تركز هذه الدراسة على قدوم الفرنجة الصليبيين إلى بيت المقدس ومحاصرتهم لها ، كما أنها تشير إلى عملية المقاومة الإسلامية للمحاصرين ، و فضلا عن ذلك فإنها تتحدث عن المجازر التي ارتكبها الفرنجة عند اقتحامهم للمدينة بحيث لم يبق أحد من سكانها المسلمين على قيد الحياة.

وتوضح الدراسة كيف أن الفرنجة أضفوا على المدينة الطابع الغربي ، إذ قاموا بتوطين عناصر غربية فيها , كما بسطوا سيطرتهم على جميع الأماكن الدينية المسيحية ، وطردوا المسيحيين الشرقين العاملين في الكنائس والأديرة ووضعوا مكانهم رجال دين لاتين من الذين قدموا مع الحملة الفرنجية الأولى .

وقام الفرنجة بإحاطة المدينة المقدسة بحزام من المستوطنات اللاتينية التي لعبت دورا هاما من الناحية الدفاعية والاقتصادية . وقد بقيت المدينة المقدسة ترزح تحت السيطرة الفرنجية مدة ثمانية وثمانين عاما حتى حررها السلطان صلاح الدين الأيوبي بالأمان عام 583هـ/ 1187م ، وسمح للفرنجة بالخروج من المدينة المقدسة مقابل دفع مبلغ من المال . كذلك تحدثت الدراسة عن تسليم بيت المقدس للفرنجة بمقتضى معاهدة يافا التي وقعت عام 626هـ / 1228م بين السلطان الكامل محمد الأيوبي والإمبراطور فردريك الثاني إمبراطور ألمانيا .

عندما اقتربت القواتالفرنجيةالصليبية من فلسطين (1)، هجر معظم سكان المدن غير المحصنة مدنهمواتجهواللإقامةبالمدن المحاطة بالأسوار والقلاع، لعلها تحميهم، وتسمح لهم بالدفاع عنأنفسهموممتلكاتهم، والتصدي للقوات الفرنجية الصليبية الغازية (2)، وقد امتلأتمدينةالقدس بأعداد كبيرة من سكان المدن، والحصون، والريف المجاور، الذينتدفقواعلىالمدينة، هرباً من وجه القوات الغازية، وبحثاً عن السلامة لأنفسهم،وللمساعدةأيضاًفي الدفاع عن المدينة المقدسة ضد الخطر الذي يتهددهاً، وقد احضر هؤلاءتعزيزاتمن الرجال وكميات من الأطعمة(3)

ومهما يكن من أمر، فقد قرر من بقيمنسكان فلسطين أن يقاوموا الفرنجة الصليبيين، ويتصدوا لهم بكافة الإمكاناتالمتاحةلديهم،ومن قبيل ذلك ما أتخذه سكان مدينة القدس من تدابير وإجراءات للدفاع عنمدينتهمقبيل وصول الفرنجة، وقد زودتنا المصادر المعاصرة بمعلومات تفيد أنهمقاموابطمروإفساد ما يقع حول المدينة من مياه “الينابيع والعيون” لمنع العدو مناستخدامهاوالانتفاع بها (4) ، كما قاموا بإخفاء الماشية والقطعان في الكهوفوالمغاور(5)،وفضلاً عن ذلك قام افتخار الدولة (6) حاكم المدينة الفاطمي بتقويةتحصيناتالمدينة، والتأكد من سلامة أسوارها، معتمداً على حامية كبيرة من الجندالمصريينوالسودان، المسلحين تسليحا جيداً، وكذلك على سكان المدينة القدس، ومن وفدإلىالمدينةمن سكان المدن والقرى المجاورة، كما قام بطرد المسيحيين منالمدينة(7)

وعندما وصل الفرنجة الصليبيون بيت المقدس في الخامس عشر من رجب عام 492هـ / وفق يوم الثلاثاء السابع من شهر حزيران (يونيه) 1099م شرعوا بحصار مدينةالقدسالتيكان سكانها على أهبة الاستعداد للدفاع عنها بكل قوة وشجاعة، وقد استفادوامنجميعوسائل المقاومة، وعملوا على تصنيع الآلات الحربية داخل المدينة، حيث كانيوجدمجموعةكبيرة من العمال المهرة، فضلاً عن المواد الخام اللازمة لصناعة الآلاتمثل: الدعاماتالخشبية، وكميات من الحديد والنحاس، وجميع ما يلزم لهذا الأمر (8)وبعد أنصنع المسلمون الآلات الحربية، بدأوا يقذفون كتلاً مشتعلة غمست في الزيتوالشحمعلىالجنود الفرنجة وأبراجهم التي صنعوها من أجل الوصول إلى الأسوار،والدخول إلىالمدينة المقدسة (9)

وتجدر الإشارة إلى أن مجموعات منظمة من المسلمينالُمحاصَرينَ داخل مدينة القدس كانت تخترق الحصار، وتخرج من بعض نواحي المدينة التيلم تحكم القوات الفرنجية الصليبية حصارها، وتعمل خلف خطوط الغزاة عن طريق مهاجمةجنودهم الذين كانوا يتجولون في المناطق الريفية المجاورة للمدينة المقدسة، بحثا عنالطعام والعلف الضروري للخيول، وكانت هجمات هذه المجموعات ناجحة إلى ابعد الحدود،إذأنها كانت تسفر عن قتل وجرح العديد من جنود وفرسان الفرنجة، ومن كان يهربفانالحظكان يحالفه بالنجاة من الوقوع بأيدي المسلمين (10) وفضلاً عن ذلك كانتبعضهذهالمجموعات تكمن بالقرب من الينابيع والآبار، وتهاجم من تجده من الفرنجة (11)

وسعى المسلمون إلى معرفة ما يدور داخل المعسكر الفرنجي الصليبي، منأجلالتعرف على أسرارهم وخططهم والعمل على إحباطها، وفي سبيل ذلك كانوايرسلونالعيونوالطلائع إلى المعسكر الفرنجي، ويذكر المؤرخ الفرنجي الصليبي المعاصر (بطرستوديبود) (12) : أن المدافعين عن مدينة القدس أرسلوا بمسلم ليتجسس على عمليةبناءالمسيحيينللأبراج. ولكن عندما شاهد السريان واليونانيون هذا المسلم أشارواللفرنجةالصليبيينقائلين Ma ta christo caco sarrzin”، وهذه الجملة تعني بلغتنا “بحقالمسيح،هذا مسلم خسيس”. وبعد أن قبض الفرنجة الصليبيون على المسلم، قامواباستجوابه،عن طريق أحد المترجمين الذي سأله عن سبب قدومه للمعسكر الفرنجي. وردالأسيرقائلاً: “أرسلني المسلمون إلى هنا، لا كتشف ما هي مخترعاتكم”. وبعد أنأدركالفرنجةالصليبيون طبيعة الَمهَمة التي حضر الرجل المسلم من اجلها إلى معسكرهم،حاكموه،وأخذوه مكتوف الأيدي والقدمين، ووضعوه في قاع آلة حربية تسمى بالمقذاف*. وظنواأنه بإمكانهم أن يدفعوا به بكل قوتهم إلى داخل بيت المقدس. ووجدوا أنذلكمستحيلاً. لأنه إن قذف بقوة هشمت عظامه قبل أن يصل إلى الأسوار، وَحُلت أوصاله(13) .
ومنالجوانب الهامة التي تشير إلى المقاومة الشعبية الفلسطينية ضدالفرنجةالصليبيين، ما ذكره المؤرخون الفرنجة من أن السكان الفلسطينيين كانوايخترقونالحصار، ويدخلون إلى بيت المقدس من خلال الأقسام (النواحي) التي لم تكنمحاصرة،وكانوا ينضمون مباشرة إلى المدافعين عن المدينة ضد الفرنجة (14) ومثلهذهالأعمالكانت تسهم دون شك في تعزيز صمود سكان المدينة والقوات المدافعة عنها. غيرأنالفرنجة الصليبيين تنبهوا إلى أن المدينة كانت ضعيفة التحصين عند البابالشماليالمعروفباسم باب القديس ستيفن (15) وحتى البرج الواقع عند الزاوية ، اذ يشرفعلىواديالنار، وفضلا عن ذلك كانت المدينة ضعيفة التحصين من ذلك البرج إلىالزاويةالمقابلة،فوق منحدر الوادي نفسه ، ومن هنالك إلى الباب الجنوبي المعروف باسم قمة صهيون (16)
وعلىالرغم من كل الإجراءات والتدابير، والأعمال الفدائية التينفذهاالمدافعون عن المدينة المقدسة، وسكان الريف المجاور، فان المدينة سقطتبيدالفرنجةفي يوم الجمعة الموافق الثالث والعشرين من شعبان عام 492هـ/الخامس عشرمنشهرتموز عام 1099م (17) وقد اقترف الفرنجة الصليبيون مذبحة رهيبة مروعةذهبضحيتهاسكان المدينة، ومن حضر للدفاع عنها من المناطق المجاورة (18) ، وأشارابنالأثير (ت 630هـ/1232م) إلى ذلك بقوله: “وركب الناس السيف، ولبث الفرنج فيالبلدةأسبوعاًيقتلون فيه المسلمين” (19) ولم يراع الفرنجة حرمة الأماكن المقدسة، إذقتلواما يزيد على سبعين ألفاً من المسلمين في المسجد الأقصى، كان من بينهم عدد من الأئمةوالعلماء والزهاد(20)

ويذكر المؤرخون الفرنجة المعاصرون ان عددالقتلىفي ساحة المسجد الاقصى بلغ عشرة الاف قتيل (21) ، ويضيف وليم الصوريWilliam of Tyre إلىهذا العدد “القتلى الذين تناثرت جثثهم في كل شوارع المدينة وميادينهالميكونوا اقل عددا مما ذكرناهم ” (22) ونعتقد أن الرواية الفرنجية الصليبيةأقربللصحةللاعتبارات الآتية: ان مساحة المدينة كانت حوالي كيلو مترا مربعا، وكانيقطنهافي منتصف القرن الخامس الهجري /الحادي عشر الميلادي حوالي عشرين الفنسمة،حسبما ذكره الرحالة الفارسي ناصر خسرو (23) ولكن هذا العدد تراجع بعد ذلكبسببالحروبالكثيرة التي عانت منها المدينة، فضلا عن عدم الاستقرار التي شهدتهخلالالربعالاخير من القرن الخامس الهجري /الحادي عشر الميلادي (24) ؛ بسبب الحصارالذيتعرضتله اكثر من مرة سواء من الدولة السلجوقية او الفاطمية، فعلى سبيل المثالدامالحصارالذي فرضته القوات الفاطمية على بيت المقدس عام 489هـ /1097م نحواربعينيوما،فلم تستلم القوات السلجوقية التي كانت داخل بيت المقدس الا بعد ان ضربتالمدينةبأكثر من اربعين منجنيقا دمرت جزءا من سورها (25)

التدابير التي اتخذها الفرنجة لتحويل بيت المقدس إلى مستوطنة لاتينية:

ومهما يكن من أمر، فقد أسهمت القوة العسكرية الفرنجية الصليبية في قتل جميع سكان بيت المقدس، فضلاً عن السيطرة الكاملة على المدينة المقدسة، ولعل ذلك فتح الباب على مصراعيه أمام المستوطنين الفرنجه للاستقرار والتملك في مدينة بيت المقدس وفي ذلك يقول المؤرخ فوشيه الشارتري: “وبعد هذه المذبحة الكبيرة دخلوا (الفرنجة) بيوت السكان، واستولوا على كل ما وجدوه بها، وتم هذا بطريقة جعلت كل من يسبق إلى الدخول، فقيراً كان أم غنياً، يستولي على البيت ولا يجد من ينازعه من الفرنج الآخرين، وكان له أن يحتل المنزل، أو القصر، ويمتلكه بكل ما فيه، كما لو كان ملكية خاصة له، وهكذا اتفقوا جميعاً على هذا النمط من حقوق الملكية، وبهذه الطريقة صار كثيرون من الفقراء أغنياء(26)

وثمة سؤال يطرح نفسه فيما إذا كان عدد الفرنجة الذين استقروا في بيت المقدس كافياً لملء كافة أحيائها ومنازلها وشوارعها؟ يبدو من سير الأحداث، وما ذكره المؤرخون الفرنجة المعاصرون أن العدد لم يكن كافياً، فالمؤرخ الفرنجي وليم الصوري يقول: “وكان سكان قطرنا قليلي العدد، قلة ملحوظة، ويعيشون في فقر مدقع، حيث إنهم كانوا أقل من أن يشغلوا شارعاً من شوارعها”(27) وبطبيعة الأمر فإن هذا العدد القليل من الفرنجة لم يكن كافياً لحراسة مداخل المدينة والدفاع عن أسوارها وأبراجها ضد أية غارة إسلامية تباغتها على غير توقع منها”(28)

وليس من شك في أن عملية الاستيطان الفرنجي الصليبي في بيت المقدس قد واجهت منذ البداية مجموعة من المصاعب والمشاكل التي كانت تهدد العملية الاستيطانية جميعها. وتعتبر مشكلة نقص العنصر البشري الفرنجي من أكثر التحديات التي واجهت القادة الفرنجة في الأراضي المقدسة؛ لأن الاستيطان كان بحاجة إلى الأمن والدفاع، وهذا لم يكن ممكناً في ظل النقص الحاد في عدد السكان الفرنجة الذين استوطنوا في بيت المقدس وغيرها من المناطق الأخرى.

وقد أولى الملك بلدوين الأولBaldwin I(29) مشكلة النقص الحاد في عدد سكان بيت المقدس الفرنجة جل اهتمامه، وأخذ يفكر في التغلب عليها بكافة الطرق والأساليب، وتشاور في هذا الصدد مع عدد من الأمراء والقادة في مملكته، ويبدو أنهم توصلوا إلى رأي يقضي بالسماح للمسيحيين الشرقيين بالعودة إلى بيوتهم في المدينة بعد استيلاء الفرنجة عليها؛ بسبب خلوها من السكان، إلاّ أنّ عودتهم لم تسهم في حل المشكلة، إذ استمرت المدينة تعاني من نقص حاد في عدد السكان. ولما كان هذا الوضع يقلق الملك بلدوين الأول، الذي أخذ يبحث في كافة الطرق والأساليب التي تمكنه من جلب سكان مسيحيين للإقامة في المدينة المقدسة، واستمر في بحثه حتى علم أن “هناك كثيراً من المسيحيين الشرقيين يعيشون في القرى الواقعة فيما وراء الأردن”(30) وقد أرسل الملك بلدوين في طلبهم واعداً إياهم بحياة أحسن من حياتهم التي يعيشونها الآن، ثم ما لبثت أن طابت نفسه بمن توافد عليه منهم، وقد جاؤوه بحريمهم وأولادهم ومواشيهم وقطعانهم وكل ما ملكته أيديهم(31)” وكان قدوم المسيحيين الشرقيين من منطقة ما وراء الأردن – من نصارى الكرك والشوبك – للإقامة في بيت المقدس؛ بسبب الإغراءات التي وعدهم بها الملك الفرنجي، وعند حضورهم “منحهم الملك نواحي المدينة التي كانت أكثر من غيرها في مسيس الحاجة لمساعدتهم فعمرت الدور بهم”(32) وقد أدرك المؤرخ الفرنجي فوشيه الشارتري أهمية العنصر البشري في عملية الاستيطان، واعتبره ركيزة رئيسة لعمليات التوطين في الأراضي المقدسة، وقد عبر عن ذلك بقوله: “وفي بداية حكم بلدوين كان يمتلك مدناً قليلة ويحكم شعباً صغيراً…(33) وكرر القول نفسه في مكان آخر من كتابه، “ولهذا السبب بقيت أرض بيت المقدس فقيرة في السكان، ولم يكن هناك من الناس ما يكفي للدفاع عنها ضد المسلمين، إذا فكروا في الهجوم علينا”(34)

ومهما يكن من أمر، فقد أدى استيلاء الفرنجة الصليبيين على بيت المقدس إلى تغير البنى الاجتماعية والإدارية في المدينة، حيث حلت محلها بنى جديدة فرضها الواقع الجديد للمدينة المقدسة. فعلى سبيل المثال كانت الجماعات البشرية التي استوطنت في بيت المقدس تنتمي لأصول اجتماعية وثقافية مختلفة؛ الأمر الذي نتج عنه ظهور بنى جديدة تتناسب وحياة الجماعات البشرية الجديدة، التي ترجع في معظمها إلى أصول فلاحيّة أوروبية، ولذلك فقد كانوا يفتقرون للمؤهلات الفنية في المهن والحرف التي كانت تشكل الأساس في اقتصاد المدينة(35)

ويبدو أن استقرار الفلاحين الغربيين في بيت المقدس بصورة دائمة قد دفعهم إلى التكيف مع أنماط الحياة الاقتصادية في المدينة ليتمكنوا من كسب معيشتهم، حيث بدأت تظهر طبقة جديدة من السكان من غير النبلاء والأشراف والفرسان أصحاب الاقطاعات، وهي الطبقة الوسطى التي أصبح لها دور كبير في حياة مدينة بيت المقدس الاقتصادية، وغير ذلك من الأعمال كالمشاركة في الدفاع عنها في حال تعرضها لهجوم خارجي(36)

يتضح مما سبق أن فكرة الاستيطان في بيت المقدس، وكافة الأراضي المقدسة قد برزت إلى حيز التنفيذ بعد استيلاء الفرنجة الصليبيين على بعض المدن والقرى الفلسطينية بفترة وجيزة، وقد جرى تنفيذها على مختلف المستويات سواء من قبل ملوك بيت المقدس أم الأمراء الاقطاعيين أم رجال الدين اللاتين أم الجاليات التجارية الايطالية، أم جماعات الفرسان الرهبان (الاستبارية والداوية والتيوتون)(37)وفضلاً عن ذلك فقد بدا واضحاً أن غالبية المستوطنين الأوروبيين في المدينة المقدسة كانوا من طبقة الفلاحين.

وتجدر الإشارة إلى أن النظام الإقطاعي الأوروبي الذي نقله الفرنجة الصليبيون إلى الأراضي المقدسة، قد أسهم إسهاماً كبيراً في زيادة الرقعة الاستيطانية حول بيت المقدس وغيرها من المدن الفلسطينية، ويتضح ذلك من خلال المنحة التي قدمها الأمير جودفري البويوني Godfrey of Bouillon(38) لرجال الدين اللاتين في كنيسة القيامة، إذا قام بمنحهم أكثر من عشرين قرية في حدود بيت المقدس(39) وقد استغل رجال الدين اللاتين هذه المنحة بإنشاء مجموعة من المستوطنات حول المدينة المقدسة.

وقد اهتم الفرنجة الصليبيون بإنشاء المنازل، والمخابز، والطواحين في المستوطنات التي أسسوها في الأراضي المقدسة، وهذا يعني أنهم حرصوا على توفير جميع متطلبات الحياة للمستوطنين؛ بما يخدم مصالح الطرفين، وكانت عمليات جذب السكان اللاتين للإقامة في المستوطنات الخاضعة لكنيسة القيامة نشطة، وذلك عن طريق تقديم الكثير من التسهيلات، والسماح لهم بإدارة أراضيهم بأنفسهم، وإقامة المنازل المعفاة من دفع الايجارات، على أن يقوم المستوطنون بدفع جزء من المحصول الذي تنتجه الأراضي التي حصلوا عليها، ويتم تحديد هذا الجزء طبقاً لاتفاق يجري توقيعه بين الطرفين، ويدخل تحت بند حق كنيسة القيامة أو السيد الإقطاعي في قسم من المحصول الذي تنتجه الأرض Champart(40) وتلقي إحدى الوثائق الفرنجية الصليبية المؤرخة سنة 1160م/555هـ الضوء على الطرق التي كان يتبعها رجال الدين اللاتين في كنيسة القيامة من أجل تشجيع أهل الغرب الأوروبي على الإقامة في المستوطنات التابعة لهم، فقد أشارت الوثيقة إلى قيام نيقولا رئيس كنيسة القيامة بمنح بعض الكاريوكات، وكروم العنب الواقعة في مستوطنة راماتيس الجديدة إلى ثلاثة من المستوطنين اللاتين، فضلاً عن منحهم قطع من الأراضي لإقامة منازلهم عليها، وإلى جانب ذلك أعطاهم كروم عنب، وجزءاً كبيراً من أشجار الكرمة التي سبق أن أشرف على زراعتها بطرس رئيس كنيسة القيامة السابق في مستوطنة البيرة. وإلى جانب هذه المنح جميعها، سمح لهم باستخدام المخابز والطواحين وجميع الأشياء الأخرى في مستوطنة البيرة، ولكن ضمن شروط خاصة تم الاتفاق عليها بين الطرفين. ويلاحظ أن جميع هذه المنح والتسهيلات الخاصة من أجل استقطاب اللاتين وحثهم على الاستقرار في المستوطنات(41)

يتضح من خلال المعلومات التي أوردتها الوثيقة سالفة الذكر عدة نقاط أهمها: الاهتمام بزراعة أشجار الكرمة والزيتون في الأراضي التابعة للمستوطنات، وقد بدا هذا الأمر واضحاً من خلال قيام رئيس كنيسة القيامة بالاشراف على زراعة أشجار الكرمة وأشجار الزيتون في مستوطنة البيرة، وربما يرجع ذلك لما تدره هذه الأشجار من أرباح على الفرنجة الصليبيين، خاصة أن ثمار العنب تعتبر المادة الخام لصناعة النبيذ والدبس والخل، والملبن والزبيب(42)، كذلك فإن ثمار الزيتون كانت المادة الخام لعملية استخراج زيت الزيتون الذي تقوم عليه صناعة الصابون(43)

ومن النقاط البارزة التي أوردتها الوثيقة ما يتعلق، بتنظيم أراضي مستوطنة راماتيس الجديدة، وتقسيمها إلى كاريوكات، وزراعة قسم منها بأشجار الكرمة، والسبل التي اتبعها رجال الدين اللاتين من أجل استقطاب المواطنين الأوروبيين، وحثهم على الاقامة في المستوطنات التي تم تأسيسها في الأراضي المقدسة، وذلك عن طريق منحهم الأراضي الزراعية، والسماح لهم بإقامة منازلهم على جزء منها، هذا إلى جانب السماح لهم باستعمال المخابز والطواحين التي تعود ملكيتها لكنيسة القيامة، وذلك ضمن شروط خاصة يتم الاتفاق عليها بين الطرفين.

وقد أوضحت الوثيقة، أيضاً، أن المستوطنين الأوروبيين كانوا يقومون بإنشاء منازلهم بأنفسهم، ولكن بعد الحصول على اذن مسبق من المشرفين على المستوطنات، وهذا يعني أن جزءاً من المنشآت في المستوطنات التي أقامها رجال الدين في محيط بيت المقدس كان يقع على عاتق المستوطنين، والجزء الآخر كان يقع على عاتق الذين يشرفون على بناء المستوطنات. ويبدو أن المنازل التي أسسها المستوطنون، كانت ملكاً وراثياً لهم، ولهذا فقد كان من حقهم تحويل ملكية منازلهم وأراضيهم إلى مواطنين آخرين(44)

نهاية الاستيطان الفرنجي في بيت المقدس ومحيطها

بعد أن انتصر السلطان صلاح الدين الأيوبي في حطين العام 583هـ/1187م، وقامت قواته بفتح المدن الفلسطينية، توجه بنفسه صوب بيت المقدس، وعندما وصلها في منتصف رجب سنة 583هـ/العشرين من أيلول سنة 1187م، شرع يبحث عن مكان يقاتل الفرنجة منه، “فلم يجد عليه موضع قتال إلاّ من جهة الشمال، نحو باب العمود … فانتقل إلى هذه الناحية في العشرين من رجب ونزلها”، ونصب المجانيق من هذا الجانب(45) وبدأت قواته بمهاجمة الفرنجة الصليبيين، الأمر الذي دفعهم إلى التسليم، وطلب الصلح فوراً، فأجابهم السلطان صلاح الدين إلى ذلك، على أن يدفع كل رجل منهم عشرة دنانير والمرأة خمسة دنانير، والطفل دينارين، ومن عجز عن الدفع وقع أسيراً بيد المسلمين، ودخل المسلمون بيت المقدس يوم الجمعة الموافق السابع والعشرين من رجب سنة 583هـ/الثاني من تشرين الأول سنة 1187م، ورفعت الأعلام الإسلامية على أسوار القدس(46) وفي يوم الجمعة التالية الموافق الرابع من شعبان سنة 583 هـ /التاسع من تشرين الأول 1187م صلى المسلمون صلاة الجمعة في بيت المقدس، وكان معهم صلاح الدين الأيوبي الذي صلى في قبة الصخرة(47)

أما فيما يتعلق بالمستوطنين الأوروبيين الذين كانوا يعيشون في المستوطنات المحيطة ببيت المقدس، فقد غادروا هذه الأماكن، عند سماعهم أخبار انتصار السلطان صلاح الدين الأيوبي على القوات الفرنجية الصليبية في حطين وقيامه بفتح المدن الفلسطينية وطرد الفرنجة منها. ومن المرجح أن قوات صلاح الدين قامت بتدمير وتخريب جميع أملاك الفرنجة ومستوطناتهم في فلسطين، وقد أشار ياقوت الحموي (ت626هـ/1228م) –الذي زار بيت المقدس بعد طرد الفرنجة الصليبيين منها- إلى أن السلطان صلاح الدين قام بتدمير مستوطنة البيرة، بعد أن استعادها من الفرنجة(48) ويبدو أن التدمير لم يشمل معظم المستوطنة، لأنه تم العثور في البيرة على بعض المنازل والمنشآت التي ترجع إلى العصر الفرنجي الصليبي.

وهكذا بدا واضحاً أن جميع المستوطنات اللاتينية التي أقامها الفرنجة الصليبيون في الأراضي المقدسة، كان مصيرها الزوال، بفضل العمل الجاد، والوحدة التي حققها السلطان صلاح الدين، والتصميم على استرداد الأرض والحقوق المغتصبة. كذلك لاحظنا مغادرة المستوطنين للمستوطنات التي أقاموا فيها فترة من الزمن، دون إبداء أية مقاومة، وهذا دليل على عدم ارتباطهم بالأرض؛ لأنهم عنصر دخيل على المنطقة، انتهى بانتهاء الأوضاع التي سمحت لهم بالوجود في الأراضي المقدسة. ولعل كل ذلك يشير إلى أن الشعب الصامد على أرضه، سيحقق النصر ويطرد المعتدي، وأن عامل الزمن، والعمل الدؤوب، والعلم، والوحدة، والقوة الاقتصادية كفيلة بتحقيق آمال الشعوب الباحثة عن الحرية والاستقلال.

القدس في اتفاقية الرملة عام 588هـ / 1192م

تم توقيع اتفاقية الرملة في شهر أيلول عام 588هـ / 1192م بين السلطان صلاح الدين الأيوبي والملك الإنجليزي ريتشارد قلب الأسد ، وقد نصت الاتفاقية على الآتي:

1)تستمر الهدنة بين المسلمين والفرنجة لمدة ثلاث سنوات وثلاثة اشهر .

2)أن تكون اللد والرملة مناصفة بين المسلمين والفرنجة .

3)أن تبقى عسقلان بيد المسلمين بشرط أن تبقى خرابا .

4)أن يسمح للحجاج المسيحيين المرور بأمان إلى القدس وبيت لحم والناصرة دون مطالبة المسلمين بأي ضريبة مقابل ذلك .

5)أن تكون المنطقة الساحلية بيد الفرنجة من صور إلى يافا .

6)أن تكون المنطقة الممتدة من يافا الى رفح بيد المسلمين.

7)أن تكون صور وصيدا بيد المسلمين(49) .

يتضح من خلال بنود اتفاقية الرملة أن بيت المقدس بقيت بيد المسلمين مع السماح للفرنجة الصليبيين بالوصول إلى المدينة، وزيارة الأماكن المسيحية المقدسة فيها دون أية مضايقات من قبل المسلمين. وهنا تتجلى سماحة الإسلام الذي لم يمنع الفرنجة من الوصول إلى الأماكن الدينية المسيحية المقدسة .

وقد شهدت فلسطين في العهد الأيوبي أحداثا هامة منها تسليم بيت المقدس للفرنجة الصليبيين بمقتضى معاهدة يافا التي وقعها الملك الكامل الأيوبي مع الإمبراطور فردريك الثاني في 28 ربيع الأول عام 626هـ/ 25 شباط عام 1229م (50) التي تقرر بموجبها عقد الصلح بين الطرفين لمدة عشر سنوات (51) ، وقد نصت هذه الاتفاقية على أن يأخذ الفرنجة بيت المقدس وبيت لحم والناصرة ومدن ساحلية أخرى ، على أن تبقى قبة الصخرة والمسجد الأقصى بأيدي المسلمين ، وان لا تجدد اسوار القدس وكذلك تبقى القرى المحيطة بالقدس بأيدي المسلمين(52) ، ويعين والي عليها يكون مركزه في بلدة البيرة الواقعة شمالي القدس(53) . وقد أثار تسليم القدس للفرنجة موجه سخط في العالم الإسلامي ، وقد دخلها الإمبراطور فردريك الثاني في التاسع عشر من مارس عام 1229م وتوج نفسه إمبراطورا في كنيسة القيامة ثم عاد الى عكا ومنها إلى بلاده” وحين نودي في القدس بتسليمه للفرنج ضج المسلمون بالصراخ والعويل …. فقامت القيامة في جميع بلاد الإسلام واشتدت العظايم وأقيمت المآتم ” .

وبعد وفاة الملك الكامل محمد في رجب عام 635هـ/ آذار 1238م اخذ الفرنجة يعززون وجودهم في بيت المقدس ، فأعادوا بناء قسم من أسوار المدينة المقدسة ثم عمروا القلعة الواقعة في الغرب وحصنوا أبراجها وشحنوها بالأجناد والعتاد ، وبسبب ذلك قام الملك الناصر داود الأيوبي بحصار المدينة ونازل قلعتها وضربها بالمجانيق واجتاح المدينة في جمادى الأولى عام 637هـ/ كانون اول عام 1239م وطهروه من الفرنج . أما قلعة بيت المقدس فقد بقيت محاصرة مدة سبعة عشر يوما وأخيرا سلمت بالأمان وسمح الناصر داود للفرنج بمغادرة مدينة القدس .

الخاتمة

اتضح من خلال دراسة القدس في العصر الفرنجي أن الصليبيين بسطوا سيطرتهم على المدينة المقدسة بقوة السلاح بعد مقاومة باسلة تصدى لها سكان المدينة ومن حضر إليها من باقي المدن الفلسطينية المختلفة . كذلك أشارت الدراسة إلى شراسة الفرنجة الذين قتلوا جميع سكان المدينة من مسلمين ويهود بلا هوادة ، لدرجة أن المدينة أصبحت فارغة من سكانها ، مما دفع بالملك الفرنجي إلى إحضار مسيحيين شرقيين من شرق الأردن من اجل التغلب على النقص الحاد في سكان المدينة المقدسة .

وتعرضت الدراسة لعملية الاستيطان الفرنجي في بيت المقدس والمناطق المحيطة به ، كما تطرقت إلى التغييرات الادارية والدينية والديمغرافية في المدينة المقدسة التي استمرت قابعة تحت الحكم الفرنجي نحو ثمانية وثمانين عاما ، وفضلا عن ذلك أظهرت الدراسة تسامح السلطان صلاح الدين الأيوبي عند فتحه للمدينة المقدسة ، وكيف انه سمح للصليبيين بالخروج من المدينة مقابل دفع مبلغ من المال . وبينت الدراسة وضع المدينة المقدسة من خلال اتفاقيتين وقعهما المسلمون مع الجانب الصليبي وهما اتفاقية الرملة في الحادي والعشرين من شعبان عام 588هـ /الأول من أيلول عام 1192م، واتفاقية يافا عام 626هـ /1229م الحادي والعشرين من شعبان.