لقد لاحظنا أن نمو البرجوازية العربية الفلسطينية إلى حد ما، واستمرار عملية إجلاء الفلاحين العرب عن الأراضي التي باعها الإقطاعيون للهيئات الصهيونية، ونمو الطبقة العاملة العربية تنظيمياً- كانت من العوامل التي غيرت المناخ السياسي وساعدت على تحول وجهة الحركة القومية العربية إلى طريق مكافحة الإمبريالية البريطانية بدلاً من الانحراف عن هذا النضال إلى الاحتراب العنصري.

وساعد تراكم إجراءات الإدارة البريطانية تأييداً لمشروع الوطن القومي اليهودي ونموه كميا على إيقاظ أعداد كبيرة من القوميين على حقيقة السياسة البريطانية في فلسطين.

فهذه الإدارة هي التي كانت تحول دون قيام حكومة فلسطينية مستقلة، وهي التي كانت تفتح أبواب البلاد أمام الهجرة اليهودية المتدفقة، وجنودها وأفراد شرطتها هم الذين كانوا يجلون الفلاحين عن أراضيهم ويهاجمون المتظاهرين المنادين بالاستقلال.

وأسهم التمايز في الحركة القومية في هذا التطور.

وتعمق هذا التمايز في هذه الفترة بالذات حين مالت العناصر الإقطاعية إلى التعاون تعاونا أوثق مع الإمبريالية البريطانية نتيجة طبيعتها الطبقية وازدياد الصراعات الاجتماعية في البلاد، مما دفعها إلى التفتيش عن طريق لصيانة مواقعها فوجدته بالإمبريالية.

وقد اتسعت هذه الصراعات وامتدت إلى المدن والريف. وفي حين اتخذت في الريف شكل نضال فلاحي ضد الإجلاء اتخذت في المدن شكل اضرابات نقابية.

ففي هذه الفترة – في 1933- أجلت السلطات فلاحي عرب الحوارث بالقوة عن الواحد والأربعين ألف دونم من مرج ابن عامر التي باعها الإقطاعيون من آل التيان اللبنانيين في عام 1929 للمنظمات الصهيونية، وبذلك شردت 1500 مزارع بعد أن أدت المعركة التي دارت بين الشرطة البريطانية والفلاحين إلى سقوط عدد من القتلى. ( القضية الفلسطينية، يوسف هيكل، ص 146).

وهكذا اشتد النزاع على الأراضي نتيجة بيع الإقطاعيين العرب أراضيهم، وظهرت قضية المزارعين المشردين بإلحاح جعل وزير الدولة البريطاني يعلن في مجلس العموم، في 14 تموز (يوليو) 1933، عزم حكومته على تمويل توطين المزارعين المشردين بقرض ينفق منه على تطوير الأراضي أيضاً. ( تقرير الإدارة البريطانية ص31).

واستمرت حوادث العنف في الريف وكان من أبرزها حادثة إجلاء عرب الزبيدات عن أراضيهم في الحارثية ( بالقرب من حيفا) بعد أن باعها أصحابها إلى المنظمات الصهيونية. وفي هذه الحادثة استخدم البوليس العنف، وقتل مزارع أثناء إطلاق البوليس النار على المزارعين. (فلسطين العربية بين الانتداب والصهيونية- عيسى السفري- ص238).

وأما في المدن فقد وقع 46 إضرابا اشترك فيها 4000 عامل عربي بين سنوات 1930 و 1935.

قد لا تبدو هذه الموجة العمالية النضالية كبيرة الأهمية بالقياس إلى اليوم، ولكنه في ظروف فلسطين آنذاك كانت حركة الاضرابات هذه أمرا كبيرا.

واتساع حركة الاضراب في القطاع العربي نسفت مزاعم الصهيونية حول خنوع العمال العرب وعدم قدرتهم النضالية بالمقارنة مع العمال اليهود.

فقد بلغ عدد الاضرابات في القطاع اليهودي بين سنوات 1923و 1935 55 إضرابا اشترك فيها 1323 عاملاً. ( حركة العمال في إسرائيل- ولتر بريوس- ص118).

وفي الوقت ذاته شهدت هذه الفترة تعاونا عربيا- يهوديا في ميدان النضال الاجتماعي. ففي عام 1931 أضرب 3000 سائق عربي ويهودي لمدة أسبوع احتجاجاً على رفض الحكومة تخفيض ضريبة الوقود والرسوم. (المصدر ذاته)

وفي هذه الظروف انعكس التمايز في الحركة القومية في تعاون الاقطاعيين العرب مع السلطة وفي التنظيم الحزبي.

ولاحظ محمد عزة دروزة في كتابه حول الحركة العربية الحديثة هذا الأمر بطريقته الذاتية فكتب عند تحديده سياسة المندوب السامي البريطاني آرثر واكهوب ( بدأ عهده في تشرين الأول ( أكتوبر) عام 1931).

” وقد توسع ( واكهوب-أ.ت) في خطة تعيين أبناء الأسر المعروفة من مجلسه ومعارضة .. وكان محسوساً أن هذه التعيينات جاءت نتيجة لالتماس زعماء هذه الأسر .. على اعتبار أن الموظفين بمثابة رهائن تجعل الآباء والأسر مضطرين إلى الرضا والحمد”. ( الجزء الثالث ص87).

وأضاف في شرح ظهور الأحزاب ( بعد أن ذكر سقوط مزارعي وادي الحوارث برصاص الجند الإنجليز): ” فصار من الواجب اللازم توجيه الكفاح نحوهم ( الإنجليز)، أنهم بيدهم وحدهم التعديل والنقض والإبرام وقد كانوا أصل البلاء وظلوا كذلك”…( ص97).

والواقع أن الحركة القومية العربية لم تعد تستطيع الاكتفاء بتنظيمها الفضفاض حول اللجنة التنفيذية ( خصوصا بعد وفاة رئيسها موسى كاظم الحسيني) وذلك بسبب الصراعات الاجتماعية وانعكاسها على القوى القيادية في الحركة لقومية أولاً، وبسبب احتدام الأزمة السياسية في البلاد نتيجة ضغوط الهجرة المتزايدة في أعقاب انتصار النازية في ألمانيا ثانيا. وتدل الإحصاءات على أن عدد المهاجرين بين 1930 و 1935 بلغ حوالي 180 ألف مهاجر (!).

وهكذا تألف ما تألف حزب الاستقلال في شهر آب ( أغسطس) 1932 من العناصر التي انتمت إلى الحركة القومية العربية العامة- جمعية العربية الفتاة- واعتقدت أن الحركة القومية ضعفت ورهنت، ” فبعد أن كانت” القضية- كما جاء في بيان تلك العناصر الصادر في تموز (يوليو) 1932- ” قضية استقلال تحمل خواص القضية العربية الكبرى وتكافح الاستعمار وجها لوجه أصبحت قضية محلية تتأثر بالنزاعات الشخصية والأهواء العائلية”.

وهاجم البيان موقف بعض القياديين في الحركة القومية الذين اتخذوا موقف العجز والمسكنة وحصروا نشاطهم ” بمقاومة القضية المصطنعة التي نكبنا بها ( الاستعمار ليلهينا عن أغراضنا المقدسة العليا”. وأعلن أن المبادرين إلى إقامة الحزب اعتقدوا أنه آن الأوان للقيام ” بحركة وطنية خالصة على يد حزب سياسي استقلالي يكافح الاستعمار وما جره من نكبات” ويبتعد عن السياسات المحلية والشخصية والعائلية.

ومع أنه من الصعب توزيع القوى الاجتماعية الموجودة في فلسطين آنذاك على الأحزاب العربية التي قامت في سنوات الثلاثين، إلا أنه من الممكن القول أن حزب الاستقلال الذي تألف من مثقفين وأبناء إقطاعيين متنورين، وبرجوازيين، كان أقرب الأحزاب إلى الإعراب عن مطامح الحركة القومية العربية التي تقودها البرجوازية وتعكس إلى حد ما أماني فئات واسعة من الجماهير.

وفي اجتماعاته الشعبية وبياناته كان حزب الاستقلال يندد البريطاني ويتوقف عند نتائج الحكم البريطاني ويعالج القضايا المختلفة التي تواجه الشعب.

وفي بيانه في ذكرى وعد بلفور ( 2/11/1923) عالج، بعد مقدمة استعرض فيها الحركة العربية والثورة واحتلال بريطانيا فلسطين لمدة 14 سنة، الموازنة التي لا تتحملها البلاد “فالموظفون الإنجليز والغرباء اليهود يبتلعون الجزء الأكبر منها وثلثها ينفق على الحراب التي تحمي المشروع الصهيوني”، وشجب الحكومة التي لا تحمي المزارعين العرب رغم تواصي لجان التحقيق ولا تضع تشريعا يمنع انتقال أراضيهم إلى الصهيونيين… ولاحظ أن البطالة ضاربة أطنابها في البلاد التي ترهق بالضرائب- وهي ضعف مثيلاتها في البلاد العربية المجاورة.. وذكر أن الضرائب على المواد الغذائية أدت إلى ارتفاع الأسعار وأن أزمة التعليم شديدة تظهر في أن أكثر من 70 بالمئة من الأولاد خارج المدارس وأن قانون المطبوعات يكمم الأفواه..

وفي النهاية أبرز البيان أن بعض الناس يتطوعون في خدمة الاستعمار ودعا الشعب إلى تشديد معركته ضد الاستعمار وأساليبه والصهيونية وغزوتها وضد الخونة..

ورفع الحزب المطالب الثلاثة التي تحولت إلى شعارات شعبية: وقف بيع الأراضي، وقف الهجرة وتسليم أبناء البلاد الحكم، وتحقيق استقلال فلسطين” متحدة مع البلاد العربية الأخرى”..

وظهر أن حزب الاستقلال، الذي نشط حوالي السنة ونصف السنة، فعقد الاجتماعات الشعبية وأصدر البيانات، نجح فكريا بدون أن يحقق إنجازات تنظيمية.

أما نجاحه الفكري فكان في تبني سائر الأحزاب التي أعقبته خطه السياسي- علنا على الأقل…

أما فشله التنظيمي فقد اتضح حين اضطر إلى تصفية نشاطه بعد سنة ونصف السنة تقريبا ( من تموز (يوليو) 1932 إلى كانون الأول ( ديسمبر)1933) بسبب مقاومة الانتداب له وقلة المال وصفات العضوية الشديدة ( حول الحركة العربية الحديثة الجزء الثالث، محمد عزة دروزة ص 103- 104)..

وقد بقي الحزب في الميدان شكليا وكان يتمثل دائماً في الهيئات القومية المحلية والقطرية.

ولكن تقلص نشاط حزب الاستقلال لم يقلص نشاط الحركة القومية الشعبية فالعوامل السياسية والاقتصادية التي أشار إليها حزب الاستقلال في بياناته كانت تستفز نشاطا ثوريا…

وفعلا انفجر هذا النشاط بهبة عام 1933 المعادية للإمبريالية البريطانية..

وتقرر المصادر البريطانية أن بداية الوثبة كانت في آذار (مارس) 1933 حين أصدرت اللجنة التنفيذية بياناً حذرت فيه من خطر الهجرة الصهيونية المتدفقة وانتقال الأراضي إلى المؤسسات الصهيونية..

ثم جاء مؤتمر 26 آذار 1933 الذي اشترك فيه ممثلون عن مختلف فئات الشعب من المدن والقرى وقرر عدم التعاون مع السلطات البريطانية ومقاطعة الهيئات الحكومية المشتركة والبضائع البريطانية والصهيونية.. ومما استنفر الرأي العام العربي في فلسطين ودفع الجماهير إلى تشديد الكفاح مجريات المؤتمر الصهيوني العالمي الذي عقد في براغ في آب (أغسطس) 1933، ودعا إلى بناء الوطن القومي اليهودي في فلسطين بأسرع ما يمكن..

وهكذا كانت تتراكم عوامل الهبة التي انفجرت بعنف بعد شهرين..

ومرة أخرى قادت اللجنة التنفيذية المعركة ووجهتها ببيان أصدرته بعد اجتماعها في تشرين الأول (أكتوبر) سنة 1933 وأعلنت فيه دعوتها الجماهير إلى:-

” إعلان سخط الأمة العربية في فلسطين التي بليت بالاستعمار البريطاني على عبث الحكومة البريطانية بحقوق أصحاب البلاد وتحديها عواطفهم الوطنية.. واستهتارها بكيانهم الوطني ومصالحهم الاقتصادية والاجتماعية بفتحها أبواب البلاد للهجرة الصهيونية وتسهيلها انتقال أراضي العرب إلى أيدي اليهود واستبدادها بالحكم المباشر”.

ودعت اللجنة التنفيذية الشعب إلى إعلان سخطه بالمظاهرات.

واجتاحت البلاد موجة المظاهرات الشعبية التي امتازت بالثورية وتحدي قوى القمع الاستعمارية، فقد جرت هذه المظاهرات على الرغم من الحظر الحكومي واصطدمت في كل مرة بقوات الأمن الانتدابية ودفعت ثمن ذلك ضحايا عزيزة..

وكانت التظاهرات التي جرت في 13 تشرين الأول ( أكتوبر) في القدس ويافا، والتظاهرات التي جرت بعد ذلك في حيفا ونابلس وسائر المدن تعبيراً مجسداً عن نضالية الجماهير ووعيها. وذكر الكتاب الذين أرخوا هذه الهبة أن النساء اشتركت في النضال على نطاق واسع وأن وفودا من سوريا وشرق الأردن اشتركت في مظاهرة يافا بتاريخ 13 تشرين الأول 1933.

وفي هذه المظاهرة استخدم البوليس النار مما أدى إلى سقوط عدد من القتلى في ساحة البوابة التي أطلقت عليها الجماهير فيما بعد اسم ” ساحة الشهداء”. ( فلسطين العربية بين الانتداب والصهيونية – عيسى السفري ص 211).

وحسب تقرير الحكومة البريطانية امتدت هذه الهبّة ستة أسابيع ووصلت موجتها إلى المدن الرئيسية كلها…

وخلال المصادمات مع قوات الأمن البريطانية سقط 14 شهيدا وجرح 204 مواطنين عرب.. وكالعادة أقامت الحكومة لجنة تحقيق لدراسة أسباب ” الاضطرابات”… برئاسة وليم ميورسون فقدم تقريره في شباط ( فبراير) 1934.

وأبرز ميورسون في تقريره أن الفرق الكبير بين هذه الهبّة. فالحزب العربي الفلسطيني الذي تأسس في 2 نيسان (أبريل) 1935 وضع بنداً سجل فيه الدعوة، بعد استقلال فلسطين، إلى ” ارتباط فلسطين بالأقطار العربية في وحدة قومية سياسية مستقلة استقلالاً تاماً”.

وحزب الإصلاح الذي تأسس في 18 حزيران ( يونيو) 1935 جعل غاياته ” استقلال فلسطين ضمن الوحدة العربية واعتبار قضية فلسطين جزءاً من القضية العربية الكبرى”.

وحزب الكتلة الوطنية سجل في برنامجه ” السعي إلى استقلال فلسطين التام والمحافظة على عروبتها ضمن الوحدة العربية”.

ووجود ما يشبه الاجتماع على قضية الوحدة العربية يوحي بأن القيادة القومية على الرغم من اعترافها عمليا بضرورة العمل على الصعيد الإقليمي في فلسطين، بدليل دعوتها إلى استقلال فلسطين، كنت لا تزال تنطلق من الوعي بوحدة سوريا الطبيعية وترى فلسطين جزءاً من سوريا: سوريا الجنوبية كما كان يطلق عليها قبل الاحتلال البريطاني.

وعمقت هبة 1933 التمايز في الحركة القومية العربية وتبلور تنظيمياً أكثر من أي وقت مضى.

فبعد هذه الهبّة تأسس حزب الدفاع الوطني برئاسة راغب النشاشيبي، زعيم إحدى العائلتين الاقطاعتين الكبيرتين في البلاد ( الثانية هي عائلة الحسيني) وانتهج سياسة المهادنة مع الإمبريالية البريطانية..

ولا يغير من هذا أنه وضع في بداية غاياته ” السعي لاستقلال فلسطين استقلالا يكفل السيادة العربية” و ” عدم الاعتراف بأية تعهدات دولية تؤدي إلى أية سيطرة أجنبية أو نفوذ سياسي أو وضع سياسي أو إداري يمس ذلك الاستقلال”.

ولم تختلف قيادة الحزب العربي الفلسطيني برئاسة جمال الحسيني من حيث انتسابها الطبقي عن حزب الدفاع الوطني . فعائلة الحسيني عائلة إقطاعية عريقة لم يستنكف بعض أفرادها عن التعاون مع الانتداب البريطاني… إنما الفرق بين الحزبين يكمن في أن جماهير الفلاحين سارت وراء قيادة الحزب العربي فكان هذا الحزب يمثل إرادتهم الوطنية إلى حد ما..

ويعود هذا إلى أن هذا الحزب قادته عائلة الحسيني ومفتي القدس ( فلسطين) الحاج أمين الحسيني الذي استخدم، بوصفه رئيس المجلس الإسلامي الأعلى، جهاز المجلس لنشر نفوذه بين الفلاحين تحت شعارات تمزج بين الدين والقومية.

وقد رأينا كيف بادر المفتي في عام 1931 إلى عقد المؤتمر الإسلامي ” العالمي”. ونستطيع أن نذكر هنا أنه عقد في 25 كانون الثاني (يناير) 1935 في القدس مؤتمر إسلامي محلي حضره ” أربعمائة من القضاة ورجال الإفتاء وأئمة المساجد والوعاظ والمدرسين والخطباء من سائر أنحاء فلسطين”.

وقرر المؤتمر إصدار فتاوي دينية بتحريم بيع أي شبر من أراضي فلسطين لليهود واعتبار الباعة مارقين من الدين.. كما قرر المطالبة بوقف الهجرة ومنع بيوع الأراضي.. وتمكين الراغبين في وقف أراضيهم الأميرية، وقفا ذريا أو خيريا، من ذلك… ثم طالب بتسهيل هجره العرب الراغبين في دخول فلسطين.. وناشد المؤتمر ملوك المسلمين والعرب مساعدة أهل فلسطين!!

كذلك قرر المؤتمر مساعدة المشاريع الاقتصادية وتأسيس الشركات الوطنية وحض الأهالي على شراء المنتجات الوطنية.

وانعكست الصلة بين هذا المؤتمر والفلاحين بدعوة المؤتمر الحكومة لسن قانون يشبه قانون الأفدنة الخمسة في مصر ( مع أنه مجرد قانون- أ.ت) لحماية صغار المزارعين من جشع كبار الملاكين والأغنياء… ( عيسى السفري 228-229).

وانتهى المؤتمر تنظيميا بقرار يدعو إلى تأليف جمعية باسم “جمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” وهي جمعية أرادت أن تأخذ مكان اللجنة التنفيذية وتسيطر على الحركة القومية…

ومرجع هذه الفكرة إلى جمعية كهذه نشأت في المملكة السعودية في عهد الدعوة الوهابية واشتهرت بالصرامة الدينية والرجعية الفكرية..

ومع أن هذه الجمعية نشطت وأقامت 15 فرعاً في مختلف أنحاء البلاد، إلا أنها لم تنجح في احتلال مكان التنظيمات السياسية.. فقد أحبطها بناؤها الديني في قطر كان يؤكد كفاحه الطابع القومي العربي ويجمع تحت لواء الحركة القومية أبناء الشعب العربي من مسلمين ومسيحيين.

وكانت هذه الدعوة إلى الملوك المسلمين والعرب أحد مظاهر الانحرافات الرجعية التي تميزت بها قيادة الحركة القومية العربية التقليدية في فلسطين… فهولاء كانوا في ذلك الوقت يوالون الإمبريالية ويتعاونون معها ولا يخرجون كثيرا عن إرادتها.

وجسم تصريح الشيخ حافظ وهبة سفير السعودية في لندن لرويتر في 2 أيلول ( سبتمبر) 1929 هذه الحقيقة إذ قال:-

” إن ابن سعود وشعبه يعترفان بأن فلسطين أرض مقدسة عند ثلاث ديانات كبيرة… ويرغب الملك من صميم فؤاده أن يعيش المسلمون واليهود والمسيحيون فيها بالاتفاق والوئام .. أن ابن سعود صديق لبريطانيا العظمى ومن المؤكد أنه لا يحاول أن يوجد لها مشكلات جديدة في فلسطين أو غيرها أو أن يوسع شقة المشكلات الحالية … ويعتقد الملك أن بريطانيا

تقبض بيدها على قسطاس العدل بين اليهود والعرب” .. أمين سعيد- الثورة الكبرى الجزء الثالث ص 107).

وظهر في هذه الفترة كذلك حزبان ( أشرنا إليهما في إطار الحديث عن فعالية التضامن العربي): حزب الإصلاح الذي تأسس في 18 حزيران ( يونيو) 1935 بقيادة الدكتور حسين فخري الخالدي الذي تولى رئاسة بلدية القدس.. وحزب الكتلة الوطنية بقيادة عبد اللطيف صلاح وقد اتخذ نابلس مركزاً له وتأسس في 4 تشرين الأول سنة 1935.

ولم يختلف برنامجا هذين الحزبين عن برامج سائر الأحزاب. أما من حيث البناء الطبقي والتأييد الجماعي ففي الحالتين اتجه هذان الحزبان نحو المثقفين أبناء الفئات الوسطى.. على الرغم من أن عائلة الخالدي كانت تعتبر من العائلات الإقطاعية ذات النفوذ التقليدي..

وتجدر الملاحظة إلى أن تأليف الأحزاب العربية التقليدية – عدا حزب الاستقلال- أعقب الانتخابات البلدية التي جرت في منتصف عام 1934 وكانت باعثاً لمهاترات ومماحكات عرفتها قيادات الحركات القومية التقليدية ( التي كانت في بلاد أخرى أيضاً بقيادة أبناء الفئات العليا من متنوري الإقطاعية وأسياد الأرض والتجار وأبناء الفئات الوسطى).

بل ان حزب الإصلاح اعتمد جوهرياً على البلديات بعد أن نجح الدكتور حسين فخري الخالدي في الفوز برئاسة بلدية القدس في منافسة مريرة مع الرئيس الأسبق راغب النشاشيبي.

وحيال كل هذه الأحزاب الطبقية القومية كان هناك الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي وحد بين صفوفه الشيوعيين اليهود والعرب وحارب الإمبريالية البريطانية والصهيونية بلا هوادة.. ولم يكن غريباً أن تكون قوة الحزب في القطاع اليهودي.. فالوعي الطبقي كان أشد بين العمال اليهود . ثم أن عدداً من اليساريين اليهود الذين جاءوا إلى البلاد في ظروف مختلفة ولدوافع متباينة اكتشفوا بسرعة حقيقة الصهيونية ووجدوا طريقهم إلى صفوف الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي دعا، انطلاقاً من مبادئه الثورية الأممية، إلى النضال ضد الإمبريالية والصهيونية وأيد النضال القومي العربي بقدر انصبابه ضد الإمبريالية البريطانية ودعا الجماهير اليهودية إلى تأييد هذا الكفاح باعتباره يعرب عن مصالحها الحقيقية..

وسرعان ما احتدمت الأزمة بتشديد الكفاح القومي وشهد الحزب ظرفاً أصعب جداً.. ولقد قرر الحزب منذ مؤتمره الخامس الذي عقد في تموز ( يوليو) 1923 أنه يرى في الحركة القومية العربية أحد العوامل الأسياسية التي تقاوم الاستعمار البريطاني ولذا فهو يرى أن ” من

الواجب القيام بكل شيء من أجل مساندة هذه الحركة بمدى مقاومتها للاستعمار”.

كذلك قرر أن ” الصهيونية تتجسد فيها تطلعات البرجوازية اليهودية. وان الناحية السياسية وقفت الصهيونية في جبهة واحدة مع الاستعمار البريطاني حيث ربطت مصيرها مع المحتلين الإمبرياليين”( 50 سنة للحزب الشيوعي في البلاد ص 39).

ومما جعل وضع الحزب الشيوعي أصعب تعاون القيادة الصهيونية مع السلطات البريطانية على مكافحة الحزب من ناحية.. ومطاردة أعضاءه اليهود من ناحية ثانية- وبشكل خاص كانت قيادة الهستدروت الصهيونية تلاحق أولئك الأعضاء الذين تصدوا لسياستها القومية الانعزالية.. ومن ألوان الملاحقة محاكمة الشيوعيين اليهود الذين عارضوا في احتلال العمل وطرد العمال العرب من المشاغل اليهودية، وإحدى المحاكمات التي جرت في هذه الفترة محاكمة نيس تسيونا خلال آذار( مارس) – نيسان ( ابريل) 1932. آنذاك كان ” النائب العام” في المحاكمة بن غوريون، ووقف الرفيق الشيوعي الذي دافع عن المتهمين موقفاً أممياً ووصف طرد العمال لأنهم عرب: ” معركة سافلة وعمل إجرامي .. وهو نوع من الفاشية”( 50 سنة للحزب الشيوعي في البلاد ص 41).

وقد تعرض الحزب لهجوم أجهزة القمع الانتدابية ولم يتمتع بشيء من العلنية ، وكل ما نجح فيه هذه الفترة إصدار صحيفة ” أور” العبرية” و ” النور ” العربية لفترة قصيرة.

الوطن القومي اليهودي

قلنا أن هذه الفترة شهدت نمو الوطن القومي اليهودي بازدياد وتيرة دخول المهاجرين اليهود فلسطين بضغط صعود هتلر إلى الحكم في ألمانيا وانتهاجه سياسته النازية العنصرية الشريرة. في ذلك الوقت ازداد ضغط الحركة الصهيونية على الإدارة البريطانية لإلغاء كافة القيود على الهجرة. ولخص المؤتمر الصهيوني الذي عقد في لوزان في نهاية تموز ( يوليو) وأوائل آب ( أغسطس) 1935 موقف المنظمة الصهيونية إذ جاء في قراره: ” إن المؤتمر الصهيوني وهو يثمن جيداً الدور الذي تقوم به الدولة المنتدبة ( بريطانيا) ويؤكد مجدداً استعداد المنظمة الصهيونية للتعاون معها يناشد الحكومة القيام بمسؤولياتها بتنفيذ سياسة فعالة ومنتظمة لتنمية الوطن القومي اليهودي على نطاق ووتيرة يفرضهما وضع اليهود في العالم، الأمر الممكن بمساعدة الحكومة الفعالة”( تقرير لجنة التحقيق الملكية لعام 1937 ص 80). وفعلاً دخل البلاد بين 1932 و 1935 حوالي 150 ألف مهاجر يهودي مما جعل عدد اليهود في البلاد يتضاعف حوالي أربع مرات مما كان عليه في نهاية الحرب العالمية الأولى ويصل في عام 1935 إلى حوالي 350 ألفاً . وفي عام 1936 أصبح 470 ألفاً اسمياً، أو 400 ألف إذا أخذنا بعين الاعتبار الهجرة غير المشروعة ( التقرير ذاته ص 113).

وبارتفاع عدد اليهود في البلاد ارتفع عدد الدونمات التي أصبحت في حوزتهم وحوزة المنظمات الصهيونية من 544 ألف دونم في عام 1925 إلى 1.332.000 دونم في عام 1936 … وأصبح عدد المستوطنات الزراعية 203 يعمل ويعيش فيها 97.000 انسان.( المصدر ذاته ص 114).

وذكر ولتر بريوس في كتابه ” حركة العمال في إسرائيل” إن عدد سكان الريف اليهود ارتفع بين 1932 و 1935 من 50 ألفاً إلى 90 ألفاً وأن مساحات بيارات البرتقال ازدادت من 100 ألف دونم إلى 150 ألف دونم بين 1931 و 1935. واتسعت المدن والمستوطنات اليهودية نتيجة حركة البناء الواسعة النطاق التي رافقت الهجرة الجماهيرية التي تدفقت باشتداد بربرية العنصرية النازية.

آنذاك أسست الوكالة اليهودية مكاتب في برلين لتسهيل هجرة اليهود وتعاونت تعاوناً وثيقاً مع النازية لهذا الغرض.

وتضاعفت الأموال المستثمرة في النشاط الاقتصادي المرافق لعملية بناء الوطن القومي اليهودي. وبين 1918 و 1936 استثمرت الصناديق القومية في فلسطين 14 مليون جنيه ( حوالي 40 مليون دولار حسب التسعيرة في ذلك الوقت) في حين استثمرت الشركات الخاصة والأجنبية والمحلية 63 مليون جنيه ( حوالي 180 مليون دولار) دخل نصفها النشاط الصناعي والزراعي خلال السنوات الأربع الأخيرة.

وحسب تقرير لجنة التحقيق الملكية تأسست بين 1920 و 1935 – 4.157 منشأة منها 1.246 منشأة صناعية و 2.911 منشأة صناعية يدوية. وكذلك ارتفع عدد العمال اليهود ليصبح 32 ألف عامل يعيلون 80 ألف إنسان. ( المصدر ذاته ص 210).

وفي هذه الفترة كانت القوات اليهودية المسلحة، في المنظمة التي عرفت ” بالهاجناة” قد وصلت حسب المعلومات التي أوردتها لجنة التحقيق الملكية 10 آلاف محارب صف أول مع احتياطي ( خط ثان) يتألف من 40 ألف محارب.( المصدر ذاته ص 200).

وكان من الطبيعي في مثل هذا الوضع أن ينعكس البناء الطبقي في التنظيم الحزبي أولاً في النشاط السياسي.

وقد ظهر الصراع الطبقي في عدد من الإضرابات التي بلغت بين 1932 و 1935 – 55 إضراباً اشترك فيها 1.327 .. وفي محاولات الإصلاحيين ( حزب البرجوازية اليميني بقيادة فلاديمير جابوتنسكي) تحطيم بعض هذه الإضرابات كما حصل في إضراب عمال البناء في بيتح تكفا وشركة فرومين للبسكويت في القدس في فترة 1932-1933 ( حركة العمال في إسرائيل، ولتربريوس، ص 118).

ولم يقتصر الصراع الطبقي على الميدان النقابي بل تعداه إلى الميدان السياسي. ولقد كانت أكثرية العمال العددية في المجتمع اليهودي في فلسطين تنعكس في تنظيمات السكان اليهود المحلية وفي المؤتمرات الصهيونية. وفي 1933 و 1935 استطاعت هيئات العمال أن تفوز بـ 70 بالمئة من الأصوات في انتخابات تلك التنظيمات ( المصدر ذاته ص 121 ). ولذلك لم يكن غريباً أن تحاول قوى اليمين ( الإصلاحيين ) ضرب التنظيم العمالي بأي شكل من الأشكال.

وقد كان أحد الأشكال اغتيال حاييم أرلوزروف، ابرز قائد عمال في ذلك الوقت ورئيس الدائرة السياسية في الوكالة اليهودية، في 16-2-1933.

وعلى الرغم من أن الإصلاحيين نفوا أن يكون لهم علاقة بالحادث فالتهمة ثبتت على منتسبين عليهم، وحكم على اثنين منهم بالسجن. ولا جدال في أن اغتيال أرلوزروف كان اغتيالاً سياسياً. فقد كان في ذلك الوقت- حسب ما كتبه ولتر بريوس- ينتهج سياسة توافق مع سلطات الانتداب الأمر الذي كان يغضب الإصلاحيين.( كتابه، حركة العمال في إسرائيل، ص121).

ولا بد من الملاحظة هنا أن الصراع بين الإصلاحيين ومنظمات العمال، وأهمها حزب مباي، كان صراعاً بين خطين سياسيين بالإضافة إلى كونه صراعاً طبقياً.

ففي حين سارت منظمات العمال المختلفة والصهيونيين العموميين( حزب البرجوازية الأصيل) في طريق التعاون مع الإمبريالية البريطانية واكتفت بالدعوة إلى الهجرة والاستيطان وتثبيت الوطن القومي اليهودي، كان الإصلاحيون يتجهون نحو التعاون مع دول أخرى وينادون بإقامة الدولة اليهودية حالاً الأمر الذي اعتبره الجناح الآخر غير واقعي في الظروف آنذاك.

وهناك ما يوحي بان الإصلاحيين كانوا على اتصال مع إيطاليا الفاشستية التي كانت تعطف عليهم وتعتقد أن نجاحهم قد يفتح ثغرة أمام تسربها في المنطقة. وفي هذا الصدد كتب مخائيل بار زوهر في كتابه ” النبي المسلح : حياة بن غوريون”: حتى تنجح الصهيونية قال موسوليني ( زعيم إيطاليا الفاشستية- أ. ت) للراب براتو في عام 1935: لا بد لكم من دولة يهودية بعلم يهودي ولغة يهودية والشخص الذي يفهم ذلك فاشيكم جابوتنسكي”( ص 49).

وعلى الرغم من أن الصراع الحاد بين مباي، بشكل خاص، والإصلاحيين,فقد حاول بن غوريون في عام 1934, بوحي “مصلحة الصهيونية العليا” أن يتفاهم مع جابوتنسكي فاجتمع الاثنان في تشرين الأول (أكتوبر) في لندن واتفقا على توحيد حزبيهما,مباي والحزب الإصلاحي, ولكن أعضاء الحزبين رفضوا هذا الاتفاق.(المصدر ذاته ص 51-52).

وعلى الاثر تعمق الصراع الى حد دفع جابوتنسكي والاصلاحيين إلى الانسحاب من المؤتمر الصهيوني في عام 1935.

وفي هذا المؤتمر انتخب بن غوريون رئيساً للجنة التنفيذية الصهيونية وللوكالة اليهودية ودخلت الحركة الصهيونية في فلسطين طريقاً أعنف إزاء الشعب العربي الفلسطيني.

فبن غوريون ” لا يحب العرب.. وكان يشير إليهم بالأعداء حين كان يذكرهم في يومياته” ( المصدر ذاته ص 53). ونقول” طريق أعنف” لأن هذه الفترة كما لاحظنا تميزت بإجلاء الفلاحين عن أراضيهم، وتشديد سياسة العمل العبري أو طرد العمال العرب من المنشآت والمزارع اليهودية. وقد تعرض الشيوعيون اليهود كما لاحظنا إلى ملاحقة المنظمات الصهيونية في هذه الفترة لدفاعهم عن حقوق العمال والفلاحين العرب.

ويستطيع المراقب أن يرى عنف كراهية قادة الصهيونية للشيوعيين بما كتبه بعض ” المؤرخين” الصهيونيين. وهكذا زيف أحدهم ، ولتر بريوس، مواقف الشيوعيين فزعم أنهم حرضوا الفلاحين العرب ضد العمال اليهود( كذا) باعتبارهم الأعداء لا ” الأفندي” الذي يجبي فوائد ربوية عالية وأيدوا الإقطاعيين العرب!! ( كتابه حركة العمال في إسرائيل ص 122).

وفي هذه الأوضاع أصبحت قضية العمل العبري أو احتلال العمل إحدى القضايا التي يثيرها العمال العرب ويحتجون عليها في مذكراتهم كما احتجت عليها جمعية ( العمال العرب في يافا) ( عيسى السفري – ص 242).

* * *

في كتاب ” النبي المسلح: حياة بن غوريون “، كتب ميخائيل بار زوهر:

” من وجهة النظر البريطانية كان أقل من 200 ألف يهودي يساعدهم أبناء عنصرهم المنتشرون في العالم كله أحق بالاعتبار من ملايين العرب المنتشرين في الشرق الأوسط”.

وهذا صحيح، فالإمبريالية البريطانية حين منحت وعد بلفور أرادت أن تقيم وطناً قومياً يوطد مواقعها في الشرق العربي ويحمي قناة السويس شريان مواصلاتها إلى إمبراطوريتها في الهند، واكتشفت أن تشديد الاحتراب اليهودي العربي أفضل سبيل يؤدي إلى توطيد مواقعها، ولذلك كان عليها أن تساعد على إقامة هذا الوطن القومي بحيث يكون التوازن ممكناً بين الطرفين.

وهذا الوضع أيقظ الحركة القومية العربية على خطورة السياسة الإمبريالية البريطانية فكانت هبّة 1933 موجهة ضد الإمبريالية البريطانية.

وجاءت التطورات التي أعقبت 1933 تؤكد مسؤولية الانتداب البريطاني عن حرمان الشعب العربي من حقوقه القومية.

ولذلك كان لا بد من الانتقال إلى أساليب نضال أعنف.

وهكذا نشأت الظروف لثورة 1936.

هوامش:

1- تجدر الملاحظة أن احصاءات الحكومة تذكر الإحصاءات على الوجه التالي: 1930- 1914، 1931-4075، 1932-9553، 1933-30.327، 1934- 42.359، 1935- 11.854 في حين الإحصاءات الصهيونية هي كالآتي حسب السنين أعلاه: 4.944، 4.075، 15.553، 38.656، 49.359، 65.638. وأغلب الظن أن الإحصاءات الأخيرة تشمل المهاجرين غير الشرعيين.

 

المصدر:

ايميل توما، جذور القضية الفلسطينية (الأعمال الكاملة) المجلد الرابع، حيفا 1995.