية التي كانت تختلف كثيرا عن طريق الحكم التركي وان كثيرين منهم حاربوا إبراهيم باشا ليس فقط عندما احتل سوريا بل أيضا في كل المناسبات المتاحة فيما بعد ذلك والمهم في هذه الحروب إنها كانت تشن بواسطة قوات شعبية بكل ما في تلك الكلمة من المعاني وكانت هذه القوات عبارة عن رجال من الفلاحين لا تجمعهم صفة الجيش أو العصابة لذا كانت مقاومة شعبية بكل ما في هذه الكلمة من معنى

إن الفلاحين الفلسطينيين  لم يقاوموا إبراهيم باشا فقط عندما احتل البلاد بل قاوموه أيضا في كل فرصة تالية سنحت لهم بمجرد أن سمح الفلاحون والمقادسة بمغادرة محمد علي باشا مدينة القدس قاموا بإعلان الثورة رغم الخلافات العائلية والعشائرية، وتجمع لنصرة أهالي القدس وقراها عشرة آلاف رجل من نابلس والخليل وهنا بدأت النيران تنصب على أسوار المدينة المقدسة وقلعتها لاخراج الحامية منها،وتذكر أهالي سلوان وجود خندق تحت الأرض يؤدي إلى داخل القدس وهكذا حفروا الأرض قرب باب المغارة ووجدوا الخندق الذي يؤدي الى مطحنة في الحي اليهودي  وفي صباح يوم أحد دخل ستة وثلاثون من شباب الفلاحين الجسورين وبعض شباب المدينة مدينة القدس حاملين سيوفهم إلى  داخل المطحنة فكان أول من دخل المدينة هو صبوح شوكة من الفواغرة  من بيت لحم من هناك ركضوا إلى باب المغاربة فكسروا القفول وبعدها انهالت الجماهير المسلحة إلى داخل المدينة المقدسة و أسرع البيمباشي التركي يحتمي هو ورجاله في القلعة وسارع أهل القدس إلى الانضمام للفلاحين.

نهب الفلاحون بيوت الضباط و أسرعوا يحملون ما نهبوا إلى قراهم أما المقادسة فقد أخفوا ما نهبوه في بيوتهم وعندما رأى جنود القلعة بيوتهم تتعرض للنهب سارعوا بالنزول من القلعة ونزل خمسمائة جندي بسيوفهم وبنادقهم وتمكنوا من طرد الفلاحين الذين كانوا مشغولين بالنهب إلى خارج الأسوار  واكتظ باب العمود بجثث الفلاحين القتلى.

وفي مساء اليوم نفسه وصل مدد من قرى نابلس يضم ألفي رجل وعاد الفلاحون الهاربون يصبون النار على القلعة والأسوار واضطر جنود الحامية المصرية إلى الاندحار إلى القلعة وأعاد الثوار سيطرتهم الكاملة على المدينة المقدسة.

وبدا الفلاحون من جديد ينهبون بيوت ضباط الحامية المصرية ثم اخذوا ينهبون بيوت اليهود ومتاجرهم.

وفي اليوم التالي امتدت أيدي بعض الناهبين إلى بيوت المسيحيين والمسلمين أحيانا، وهكذا بدأت أسواق القدس وشوارعها في حالة من التعاسة وكأنها مهجورة لسنوات وبدت في الشوارع وسائد وفرشات وقطع أثاث مزقت على أمل وجود النقود داخلها.

واحتج زعماء الثوار على عملية النهب لكن الأمور كانت من الفوضى بحيث يصعب السيطرة عليها واضطر رجال الدين المسيحيون  إلى الاحتماء في الأديرة ونقل أمتعتهم الثمينة إلى هناك، وقاموا باستئجار رجال من عين كارم والمالحة لحراسة تلك الأديرة.

ثم قام الفلاحون بنهب مخازن الدولة التي تضم الأرز والعدس والحبوب وهكذا انصرف الفلاحون والذين بلغ تعدادهم عشرين ألف نسمة إلى النهب وصب النار على جنود القلعة.

وكانت الفوضى تملأ المدينة ولم يكن الناس العاديين آمنين من النهب أو حتى القتل وفيما ظلت حامية القلعة صامدة جاء إبراهيم باشا من الرملة باتجاه القدس حيث كان الفلاحون يراقبون حركاته وينتظرونه في أضيق أماكن الطريق و أكثرها وعورة لمقاومته وقد سمحوا للباشا بأن يمر في الوادي بين الجبال وعندما كانت قواته في أدنى نقطة بدأ الفلاحون يدحرجون الحجارة الضخمة من قمم الجبال لإغلاق الطريق في وجه الخيالة والحيوانات التي تجر الإمداد والذخيرة ووقف الباشا مذهولا من تكثيف مقاومة الفلاحين واضطر إلى أن يقطع مسافة تحتاج إلى ساعات لوقت زاد عن يومين وليلتين وخسر 1500 رجلا من رجاله ومع ذلك وصل إلى القدس التي هرب أهلها المسلمين وقام الأرمن واليهود والإفرنج باستقبال الغازي ولم يكن أي من المسلمين حاضرا عند وصول الباشا إلى القدس.
أعلن الباشا العفو ووزع بيانا بذلك لكن الفلاحين الثائرين مزقوا الإعلان ولعنوا الباشا وتجمعوا بأعداد  كبيرة خارج القدس للقتال.

تكتيك مقاومة الفلاحين: تجمع الفلاحون بين الرامة والقدس وخرج إبراهيم باشا لملاقاتهم فأمطروه بالنار والحجارة وعندما اخذ يضربهم بالمدافع اخذوا يقفزون بين الصخور كالديكة واستمروا يضربون طلقة ويهربون خطوات.

وعندما عاد إبراهيم باشا إلى القدس دون أن يحقق هزيمة كاملة بالفلاحين استقبله المسيحيون والإفرنج واليهود ولم يحضر أي من المسلمين حفل الغازي

وفي اليوم التالي تجمع الفلاحون بين بيت لحم وبيت جالا وتحصنوا خلف أشجار الزيتون وخف الباشا لملاحقتهم فأطلقوا عليه النار وهربوا ثم تراجعوا إلى القرية بيت جالا التي دخلها الجيش المصري وقتل الرجال والنساء وقد استشرس المصريون في القرية لانهم وجدوا جزءا من منهوباتهم هناك أثناء قيامهم هم بعملية النهب. وهكذا فقدت القرية 33 رجلا وامرأة وكل ما لديها من ممتلكات وحيوانات وأغذية وترك السكان للفقر المدقع.

وخسر إبراهيم باشا العديد من جنوده لأن الفلاحين لم يكونوا يقاتلون قتالا نظاميا بل كانوا يقتنصون جنديا من شجرة زيتون ثم يهربون عند اقتراب الجيش المصري.