130

 

ا مرّ عصر أو قرن من عمر البشرية دون حروب، غير أنّ القرن العشرين الذي نحياه،

قد تفوق على كل القرون السابقة، إذ شهد حربين عالميتين، تضاف إليهما جداول من الحروب المتفرقة.

مع انتهاء كل حرب عالمية، تتبدل الخرائط، تولد دول، تختفي دول، تنهض شعوب، تقهر شعوب، وأما الهيمنة الدولية بلغة التاريخ، أو الاستعمار بلغة الأمس، أو الإمبريالية بلغة اليوم، فتبقى القرارات بشأنها بيد الدول الكبرى أو “الدولة الكبرى”، وقد تنشأ مصطلحات ومفردات جديدة في مفاهيم العلاقات الدولية بغية إخفاء المطامع التوسعية المستجدة مع كل مرحلة، فمصطلح “النظام العالمي الجديد” مثلاً، يردنا ـ سيكولوجياً ـ إلى مصطلح “الانتداب” الذي أقرته عصبة الأمم قبل سبعين عاماً، بحجة تمدين الشعوب!!

سر القضية الفلسطينية أنها القضية الوحيدة بين القضايا العالمية المعاصرة التي شهدت كل الحروب العالمية، ولكنها لم تحل بعد، كما أنها لم تندثر بعد. ومن دون الحاجة إلى فلسفة التنظيرات (هذا الاصطلاح البارز في قاموس السياسة العربية الحديث) يرى اللاجىء الفلسطيني القابع في المخيمات، أنه في أعقاب كل حرب عالمية أو إقليمية، تزداد قضيته تعقيداً، وشعبه تشريداً.

وأما لماذا التأجيل والتسويف، لماذا تبقى القضية الفلسطينية من دون حل جذري، وعلى الرغم من التصاعد المستمر في انتفاضات هذا الشعب ضد القهر والاحتلال، فذاك هو السؤال الذي سنحاول الإجابة عليه في مقالنا هذا.

لا يسعى المقال إلى سرد تقريري للظروف والأحداث والنتائج التي رافقت الانتفاضات والثورات، ولكن من أجل متابعة منحى التطور في النهج الإنتفاضي ـ وذاك هو الهدف ـ ستكون لنا وقفة إزاء كل ثورة أو انتفاضة بارزة، لمعرفة الجديد الذي أضافته إلى ما سبقها.

نشأة القضية الفلسطينية

شهدت فلسطين سنة 1882 بداية قدوم طلائع اليهود الهاربين من اضطهاد روسيا القيصرية، خصوصاً، وأوروبا الشرقية عموماً، وقد كانت الهجرة اليهودية تتوجه قبل هذا التاريخ باتجاه الولايات المتحدة، وقد أدّت هذه الهجرة الأولى كما أدّت الهجرة

الثانية التي تلتها في مطلع القرن العشرين، إلى قرع ناقوس الخطر. بداية، لم يثر هؤلاء اليهود الفقراء إلا العطف عليهم، غير أنّ جشع المؤسسات اليهودية في الحصول على الأراضي، وما كان يلقاه هذا الجشع من تعاون مطلق من قِبَل القنصليات الأجنبية، وتسهيلات من الإدارة العثمانية بسبب الفساد المستشري، وسوء تطبيق القوانين كل ذلك جعل أبناء البلاد، وخصوصاً الفلاحين، يقاومون هذا الخطر القادم على أراضيهم.

لم تتضح أبعاد الخطر ـ من خطر على الممتلكات، إلى خطر على البلاد ـ قبل انتشار الأنباء عن المؤتمر الصهيوني الأول سنة 1887، إلا أن تلك الصورة لم يصاحبها خوف حقيقي من إمكان استيلاء هؤلاء اليهود على فلسطين، إذ لم يكن ممكناً على الصعيد النفسي مجرّد تصوّر أن تتمكن تلك الجماعات اليهودية أو الصهيونية (وليس من فارق كبير في وعي تلك المرحلة) من التغلب على الدولة العثمانية الكبرى، ولا حتى أن يحاولوا ذلك؛ ويقيناً، ما كان “هرتسل” نفسه يحلم بمقارعة الدولة العلية، وهو الذي كان يتملق سلطانها عبد الحميد في محاولاته الشهيرة للحصول على صفقة شراء فلسطين، ولما ثبت له إصرار السلطان على التمسك بفلسطين، تحول لمشاريعه الأخرى من قبرص حتى شرقي أفريقيا.

تعتبر سنة 1917سنة صدور وعد بلفور في 2تشرين الثاني/نوفمبر منه، هي السنة التي نشأت فيها القضية الفلسطينية قانونياً، وكذلك هي السنة نفسها التي نشأت فيها القضية سياسياً، إذ احتلت الجيوش البريطانية مدينة القدس في 9كانون الأول/ديسمبر، أي في الشهر التالي لصدور الوعد، وهكذا ابتدأ الحكم العسكري البريطاني لمدة ثلاث سنوات، تلته مرحلة الانتداب مدعومة بصك “قانوني”. ومن البديهي أنّ هذا الصكّ قد تضمن وعد “بلفور” بإنشاء وطنٍ قومي لليهود مع تقديم كل التسهيلات لبناء دعائم ذلك الوطن، وخصوصاً في قضايا الهجرة وامتلاك الأراضي والجنسية، بالإضافة إلى التسهيلات في الشؤون الاقتصادية والحياتية، مما فتح الباب على مصراعيه أمام الوكالة اليهودية كي تتحول بمرور السنوات إلى دولة ضمن الدولة.

بالمقابل، لم يكن للعرب ـ أصحاب البلاد الشرعيين ـ أي اعتراف بوجودهم ـ كشعب ـ إن في وعد بلفور أو في صك الانتداب، وهذا مؤدّاه أنه لم يكن هناك أي اعتراف بحقوق سياسية لهؤلاء الذين يشكلون الأغلبية الساحقة من السكان، لقد أعطيت البلاد من قبل المستعمر الحاكم ـ وحتى قبل أن تقر عصبة الأمم ذاك الانتداب ـ أعطيت لليهود الذين كانوا يؤلّفون أقل من ثمانية بالمائة من السكان، وتبلغ النسبة تحديداً 8أو7%؛ وهكذا جابه شعب فلسطين ظلماً مزدوجاً بالمقارنة مع إخوانه العرب ـ ضحايا اتفاقية “سايكس بيكو” ـ فقد بات واضحاً أمامه من البداية أنه يجابه احتلالاً قائماً، واحتلالاً قادماً. وتتلخص قضيته طيلة عهد الانتداب في كونها قضية نضال مشروع لتحرير فلسطين واستعادتها وطناً عربياً سيداً.

يصعب اعتبار النشأة القانونية أو السياسية للقضية الفلسطينية، وما تلاها من مقاومة شعبية، أو حتى ما سبقها من مقاومة شجاعة لعمليات شراء الأراضي منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر، يصعب اعتبار أي من هذه المحطات أنها النشأة النضالية للقضية أيضاً؛ ففي أبسط الحالات يعني ذلك أن فلسطين وطن بلا تاريخ عربي إسلامي، ووطن لم يوجد أصلاً قبل الانتداب على أرضه، أو قبل قدوم الطلائع اليهودية الهاربة من القيصر. إن الولادة الحقيقية للقضية الفلسطينية كجزء لا يتجزأ من القضية العربية الإسلامية، ترتبط ارتباطاً جذرياً بالمخططات الاستعمارية إزاء المسألة الشرقية، والأطماع الأوروبية في الاستيلاء على الدولة العثمانية، فمنذ عهد محمد علي الكبير، وطموحاته السياسية، كان هناك القرار الاستعماري “الاستراتيجي”، بأنه لن يسمح لأي قوة من الشرق، إسلامية كانت أم عربية، أن تعيد سيرة “الدولة الكبرى”، أي كما كانت الدولة العثمانية في ذروة قوتها وانتشارها.

إن الوعي على أنّ القضية الفلسطينية ـ بالأمس واليوم ـ قضية لا يمكن أن تنفصل عن مسيرة القضية العربية الإسلامية، كقضية نضال متواصل ضد المشاريع الاستعمارية أولاً، وضد الصهيونية ثانياً، لأمر بالغ الأهمية في تحليل أسباب تعثر هذه القضية حتى اليوم، ولنا عودة إلى هذه النقطة في نهاية المقال.

الانتفاضات حتى منتصف الثلاثينات

لم يعلن وعد “بلفور” رسمياً في فلسطين قبل 20 شباط/فبراير1920، وما أن أعلنه “الجنرال بولز”، آخر الحكام العسكريين حتى عمّت موجة من المظاهرات الصاخبة، وانطلقت الشرارة من بيت لحم مهد السيد المسيح(ع)، وتبعها العديد من المدن، وكانت أروع المظاهرات تلك التي انطلقت في مدينة حيفا بعد صلاة الجمعة، يتقدمها مفتي المدينة وأعضاء الجمعية الإسلامية، فتوجه هؤلاء إلى كنيسة اللاتين حيث كان بانتظارهم الرؤساء الروحيون لكل الطوائف المسيحية، وهناك وقّع الجمهور على عريضة ضد الوطن القومي، فحمل رجال الدين والأعيان هذه العريضة، وقدموها إلى الحاكم العسكري البريطاني. هذه الصورة للنضال المشترك، بل الواحد ، إسلامياً ومسيحياً، وهكذا استمرت السمة البارزة في تاريخ النضال الفلسطيني منذ تلك المظاهرات الأولى، وحتى يومنا هذا.

وبعد أسابيع معدودة من مظاهرات شباط، جاء موسم النبي موسى(ع)، وهو الموسم الديني التاريخي الذي تمتد تقاليده أسبوعاً وأكثر، فتجتمع في بدايته الوفود في القدس قادمة من عدة أنحاء من البلاد، ولكل وفد بيارقه، ثم تنطلق الوفود والحشود في موكب ضخم إلى مقام النبي موسى(ع) بالقرب من “أريحا” يتقدمها مفتي القدس. وتعود هذه الاحتفالات فتنتهي في القدس، وقد كانت تعتبر من أروع الاحتفالات الدينية والشعبية. وكان موسم النبي موسى(ع) في نيسان/أبريل1920 مناسبة مثالية للتعبير عن الغضب الشعبي ضد وعد “بلفور”،وقد زادت الخطب الحماسية من لهيب الغضب، فانتهى الموسم باضطرابات دامية بين العرب واليهود. وأما بالنسبة إلى حكومة الانتداب، فقد كان انتقامها بإعلان الأحكام العرفية، ومحاكمة المسؤولين غيابياً بالسجن والأشغال الشاقة لعشر سنوات، واستبدال رئيس البلدية بآخر موال لها. وتعرف هذه الاضطرابات بثورة نيسان، فهي الأولى في تاريخ النضال السياسي منذ إعلان “بلفور”، وهي قطعاً، ليست ثورة بالمفهوم السياسي المعاصر للثورات، فقد توقفت بعد أيام، ولم يكن لهذه الثورة قيادة أو حتى “كوادر”، فما هي إلا حركة غضب شعبية عفوية صادقة، ولكنه ما كان ممكناً لشعب يجر أذيال الحرب العالمية الأولى، ويفاجأ بانتداب بريطاني وخطر صهيوني، أن يتمكن من القيام بثورة حقيقية في المرحلة الأولى.

شهدت العشرينات اضطرابات مشابهة في عيد العمال بـ”يافا” في أيار/مايو1921، أدت إلى اصطدامات مع اليهود، وقد عرفت مجازاً بثورة يافا أو ثورة أبي كشك، نسبة إلى رأس عشيرة أبي كشك الشيخ شاكر الذي اعتقله الإنكليز، وكما كانت تنتهي معظم الاضطرابات، انتهت هذه بلجنة تحقيق، وتقرير، وقد ثبت أنه لم يكن هناك من فارق يذكر في أثر تلك التقارير المنحازة في معظمها، المنصفة في أقلها.

كان العداء في العشرينات موجهاً ضد الصهيونية وحدها، وكان هناك بين العرب من لا يزال مؤمناً بعدالة بريطانيا، أو غير واثق من انحيازها التام لليهود، حتى كانت ثورة البراق الشهيرة في آب/أغسطس1929، وقد كانت أعنف الثورات الدموية حتى ذلك التاريخ، فالدافع لها كان المحافظة على المقدسات الدينية. والبراق ـ موضع النـزاع ـ مكان صغير من الحائط الغربي للحرم الشريف، وينسب اسمه إلى البراق الذي امتطاه الرسول(ص) ليلة الإسراء، {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله} [الإسراء:1]؛ ويدعي اليهود ملكية هذا المكان من الجدار، فيأتون إليه باكين هيكل سليمان، ولذا أطلق عليه حائط المبكى. امتدت ثورة البراق إلى العديد من القرى والمدن، ولكنها، كغيرها، لم تدم أكثر من أسبوع دموي، وكان من أبرز نتائج الانحياز البريطاني السافر لليهود، ومشاركة الشرطة البريطانية لليهود علناً في القتال ضد العرب، حتى بالطائرات، أن أصبحت هذه الثورة محطة رئيسية في المسيرة النضالية، منها أخذ الوعي يتكوّن على ضرورة قتال بريطانيا نفسها، غير أن هذا الوعي قد احتاج إلى سنوات كي يتفجر في ثورة حقيقية.

وكان من أبرز نتائج ثورة البراق أيضاً مشاركة العرب والمسلمين من خارج فلسطين، فقد اعتبرت هذه القضية قضية إسلامية كبرى، وشهدت البلاد مؤتمرين كبيرين من أجل المحافظة على المقدسات الدينية، وخاصة البراق، فعقد الأول قبل الثورة، والثاني بعدها، وكذلك كان من أبرز النتائج ربط القضية الوطنية بالقضية الدينية، فكان المؤتمر الثاني مناسبة للتأكيد على القضايا السياسية المعروفة، وأهمها يومذاك اتخاذ الخطوات الرادعة لبيع الأراضي.

حتى منتصف الثلاثينات كان على رأس اللجان التنفيذية المتعاقبة رجل جليل المقام عمراً وتجربة، هو الشيخ موسى كاظم الحسيني، وكان قادراً على نيل احترام الجميع، من “الوطنيين” أو “المجلسيين”، كما من “المعارضين” (والمعارضة هنا ليس ضد بريطانيا، بل ضد المجلسيين أو جماعة المفتي أو الوطنيين، وكلها مترادفات سياسياً)، وهذه التسميات دلالة على نجاح حكومة الانتداب في شقّ الصف الوطني، فقد تمكنت من أن تستقطب حولها عدداً كبيراً من رؤساء البلديات والوجهاء، وأما مركز الثقل في الحركة الوطنية فقد كان مفتي القدس الحاج أمين الحسيني، رئيس المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، وقد أصبح رمزاً وطنياً، غير أنه ما كان مؤمناً ـ بعد ـ بإمكان مجابهة الإنكليز وجهاً لوجه.

لم تكن الأحزاب السياسية التقليدية في الثلاثينات صاحبة تجربة في أساليب العمل النضالي، ويمكن استثناء حزب الاستقلال من بينها لأهمية أثره في نشر التوعية الشعبية ضد بريطانيا باعتبارها أساس الداء، ولكنه مع وعيه على ان مقارعة بريطانيا هي الواجبة أولاً، لم يقم هذا الحزب ولا قام غيره بأي عمل نضالي يؤدي إلى هزّ العصا بقوة، أمام بريطانيا، وهكذا انحصرت وسائل النضال في ما يلي: محاولة فرض سياسة اللاتعاون مع حكومة الانتداب، لكن هذه الوسيلة كانت محدودة الأثر؛ المحاولات المستمرة لفرض المقاطعة الاقتصادية للبضائع اليهودية، وقد ابتدأت هذه المقاطعة إثر ثورة البراق؛ تحريم بيع الأراضي دينياً والإشراف على ذلك بعدة وسائل؛ التمسك بالوسيلة النضالية الأولى، وهي المظاهرات، غير أن السلطات البريطانية تمكنت أخيراً من الحد نهائياً من المظاهرات الجادة الضاغطة، إثر المظاهرتين الشهيرتين في القدس ويافا سنة 1930، فقد ضرب الشيخ موسى كاظم الحسيني بالهراوة في مظاهرة يافا، كما اعتقل العديد من القادة ورجال الأحزاب المتظاهرين، وقد خرج هؤلاء بكفالات تعهدوا بها عدم العودة إلى “الشغب”. وللحق يستثنى معتقل واحد رفض التوقيع والخروج، وهو الشيخ عبد القادر المظفر، ولم يعد للمظاهرات أي أثر سياسي ضاغط منذ ذلك التاريخ.

في منتصف الثلاثينات، ساد العقم في العمل النضالي، وساد الفراغ في القيادة السياسية، فالحسيني الشيخ الكبير قد توفي، والحسيني المفتي المرشح الوحيد لرئاسة اللجنة التنفيذية، وهي أعلى قيادة فلسطينية يعلن الرفض لأنه “ليس ممن يتورطون”، والائتلاف الحزبي، المسؤول الوحيد، لا ينفك يعتبر وسيلة المذكرات الرسمية لحكومة الانتداب غاية المنى. وأما مشكلات البلاد الرئيسية، فقد كانت في أوجها، من تفاقم مشكلة الهجرة اليهودية، إلى تسلح اليهود، إلى استيلائهم على الأراضي بأساليب متعددة. وهكذا كان من الطبيعي جداً أن تسود البلاد كلها موجة عارمة من المشاعر الوطنية، وهي تسمع في العشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر1935 نبأ استشهاد الشيخ عز الدين القسام، وهو يقاتل الجيش البريطاني في أحراش “يعبد”.

ثـورة القسّـام

المعركة بين الشيخ المجاهد عز الدين ومعه الطليعة المؤمنة من صحبه المجاهدين، وبين بريطانيا العظمى استمرت ساعات فقط، وكان مصير القسام ورفاقه، إما الاستشهاد وإما الأسر. ولا تختلف معركة “يعبد” كثيراً عن عشرات العمليات والمعارك الصغيرة المشابهة منذ ذلك التاريخ، إلا أن أهمية معركة “يعبد” في خريف 1935 تكمن في كونها المعركة الأولى في وجه بريطانيا.

في تاريخ فلسطين المعاصر ما قبل القسام عهد، وما بعد القسام عهد، ما قبله عهد السياسة الكلامية وعهد المذكرات، وما بعده عهد الثورة، لقد توصل العديد ممن كان قبله إلى معرفة الداء دون الجرأة على تحديد الدواء، فجاء القسام ليعلن باستشهاده أنه لا سبيل للنصر إلا بالثورة المسلحة. ولم يكن القسام بقادر على تسليح شعب بأسره، غير أنه كان رجلاً مؤمناً صادقاً صرف أيامه ولياليه في عمل جهادي متواصل، حتى بات القدوة في شخصه وسلوكه ومبادئه، وكأنه واحد من الصحابة المؤمنين المجاهدين الأوائل، أكرمتنا الحياة بأن يحيا بيننا في القرن العشرين.

لم يفرض القسام نفسه زعيماً، ولا هو حاول ذلك؛ ومع ذلك، فلا رجل في تاريخ فلسطين المعاصر، كان الإجماع التام من حوله، كما كان القسام. والحق أنه غداة استشهاده ما كان أحد في فلسطين، بقادر على المعرفة أو حتى التصور بأن معركة الساعات المعدودة تلك، كان وراءها تنظيم سري عمل القسام على إنشائه ورعايته منذ قدومه إلى حيفا في أوائل العشرينات. وما تنشره اليوم عنه الكتب التاريخية، كان بحاجة إلى عقود من السنين كي يعرف وينشر؛ نحن اليوم نستنتج ببساطة أنه ما كان هناك للقسام ولا للقساميين ثورة خاصة بهم يمهرونها ببياناتهم، ثم يحصدون أمجادها. فلماذا يقال إذن “ثورة القسام”؟

أرسى القسام دعائم “الثورة” ضد المستعمرين والصهاينة بكل ما فيه هذه الكلمة من معنى، عقائدياً وتنظيمياً ونهجاً نضالياً وسلوكاً شخصياً؛ وكرس رفاقه شعاره من بعده: “هذا جهاد، نصر أو استشهاد”. لم يمهله القدر، فأكمل المسيرة رجاله “القساميون”، وقد أثبتت الأيام أنهم هم الذين أشعلوا فتيل الثورة الكبرى في كل مراحلها، وهم الذين كانوا وقوداً دائماً لها.

الثـورة الكبـرى

امتدت الثورة الكبرى ثلاث سنوات من 1936 إلى 1939، وهي تشمل الإضراب الكبير لستة أشهر، والثورة التي أعقبت الإضراب في مرحلتيها الأولى والثانية. ومما لا شك فيه أن هذه الثورة الكبرى هي نسبياً “الثورة” على أرض فلسطين في القرن العشرين كله من حيث تكامل نضوج الأسباب، والاستعداد الشعبي للثورة وللتضحية، ومن حيث الشمولية. وقبلها، كانت التوعية الفكرية بواسطة حزب الاستقلال، وكان استشهاد القسام، تمهيداً لا بد منه لانفجار “الثورة” وككل الثورات على أرض فلسطين، ابتدأ المسلسل الدموي بين العرب واليهود، عفوياً كما يبدو، وقد ابتدأ هذه المرة في أوائل نيسان/ابريل دون إمكان التنبؤ بإمكان تحوله إلى ثورة شاملة، وقد ثبت فيما بعد يد القساميين في ذلك المسلسل الدموي. وأما عندما صحت مدينة يافا على إضراب عام صباح العشرين من نيسان، فما كان ممكناً أن يدور ببال أحد أن الإضراب سوف ينتشر شاملاً البلاد كلها لستة أشهر.

وبرزت مشكلة القيادة، فالثورة بحاجة إلى قيادة وقائد، ووفقاً للعقلية السياسية السائدة يومذاك، الثورة بحاجة إلى زعيم، ابتدأت اللجان القومية تنشأ في كل مدينة وفي كل قرية ـ كما ينشأ الفطر ـ للإشراف على شؤون الثورة. كل ذلك والبلاد ما زالت بلا قيادة. وأخيراً، برهن الحاج أمين عن صفة قيادية رئيسية حين رضخ لإرادة الأغلبية، وتسلم رئاسة اللجنة العربية العليا، وهي القيادة الثانية في عهد الانتداب.

اتخذت الثورة طابعاً عربياً شاملاً عندما استدعت القائد فوزي القاوقجي (وكان في بغداد وهو لبناني الأصل)، فتسلم زمام القيادة العسكرية، وقدم معه متطوعون من شتى الأقطار العربية، وليس من مكان للتوقف عند أحداث الثورة وتصاعدها، ونكتفي بالإشارة إلى عموميتها في أنحاء البلاد كلها، وإلى التعاون الذي أضحى مثلاً بين القرية والمدينة، وخاصة في مرحلة الإضراب الكبير، وكانت الكلمة التي تطلق يومذاك على المناضلين هي الثوار أو المجاهدون. وحتى بعد إقدام السلطة على حلّ اللجنة العربية العليا، ونفيها لكل من طالته يدها من أعضائها، وبعد مغادرة المفتي البلاد سراً في خريف 1937، عادت الثورة إلى الاندلاع فالاستمرار أقوى مما كانت عليه، وذلك لوجود القساميين الذين أحيوا الثورة في الجبال، حتى تمكن المفتي من استعادة دفة القيادة من لبنان.

انتقام السلطة كان مريعاً، وفي هذا دلالة على أهمية الثورة والعمليات التي قام بها المجاهدون الثوار، فإنه وفقاً لأحكام قانون الطوارىء وتعديلاته، باتت تهمة حيازة السلاح ـ أي قطعة من السلاح بغض النظر عن صلاحيتها أو نوعها ـ تهمة عقوبتها الإعدام أو السجن المؤبد. لقد أعدمت بريطانيا شنقاً حصيلة هذه الثورة (146) ثائراً، وحكمت على ألفين من الثوار مدداً طويلة الأمد، وأما الذين اعتقلوا بصرف النظر عن طول المدة، فقد بلغ عددهم خمسين ألفاً. بالنسبة إلى هدم البيوت والأحياء، يثبت لنا أن هذه الأساليب القمعية عادة بريطانية قبل أن تكون صهيونية، إذ هدمت السلطات خمسة آلاف منـزل وحانوت، كما هدمت أحياء سكنية بكاملها ـ كما فعلت في جنين ـ وأما تعذيب المواطنين، وخصوصاً الشباب القرويين في ساحة القرية، وأمام أعين الأمهات، فكانت صفحة لا تنسى في الذاكرة الفلسطينية.

لما قامت الحرب العالمية الثانية، أعلن الجانب العربي عن وقف الثورة مراعاة لظروف الحرب، وقد اعتبر العرب أنّ أهم مكاسب الثورة كانت عدول بريطانيا عن فكرة التقسيم في بيانها الصادر بتاريخ 9تشرين الثاني/نوفمبر 1938، وأما صدور الكتاب الأبيض نتيجة لمؤتمر المائدة المستديرة في “لندن”، ذاك المؤتمر الذي اختتم تحت سماء ملبدة بغيوم حرب عالمية، فإنه على الرغم من رفض العرب له، كان (الكتاب الأبيض) أفضل ما قدمته بريطانيا للعرب، ومن مهازل التاريخ أن هذا كله أصبح حبراً على ورق مع نهاية تلك الحرب، فقد عادت بريطانيا إلى قواعدها، وتخلصت من كل تملقها للعرب بسبب ظروف الحرب، فألغت سياسة الكتاب الأبيض نهائياً.

الثـورة ضد التقسيم

بين انتهاء الثورة الكبرى سنة 1939، واندلاع الثورة العارمة مباشرة إثر إعلان التقسيم في 29تشرين الثاني/نوفمبر1947 مرت على فلسطين سنوات الحرب العالمية وما بعدها بهدوء نسبي على صعيد الجانب العربي، فالزعامة السياسية كانت موزعة بين المنفى ومعسكر المحور النازي الذي انتقل إليه الحاج أمين الحسيني ورشيد عالي الكيلاني بعد فشل ثورة الكيلاني في العراق، وهكذا عاشت البلاد في أزمة قيادية، إذ لم تسمح العقلية الحسينية السائدة بانتخاب أي بديل للحاج أمين الموجود في ألمانيا، أو جمال الحسيني رئيس الحزب العربي المنفي في “روديسيا”، وكان أمراً مذهلاً كيف انتقل الهم الأكبر من مقارعة بريطانيا إلى إثبات حسن النية لها؛ وقد أثبتت أحداث النكبة المتلاحقة منذ التقسيم أنّ السنوات الثمانية تلك كانت هي الأسوأ في تاريخ فلسطين من حيث المسيرة النضالية. والمفارقة مذهلة بين مكاسب الجانبين، الصهيوني والعربي، على أرض فلسطين مع انتهاء هذه المرحلة.

استغلّ الصهاينة ظروف الحرب العالمية كل الاستغلال، فخرجوا منها عسكرياً، وعنابرهم مليئة بالسلاح الذي طلبت منهم بريطانيا نفسها تصنيعه، بالإضافة إلى السلاح الذي سرقوه من المعسكرات البريطانية، وخرجوا أيضاً بآلاف من الجنود المدربين في خضم حرب عالمية، كما أنهم حققوا حلمهم باعتراف الحلفاء في نهاية الحرب، بحقهم في تكوين فرقة يهودية لها علمها الخاص (علم إسرائيل اليوم)؛ وأما سياسياً، فيكفي أن الدول الكبرى، رؤساءً وأحزاباً، أخذت تتبارى في تملّق برنامج “بلفور” الصهيوني. لقد عرفت الحركة الصهيونية جيداً متى كان عليها نقل ثقلها السياسي من بريطانيا إلى الولايات المتحدة.

بالمقابل، لم تستفد الدول العربية إطلاقاً على الصعيد العسكري، وكان “عذرها” سنة1948 أن جيوشها حديثة التكوين؛ وأما سياسياً فلم يكن لها أي دور فاعل على الصعيد الدولي، باستثناء عدد مقاعدها في هيئة الأمم (ولكن ذلك العدد لم يحل دون صدور قرار التقسيم عن الجمعية العامة)؛ وأما الحدث الأكبر على الصعيد الإقليمي، فقد كان إنشاء جامعة الدول العربية، وليس من ريب في أهمية هذا الحدث، ولكن مأساة الجامعة عند قيامها، كانت متمثلة في كون الدول العربية السبع المؤسسة كلها مرتهنة لبريطانيا، إما بمعاهدات معلنة، أو غير معلنة، فلم تكن الجامعة بالتالي صاحبة قرار حر، ولذلك، فهي عندما أخذت على نفسها ـ قانونياً وسياسياً ـ اتخاذ القرارات بشأن فلسطين، ما كان ممكناً لتلك القرارات أن تكون إلا انعكاساً للإرادة البريطانية.

إن المراقب لميزان القوى بين الجانبين، يكتشف بسهولة أن الجانب الصهيوني على أرض فلسطين لم يكن في يوم من الأيام أقوى مما كان عليه مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وأما الجانب العربي الفلسطيني فلم تكن حركته الوطنية في يوم من الأيام أضعف مما كانت عليه مع نهاية تلك الحرب؛ ومما لا شك فيه أن قرار التقسيم لم يتخذ في ساعته، بل كان قراراً استعمارياً سرياً من نوع “القرارات المغانم” للدول المنتصرة في أعقاب الحروب العالمية، ولكن كان لا بد من بعض الوقت لتطبيقه. لقد كان الوعد البريطاني لليهود في الحرب العالمية الأولى وطناً قومياً، وأما الوعد الأمريكي لهم في الحرب الثانية فكان دولة يهودية.

كانت الثورة ضد التقسيم الثورة النموذجية في تاريخ العرب المعاصر كله، أصالة وشعبية وعروبة، إذ سرعان ما عاد الثوار إلى القيام بالعمليات الشجاعة، كما عادت إلى الواجهة اللجان القومية، لكنها لم تكن كمثيلاتها في الثورة الكبرى لجاناً تفرض قراراتها على القيادة، وأنشئت مكاتب التطوع في العديد من العواصم العربية، وتدفق المتطوعون على فلسطين في أجواء وطنية مفعمة بالحماسة وروح الاستشهاد، وتمكنت الثورة من تحقيق مكاسب عسكرية على الرغم من انقسام القيادة العسكرية نفسها والنقص الفادح في التدريب والسلاح، حتى بات زمام الموقف العسكري بيد الثوار العرب، مما دعا حكومة الانتداب إلى وقف أعمال إدارتها المدنية فجأة في أول آذار/مارس، وأخذت بالانسحاب من المواقع الهامة للجانب الإسرائيلي. وهكذا انقلب الميزان العسكري لصالح “الهاغانا”، فاحتل اليهود في شهل نيسان/ابريل المدينة تلو المدينة، واحتلوا أكثر مما كان لهم في قرار التقسيم.

سقطت فلسطين عملياً في نيسان لا في أيار، وجسد استشهاد القائد عبد القادر الحسيني في القسطل روح الثورة الأبية الشجاعة ضد التقسيم، كان استشهاده انتحاراً وكانت الثورة ضد التقسيم أيضاً عملية انتحارية، فموازين القوى كلها كانت ضد هذه الأمة، وأما حكّامها فلا فارق هناك بين المتآمر منهم، وبين الصامت خوفاً، والخوف هنا خوف الحاكم من شعبه، لا العكس كما يجري عادة. عندما اشتدت الهجرة في نيسان قسراً وتهجيراً جماعياً ورعباً، تحولت القضية الفلسطينية من قضية تحرير وطن إلى قضية لاجئين، كل هذا والعرب يحلمون بالجيوش السبعة للتحرير، مع الخامس عشر من أيار.

عاش الجيل العربي الشاهد على سقوط فلسطين، وهو يسمع بالمؤامرة وبالحرب المسرحية. ولما كشفت الأوراق، ثبتت حقيقة المؤامرة، ونكتفي بمثلين فقط، الأول بشأن القرارات السرية التي اتخذتها الجامعة العربية في “بلودان” (1946) وفي عاليه (1947) قبيل التقسيم، والتي ظنّ العرب يومها أن تلك القرارات تتضمن حتماً قراراً بإعلان الحرب، ثم اتضح أنه ليس من قرار واحد له علاقة بالحرب. لقد استمرت الحرب كلامية ودعائية، طيلة خمسة أشهر على صفحات الجرائد. والمثل الثاني حين دعت الجامعة أخيراً رؤساء الأركان العرب لعقد مؤتمر عسكري في عمان، فأعلن العسكريون استهجانهم لعدم تبلغهم مسبقاً بأي قرار بخوض الحرب، وانتهى المؤتمر في أوائل أيار، وعاد رؤساء الأركان إلى عواصمهم، وأمامهم أقل من أسبوعين للاستعدادات العسكرية.

الثورة الفلسطينية: العمل الفدائي

تقسمت أرض فلسطين منذ النكبة إلى أربع مناطق، فالقسم الأكبر بات تحت الاحتلال الإسرائيلي، والضفة الغربية مع الأردن، وقطاع غزة مع الإدارة المصرية،

ومنطقة الحمة مع سوريا. وتشرذم شعب فلسطين في الأقطار العربية المجاورة والأمصار البعيدة، واكتسب هوية جديدة هي هوية اللجوء أو اللاجئين، فكل مشتقات الكلمة تفي بالغرض. وأما الهوية النضالية للشعب المقهور فكانت أكثر تشرذماً وتمزقاً من غيرها؛ تلك هي سمة مرحلة الذهول في الخمسينات، لا قيادة سياسية هناك يثق الشعب بها، ولا أحزاب فلسطينية هناك هاجرت مع المهاجرين، ولكن الإرادة باقية، والمبدأ النضالي الرئيسي ما زال قائماً، وهو أن فلسطين عربية، وقضيتها كذلك، وهذا ما دعا الشباب الفلسطيني إلى الانخراط في مختلف الأحزاب السياسية في هذه المرحلة، طريقاً للعودة.

مع انهيار دولة الوحدة بين مصر وسوريا، كان الفلسطينيون أكثر الخاسرين، وانهارت آمال العرب بأن تكون الوحدة طريقاً للتحرير، وأصبحت الآية معكوسة، فليكن التحرير طريقاً للوحدة. تلك هي بدايات التنظيمات والجبهات الفلسطينية المتعددة، والتي ولدت ـ تحت الأرض ـ في العديد من العواصم العربية، كما يولد الفطر.

صباح اليوم الأول من سنة 1965 أعلنت جبهة فتح عن ولادة الثورة الفلسطينية، ففي تلك الليلة قام فدائيوها بأول عملية على الحدود. وكانت فرحة كبرى أن يصبح للشعب المقهور ثورة، تلك هي المشاعر الوجدانية، وأما الحسابات العقلية، وخصوصاً لدى العروبيين الناصريين، فقد توصلت إلى إمكان أن تؤدي هذه الثورة ـ قبل الأوان ـ إلى توريط مصر والأمة في حرب مع إسرائيل. وبشكل أو بآخر كان قيام الثورة رداً ضمنياً على قيام منظمة التحرير الفلسطينية التي ولدت في 28أيار 1964 في القدس، وكانت ولادتها بمباركة عربية رسمية. وانقسمت الآراء، فالرافضون للكيان الرسمي الجديد خافوا في إعادة تجربة الهيئة العربية العليا الفاشلة، والمؤيدون له كانوا يستندون إلى أنّ ميزان القوى العربي قد انعكس سنة 1964 عما كان عليه سنة 1946 بسبب وجود العديد من الدول العربية المتحررة الواعدة، وخصوصاً مصر بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر.

ليس هدفنا في هذه العجالة التطورات المتلاحقة في مجرى الصراع العربي ـ الإسرائيلي، ولا في السياسات العربية فيما بينها، وفي اتجاه الثورة الفلسطينية، بل التوقف إزاء الملامح الرئيسية لهذه الثورة. ونشير بداية إلى أهم الصعوبات التي واجهتها، وهي في كونها ثورة ليست على أرضها، وفي افتقارها دائماً إلى مرتكز جغرافي داعم لها. وما كان الارتكاز على الأردن تارة، أو لبنان تارة أخرى، إلا نتيجة حكم الأمر الواقع، غير أن عمان أو بيروت لم تكن أي منهما يوماً “هانوي”. وأما الصعوبة الداخلية، فكانت بداية في اختلاف نظرة الفلسطينيين أنفسهم إلى منظمة التحرير. لقد استمر الكثيرون ينظرون إليها لسنوات، وكأنها فصيل من الفصائل، لا أكثر، فهي الفصيل الرسمي، ولكن بعد استقالة الرئيس أحمد الشقيري، أول رئيس للمنظمة، وتسلم ياسر عرفات، من أوائل المؤسسين في فتح، أخذت التنظيمات الفلسطينية المختلفة تتلاقى في إطار المجلس الوطني الفلسطيني، وتدريجياً تحولت المنطقة من فصيل رسمي إلى المنظمة الأم.

العمل الفدائي من “أضرب واهرب”، إلى “اضرب واصمد”؛ التنظيمات الفلسطينية المتعددة على اختلاف عقائدها السياسية كانت تتلاقى حول برنامج وطني، أساسه التحرير الشامل لكل فلسطين؛ البطولات في العمليات الفدائية كانت تتصاعد، وما كان أحد يحلم بأن تلك العمليات سوف تحرر الأرض المغتصبة، ولكنها حررت ما كان تحريره شرطاً لتحرير الأرض، وخصوصاً إثر الهزيمة المرة في حرب حزيران1967 إذ تمكن العمل الفدائي من تحرير النفس العربية، وأنعش الأمل بقدرة الأمة على تحدي إسرائيل. ثم كانت سنوات مشرقة، في عهد حرب الاستنـزاف على الجبهتين المصرية والسورية في نهاية الستينات، وقد كانت أهم الحروب العربية ـ الإسرائيلية، وفي أجواء تلك الحرب العربية المشتركة، ارتفعت أسهم العمل الفدائي.

أهم إنجازات الثورة الفلسطينية في مراحلها الأولى أنها أنعشت الأمل في إمكانية النصر والعودة، وأعادت ترميم الذات المحبطة والمهشمة بفعل الإحباطات المختلفة.

وأما الأخطاء، فكان أبرزها الوقوع في الشرك المتوقع، وهو الاختلاف بين منطق الثورة ومنطق الدولة، كما كان الدخول في متاهات السياسات العربية والإقليمية، وهذا على الرغم من شعار الثورة بعدم التدخل في أية شؤون داخلية للدول “المضيفة”؛ والأخطاء في هذين الاتجاهين أيضاً معكوسة، أي أن الحكومات العربية بدورها وقعت في الشرك أعلاه، إضافة إلى المصالح القطرية لكل منها مما أدى إلى التدخل في شؤون الثورة؛ وكان لا بد من الصدامات السياسية والعسكرية نتيجة تلك التناقضات وأبرزها ما جرى في الساحة الأردنية، فالساحة اللبنانية.

استغلّت إسرائيل ما جرى في لبنان ذريعة لاجتياحها في حزيران/يونيو1982، لقد أرادت أن يؤدي الاجتياح إلى زلزال في البنية العسكرية والبنية التحتية للمنظمة والثورة، وقد نجحت إلى حدٍ بعيد في ذلك، نتيجة تعدد الأجهزة وعدم ممارسة النقد الذاتي الدبلوماسي.

لم يكن للسياسات الدولية من أثر على أي ثورة فلسطينية كما كان على هذه الثورة، وخصوصاً بعد انتهاء الحرب العالمية الثالثة ـ وهي الحرب الباردة بين الجبارين ـ إن الخسارة التي مني بها الجانب الفلسطيني إثر حرب الخليج، لا تقل عنها أهمية خسارته بسبب سقوط العالم الاشتراكي، الذي فتح جامعاته ومستشفياته ومعسكراته أمام الثورة الفلسطينية وأبنائها، وأما الخسارة العظمى مع انتهاء الحرب العالمية الثالثة، فهي تتمثل في خطر الهجرة اليهودية المتدفقة من روسيا وجاراتها، وتتمثل في تغلغل صهيوني متصاعد في العديد من الدول الغربية خصوصاً، وهي التي كان بعضها يشبه صديق لها أو حيادياً على الأقل، وتتمثل في النظام العالمي الجديد الذي أعلنه الرئيس بوش دون أن يعلن عن موطىء قدم للفلسطينيين في هذا النظام، ناهيك عن وطن.

هل انتهت الثورة الفلسطينية؟ هل يمكن اعتبار إعلان دولة فلسطين في 15تشرين الثاني/ نوفمبر 1988 نهاية هذه الثورة؟ الإجابات مختلفة وفقاً للمنطلقات. فلسطينياً لا يمكن اعتبار الثورة قد انتهت بوجود الفصائل التي ما زالت ترفع لواء الثورة؛ وأما عالمياً، فحتى الرافعون للواء الثورة، هم أنفسهم ضحايا المنطق السائد في المنطقة، منطق إنهاء الحروب والاستسلام ـ واقعياً ـ تحت عجلات قطار السلام.

الانتفاضة المباركة: ثورة الحجارة

عندما انطلقت الانتفاضة المباركة، تلك الانتفاضة العفوية العارمة في 9كانون الأول/ ديسمبر 1987، ما ظن أحد أنها سوف تستمر سنة إثر سنة، فما هو سر هذه الانتفاضة؟

على الرغم من العفوية الظاهرة للانتفاضة، إلا أنه ما من انتفاضة فلسطينية اكتملت شروط ولادتها، مثلها. داخلياً كان هناك تزايد سكاني كثيف، كما كان هناك تصعيد يومي للقمع الإسرائيلي، ودولياً باتت الأولوية لحرب النجوم على أي حل للقضايا العالقة بين الجبارين، وعربياً كان مؤتمر القمة الأخير في عمان قد شهد انحساراً بارزاً للقضية، وفلسطينياً برزت الصعوبة الفائقة في تطبيق نهج الكفاح المسلح، وقد بات الهمّ الأكبر لمنظمة التحرير العمل المتواصل لمنع شطبها نهائياً من المعادلة السياسية الدولية للمنطقة، وهكذا تلاشى الأمل من التحرير من الخارج، وما عاد من طريق سوى التحرير من الداخل. والملاحظ أنه على الرغم من الظروف السلبية تلك كلها، فقد كانت هناك حال إيجابية واحدة، وهي استمرار المقاومة الباسلة الوطنية والإسلامية في الجنوب اللبناني، حتى أطلق على صيف 1987 الصيف الحار نظراً لتصاعد العمليات الشجاعة ضد جيش لحد والقوات الإسرائيلية.

يصدق على الانتفاضة التعبير الذي يسود اللغة السياسية اللبنانية المحلية وهو تعبير “المميز”، فهذه حقاً انتفاضة مميزة، أروع ما فيها أنها انتفاضة شعبية حقيقية ما عاد فيها من أفضلية لابن مدينة أو عائلة على سواه، هنا كل مخيم أو قرية أو مدينة سواء. في مجتمع ما قبل النكبة، كانت هناك في القيادة السياسية أفضلية لأبناء المدن، وخصوصاً القدس، وفي مجتمع ما بعد النكبة، انتقلت الأفضلية لأبناء المخيمات، فجاءت الانتفاضة لتقول: “ما من فضل لفلسطيني على آخر إلا بالنضال”. لقد أصبحت الشمولية السمة البارزة، الناس كل الناس، أحداثاً ونساءً وشيوخاً وشباباً، كلهم وعلى اختلاف أعمالهم، لهم أدوار. فالمجتمع كله مجتمع انتفاضي، وهكذا اختلفت الصورة عما كانت في مرحلة الثورة، إذ كان الثوار يقاتلون في الأغوار أو على الحدود، ومهمة الناس الشعب والأمة لا تتعدى الدعم والمساندة.

تفوقت هذه الانتفاضة عما سبقها من انتفاضات، في التفرقة الواضحة بين ما هو “استراتيجي” وبين ما هو مرحلي من أهداف؛ وتفوقت أيضاً ـ عبر بياناتها خاصة ـ بنضوج وواقعية في الخطاب السياسي يظهر لأول مرة في تاريخ النضال الفلسطيني، فما قبل النكبة كان هناك خطاب سياسي سلبي محوره كلمة “لا” دون أي تمحيص لهذه الـ”لا”، وبعد النكبة اتسم الخطاب السياسي إجمالاً بلغة الاعتذار والمبالغات، فضلاً عن تمزق هذا الخطاب بين الجبهات والتنظيمات التي باتت وحدتها الداخلية أمنية بعيدة المنال. وأما من حيث الإدراك الشامل لسياسة العدو الصهيوني وعقليته ونهجه، فكان طبيعياً أن يؤدي الاحتكاك اليومي مع العدو المحتل إلى المعرفة التامة به، وكانت روعة الفتيان كسرهم لجدار الخوف نهائياً، فكانوا هم السابقين، وكان آباؤهم وأمهاتهم هم اللاحقين.

إن التواصل في حمل شعلة النضال، أمر أكدته الانتفاضة قولاً وعملاً، وتشهد احتفالاتها النضالية على أنه ما من مناسبة نضالية حديثة أو تاريخية، إلا وتحتفل بذكراها، أمينة على نقل الدروس عنها، متجاوزة إياها عندما تدعو الحاجة، وساعية إلى تطويرها. ذكرنا سابقاً أو وحدة النضال بين أبناء فلسطين، مسلمين ومسيحيين، برزت منذ مطلع الاحتلال البريطاني، والمشاهد اليومية من أرض الانتفاضة على هذا النضال المشترك الواحد لا تحصى ولا تعد. إن قيام التظاهرات الحاشدة من المسجد والكنيسة بات صورة ملازمة للانتفاضة.

يلاحظ أن الرهان حين قيام الانتفاضة كان من قبل المشككين فيها على تفكك وحدتها الداخلية وحتمية انعكاس الانقسام في الساحة الفلسطينية عليها، كما كان هناك رهان آخر على انعكاس الانقسام الحاصل في العديد من الساحات العربية بين “الإسلاميين” و”القوميين”، على الداخل ما بين الجهاد الإسلامي وحركة حماس والاتجاه الديني إجمالاً وبين القيادة الموحدة، ولكن هذا لم يحصل أيضاً، فالوعي كبير على أهمية الوحدة الوطنية، وعلى أهمية السرية في القيادة، وعلى أهمية التنظيم في العمل (اللجان الشعبية والمتخصصة).

ما زالت الانتفاضة مستمرة، وأروع ما في استمراريتها أنها تحولت إلى نهج حياتي، متجاوزة بذلك معظم الثورات والانتفاضات في تاريخ العالم، وبمعنى آخر فالانتفاضة باتت هي الحياة، لا جانباً منها أو مهمة من مهامها.

خـلاصــة

متى يتحول شعب فلسطين من صاحب قضية إلى صاحب وطن؟ أليس من مهازل السياسة أن تشهد مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثالثة، ولادة دول، وحتى شعوب بالعشرات، وأما شعب فلسطين وقضيته من أطول القضايا عمراً، فما من بادرة جادة لحلها، على الرغم من المؤتمرات الدولية المتلاحقة.

يعنينا في نهاية هذا المقال رصد عامل واحد من العوامل المؤثرة في حل القضية الفلسطينية، وهو عامل الثورات الداخلية والانتفاضات. نستنتج من خلال مراجعة هذا الوجه في تاريخ فلسطين المعاصر، أنه على الرغم من كل الأخطاء أو النواقص، إذا لم تكن كل تلك الثورات مثالية بطبيعة الحال، نستنتج أن كل الحالات التي أحرز فيها النضال نصراً ما ولو جزئياً، لم يكن النضال فيه فلسطينياً فحسب، بل نضالاً عربياً شاملاً، كما نلاحظ أن الإطار النضالي ما أن توسع مرة، فشمل الساحة الإسلامية، حتى هب المستعمرون للوقوف بوجه أي نضال أو حتى تعاون فلسطيني ـ عربي ـ إسلامي.

القاعدة سهلة وغير معقدة، وهي تنبع من التراث والتاريخ والعقيدة والإيمان، كما تنبع من صفحات التاريخ العربي الإسلامي في القرن الأول للهجرة/السابع للميلاد. ما من مرة وحّد العرب والمسلمون نضالهم إلا وكانوا الرابحين، وما من مرة تفرّقت قواهم إلا وكانوا الخاسرين.

وربّ قائل يقول، تلك عقيدة دينية وذاك تراث قومي تاريخي، والحل المطلوب سياسي؛ والرد على ذلك يتلخّص في أمرين:

الأمر الأول، أن الإسلام الذي نعنيه ليس الدين وحده، بل الحضارة الشاملة واللغة والوحدة الوطنية، ولا تنتهي الأمثلة في تاريخ فلسطين على هذا الإسلام الذي يجتمع تحت لوائه المسلمون، والمسيحيون العرب، والمسلمون غير العرب. على أبواب القدس، كان العرب الأرثوذكس عوناً لصلاح الدين، القائد المسلم المجاهد؛ وأما المطران “غريغوريوس حداد” فكان من أخلص أصدقاء الشيخ عز الدين القسام، وكان القسام يأتمنه على جمع الأموال لتنظيمه السري، وأما “حنا عصفور” ـ وهو من خير المحامين الجزائريين في فلسطين ـ فهو من اختاره القسام للدفاع عن رجاله المعتقلين، ومن أبرز صفحات الوحدة الدينية ـ الوطنية في عصرنا ـ تحويل المفتي الحاج أمين الحسيني مقر المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى إلى مقر للحركة الوطنية، يؤمه المسيحيون كما يؤمه المسلمون.

والأمر الثاني، يتلخص في كون هذا النهج، هو النهج الوحيد الذي يتطابق مع أحكام العقل والتخطيط العقلاني المجرد، إذ ليس من قوة بقادرة على صد المطامع الصهيونية ـ الإمبريالية سوى قوى العروبة والإسلام معاً.

إن تكريس القضية الفلسطينية قضية عربية وإسلامية، نهج لا يمكن للنصر أن يتحقق من دونه، وتشهد الصفحات أعلاه أن أبناء فلسطين قد حاولوا عبر كل الثورات والانتفاضات أن يبقى الإطار العام لقضيتهم إطاراً عربياً إسلامياً، غير أن تلك المحاولات اعترضتها وتعترضها عقبتان: الأولى أن النضال يجب أن ينطلق من الإطار العام الشامل، أي الإطار العربي الإسلامي، لا أن تكون أقصى الجهود محاولة لعدم الخروج عن الإطار، وقد حدث هذا أحياناً، ويلاحظ أنه في كل مرة لم يكن فيها النضال نابعاً من الإطار العام بفعل إرادي وعن قناعة تامة، كان العمل النضالي خاسراً، وأما العقبة الثانية، فهي في الآخرين من عرب ومسلمين، وفي انعدام وجود “الاستراتيجية” العربية ـ الإسلامية، مع طرح الوسائل والأدوات الكفيلة بتطبيقها، وقبل ذلك كله، توفر الإرادة. إن هذه العقبة تخرج عن قدرة الثورات والانتفاضات الداخلية.

قلنا بداية إن القضية الفلسطينية لم تحل بعد، ولكنها لم تندثر بعد، إن عدم اندثارها يعود إلى تلك السلسلة من الانتفاضات والثورات، لكن الانتفاضات والثورات مهما عظمت،وثورة الحجارة اليوم مهما طالت، فليس بإمكان هذا وحده أن يحل القضية، فالقضية هي قضية فلسطينية إسماً، غير أنها قضية عربية إسلامية حقيقية، وأما حلها فلا يبتدىء في المؤتمرات الدولية، بل ينتهي بها عندما يصبح للعالم العربي الإسلامي القدرة على فرض إرادته. إن بداية الحل تنطلق من الداخل، من “الاستراتيجية” العربية ـ الإسلامية، من النضال الموحد ضد المخططات الإمبريالية وضد الصهيونية.

( * ) أستاذ في كلية الحقوق ، الجامعة اللبنانية.