الشعب الفلسطيني في مواجهة الانتداب البريطاني والصهيونية

 

تراكمت الأحداث في سنوات الثلاثين حتى خلقت وضعا خطيرا على الصعيد الدولي أصبح يؤثر على مجريات الأمور في كل مكان في العالم.

فصعود النازية إلى الحكم في ألمانيا وما واكبه من لاسامية عنيفة وعسكرة عدوانية، أعقبه عدوان إيطاليا الفاشية الغادر على إثيوبيا واحتلالها في عام 1935 ، وكان مقدمة الحرب الأهلية التي أشعلها النازيون والفاشيون في أسبانيا الجمهورية في عام 1936 وشجع على محاولة اليابان العسكرية التوسع على حساب الصين العاجزة بسبب قيادتها ونظامها الإقطاعي.

كل هذه كانت عوامل أسرعت باندلاع الحرب العالمية الثانية لغياب اتفاق أمن جماعي كان يسعى إليه الاتحاد السوفيتي ليصد انتشار النازية على المستوى الأوربي وليحول دون نشوب الحرب فعلا.

ولكن من قبل أن تسرع في وتيرة الانزلاق نحو الهاوية استنفرت أخطار النازية من ناحية، والعدوان الإمبريالي الإيطالي والياباني من ناحية ثانية، القوى الشعبية فتنادت في دول الرأسمالية المتطورة إلى وقف اجتياح النازية لأجهزة الحكم، كما تنادت في المستعمرات إلى الكفاح من أجل التحرر القومي.

وهكذا مثلا توافق انتصار الجبهة الشعبية، بقيادة الطبقة العاملة، في فرنسا مع النهوض الشعبي في مستعمرات فرنسا امتدادا من المغرب الأقصى حتى سوريا.

والواقع أن موجهة ثورية معادية للإمبريالية اجتاحت العالم العربي بين 1935 و 1937 وتميزت بالعنف على الرغم من تباين الأقطار العربية واختلاف درجات تطورها. وهذا الاختلاف فرض على الحركات القومية أهدافا تتلاءم مع أوضاعها العينية. ولذلك لم يكن غريبا مثلا أن تطالب الحركة القومية في سوريا بالاستقلال السياسي وبمعاهدة مع فرنسا على غرار المعاهدة العراقية – البريطانية في حين كانت الحركة القومية في العراق ترى في تلك المعاهدة عبئا بقيد حريتها.

والمهم هنا ملاحظة التفاعل بين الأحداث عامة وبين أحداث العالم العربي خاصة، فمما لاشك فيه أن الانتفاضات الثورية في هذا القطر العربي أو ذاك أثرت على مسيرة الحركات القومية في الأقطار العربية الأخرى.

ويعترف بهذا تقرير اللجنة الملكية لعام 1937 حين يقرر: ” وبالضبط كما كان ضغط اليهودية الأوربية على فلسطين الآن (1936- أ-ت) أشد ما يكون، كان كذلك تأثير الأحداث في الأقطار المجاورة. ففي شتاء 1935-1936 شهدت المنطقة انبعاثا في النشاط القومي في مصر وسوريا وكان على درجة من الحيوية في القطرين بحيث حقق أهدافه خلال بضعة شهور وفاز القطران بالاستقلال القومي “( التقرير ص 92).

والمقصود هنا الانتفاضة التي اندلعت في مصر في شهر تشرين الثاني ( نوفمبر 1935) على شكل مظاهرات عنيفة اجتاحت القاهرة وغيرها من المدن وأدت إلى مصادمات مع قوات الأمن وسقوط قتلى وجرحى، وإضراب عام في القاهرة جري في 21 تشرين الثاني 1935، وتحرك شعبي دينامي أجبر الأحزاب على تأليف جبهة وطنية في 10 كانون الأول ( ديسمبر) 1935 طالبت بإعادة دستور 1923 والاعتراف عمليا باستقلال مصر.

وتحت ضغط النشاط الجماهيري والوحدة القومية اضطرت بريطانيا إلى مفاوضة زعماء الجبهة في آذار مارس 1936.

وانتهت المفاوضات باتفاق جاء في مواده الأولى إعلان بريطانيا إنهاء احتلالها العسكري رسميا والموافقة على انضمام مصر إلى عضوية عصبة الأمم.

وتعهدت مصر بوضع مقدراتها تحت تصرف بريطانيا أثناء الحرب كما وعدت بأن لا تتخذ علاقاتها الأجنبية موقفا يتعارض مع الحلف مع بريطانيا.

ومع هذا لم تغير هذه الشروط من أهمية تلك المعاهدة ولذلك اعتبرت المحافل القومية آنذاك نصرا حققته الحركة القومية في مصر (1).

أما الانتفاضة في سوريا فقد بدأت في مظاهرة جرت في دمشق في 19 كانون الثاني ( يناير ) 1936 وتجددت في الأيام التالية على وجه أعنف مما أدى إلى وقوع اصطدامات دامية بين المتظاهرين والجيش الفرنسي. ثم تبلورت في إضراب عام بدأ في دمشق في 20 كانون الثاني 1936 وأعلنته الحركة القومية ” حتى تنال البلاد حقوقها التي تلخصت بإعادة دستور الجمعية التأسيسية طليقا من كل قيد وإلغاء نظام الانتداب بعد ثبوت فشله بالتجارب المكررة وإعلان استقلال سوريا.

وقد امتد الإضراب إلى سائر مدن سوريا التي شهدت ثورة قومية ، مختلفة العنف، خاصة في حمص وحماة وحلب.

وانتهى هذا الإضراب بعد حوالي خمسين يوما في مطلع آذار مارس 1936 بعد أن تعهدت الحكومة الفرنسية بإعادة الحياة النيابية إلى سوريا وعقد اتفاق مع حكومة قومية، ينص على الاعتراف باستقلال البلاد.

وفعلا جرت هذه المفاوضات الفرنسية – السورية، بعد انتصار الجبهة الشعبية في انتخابات فرنسا في حزيران يونيو 1936، وانتهت إلى نجاح في 9 أيلول سبتمبر 1936.

وفي الاتفاق اعترفت فرنسا باستقلال سوريا، ولكنها قيدت ذلك الاستقلال بمعاهدة ” حلف وصداقة” يخولها عسكرة قواتها في الأراضي السورية. وهنا أيضا اعتبرت الحركة القومية الاتفاق انتصارا ملموسا في ظروف المنطقة والعالم الموضوعية.

وكان هذا النشاط القومي في القطرين العربيين المتجاورين عاملا في ثورة 1936 في فلسطين ولكنه لم يكن حافزا لها، أما الحافز فكانت عوامله- كما أوردنا عند سرد ظروف ” هبة 1933 ” – تكمن في السيادة الإمبريالية البريطانية والممارسة الصهيونية المعادية للشعب العربي الفلسطيني.

وعمقت التطورات أخطار تلك العوامل.

وأدى عدوان إيطاليا على الحبشة إلى تحويل التجارة العالمية عن المنطقة إلى حد ما، الأمر الذي شدد أزمة العمل في فلسطين.

ويذكر ولتر بريوس في كتابه ” حركة العمال في إسرائيل” ” أن نتائج التوتر الدولي في البحر الأبيض المتوسط بدأت تظهر في آب أغسطس 1935، على شكل تقليص في الاعتمادات في فلسطين مما أدى إلى إضعاف وتيرة البناء وإبطاء في صناعة مواد البناء الممتد إلى ميادين أخرى، ولأول مرة منذ 931 عادت البطالة إلى الظهور.

وبديهي أن البطالة لم تقتصر على القطاع اليهودي بل انتشرت إلى القطاع العربي على نطاق أوسع إذ كان النشاط الاقتصادي في القطاع اليهودي ينمو بسبب الهجرة والتطوير الصناعي والزراعي، في حين أسهمت السياسة الإمبريالية والممارسة الصهيونية في التضييق على النشاط الاقتصادي العربي بحيث أدى إلى تفاقم أزمة البطالة خصوصا في هذه الفترة بالذات حين اتسعت صفوف العمال العاطلين نتيجة تشريد الفلاحين العرب عن أراضيهم التي باعها الإقطاعيون – الغائبون في أكثر الحالات – إلى اليهود.

ولعل تعميق شعور الجماهير العربية باليأس من ممكنات تغيير الأوضاع بالنشاط السياسي، والخوف من اتساع الوطن القومي اليهودي على حساب كيانهم، نجم عن عاملين:

ارتفاع الهجرة اليهودية إلى رقم قياسي هو 61.854 في عام 1935 وتجميد الإدارة البريطانية مشروع المجلس التشريعي.

 

مشروع المجلس التشريعي

في 25 تشرين الثاني ( نوفمبر 1935 قدم زعماء الحركة القومية التقليديون مذكرة إلى المندوب السامي البريطاني طالبوا فيها من جديد:

– بإنشاء حكومة نيابية في فلسطين.

– وبوقف الهجرة اليهودية.

– وبمنع بيوع الأراضي.

– وردت الحكومة البريطانية على هذه المذكرة فرددت موقفها القديم من الهجرة مؤكدة أن سياستها قائمة على قدرة الاستيعاب الاقتصادي في البلاد وأعلنت استعدادها لوضع تشريع لا يسمح بوجبه، باستثناء قضاء بئر السبع ومناطق المدن وباستثناء الأراضي المغروسة بالأشجار الحمضية، ببيع الفلاح أي قسم من أرضه إلا إذا بقي له حد أدنى يسمح له بإعالة عائلته من دخله.

– أما بشأن الحكومة النيابية فكان الجواب:

” إن الجواب على طلب إنشاء حكومة ديمقراطية في فلسطين قد أبلغه المندوب السامي للزعماء العرب حين قدم لهم اقتراحات بشأن تشكيل مجلس تشريعي يضم أكثرية كبيرة من الأعضاء غير الموظفين عن طريق الانتخاب”.

وفعلا عرضت الحكومة البريطانية في 21، 22 كانون الأول ( ديسمبر 1935 اقتراحاتها بشأن مجلس تشريعي على الزعماء العرب واليهود، وحسب الاقتراح كان المجلس التشريعي سيتألف من 28 عضوا على الوجه الأتي: 5 موظفين ( بريطانيين طبعا) واثنان يمثلان التجار و11 مسلما ( ثمانية ينتخبون وثلاثة يعينهم المندوب السامي ) وسبعة يهود (ثلاثة ينتخبون وأربعة يعينهم المندوب السامي) وثلاثة مسيحيين (1 ينتخب واثنان يعينهم المندوب السامي) ويكون الرئيس محايدا لا علاقة له بفلسطين.

ومع أن أكثرية المجلس التشريعي كانت ستكون منتخبة إلا أن قدرة المجلس حددتها ثلاثة قيود.

فلا يحق للمجلس أن يناقش شرعية الانتداب البريطاني، ومن حق المندوب السامي أن يشرع في ظروف معينة بما في ذلك ما يتعلق بالأمور الجوهرية كالهجرة والأراضي، كما أن حقه أن يقرر لائحة هجرة العمال اليهود.

وكان طبيعيا أن تهاجم صحافة البلاد المشروع، ولكن انطلاق صحافة كل من الطرفين العربي واليهودي كان مختلفا، قرره الموقف من القضايا المصيرية الموضوعة على بساط البحث.

فقيادة الحركة القومية العربية انتقدت المشروع لأنه يجرد المجلس التشريعي من الصلاحيات ويجعل من الحكم النيابي مهزلة، وفي حين هاجمت القيادة الصهيونية مجرد فكرة مجلس تشريعي ما دام اليهود أقلية في البلاد.

وكالعادة غلفت القيادة الفلسطينية موقفها بذرائع الدفاع عن الديمقراطية وهذا في وقت كان تعلن فيه حقيقة خوفها من تطور الأجهزة المنتخبة.

وهكذا كتب حاييم وايزمن في ” التجربة والخطأ” يفسر أسباب مقاومة القيادة الصهيونية المشروع: ” أن الحديث عن منتخبين عرب يمثلون شعبهم يتناقض مع المبدأ الديمقراطي الذي يفرض أن يكون تعبيرا عنه. أن مجلسا تشريعيا في فلسطين سيكون مجرد معطف معاصر لنظام الإقطاعية القديم أي استمرار سلطة الدم العائلية التي قبضت على البلاد منذ قرون ومرغت وجوه الفقراء في التراب” ص 380.

وبعد ذلك أضاف: ” لنا من الخبرة ما يكفي لان نعرف أن الموظفين البريطانيين في فلسطين لا يمكن الاعتماد عليهم في الدفاع عن مبادئ الانتداب، وثانيا نرى في الأفق أن الخطوة الثانية بعد إقامة المجلس ستكون إعطاء العرب ( بوصفهم الأكثرية – أ.ت)

مزيدا من السلطات على الأمور الخارجة عن صلاحيات المجلس الأمر الذي سيواجهنا بخطر تجميد الوطن القومي اليهودي ” المصدر ذاته.

أن الاختفاء وراء الإقطاعية والتظاهر بمعاداتها كان سلاحا من أمضى أسلحة القيادة الصهيونية في حملة التضليل بين الاشتراكية الديمقراطية اليمينية في أوربا.

وبتضخيم مكانة القيادة الإقطاعية العربية وبالتلويح بطبيعتها الطاغية زيفت الصهيونية الحقائق التي تبلورت جوهريا في أمرين: في تعاون القيادة الصهيونية مع الإقطاعيين العرب سياسيا واقتصاديا من وراء الستار، وفي هجوم عنيف على الفئات الشعبية العربية، فضحايا الإجلاء عن الأراضي العربية لم يكونوا إقطاعيين بل فلاحين فقراء وضحايا سياسة احتلال العمل لم يكونوا إقطاعيين بل عمالا معدمين حاولوا كسب الأولاد عن طريق بيع قوتهم البدنية.

ولهذا لم يكن أمرا غريبا في هذه الفترة بالذات، التي امتازت نتيجة البطالة، بنشاط الفرق الضاربة الصهيونية المتعاظم لطرد العمال العرب من المنشآت والمزارع اليهودية، أن ترسل جمعية العمال العرب في يافا مذكرة إلى المندوب السامي تعالج فيها سياسة الإدارة البريطانية في إعطاء شهادات الهجرة وتحدد عدد العمال اليهود العاطلين بتسعة آلاف وعدد العمال العرب العاطلين بـ 23 ألفا ثم تنقد احتكار العمال اليهود المشروعات الاقتصادية الكبرى ( كهرباء البحر الميت والحولة) وتخصيص العمال العرب بالأعمال الشاقة. ثم تذكر طرد الحاميات اليهودية العمال العرب من أعمالهم وإحلال اليهود مكانهم وتطالب في النهاية بوقف الهجرة.

لذلك فالتلويح ” بالديمقراطية ” كان بمثابة السخرية من الديمقراطية التي لا تتجسم بالشكل بل في المضمون السياسي والاقتصادي.

أن القيادة العربية، على الرغم من انتقادها المشروع، لم ترفضه في حين قاومته القيادة الصهيونية بالظفر والناب تؤيدها المحافل المغرقة في الرجعية في الطبقة الحاكمة البريطانية التي كانت تكره شعوب المستعمرات وتحقد عليها وترفض التنازل عن أي امتيازات لها.

ويصح القول هنا أن المحافل البريطانية الحاكمة التي أرادت أن تمنح فلسطين بعض الامتيازات الشكلية، هي المحافل التي كانت تأخذ في عين الاعتبار ضرورة مواجهة المنافسة الإمبريالية النشيطة التي مثلتها إيطاليا الفاشية وألمانيا النازية عن طريق التنازلات للحركات القومية العربية التي كانت تحاول إيطاليا وألمانيا جذبها إلى جانبها بالتظاهر بتأييدها.

كذلك لا بد من القول أن المحافل الإمبريالية البريطانية التي اتخذت مبدأ ” فرق تسد” أساسا لنهجها في فلسطين كانت ترى في بعض التنازلات للحركة القومية العربية من ناحية ومواصلة تأييد المشروع الصهيوني من ناحية ثانية، أفضل موازنة تمكنها من التظاهر كفيصل في النزاع العربي اليهودي لا كالطرف الجوهري فيه على اعتبار أن الصراع كان فعلا يدور بين الشعب الفلسطيني والإمبريالية البريطانية من أجل تحرير فلسطين، وفي هذا الصراع وقفت الصهيونية إلى جانب الإمبريالية البريطانية، في حين وقفت القوى الديمقراطية اليهودية إلى جانب معركة التحرر المعادية للإمبريالية.

والمقرر آنذاك أن مشروع المجلس التشريعي البريطاني أثناء المناقشات التي جرت في 28 شباط ( فبراير) و25 آذار ( مارس 1936 تعرض إلى انتقاد لاذع من مختلف الأحزاب في مجلس العموم البريطاني مما أوحى للجماهير العربية- كما قلنا بعدم جدوى النضال السياسي .

وقد حاولت بريطانيا أن تزيل أثر هذه المناقشة فدعت وفدا عربيا لمباحثاتها في المشروع في بريطانيا، ولكن انفجار الثورة ألغي هذه المفاوضات.

 

حركة القسام والإضراب العام

في 11 تشرين الأول ( أكتوبر) 1935 اصطدمت قوة بريطانية بفرقة عربية مسلحة في

جبال جنين وخلال المعركة الحامية قتل أربعة من الفرقة بينهم زعيمهم عز الدين القسام مما أدى إلى تسمية أتباعه فيما بعد “القساميين”.

لقد كشف هذا الاصطدام وجود تنظيم سري يؤمن بالثورة المسلحة ويعد لها. وفي هذا الصدد هناك ما يوحي أن القوة البريطانية فاجأت الفرقة العربية بصحبة القسام وهي تتمرن من قبل أن يستكمل التنظيم استعداده.

ولكن الأهم أن هذا التنظيم السري جرى في عزلة عن القيادة القومية التقليدية وكفر بأساليبها ، وكان يعتمد على الفئات الشعبية ويعمل بين العمال والفلاحين.

ثم أن دعوة الحركات امتازت بالوضوح إذ رأت العدو الجوهري في الانتداب البريطاني وبذلك خلت من الملامح الرجعية التي كانت تخلط بين الصهيونية واليهود.

ولم يقلل من أهمية هذه الحركة، في فترتها الأولى، الطابع الديني الذي تلونت به.

ودلت موجة المظاهرات التي جرت خلال تشييع جثمان القسام إلى مقره الأخير والاستذكارات اللاحقة على توثب الجماهير الشعبية واستعدادها الثوري.

ولذلك كان من السهل أن تشتعل المعركة حتى في أعقاب حادثة قطع طرق عادية جرت في 15 نيسان ( أبريل ) 1936 على طريق طولكرم- نابلس وأودت بحياة يهوديين. فالأزمة وصلت إلى درجة الانفجار.

في كتابة ” القضية الفلسطينية” كتب يوسف هيكل ( الذي شغل منصب رئيس بلدية يافا قبل حرب فلسطين).

” أن هذه الحادثة اعتيادية ولا علاقة لها بالسياسة ومثيلاتها عديدة في جميع البلدان، وليس العرب براضيين عن مثل هذه العصابات، وأضرارها تلحق جميع سكان فلسطين دون تفريق بين عربي ويهودي. وحادث 15 نيسان لم يكن الأول من نوعه، فلو وقفت حوادث ذلك اليوم عند هذا الحد لما انفجرت قنبلة الاضطرابات حينئذ ولما اجتاحت الثورة فلسطين، غير أن اليهود مزجوا بين الاعتداءات الاعتيادية والسياسية فانتقموا بقتل رجل أو رجلين من العرب الأبرياء ” ( ص 198).

بهذا أعرب يوسف هيكل، مثل غيره من الكتاب، عن الرؤيا الحقيقية لما كان يجري في البلاد. فبعد حادث السطو العادي قتلت عناصر صهيونية عاملين في كوخ يقع على طريق بيتح تكفا- كفار سابا 16/4/36 انتقاما لمقتل اليهوديين. وفي الوقت ذاته هاجمت مثل هذه العناصر المواطنين العرب في المنطقة المتاخمة لتل أبيب.

وتوحي كافة الدلائل ( وهذا يساعد على تحدي مسؤوليات الأزمة) بأن القيادة الصهيونية كانت تخطط الصراع بين اليهود والعرب، تساوقا مع الإمبريالية البريطانية بدون أن يكون ذلك محددا حتى آخر التفاصيل. وهكذا فما أن أذيع نبأ مقتل اليهوديين حتى اجتاحت المظاهرة تل أبيب والمنطقة المتاخمة لها ووقعت حوادث اعتداءات المواطنين العرب في يافا. استنفرت بدورها اعتداءات مماثلة على المواطنين اليهود.

وما أن حل يوم الأحد في 9/4/1936 حتى كانت يافا مضربة احتجاجا على الاعتداءات الصهيونية على أبنائها، وكان الإضراب عفويا نجم عن التوتر في المنطقة المشتركة بين يافا وتل أبيب.

ولكن هذا الإضراب العفوي تحول إلى إضراب واع شمل في اليوم التالي عمال الميناء.

وعندئذ تحركت فئات قومية وأذاعت بيانات أعلنت فيه أن سياسة الوطن القومي اليهودي هي سياسة غاشمة…” وأن تجربة حكم شعب بخلاف رغبته وإرادته هي تجربة فاشلة”.

وجاء في بيان اللجنة القومية التي تألفت حالا في اجتماع وطني أن المجتمعين يعلنون، مبدئيا، الإضراب العام في يافا إعلانا لسخط العرب على سياسة السلطات الفاسدة التي يقصد منها ” إبادة العربي في بلده العربي”. ( فلسطين العربية بين الانتداب والصهيونية 0 عيسى السفري ص 16-17 الجزء 2).

وامتد الإضراب شيئا فشيئا حتى شمل ميناء يافا، مما أثر على اقتصاد البلاد، لأهمية هذا الميناء ثم امتد إلى النقليات، وبعد ذلك انفجر في كافة المدن.

وكان تأليف اللجنة القومية في نابلس، المدينة العربية البارزة في 20/4/1936 إيذانا بنمو كيفي في هذه الحركة العضوية التي دلت على أن التنظيمات السياسية في البلاد متخلفة عن الأحداث.

وسارت قيادة الأحزاب القومية العربية في مجرى التيار فأعلنت بعد يوم، في 21/4/1936 الإضراب العام في البلاد.

وفي غمرة هذا التوثب السياسي اجتمعت قيادات الأحزاب القومية العربية وألفت في 25/4/36 اللجنة العربية العليا برئاسة المفتي الحاج أمين الحسيني وأمانة سر عوني عبد الهادي وعضوية سائر قادة الأحزاب.

ولم تختلف شعارات اللجنة العربية العليا عن شعارات الحركة القومية: وقف الهجرة، ومنع بيوع الأراضي وإنشاء حكومة وطنية مسؤولة أمام مجلس نيابي… إنما اختلف عنف اللهجة وتحرك الجماهير الشعبية وخاصة الطلاب والنساء الذين قاموا في البداية بدور كبير في تحريك النشاط الوطني.

وامتاز الإضراب بالشمول، فقد اجتمع المحامون وقرروا مشاركة الأمة في نضالها، كما اقتفى أثرهم الأطباء والتجار.

ومن أبرز مظاهر العمق الشعبي نشاط القرويين فقد عقدوا سلسلة من المؤتمرات في أقضيتهم قرروا فيها تأييدا المعركة الوطنية الدائرة.

وخلال أيار ( مايو) 1936 وبينما البلاد ( القطاع العربي) مضربة عقدت فئات الشعب المؤتمرات والاجتماعات لتقرير تأييد المطالب القومية المعروفة. كذلك عقد منتخبو المجالس البلدية في وجه مقاومة السلطات، اجتماعا قرروا فيه الإضراب.

وكان انعقاد مؤتمر اللجان القومية التي تألفت في كل مكان، بغض النظر عن قيام اللجنة العربية العليا في القدس في 7 أيار ( مايو) 1936، تعبيرا عن الاندفاع القومي في البلاد وتجسيما لانخراط فئات قومية جديدة في المعركة.

وطبعا لم تتغير طبيعة القيادة الطبقية إنما تغير إلى حد التوازن بين العناصر الإقطاعية الريفية والعناصر البرجوازية- التجارية المتوطدة في المدن. ثم برزت في هذا المؤتمر عناصر المهنيين مثل المحاميين والأطباء باعتبارهم قوة فكرية.

وقام الشعراء بدور بارز في الدعوة الثورة الواعية وبرز من بينهم عبد الكريم الكرمي

( أبو سلمي ) وإبراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود. ولاحظ المؤرخون المعاصرون أن قصائدهم كانت ترد على السنة المقاتلين وجماهير الشعب. وأعرب ” أبو سلمي” عن المناخ الثوري حين هتف:

سيروا على الدرب المخضب والثموا أثر الجدود

حرية الإنسان تشري بالدم لا بالوعود

كذلك قام الشعر الشعبي بدوره الفعال وصاغ الثوريون تجربتهم الوطنية في بعض الأحيان في قصائد بسيطة ولكنها غنية بالعواطف.

وكان السلبي أن مؤتمر اللجان القومية استسلم إلى اللجنة العربية العليا، التي تألفت فوقيا من قادة الأحزاب، وكانت تنظيما رجعيا على الصعيد الاجتماعي وفيما بعد على الصعيد السياسي.

وكان أخطر قرار اتخذه مؤتمر اللجان القومية: الإعلان بالإجماع عن الامتناع عن دفع الضرائب اعتبارا من 15 أيار ( مايو) الحالي إذا لم تغير الحكومة البريطانية سياستها تغييرا أساسيا تظهر بوادره بوقف الهجرة اليهودية”. ( المصدر ذاته 47).

أن أهمية هذا القرار، الذي سرى مفعوله في ظل الإضراب المستمر، تكمن في طبيعته المضادة للإمبريالية. واقترن تنفيذ الامتناع عن دفع الضرائب وإعلان العصيان المدني بسلسلة من المظاهرات الجماهيرية الضخمة في مختلف المدن رفعت المعركة القومية إلى مستوى أعلى.

وفي 18 أيار ( مايو ) ألغت الحكومة البريطانية رسميا دعوتها الوفد العربي إلى المفاوضات في لندن وأصدرت بيانا جاء فيه: ” إن الوفد العربي المقترح لم يعد ملائما للأحوال التي نتجت وأنه بدلا من ذلك يجب إجراء تحقيق في فلسطين ولذا قررت ( الحكومة – أ- ت) بعد أن يعاد النظام أن تشير على صاحب الجلالة بأن يعين لجنة ملكية لتبحث في أسباب القلق وشكاوى العرب واليهود المزعومة دون التعرض لنصوص الانتداب.

ومرة أخرى لوحت بريطانيا بلجنة تحقيق لإجهاض الحركة القومية العربية ولكنها أخفقت في وقف المد الثوري.

وبدأت سياسة القمع على نطاق واسع وتزايد عدد المعتقلين ونفي الوطنيين في داخل البلاد، وأقامت الحكومة البريطانية معتقلات بلغ عدد نزلائها العرب من المعتقلين السياسيين الإداريين والمحكومين حوالي 4500. ( حول الحركة العربية الحديثة- محمد عزة دروزة- الجزء الثالث ص 127-128).

ونمت الحركة القومية على طريق التصعيد الثوري من مظاهرات ثورية تصطدم مع القوات البريطانية المسلحة في المدن إلى حركة أنصار مسلحة تنازل الجيش البريطاني في الريف.

ومن الصعب هنا وصف الثورة المسلحة، التي اشتعلت في مختلف أنحاء البلاد، ونازلت القوات البريطانية لا الصهيونيين على الرغم من وقوع مصادمات مع المستوطنات الصهيونية.

ولكن من الممكن الإيحاء بقوتها حين نذكر أن القوات العربية المسلحة خلال قتالها القوات البريطانية نسفت 48 جسرا وقطعت أسلاكا كهربائية وهاتفية 300 مرة وعطلت قاطرات 22 مرة ونسفت خطوط السكة الحديد 130 مرة.

هوامش:

1- انتهت المفاوضات التي ترأسها مصطفى النحاس في 11 أيار مايو 1936 وأدت إلى انتخابات جديدة فاز فيها حزب الوفد الذي كان يرأسه مصطفى النحاس ( الدولة العربية المتحدة، الجزء الثالث ( أمين سعيد ) ص 189-264.

 

المصدر:

ايميل توما، جذور القضية الفلسطينية (الأعمال الكاملة) المجلد الرابع، حيفا 1995.