حين تحدث بن غوريون عن ثورة 1936 التي امتدت ثلاث سنوات قال:

“لم تكن هناك انتفاضة قومية… ولم يشارك الشعب العربي أوجله في الحوادث فهو يفتقر إلى الإرادة والطاقة والقوة لأن يثور. أقلية ضئيلة تحارب حتى الموت وتستخدم في قتالها أي وكل وسيلة وترتكب أبشع الجرائم” (خطابه في 3 آب (أغسطس) كما أورده روبرت سانت جون في كتابه “بن غوريون” (ص65ـ66).

وبهذا الكلام حسم بن غوريون موقف القيادة الصهيونية من حركة التحرر القومي العربي ونضالها من أجل الاستقلال وتصفية نظام الانتداب الإمبريالي.

لقد رفضت القيادة الصهيونية مجرد الاعتراف بحركة الشعب العربي الفلسطيني القومية وأصرت على وصفها بالإجرام والوحشية كل نشاط من نشاطاتها ولم يكن في وسعها أن تتصور طاقتها على الثورة والبطولة.

ولكن ثورة 1936 برهنت على طاقة الشعب العربي الفلسطيني وإرادته الجارفة وبأسه في الصمود أمام الإمبريالية البريطانية والصهيونية الدولية.

ولا يغير من هذه الحقيقة تصوير المحافل الصهيونية الثورة وكأنها شغب نظمته فئة “الأفندية” الإقطاعيين.

ولعل جورج أنطونيوس ـ وهو بعيد عن الوعي الطبقي ومن أنصار التعاون مع بريطانيا ـ اقترب من الحقيقة حين كتب:

“ليست الثورة (في عام 1936 ـ أ.ت) بعيدة عن أن تكون من صنع الزعماء فحسب بل هي بشكل واضح جداً تحد لسلطتهم وتجريم لأساليبهم. فإن قواد الثورة ينسبون مصيبة المزارعين العرب في الوقت الحاضر إلى أولئك المالكين الذين باعوا أراضيهم، ويتهمون الزعماء بالإهمال الجاني، لإخفاقهم في منع البيوع، إذ لم يكن للفلاحين رأي في معظم تلك البيوع التي أدت إلى إخراجهم من أراضيهم” (كتابه يقظة العرب الترجمة العربية، تعريب علي حيدر الركابي ص 449).

والواقع أن الزعامة التقليدية أخذت على غرة حين اجتاحت البلاد موجة الإضراب وتألفت اللجان القومية كما أخذت على غرة حين رافق الإضراب كفاح مسلح.

ويجمع الكتاب الذين عاصروا تلك الحقبة على أن الثورة كانت من صنع الفئات الشعبية فهكذا صور الدكتور محمد حسين هيكل في كتابه “القضية الفلسطينية ـ تحليل ونقد” البداية فكتب:

” وأخذت قساوة البوليس واعتداءاتهم على أفراد الشعب في الازدياد. وأمعنت الحكومة في سياسة الاعتقال والحبس… فبلغ أهل طولكرم صباح السبت 23 أيار (مايو) 1936، أن الحكومة اعتقلت أعضاء اللجنة القومية فثاروا وتقلدوا سلاحهم سائرين نحو المدينة فتقابلوا مع قوة عسكرية ذاهبة إلى نابلس فاشتبكوا معها بالقرب من بلعا وتبادلوا وإياها النيران من الساعة التاسعة صباحاً حتى المساء… فتحولت الاضطرابات إلى ثورة حقيقية كانت هذه الموقعة أولى معاركها”.(ص 207)

وهذا ما أكده أمين سعيد في كتابه “الدولة العربية المتحدة” (الجزء الثالث ص 540) وعيسى السفري في كتابه “فلسطين العربية بين الانتداب والصهيونية” (ص7). وأضاف الأخير أن الجنود البريطانيين أطلقوا النار على مظاهرة قومية في نابلس في اليوم ذاته فقتلوا أربعة مواطنين وجرحوا سبعة، وذاعت أخبار هذه الفاجعة في القرى فتسارع أهلوها للنجدة وانتشرت جموعهم فوق الجبال وفي الوديان وعلى مفترق الطرق مسلحة بالبنادق وغيرها من أنواع السلاح” (ص7).

وأكد أن “لسكان القرى كان النصيب الأكبر في تأييد الثورة وتغذيتها فقد اشتركوا في معظم الأعمال الثورية وناصروها بكل ما وصلت إليه أيديهم” (المصدر ذاته).

ولكن كل هذا لا ينفي نجاح القيادة التقليدية التي توحدت في اللجنة العربية العليا في تسلم زمام القيادة السياسية، وإلى حد ما القيادة العسكرية.

لقد وصف عدد من الكتاب العرب الذين عاصروا تلك الفترة أبرز المعارك الحربية التي وقعت خلال الإضراب التاريخي الكبير الذي امتد ستة أشهر، ولكن وصفهم كان من قبيل السرد الصحفي العام أولاً، والمتناثر ثانياً، جاء عفوياً ولم يعتمد على جمع الوقائع أو يحدد ارتباطها العضوي المتكامل. ومع هذا فحتى هذا الوصف السطحي أوحى بنمو التنظيم العسكري ـ المحدود طبعاً ـ بين الجماهير العربية من ناحية وباتساع القتال بين تنظيمات الأنصار والقوات البريطانية من ناحية ثانية”.

ودلت على اتساع رقعة القتال إقليمياً هذه المعارك التي عرفت بمواقعها : نور شمس (طولكرم)، وادي عزون، باب الواد، بلعا، وعصيرة الشمالية ووادي عراة وعين دور (الناصرة) وغيرها.

وأوحى بكثافة القتال وشدته اشتراك آلاف الجنود البريطانيين في المعارك بمعداتهم التقنية العسكرية الحديثة لضرب فرق أنصار تسلحت تسلحاً بدائياً نسبياً.

ولاحظ أمين سعيد مثلاً أن 5000 جندي بريطاني تشد أزرهم الدبابات والمدفعية الثقيلة و15 طائرة اشتركت في معركة بلعا الثانية في 3 أيلول (سبتمبر) 1936 ولم تحسم شيئاً (الدولة العربية المتحدة الجزء الثالث 541).

لقد بلغت القوة البريطانية في فلسطين آنذاك 20 ألف جندي (حسب إحصاءات الحكومة و25 ألف حسب تقديرات الكتاب العرب والأجانب) وتعاونت معها قوات البوليس العادي والبوليس الإضافي، الذي جندته السلطات من صفوف الهاجاناه (منظمة الدفاع الصهيونية)، وبلغ عدده 5000 بوليس. ومع ذلك لم تستطع هذه القوات القضاء على الثورة عسكرياً على الرغم من نجاحها في اقتناص حوالي 3000 شهيد من بين صفوفها، المحاربين تحت اعلامها.

إن بسالة الثورة وصمود الشعب العربي الذي أشعلها يظهران على حقيقتهما إزاء عنف القمع الإمبريالي. فالإدارة البريطانية لم تدفع إلى ميدان القتال هذه القوات العسكرية والبوليسية المجهزة أحسن تجهيز فحسب بل استخدمت أيضاً أوحش أساليب القمع لتدمير معنويات الجماهير وإفقارها ومن ثم عزلها عن الكفاح.

وهكذا فرضت ـ كما ألمحنا ـ الأحكام العرفية على البلاد في 30 أيلول (سبتمبر) 1936 وتولت سلطات دكتاتورية فظة خولتها حق مراقبة المطبوعات، والتوقيف والاعتقال الإداري والنفي والإبعاد، وحق استملاك الأموال ومصادرتها والتصرف بها كما تشاء، وفرض الغرامات على الجماعات والهيئات، وإتلافها الأملاك كتدابير تأديبية سواء كان في الإمكان معرفة “المجرمين” الحقيقيين أم لم يكن. وأقامت محاكم عسكرية تفرض عقوبات بربرية تصل الإعدام على المتهمين بالمشاركة في الكفاح.

وقد ترك لنا عيسى السفري وصفاً لما كان يجري في البلاد في تلك الأيام فكتب:

“كانت السلطة حين تشتبه بقرية ما، تأمر حالاً بذهاب قوة كبيرة من الجند والبوليس بدباباتها ومدافعها الرشاشة وكامل أسلحتها إلى تلك القرية فتطوقها من جميع جهاتها ويدخل فريق من الجند إلى القرية، يطرقون أبواب بيوتها بأعقاب بنادقهم بشدة ويأمرون مختارها بعزل النساء عن الرجال ومن ثم يأخذ الجنود بتفتيش بيوت القرية، بين فزع النساء وعويل الأطفال فيبعثرون محتوياتها ويحطمون آنيتها المملوءة بالسمن والزيت والحبوب ومختلف أنواع الأغذية وبانتهاء التفتيش يطلق الجند المدافع في الفضاء إرهاباً (فلسطين العربية بين الانتداب والصهيونية ص85).

ومن الإجراءات التي شاعت آنذاك الغرامات الجماعية ونسف البيوت لصدور طلقات منها أو من مكان قريب إليها، ومهاجمة القرى وضربها بالرصاص بدون تمييز. وقد كانت قرية “قولة” المجاورة للرملة واللد ضحية هجوم عنيف بسبب إطلاق مجهول النار على دورية بريطانية. (المصدر ذاته ص86).

وقد هز الرأي العام في فلسطين والعالم الخارجي نسف حي بأكمله في يافا في حزيران (يونيو) 1936 بحجة تجميل المدينة كما هزته حوادث النسف في نابلس واللد وحيفا وبلد الشيخ وعدد آخر من المدن والقرى.

وقد أدانت محكمة العدل العليا برئاسة قاضي القضاة ميخائيل ماكدونالد هذه الإجراءات وأعلنت في قضية نسف الحي في يافا: ” كان يشرف الحكومة أكثر لو أنها، بدلاً من أن تذر الرماد في عيون الشعب بادعائها أن الموحي لعملية الهدم هو التحسين والتجميل والعمل لتنظيم المدينة أو رعاية الصحة العامة، لو أنها قالت بصدق وبساطة أن الهدم المنوي إجراؤه كان المقصود الأساسي منه الدفاع عن فلسطين الذي يعني ـ كما يجوز أن يعتقد كل شخص ـ التسهيل لدخول القوى العسكري إلى الأحياء التي تغص بالسكان في المدينة المذكورة” (المصدر ذاته ص 102).

 

التضامن العربي

وقد ميز هذه الثورة نمو التضامن العربي وامتداده إلى أقطار عربية جديدة.

وبرز هذا التضامن في انضمام عدد من المحاربين العرب في سوريا والعراق والأردن إلى الثورة وفي النشاط السياسي النامي تأييداً لكفاح الشعب العربي الفلسطيني القومي.

لم يكن أمراً غريباً أن تتضامن الحركات القومية في سوريا ولبنان وشرقي الأردن مع الحركة القومية في فلسطين… ولكنه كان تطوراً جديداً أن تجند الحركات القومية في مصر والمغرب في ميدان التضامن العربي.

وأعرب قائد حركة التحرر القومي في مصر مصطفى النحاس عن هذا التطور حين صرح أن مصر لا تستطيع أن تقف مكتوفة الأيدي تجاه ما يجري في فلسطين وهي تؤيد مطالب الشعب العربي الفلسطيني.

ومع استئناف الثورة بعد قرار اللجنة الملكية نما هذا التضامن العربي نمواً كمياً وكيفياً. وقد لاحظت اللجنة الملكية في تقريرها هذه الظاهرة الدينامية فكتبت:

” أثارت الانفجارات الماضية في فلسطين اهتمام وعطف الشعوب العربية المجاورة ولكن هذه المرة لم تظهر المشاعر الشعبية الواسعة النطاق ضد البريطانيين واليهود فحسب بل أن عدداً كبيراً من المتطوعين وبينهم قائد الثورة، وجاءوا من سوريا والعراق. وأهم من هذا اهتمت الحكومات العربية لأول مرة بالخلاف (الناشب في فلسطين أ.ت)”. (تقرير اللجنة الملكية ص104ـ105).

وظهر اهتمام الحكومات العربية ـ أو بدقة أكثر ملوك بعض الأقطار العربية ـ بالخلاف في دورها في حل الإضراب.

وكانت الخطوة الأولى في هذا السبيل زيارة وزير خارجية العراق نوري السعيد فلسطين ومباحثاته مع قادة الحركة القومية العربية التقليديين من ناحية، والمندوب السامي والأمير عبد الله حاكم شرق الأردن من ناحية ثانية.

وحسب بيان اللجنة العربية العليا بتاريخ 26 آب (أغسطس) 1936 حقق نوري السعيد اتفاقاً مؤقتاً بين الإدارة البريطانية وقيادة الحركة القومية التقليدية يقوم على أربعة بنود: تدعو اللجنة العربية العليا إلى وقف الإضراب أولاً، ومقابل ذلك توقف الحكومة الهجرة اليهودية مؤقتاً حتى تضع اللجنة الملكية تقريرها ثانياً، وتقوم الحكومات العربية الثلاث وإمارة شرق الأردن بالسعي لدى بريطانيا لإنجاز مطالب فلسطين ثالثاً، وتصفي الثورة على أساس إلغاء الغرامات ووقف عمليات التفتيش وإطلاق سراح المعتقلين والعفو العام رابعاً.

ومن الممكن القول أن الملوك العرب الثلاثة عبد العزيز آل سعود (السعودية) والإمام يحيى حميد الدين (اليمن) وغازي بن فيصل (العراق) والأمير عبد الله (حاكم شرق الأردن) اندفعوا إلى الميدان بعدد من العوامل من أبرزها: استنجاد أصحاب البيارات بهم لإنقاذ موسم البرتقال الذي يمثل “ثروة البلاد الكبرى”. لقد تخوف أصحاب البيارات من أن يؤدي استمرار الثورة إلى بوار الموسم ولهذا طالبوا الملوك بوقف الإضراب، وأيدتهم في هذا البرجوازية التجارية التي أصيبت بالإضرار، وكافة العناصر التي تقلق عادة من تحرك الجماهير الثوري.

كذلك نشط الملوك بوحي من بريطانيا لإنهاء الثورة لأن هذه الثورة أصبحت تحرك الإدارة البريطانية عسكرياً وسياسياً في ظروف تميزت باحتدام الوضع الدولي نتيجة عدوانية الدول الفاشية (النازية).

ومن المؤكد أن مصلحة الإمبراطورية البريطانية تلاقت مع مصالح الرجعية العربية عند الرغبة في إجهاض الثورة باعتبارها حركة دينامية لا يمكن أن تقف عند حد أو يقتصر تفاعلها على إقليم واحد.

وعلى الرغم من أن مقترحات نوري السعيد لم تلب مطلب الحركة القومية الجوهري: مطلب الاستقلال، وعلى الرغم من أنها كانت إجراءات تسكين، فقد هبت قيادة المنظمة الصهيونية لتحول دون أي تنازل قد تعتقد الإمبريالية البريطانية أنه ضروري.

هذا من ناحية، أما من الناحية الثانية فالقيادة الصهيونية كانت ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأشد الإمبرياليين غلوا في الرجعية، من الذين يقاومون المهادنات مع الحركات القومية العربية وغيرها من الحركات القومية غير العربية، وهؤلاء مارسوا ضغوطهم حتى لا تكون هناك مهادنة.

ثم لابد من القول أن توازن القوى في المحافل الإمبريالية البريطانية كان في هذه الفترة قد بدأ يتغير إلى حد ما. فمنذ وعد بلفور كانت هناك محافل إمبريالية بريطانية لم تر في بناء الوطن القومي اليهودي في فلسطين مصلحة إمبريالية لاعتقادها أن ذلك قد يعرقل السيادة البريطانية في المنطقة. وهذه المحافل اشتدت قوة نتيجة تحديات النازية والفاشية وشعورها بخطر المنافسة الإمبريالية الألمانية ـ الإيطالية في ظروف نمو الحركات القومية العربية.

وهذا ما قصدنا إليه حين لاحظنا أن توازن القوى في المحافل الإمبريالية تغير إلى حد ما، فظهر استعداد أشد لمهادنة الحركة القومية العربية في فلسطين بحيث تؤمن المصالح الإمبريالية البريطانية على أحسن وجه.

ولكن من هذه المصالح البريطانية الجوهرية تعزيز الصهيونية بحيث تقوم بدورها الاستراتيجي بدون أن تعرقل الخطط البريطانية التي كانت قائمة على سياسة “فرق تسد” والتظاهر بدور الفيصل في “النزاع العربي ـ اليهودي”!!.

ولم يؤد التغيير في توازن القوى في هذه الفترة إلى أي تحول في السياسة البريطانية. ولهذا ما أن ضجت القيادة الصهيونية بالاحتجاج على مقترحات نوري السعيد العميل البريطاني الموثوق، حتى أعلنت بريطانيا، في رسالة بعث بها وزير المستعمرات البريطاني أورمسبي غرو إلى الزعيم الصهيوني حاييم وايزمن، أن المندوب السامي لم يفوض نوري السعيد “لأن يعد بالخطوات التي ستلي وقف الاضطرابات وعلى الأخص فيما يتعلق بتوقيف الهجرة”.

وأدى “انفجار” هذه الرسالة على المسرح السياسي في فلسطين إلى إخفاق محاولات التسوية واستمرت الثورة والإضراب العام.

بل أن عنف الثورة تصاعد بعد إخفاق محاولة التهدئة، واشتدت إجراءات القمع أضعافاً بعدها.

ولكن العوامل التي استنفرت تدخل الملوك في آب (أغسطس) 1936 لم تتلاش بل تعمقت أهميتها وبدأت مظاهر الإرهاق بين فئات واسعة من الشعب الذي تحمل طوال ستة أشهر أعباء ثورة مسلحة وإضراب شامل بدون مساعدات اقتصادية جديرة بمثل هذا الوصف.

ولذلك حين ناشد ملكا السعودية والعراق وأمير شرق الأردن، في تشرين الأول (أكتوبر) عام 1936، الشعب العربي في فلسطين “الإخلاد إلى السكينة حقناً للدماء معتمدين على حسن نوايا صديقتنا الحكومة ورغبتها المعلنة لتحقيق العدل”. سارعت اللجنة العربية العليا إلى إعلان قرارها ـ “بالإجماع وبعد استشارة مندوبي اللجان القومية والحصول على موافقتهم باتفاق الآراء” ـ “بدعوة الأمة العربية الكريمة في فلسطين للإخلاد إلى السكينة وإنهاء الإضراب والإضطرابات ابتداء من 12 تشرين الأول (أكتوبر) سنة 1936″.

وهكذا انتهى أكبر إضراب شهدته المنطقة في تاريخها المعاصر، وأعنف ثورة عرفتها فلسطين، وبدأت البلاد تستعد لاستقبال لجنة التحقيق الملكية.

 

الوطن القومي

على الرغم من أن الثورة، باعتراف الجميع، اختلفت عن هبات 1920 و1921 و1929 في أنها حاربت إدارة الانتداب البريطاني جوهرياً، فلم يكن من الممكن أن تتفادى الاصطدام هنا وهناك بعناصر من الوطن القومي اليهودي الذي ارتبط في أذهان الجماهير بالإمبريالية البريطانية عن طريق سياسة قيادته الصهيونية وممارستها الموالية للإمبريالية والمعادية للجماهير العربية.

وتراكمت صعوبات أمام تفادي الاصطدامات بين قوى الثورة وعناصر من الوطن القومي اليهودي حين قذفت القيادة الصهيونية بقواها في المعركة ضد كفاح الشعب العربي الفلسطيني.

ويفتخر الصهيونيون بأنهم قاموا بدور فعال في محاربة الثورة، ويذكرون بالتحديد وبكبرياء ـ بالإضافة إلى تجنيدهم رجال الهاجاناة في البوليس الإضافي ـ الفرق اليهودية الضاربة، التي نظمها ودربها رجل الاستخبارات البريطاني الضابط أورد تشارلز وينجيت، وأطلق عليها أسم “الفرق الطائرة”، وكانت هذه الفرق قد أخذت على عاتقها حماية المنشآت البريطانية، وخاصة خطوط أنابيب النفط التابعة لشركة الاحتكار (آي.بي.سي) البريطانية، والتصدي لقوى الأنصار العربية حين يكون ذلك ممكناً.

ويعتقد أكثر من كاتب صهيوني أن “الفرق الطائرة” أو “فرق الليل الخاصة”، بمحاربتها الفرق العربية المسلحة غيرت الوضع في البلاد جذرياً في مصلحة بريطانيا. (تاريخ حركة العمال في إسرائيل ولتر بريوس ص126).

هذا على الصعيد العسكري أما على الصعيد الاقتصادي فقد تميزت هذه الفترة لا بتوطيد الوطن القومي اقتصادياً واجتماعياً بشكل عام فحسب بل بتخطيط إقامة المواقع الاستراتيجية على شكل مستوطنات زراعية عسكرية انتشرت في الجليل في الشمال حتى النقب في الجنوب.

كانت الصهيونية دائماً تختار مواقع المستوطنات اليهودية في الريف لمزاياها الحربية. ولكنها في عام 1936 بدأت تنفذ مخططاً مدروساً فأقامت ابتداء من عام 1936 حتى عام 1939، 55 مستوطنة اشتركت جميعها بمعلمين: الحائط الذي يطوقها وبرج المراقبة القائم في وسطها. وكان الهدف من ذلك تحويل المستوطنات إلى معسكر حربي (بوريس شتيرن في كتابه “الكيبوتس الذي كان” ص3).

وعلى الرغم من أن التمايز داخل الحركة الصهيونية قد أدى قبل اندلاع الثورة إلى انسلاخ غلاة الصهيونيين من جماعة حزب الإصلاح، بقيادة جابوتنسكي، عن المنظمة الصهيونية العالمية فالقيادة الصهيونية عامة انتهجت سياسة معادية لأماني الشعب العربي الفلسطيني ـ لا عسكرياً واقتصادياً فحسب بل سياسياً أيضاً بحيث سدت سبل التقارب بين الجانبين العربي واليهودي.

ولعل مقترحات التسوية التي عرضها بن غوريون على أحد رجال حركة القومية العربية موسى العلمي أبلغ دليل على هذا التوجه الصهيوني القائم على التطلع إلى التوسع الأكبر.

فبن غوريون ـ حسب ما أورده مخائيل بار زوهر في كتابه “النبي المسلح: سيرة حياة بن غوريون” اقترح على موسى العلمي في نهاية عام 1934 مساعدات اقتصادية كبيرة لتحسين الاقتصاد العربي بشرط قبول العرب بقيام دولة يهودية في فلسطين. وحين اعترض موسى العلمي على شمول الدولة اليهودية شرق الأردن على اعتبار أن شرق الأردن عربية قال بن غوريون: “إذا وافقتهم على توطين عدد غير محدود من اليهود في شرق الأردن فعندئذ من الممكن أن نتفق على ترتيب خاص حول شرق الأردن أما مؤقت أو دائم”.

وهكذا فحتى حين كان اليهود يؤلفون أقلية في فلسطين لا تتجاوز 400 ألف إنسان كانت الصهيونية “تدعو العرب إلى التفاهم”!! على قيام دولة يهودية في فلسطين وشرق الأردن وحرمان الشعب العربي الفلسطيني عملياً من حقوقه القومية في وطنه.

 

مواقف متناقضة

في 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 1936 وصلت لجنة التحقيق الملكية برئاسة أيرل بيل إلى فلسطين “لتتثبت” ـ كما جاء في براءة تعيينها ـ “من الأسباب الأساسية للاضطرابات التي نشبت في فلسطين في أوساط شهر نيسان (أبريل) ولتحقق في كيفية تنفيذ صك الانتداب في فلسطين إزاء التزامات المنتدبة نحو العرب ونحو اليهود”.

وعليها كذلك أن تبحث في ظلامات الجانبين حتى إذا اقتنعت بوجودها رفعت التواصي لإزالتها.

ومع أن اللجنة العربية العليا أعلنت مقاطعتها اللجنة في البداية بسبب إصدار الإدارة البريطانية تصاريح هجرة، إلا أنها عادت وشهدت أمام اللجنة تلبية لدعوة الملوك العرب!.

وفي عرضها القضية انطلقت اللجنة العربية العليا ـ التي قرأ رئيسها الحاج أمين الحسيني بيانها أمام لجنة التحقيق ـ من “أن القضية العربية في فلسطين هي قضية قومية استقلالية لا تختلف في جوهرها عن قضايا العرب في سائر البلاد العربية”.

ولذلك استخلصت اللجنة العربية، بعد أن استعرضت الكفاح العربي خلال الحرب العالمية الأولى، وخيبة أمل الجماهير العربية من جراء وعد بلفور، وأخطار الوطن القومي اليهودي على مستقبل الشعب العربي في فلسطين استخلصت ضرورة “العدول عن تجربة الوطن القومي اليهودي الفاشلة التي نشأت عن وعد بلفور وإعادة النظر في جميع الأمور التي نتجت عنها والتي ألحقت الأضرار والأخطار بكيان العرب وحقوقهم”. وطالبت اللجنة بوقف الهجرة ومنع انتقال الأراضي العربية إلى اليهود، وبحل القضية الفلسطينية “على الأسس التي حلت عليها قضايا العراق وسوريا ولبنان بإنهاء عهد الانتداب وعقد معاهدة بين بريطانيا وفلسطين تقوم بموجبها حكومة مستقلة وطنية ذات حكم دستوري تتمثل فيها جميع العناصر الوطنية ويضمن للجميع فيها العدل والتقدم والرفاهية. (فلسطين العربية بين الانتداب والصهيونية ـ عيسى السفري ص (182ـ190).

أما الموقف الصهيوني فقد عرضه أكثر من شاهد أمام اللجنة الملكية ولكن الشاهدين الرئيسيين كانا حاييم وايزمن، زعيم المنظمة الصهيونية وممثل القوى الجوهرية في الوطن القومي اليهودي في فلسطين، وزئيف جابو تنسكي، زعيم الإصلاحيين، الأقلية الصهيونية الأشد غلواء وعدوانية.

وفي شهادته أمام اللجنة الملكية كان جابو تنسكي صريحاً على غاية الصراحة.

لقد طالب بدولة يهودية بأكثرية يهودية في فلسطين وحدد فلسطين بالأقاليم القائمة على ضفتي نهر الأردن.

ولم يخف جابو تنسكي تصوره مشروع الوطن القومي اليهودي استيطاناً كولونيالياً لا يمكن أن يأخذ بعين الاعتبار رغبات المواطنين أو حقوقهم ولذلك خاطب لجنة التحقيق بهذه الكلمات:

“وأخيراً يجب اتخاذ إجراءات لتأمين الأمن. أن أمة مثل أمتكم تمتلك خبرة استيطان كولونيالي هائلة تدرك بالتأكيد أن الاستيطان الكولونيالي لا يتم بدون نزاعات مع السكان المحليين ولذلك فلابد من حماية البلاد”.

واقترح طبعاً أن تمكن الإدارة البريطانية في فلسطين اليهود من إقامة قوات مسلحة تستطيع حماية الأمن.

ونفى أن يؤدي مشروعه إلى اصطدامات مع الأقطار العربية المجاورة وأكد أن العرب سيغيرون رأيهم (في مقاومة الصهيونية) إذا بلغتهم بريطانيا الحقيقة (أي قرارها إقامة دولة يهودية) فعندئذ سيعم السلام.

طبعاً رفض أن يقوم مجلس تشريعي قبل أن يصبح اليهود أكثرية وأعلن أن لا حاجة لاستشارة العرب إذا قررت بريطانيا التخلي عن الانتداب، تماماً كما أعطت عصبة الأمم بريطانيا مسؤولية الانتداب وأصدرت هي وعد بلفور بدون الاهتمام بموقف العرب. (جواب إلى ايرنيست بيفن ـ الشهادة التي قدمها فلاديمير (زئيف) جابو تنسكي أمام لجنة التحقيق الملكية في شباط (فبراير) 1937).

أما وايزمن فقد قسم شهادته الشاملة إلى قسمين عالج في أحدهما “مبادئ الحركة الصهيونية الأساسية” وفي القسم الثاني، مطالب القضية اليهودية الملحة.

ولخص وايزمن نفسه تفسيره وعد بلفور أمام اللجنة فأعلن أن القصد منه كان الوحي بأن: بلاد العرب للعرب ويهودا (أي فلسطين) لليهود وأرمينيا للأرمن”.

ومضى وايزمن فوصف نشاطه في تلك الفترة وذكر أن اللجنة فاتحته سراً بفكرة التقسيم وبذلك فتحت أمامه ممكنات كبرى. وأضاف أنه استشار عدداً من المتدينين قائلاً لهم “أعرف أن الله وعد بفلسطين أبناء إسرائيل ولكني لا أعرف الحدود التي رسمها. أني أؤمن أنها أوسع من الحدود المقترحة ومن المحتمل أن تشمل شرق الأردن ـ ومع هذا فقد غضضنا النظر عن القسم الشرقي (شرقي الأردن ـ أ.ت) ويطلب منا الآن أن نتنازل عن بعض القسم الغربي (فلسطين المعروفة أيام الانتداب ـ أ.ت)، وإذا كان الله سيفي بوعده لشعبه في الوقت الذي يقرره فواجبنا نحن بني البشر الفقراء (إليه تعالي) الذين يعيشون في عصر صعب أن ننقذ وبقدر الإمكان ما يمكن إنقاذه من إسرائيل”.

وبذلك حدد وايزمن الفرق بينه وبين جابو تنسكي فالفرق لم يتناول الجوهر بل الأسلوب. ووايزمن الواقعي كان يعتقد أن الأفضل قيام دولة يهودية في قسم من فلسطين في البداية حتى تتوفر الظروف لإقامتها على رقعة أوسع “فالله سيفي بوعده في الوقت الذي يقرره”.

وأدخل وايزمن في شهادته ذلك الملمح الذي استغلته الصهيونية أشد الاستغلال، ملمح الدعوة لإنقاذ ملايين اليهود الذين يتهددهم خطر النازية.

وبذلك أكد وايزمن أن الصهيونية حتى في هذا الوقت المبكر من أواخر 1936 لم تخطط مقاومة النازية ولم تستنفر اليهود دفاعاً عن أنفسهم حيالها، بل استخدمت الخطر عليهم لتهجيرهم إلى فلسطين.

وأعرب عن موقف الإمبريالية البريطانية أحد دعاتها المعروفين هربرت سايد بوثام الذي قدم مذكرة إلى اللجنة الملكية أكد فيها بدون مواربة أهمية فلسطين في الاستراتيجية البريطانية. وكتب في مذكرته: ” مهما كانت الاعتبارات الاستراتيجية هامة إبان الحرب (العالمية الأولى) فقد تضاعفت أهميته كثيراً منذ ذلك الحين”.

وبعد أن لاحظ أخطار احتلال إيطاليا الحبشة على شريان المواصلات الإمبريالي (قناة السويس ـ أ.ت) قال أن هذا يستدعي تحويل فلسطين إلى معسكر. وأضاف أن تطوير الطيران يجعل فلسطين صلة الوصل الطبيعية في شبكة لمواصلات الجوية المدنية بين الشرق والغرب ويستدعي قيام قاعدة بحرية جوية تتحكم في البوابة المائية (السويس) التي تربط بين القارتين. وأكد : ” لو لم تأخذنا الحرب (العالمية الأولى) إلى فلسطين لكان وضع السلام المضطرب يجبرنا على الذهاب إليها”.

ونفى سايدبوثام في مذكرته أن تكون مصالح بريطانيا مرتبطة مع المسلمين (!) وفي هذا رد على الإمبرياليين الذين رأوا مصلحة الإمبريالية البريطانية في تعاون مع الرجعية العربية أو الإسلامية وأكد أن مصلحة الإمبريالية البريطانية في توطيد الوطن القومي اليهودي الذي لم لكن أمراً عابراً بل “حلفاً وثيقاً بين اليهود الصهيونيين والمصالح الإمبريالية البريطانية”.

ودعا سايدبوثام، بدون تحفظ إلى مساعدة الأصدقاء الصهيونيين وعدم تعويض أولئك الذين قاوموا سلطة الانتداب. (مصالح بريطانيا الإمبريالية في فلسطين بقلم هربت سايدبوثام صدر عام 1937).

 

قرار اللجنة الملكية

قسمت اللجنة الملكية تقريرها إلى قسمين: قسم ضمنته اقتراحاتها العينية في حالة بقاء الانتداب البريطاني بشأن الهجرة والحكم المحلي وسائر القضايا اليومية، وقسم دعت فيه إلى حل جذري اعتقاداً منها أنه لا سبيل آخر للخروج من الأزمة.

أما الحل الجذري فكان التقسيم على اعتبار أن من غير الممكن لأي من العنصرين حكم فلسطين بأسرها، وليس هناك ما يمنع أي (عنصر) منهما من تولي الحكم في قسم منها أن كان ذلك ممكناً، “فالتقسيم يفسح المجال لتوطيد السلام في النهاية، الأمر الذي لا يتيحه أي مشروع آخر”.

وتلخص مشروع اللجنة: بإنهاء الانتداب البريطاني، وبإقامة دولتين في فلسطين: عربية ويهودية، وباقتطاع أجزاء من البلاد ووضعها تحت سلطة الانتداب لحمايتها بوصفها أماكن مقدسة.

وكانت أبرز ملامح مشروع التقسيم:

· إقامة الدولة اليهودية في مناطق ساحل فلسطين حيث احتشدت المستوطنات اليهودية.

· إقامة الدولة العربية من القسم الفلسطيني المخصص للعرب وشرق الأردن المتاخم له.

· وضع الأماكن المقدسة: القدس ومنطقتها والناصرة ومنطقتها وطبريا وما جاورها تحت إشراف الدولة المنتدبة للمحافظة على قداستها وحرية الوصول إليها.

· فقد استهدفت إقامة دولة يهودية ترتبط عضوياً مع الإمبريالية البريطانية وتتلاحم مع استراتيجيتها المنطقية والعالمية.

· وفي الوقت ذاته استهدفت إقامة “قاعدة عربية”، بضم القسم العربي من فلسطين إلى إمارة شرق الأردن وتوطيد دولة يحكمها الأمير عبد الله الهاشمي داعية سوريا الكبرى (1).

· كما أنها أبقت لها، بحجة حماية الأماكن المقدسة، “جيوب” سيطرة، تستطيع الانطلاق منها لفرض إرادتها على دول المنطقة.

وتأكدت هذه الحقائق في بيان الحكومة البريطانية الرسمي، الذي أعقب التقرير، وأكد “انصياع” الإدارة البريطانية لمقترحاته.

وجاء في البيان الحكومي أن المشروع سيمكن العرب “من الحصول على استقلالهم الوطني والتعاون على قدم المساواة مع العرب في البلاد المجاورة” وذلك في كل ما يؤول إلى وحدة العرب ونجاحهم، كما أنه سيخلص العرب نهائياً من خوف تسلط اليهود عليهم” كما أنه سيؤدي إلى قيام وطن قومي يهودي لا يحتمل وقوعه تحت حكم عربي.

وأثار التقرير موجة احتجاج عارمة ودفع الحركة القومية العربية إلى مرحلة جديدة. وكانت القضية الجوهرية:” ماذا سيكون بعد التقرير”.

هوامش

1. عملت بريطانيا على تنفيذ مشروع سوريا الكبرى تحت إشراف الأمير عبد الله لأنها رأت فيه طريقة لمد نفوذها إلى سوريا ولبنان ولإقامة دولة تتحكم بها عن طريق أميرها العميل في منطقة الشرق الأوسط.

 

المصدر:

ايميل توما، جذور القضية الفلسطينية (الأعمال الكاملة) المجلد الرابع، حيفا 1995.