المجابهة الأولى 1919 -1920
في 28 حزيران (يونيو) عام 1919 وقعت الدول الأوروبية المستقلة، باستثناء الاتحاد السوفييتي، ميثاق عصبة الأمم الذي نص بنده الثاني والعشرون على نظام الانتداب الذي حدد بدوره حالة فلسطين.

وكان الانتداب غطاء الإمبريالية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، التي شهدت قبل نهايتها ثورة أكتوبر الاشتراكية الكبرى في روسيا القيصرية، وانتهت تبعاً لذلك وبتأثير هذه الثورة بنقاط الرئيس الأمريكي ويلسون التي عرفت التي عرفت بالنقاط الأربع عشرة وأوحت بحق الشعوب في تقرير مصيرها.

واعترف الانتداب- وكان على درجات – مبدئياً بحق الشعوب بحكم نفسها بنفسها، ولكنه اعتبر تلك الشعوب قاصرة على ذلك آنذاك، وأوكل أمرها لدولة كبرى “تأخذ بيدها في مدارج الرقي”! حتى تقف على أقدامها وتستقل بأمورها، وعندئذ ينتهي نظام الانتداب.

وأوكل مجلس مؤتمر السلام الأعلى أمر الانتداب على فلسطين ببريطانيا أثناء اجتماعه في سان ريمو في 25 نيسان (ابريل) عام 1920. كما وزع الانتدابات الأخرى على الدولتين الإمبرياليتين بريطانيا وفرنسا.

وخلال هذه الفترة اشتد الصراع بين بريطانيا وفرنسا حول حدود فلسطين . وكما يقول فروس آدم أحد الأخصائيين البريطانيين في مؤتمر السلام استخدمت بريطانيا الحدود التي كان يزعم الصهيونيون أنها حدود فلسطين في مجابهتها فرنسا (فكرة الدولة الصهيونية بن هلبرن ص296). وبذلك وصلت إلى ذروة الاستفادة من وعد بلفور للفوز بحصة الأسد في سوريا، وفعلا استطاعت بريطانيا أن تقتطع لنفسها فلسطين وشرق الأردن.

وأقر مجلس عصبة الأمم نظام الانتداب على فلسطين في 24 تموز (يوليو) عام 1922، وكان ذلك الإجراء اعتراف بواقع الاحتلال البريطاني الذي بدا في نهاية الحرب العالمية الأولى.

أما المعركة في فلسطين فلم تنتظر إقرار الانتداب رسميا، بل بدأت قبله بكثير.

 

المعركة مع الإمبريالية واصطدامات بين العرب واليهود

ويقع بعض المؤرخين وبينهم مؤرخون عرب في “خطأ” تاريخي، مغرض في أكثر الأحيان، حين يبدأون بتدوين كفاح الشعب العربي في فلسطين بالاصطدامات بين العرب واليهود في نيسان (ابريل) عام 1920.

الحقيقة أن بداية المعركة كانت في رفض الحركة القومية العربية الموحدة في سوريا الطبيعية، الاحتلال ووعد بلفور ومطامع الصهيونية.

وتطورت المعركة مع الإمبريالية البريطانية حتى من قبل أن ينفصل “القطاع الفلسطيني” عن الحركة القومية العربية في سوريا الطبيعية ويتلاءم مع ظروف التجزئة الإمبريالية في العالم العربي المشرقي

ولعل بداية موجة عام 1920 كانت في تلك المظاهرة الضخمة التي اشترك فيها 40 ألف مواطن وطافت في القدس في 27 شباط (فبراير) 1920.

لقد أعقبت هذه المظاهرة، وكانت الأولى من نوعها في القدس، اجتماع رؤساء الطوائف وأعيان البلاد بدعوة من حاكم البلاد البريطاني الجنرال بولز.

ففي هذا الاجتماع صرح الجنرال بأن مجلس الحلفاء قرر أن يدمج وعد بلفور بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين في معاهدة الصلح مع تركيا، وأن بريطانيا قبلت الانتداب على البلاد، وأنها ستحافظ على الحريات الدينية وتسمح للمهاجرين بدخول البلاد قدر حاجتها إلى النمو.

وأضاف:” وتسيطر حكومة بريطانيا على المهاجرة ولا يخرج أصحاب الأملاك الحاليون عن أملاكهم ولا تنزع منهم ولا تمنح امتيازات اقتصادية لأفراد أو جماعات إذا كان منحها ضررا لغيرهم. فالحكم سيكون للحكومة البريطانية ولا يسمح بحال من الأحوال لأقلية أن تسيطر على الأكثرية من السكان”.

وقبل المظاهرة تألفت جمعيات إسلامية- مسيحية في مدن فلسطين واتفقت على مذكرة أعلنت فيها: “إننا لا نتخلى عن مطالبنا المنحصرة في استقلال سوريا المتحدة من طوروس إلى رفح ونرفض الهجرة الصهيونية رفضنا باتا ونرفض فصل فلسطين عن سوريا… لأن فصل فلسطين عن سوريا يضر بمصالح البلاد الاقتصادية والعمرانية… وبمصالح الوطنيين القومية والمحلية”.

وأضافت: أن الأراضي تكفي لأهلها الذين هم في ازدياد مستمر وستسبب الهجرة الشغب والثورة الدائمين.

وهكذا كانت المظاهرة احتجاجا على التجزئة الإمبريالية أولاً، والاحتلال الذي جرد الشعب من استقلاله ثانيا، وعلى وعد بلفور ثالثا.

وقد طاف المتظاهرون على قناصل الدول الأجنبية وسلموهم احتجاجات بهذه الروح.(فلسطين العربية بين الانتداب والصهيونيةص37-38).

وهنا لابد من دحض تزييف الرجعيين من بريطانيين إمبرياليين وصهيونيين حاقدين، حقيقة الحركة القومية العربية في فلسطين وتصوريها، تصويرا عنصريا، (!)، بتضخيم الاصطدامات بين العرب واليهود. فالحركة القومية العربية في فلسطين لا يمكن فصلها عن الحركات القومية العربية في العالم العربي التي امتازت بتشديد الكفاح ضد الإمبريالية. ومعروف تماما أن براكين الثورات المعادية للإمبريالية تفجرت في هذه الفترة بعنف شديد زعزع مواقع الإمبريالية، وتوالت الثورات فوقعت ثورة 1919 في مصر. وثورة العراق الشاملة في عام 1920 والنضال المسلح الذي بدا في سوريا من قبل أن تحتل القوات الفرنسية دمشق في تموز (يوليو) 1920، واستمر بعد احتلالها فترة من الزمن.

وهكذا فالموجة الثورية في العالم العربي كان عامة ومنها تظاهرة القدس الكبرى. ولذلك فالاصطدام بين العرب واليهود الذي وقع في القدس كان لأسباب عديدة لا تمت إلى العنصرية بصلة ولا تشوه جوهر هذه الحركة بشيء .

وعلى هذا الضوء يمكن أن ننتقل إلى اصطدامات العرب واليهود في القدس يوم الأحد في 4 نيسان (ابريل) عام 1920.

يكتب المؤرخون الصهيونيون وقد تلقوا “العلم” على يدي معلم الرجعية الواحد أن المحرضين العرب أعدوا مجزرة اليهود في موسم النبي موسى بوحي من السلطات البريطانية أو بعض المحافل فيها ويستشهدون على ذلك بأن الذين هاجموا اليهود في القدس القديمة كانوا يصرخون “الحكومة معنا”!!.

ويؤيدهم في هذا الكتاب البريطانيون الذين يدافعون عن وعد بلفور والسياسة البريطانية التي انتهجها الانتداب البريطاني في فلسطين.

ولكن المعطيات ترسم صورة أخرى.

ففي ظروف الموجة القومية الثورية في العالم العربي المشرقي، وخاصة في سوريا حيث كان الحكم العربي (الفيصلي) لا يزال قائما، وحيث كانت القوى القومية تصارع الزحف الفرنسي، تحول موسم النبي موسى إلى مظاهرة قومية من الدرجة الأولى، فالوفود الكبيرة التي توافدت إلى المقام من مدينة القدس وقراها والخليل ونابلس وغيرها كانت “تنادي بالوحدة العربية والاستقلال وترفض الهجرة الصهيونية” واشتد حماسها الوطني وهي تصغي إلى خطابات القوميين أمثال عارف العارف وخليل بيدس وموسى كاظم الحسيني رئيس بلدية القدس آنذاك.وكانت اللجنة الصهيونية التي وصلت إلى البلاد حتى قبل إتمام احتلال البريطانيين البلاد تعرب عن مطامعها في السيطرة على البلاد وتتجاهل حقوق الجماهير العربية تجاهلا تاما مما زاد في مخاوف هذه الجماهير من مدلولات وعد بلفور.

كذلك ظهرت الممارسة الصهيونية المعادية للجماهير العربية في مظاهر عدة أبرزها الاعدادات العسكرية بذريعة إقامة فرقة دفاع عن النفس.

ويعترف جوزيف شختمان في كتابة “متمرد وسياسي”: “قضية فلاديمير جابو تنسكي” بهذا الأمر وبالتساوق بين القيادة الصهيونية والإمبريالية البريطانية مما يدحض أسطورة هتاف الجماهير العربية: “الحكومة معنا..”.

كتب أن أمر تدريب الجنود اليهود كان علينا تعرفه السلطات، وأضاف:

“وقبل أيام من العيد الإسلامي النبي موسى قامت فرقة الدفاع عن النفس بمناورات عسكرية منظمة على سفح جبل الزيتون وعند أقدامه أمام مركز الحكومة (البريطانية) “واستعرض” الضباط البريطانيون حركتنا بمناظيرهم.. ولم يكن الموقف الرسمي تجاه منظمة الدفاع الذاتي غير سلبي فحسب، بل كان يبدو أبويا إلى حد” (ص325).

وهكذا فبعض قادة الصهيونية من أمثال الزعيم المتطرف جابوتنسكي كانوا يعدون قوة عسكرية ويقومون بمناورات عسكرية منظمة عشية موسم النبي موسى مما ينفي صورة الحمل الوديع “اليهود والذئب الكاسر “العرب”.

ولا جدول في أن أساطين الإمبريالية البريطانية العريقين بسياسة “فرق تسد” بذلوا كل جهد لتأجيج الاحتراب العنصري بين العرب واليهود لحرف النضال عن مساربه الصحيحة ليصبحوا قضاة بين متحاربين بدلا من أن يكونوا هدف المحاربين من أجل الاستقلال بوصفهم أعداء الشعوب الألداء وعقبة التحرر القومي الكأداء.

وحتى في هذا الوقت المبكر وجدت الإمبريالية البريطانية عناصر الرجعية العربية تسير في ركابها بعد أن حظيت بتأييد الصهيونية التام.

وساعد على ذلك بناء الحركة القومية العربية في فلسطين، في هذا الوقت، على أسس طائفية كانت تعرف عن الأوضاع الاقتصادية المتخلفة التي تميزت بعلاقات اقتصادية شبه إقطاعية وبغياب البرجوازية الصناعية والطبقة العاملة.

كما أن المجتمع العثماني كان يقوم على التنظيم الطائفي (الملي) ولم يكن قد تغير بعد في عهد الاحتلال البريطاني.

وفي هذا الجو المتوتر كان من السهل أن يشتعل الاحتراب العنصري وأن يؤدي – كما كتب السفري- مرور بعض اليهود بين الشعب العربي الصاخب إلى اهتياج الأفكار “واحتدام نار الفتنة بين الطرفين فقتل منهما عدد ليس بالقليل وظلت الحالة مضطربة حتى المساء”.

لقد كان حصيلة هذا الاصطدام بين العرب من ناحية، والقوات البريطانية واليهود من ناحية، مقتل 5 من اليهود و4 من العرب وجرح عشرات من الطرفين. ولكن الأخطر من وقوع الضحايا، اتساع الهوة بين العرب والصهيونيين، ونحدد الهوة بين العرب والصهيونيين لأن نسبة واسعة من اليهود في البلاد كانت ترفض المشروع الصهيوني في ذلك الوقت المبكر.

وعلى أثر هذا الاحتراب، وضعت لجنة تحقيق عسكرية، كانت الأولى من سلسلة لجان تحقيق مختلفة، تقريرا من ملابسات الاصطدام أكدت فيه ما يلي:

· “خيبة أمل العرب سبب عدم تنفيذ الوعود بالاستقلال التي يدعون أنها أعطيت لهم أيام الحرب.

· اعتقاد العرب بأن وعد بلفور ينفي حقهم في تقرير المصير وتخوفهم من أن يؤدي قيام الوطن القومي إلى زيادة الهجرة اليهودية، مما سيقود إلى إخضاعهم لسيطرة اليهود الاقتصادية والسياسية.

· تعميق هذه المشاعر بالدعاية من خارج البلاد المرتبطة بإعلان الملك فيصل ملكا على سوريا موحدة ونمو أفكار الجامعة العربية والجامعة الإسلامية من ناحية ونشاط اللجنة الصهيونية تدعمها مقدرات اليهود ونفوذها في شتى أنحاء العالم من الناحية الثانية”.

(استعرض أوضاع فلسطين، تقرير أعدته الحكومة البريطانية للجنة التحقيق الانجلو- أمريكية بين 1945-1946 ص17).

لم تكن لجنة تحقيق نزيهة في كل ما ذهبت إليه، فالإمبراطورية البريطانية كانت تقصد بلجانها الموجهة تخدير الجماهير أولاً وكسب الوقت ثانيا والدس المغرض ثالثا. ومع هذا فقد اضطرت إلى الاعتراف بحقيقة كبرى: هي أن الجماهير العربية كانت تتوق إلى الاستقلال وترغب في حق تقرير المصير في سوريا الطبيعية وتتخوف، أشد الخوف، من الوطن القومي اليهودي.

 

مؤتمر القاهرة والاصطدام الثاني

ويعتبر الكتاب مطلع أول تموز (يوليو) 1920 نهاية الإدارة العسكرية في فلسطين وبداية الحكم المدني الذي دشنه تسلم المندوب السامي الأول السير هربرت صموئيل مهام منصبه في البلاد.

وكان هربرت صموئيل على الرغم من انتسابه إلى الطائفة اليهودية وعطفه على الصهيونية، بريطانيا، من المحافل الإمبريالية، يضع مصلحة الإمبراطورية في المكانة الأولى.

ولهذا كانت سياسته تجمع بين الولاء لوعد بلفور وسياسة إقامة الوطن القومي من ناحية، ومهاودة قيادة الحركة القومية الإقطاعية لكسب تأييدها من ناحية ثانية.

بعد شهر من تسلمه إدارة البلاد في 21 آب (أغسطس) عام 1920 أصدر تشريعا يسمح بدخول 16.500 مهاجر يهودي في السنة الأولى.

وخلال الأشهر الأولى من حكمه عفا عن الحاج أمين الحسيني. الذي اتهم بالتورط في الاصطدامات الدامية في نيسان (ابريل) 1920. وعينه مفتيا على القدس.

وجسد موقفه في تصريح كان نموذجا من التصريحات الإمبريالية المطاطة التي توافق المرحلة والممارسة الصهيونية التي امتازت بالواقعية والمرونة، فالأهداف البعيدة المدى كانت تتراجع وتختفي من على سطح المياه السياسية لعدم وجود ظروف لتحقيقها. وتبرز في الوقت ذاته الأهداف العينية التي يمكن تحقيقها.

وجاء في تصريح هربرت صموئيل:

“وقفت أثناء وجودي في فلسطين على الاحتجاجات التي قدمها الأهلون على الصهيونيين وعندي أنها احتجاجات لا خطر منها لأنها مبنية على قضايا فاسدة وجهل بالمسألة الصهيونية”.

وجاء الذين ينسون إلى الصهيونيين أطماع السيطرة ينسبون لهم أمورا لم تخطر لهم على بال، وأن الهجرة ستكون تدريجية بقدر طاقة البلاد، وأن المهاجرين سيكونون الأغنياء (!) وأن المنافع ستفيض على العرب. (كتاب فلسطين العربية بين الانتداب والصهيونية 54).

وفي هذا الوقت أثر سقوط الحكم العربي في دمشق في تموز (يوليو) عام 1920، وتراجع الثورة العراقية في الفترة ذاتها. أثر على الحركة القومية العربية في فلسطين وفرض عليها أن تتراجع قليلاً لتجمع قواها من جديد.

واتخذت السلطات البريطانية خطوات عينية في سبيل التهدئة فقررت عقد ما عرف بمؤتمر القاهرة الذي عقد في الأسبوع الثاني من آذار (مارس) 1921 بحضور وزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرشل وكبار الجنرالات والمندوب السامي في فلسطين وشخصيات موالية لبريطانيا أمثال جعفر العسكري وساسون أفندي من العراق.

وقرر مؤتمر القاهرة ما يلي:

· تنصيب الأمير فيصل، الذي فقد عرشه في سوريا، ملكا على العراق وبذلك يصبح من الممكن تهدئة الثورة العراقية بإقامة حكم “قومي” يتزعمه ابن الشريف حسين فيصل.

· تنصيب الأمير عبد الله شقيق فيصل أميرا على شرق الأردن، فبذلك يتخلص البريطانيون من وضع مشحون بالأخطار.

· محاولة إقامة مجلس تشريعي في فلسطين يحل محل المجلس الاستشاري المعين الذي أقامه المندوب السامي.

ولكن في حين كان تنصيب الملك فيصل ملكا على العراق عاملا من عوامل التضليل والتهدئة في العراق كانت محاولة إقامة المجلس التشريعي فاشلة زادت في تعميق وعي العناصر العربية الواعية على خطورة سياسة الإمبريالية البريطانية والصهيونية.

وهكذا انفجرت اضطرابات يافا التي عرفت باضطرابات أول أيار (مايو) عام 1921 لوقوعها في يوم عيد العمال العالمي.

ومثل كل احتدام عنصري أو قومي كانت هناك شرارة وكانت هناك أسباب موضوعية عميقة.

أما الشرارة فكانت اصطداما وقع بين متظاهرين يهود في أول ايار عام 1921، فالعمال الهستدروتيون الصهيونيون اصطدموا بالعمال الذين ساروا تحت شعار حزب العمال الاشتراكي (موبس) الخارج على الصهيونية ودعوا العمال جمعيا إلى الإضراب في يوم عيد العمال العالمي.

ويبدو أن المواطنين في يافا اعتدوا أن المتظاهرين الذين اصطدموا في تل أبيب بالقرب من منشية يافا يريدون لهم الشر فتصدوا لهم ووقعت الواقعة وامتدت مثل النار في الهشيم إلى منطقة يافا كلها.

ومرة أخرى تدخلت القوات البريطانية لتبطش بالعرب، وكالمعتاد وقعت الضحايا من الطرفين وكان حصاد المصادمات “الثلاثية الجوانب” مزيدا من الضحايا فسقط من القتلى 47 يهوديا و48 عربيا وأصيب بجراح العشرات من الجانبين.

وفي هذه المرة أيضا اتهمت القيادة الصهيونية سلطات الأمن الانتدابية بالإهمال، وروجت أسطورة “الأفندية العرب” الذين يحرضون المعدمين العرب على اليهود بسبب فقدانهم امتيازاتهم ‍‍‍‍وتظاهرات بأن القضية لا تعدو قضية “الحمل الصهيوني” الذي يريد أن يبنى البلاد و”الذئب الكاسر العربي” الذي يصر على بقاء البلاد “مستنقعات”‍‍‍.

والفت الحكومة البريطانية في فلسطين لجنة تحقيق جديد ترأسها قاضي القضاة توماس هيكرافت لتبحث في أسباب الانفجار الجديد.

واستوحت اللجنة استنتاجاتها من ماهيتها الإمبريالية ووجهة نظر رجالها الطبقية . ولهذا اعتبرت “مظاهرة البولشفيك” – وقصدت مظاهرة حزب العمال الاشتراكي (موبس) – الشرارة التي أشعلت موجة الاصطدامات.

ومع هذا اضطرت اللجنة إلى أن تنفي التأكيد الصهيوني القائل بأن “الأفندية” هم الذين يحرضون “الجماهير غير المتعلمة” لأنهم يأسفون كثيرا لزوال الحكم التركي ولأن الإدارة البريطانية الحالية قد قضت على منافعهم الشخصية ‍‍‍‍‍‍‍‍‍!!!

وتوصلت اللجنة إلى أن اتساع الاضطرابات وامتدادها من يافا إلى منطقتها يؤكد أن الجماهير العربية قلقة من سياسة الوطن القومي اليهودي وتعتبر المهاجرين خطرا اقتصاديا عليها.

ولاحظت اللجنة أن الصهيونيين يقاطعون العرب، والتاجر اليهودي لا يشتري من العربي. ومضت تؤكد أن الهجرة اليهودية لاقت اعتراضات اقتصادية من العمال وأصحاب الصنائع. وأضافت: لو كان المهاجرون يوزعون حين وصولهم على المستعمرات اليهودية الزراعية لما أثر مجيئهم على طبقة العمال في يافا وسائر مدن فلسطين، فقدوم المهاجرين بكثرة ومزاحمتهم السكان الأصليين يثيران قلق العمال. وذكرت اللجنة – ما أصبح ممارسة يومية- أن الصهيونيين ضغطوا على صاحب أراضي في ريشون لتسيون وأكرهوه على استبدال العمال العرب بيهود.

وبدون الاعتماد على استنتاجات اللجنة كان من الممكن رؤية ممارسة الصهيونية سياسة احتلال الأرض والعمل مما جعل أمر التعاون بين العرب واليهود على الصعيد الشعبي غير ممكن. فلم يكن ممكنا أن يتم التعاون بين العمال العرب واليهود ما دام خط المنظمة النقابية اليهودية والصهيونية احتلال العمل وطرد العمال العرب، الذين يعملون في المزارع أو الأشغال التي يمتلكها اليهود.

ومما زاد الأزمة حدة، تواتر تصريحات الصهيونيين حول أهدافهم النهائية.حتى “جويش كرونيكل” البريطانية كتبت في 25 ايار (مايو) 1931:

“أن الحل الوحيد لمسألة فلسطين هو إعطاء اليهود كيهود تلك الحقوق والامتيازات في فلسطين التي تمكنهم من جعلها يهودية كما أن انجلترا إنجليزية وكندا كندية”.

أما فلاديمير جابوتنسكي فقد كان يدعو إلى إقامة الدولة اليهودية ويعتبر الجيش اليهودي الذي كان يحاول بناءه من الفرقة اليهودية التي اشتركت في الحرب العالمية الأولى أمرا ضروريا لتحقيق ذلك.

وكان الدكتور وايزمن حين ظهر في مؤتمر الصلح أو مجلس العشرة في فرساي في عام 1919 قد قال ردا على سؤال وزير خارجية الولايات المتحدة روبرت لانسنغ عما يقصده من تعبير “الوطن القومي اليهودي”:

“إقامة إدارة تنشأ من ظروف البلاد الطبيعية… بأمل أن تصبح فلسطين نهائيا عن طريق الهجرة يهودية مثلما بريطانيا بريطانية”.

وقرر المؤتمر الصهيوني في كرلسباد في ايلول (سبتمبر) عام 1921 توصية لجنة العمل باتخاذ كافة الإجراءات مع سائر الهيئات “لتنظيم الشعب اليهودي لبناء فلسطين وطنا قوميا لليهود).

ومن الناحية الأخرى رافق الاضطراب الناجم عن معاداة العرب الإمبريالية والصهيونية نشاط سياسي اتخذ شكل وفد قومي تألف من أسياد أرض وبرجوازيين تجاريين (موسى كاظم الحسيني وتوفيق حماد وأمين التميمي وإبراهيم الشماس ومعين الماضي وشلبي الجمل) وزار بريطانيا ليعرض قضية البلاد على المسؤولين البريطانيين.

وطالب هذا الوفد بتحقيق الوعود البريطانية باستقلال فلسطين وإلغاء وعد بلفور، وبذلك عكس مطالب الجماهير على الرغم من طابعه الطبقي.

وفي هذا الوقت بالذات كتب الزعيم الصهيوني الدكتور وايزمن رسالة إلى وزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرشل جسد بحدة قاسية طبيعة الصهيونية.

كتب في تموز (يوليو) عام 1921:

“لم اندم ابدا على ثقتي بكلمة بريطانيا العظمى ولكن وضعي المزدوج بوصفي زعيما لحركة عالمية (الصهيونية) وبوصفي مواطنا بريطانيا يخضع آمال الصهيونية لبلاده (بريطانيا) هو وضع فيه حرج… هناك حلف طبيعي بل تماثل في المصالح تام تقريبا بين الصهيونية وبريطانيا”.

ثم كتب في هذه الرسالة:

“لو لم تكن هناك فلسطين لكان من الضروري حسب اعتقادي خلقها في مصلحة الإمبريالية فهي قلعة مصر….” وأضاف أن بريطانيا مصالحها عن طريق الاستيطان الكولونيالي اليهودي بأرخص ما يمكن (كتاب أمة تبعث ريتشارد كروسمان (ص125-131).

وهكذا وجدت بريطانيا نفسها أمام وضع لا ندري إذا قد توقعته بحذافيره منذ البداية لقد وجدت نفسها أمام:

· حركة قومية تنمو بازدياد (1) وتتضامن معها الحركات القومية في العالم العربي وتناضل من أجل الاستقلال وإلغاء وعد بلفور، والاتحاد مع الأقطار العربية.

· ومنظمة صهيونية ترتبط بالامبريالية البريطانية بأوثق رباط وتخدم الاستراتيجية الإمبريالية في المنطقة والقارة الآسيوية عامة أجل خدمة.

وتحت ضغط الحركة القومية العربية وفي سبيل تحقيق الموازنة بينها وبين الصهيونية وتأكيد سياسة فرق تسد أصدرت الحكومة البريطانية كتابا أبيض في 22 حزيران (يونيو) عام 1922 إذاعة وزير المستعمرات ونستون تشرشل.

والكتاب الأبيض مثل كلاسيكي على هذه الموازنة التي رعت تفيها بريطانيا.

فقد جاء فيه: يعود التوتر في فلسطين إلى مخاوف جالت في خواطر اليهود والعرب.

أما مخاوف العرب فتعود إلى التفاسير المبالغ فيها لمعنى وعد بلفور سنة 1917. إذ ظهرت تصاريح غير رسمية بأن الغاية من ذلك جعل فلسطين يهودية بجملتها غير أن حكومة جلالة الملك تنظر إلى هذه الآمال على أنها غير قابلة التطبيق وأنها لا تفكر في وقت من الأوقات بإخضاع أو محو السكان العرب أو قتل لغتهم وآدابهم في فلسطين.

أما فيما يتعلق بالسكان اليهود فالظاهر أن بعضهم خامرة الشك في أن حكومة جلالة الملك قد تتخلى عن سياستها التي تضمنها تصريح بلفور، ومن الضروري التأكيد أن لا أساس لهذه المخاوف.

ومضى الكتاب الأبيض ففسر معنى الوطن القومي اليهودي، ونفى أنه يفرض الجنسية اليهودية على العرب أو يحرم سكان البلاد عملهم. فالقصد أن “يصبح لليهود في فلسطين مركزا يكون موضع اهتمامهم وفخرهم من الوجهتين الدينية والقومية”.

وأعلنت الحكومة البريطانية في هذا الكتاب الأبيض، الأول من سلسلة، نيتها إقامة حكومة ذاتية واسعة وذلك بتأسيس مجلس تشريعي يتألف من المندوب السامي رئيسا وعشرة أعضاء منتخبين وعشرة أعضاء رسميين (معينين).

وفي هذا الوقت بالذات تأكد عامل قام بدور كبير فيما بعد- تأييد الولايات المتحدة الأمريكية الوطن القومي.

ففي 30 حزيران (يونيو) عام 1922 أقر الكونغرس قرارا ينسب فيه إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين على أن لا يصاب بالضرر السكان الأصليون.

ومع هذا اعتبرت الحكومة القومية العربية الكتاب الأبيض تراجعا إلى حد ما.

وهذا هو تقدير ريتشارد كروسمان( من زعماء حزب العمال الآن وعضو اللجنة الانجلو- أميركية في عام 1946).

وقد سأل في كتابه “أمة تبعث”: ماذا حدث بين عام 1917 (وقت الوعد) وعام 1922 (موعد الكتاب الأبيض) وأجاب:

وقد سأل في كتابه “أمة تبعث”: ماذا حدث بين عام 1917 (وقت الوعد) وعام 1922 (موعد الكتاب الأبيض) وأجاب:

“في السنوات الخمس الحاسمة بين وعد بلفور والانتداب وقع حادثان بشرا بنهاية سيادة أوروبا على العالم وبداية عهد تصبح فيه بريطانيا منطقة في السياسة الدولية بين غيرها”.والحادثان: ثورة أكتوبر الاشتراكية الكبرى وشيوع فكرة حق تقرير المصير.

إلا أن التغيير لم يكن حاسما بحيث يلغي الإمبريالية البريطانية. وهكذا فبعد شهر تقريباً على الكتاب الأبيض صادق مجلس عصبة الأمم على نظام الانتداب على فلسطين.

هوامش

1. اتصل الوفد الفلسطيني المذكور أثناء وجوده في أوروبا بوفد الاتحاد السوري في جنيف وعقدا مؤتمرا قررا فيه مطالبة عصبة الأمم بالاعتراف بالاستقلال والسلطان القومي لسوريا ولبنان وفلسطين والاعتراف بحق فلسطين في الاتحاد مع باقي الدول العربية وإلغاء الانتداب ووعد بلفور وجلاء الجيوش عن سوريا ولبنان وفلسطين.

 

المصدر:

ايميل توما، جذور القضية الفلسطينية (الأعمال الكاملة) المجلد الرابع، حيفا 1995.