لاحظنا أن نشوب ثورة 1936 في فلسطين كان امتدادا لنهوض حركات التحرر القومي في أنحاء العالم العربي، ولذلك فجدير هنا أن نذكر صدور قرار التقسيم كان في وقت حققت فيه بعض هذه الحركات إنجازات قومية هامة نسبيا.

ففي العراق كانت في الحكم حكومة حكمت سليمان التي تميزت ببعض الملامح الإيجابية المعادية للإمبريالية. كما قامت حكومات قومية في كل من سوريا ولبنان في أعقاب اتفاقات عام 1936 مع حكومة الجبهة الشعبية في فرنسا. أما في مصر فحكومة الوفد، وقد وقعت اتفاق عام 1936، تمتعت بتأييد شعبي وكانت أقدر من غيرها على التجاوب مع الحركات القومية العربية.

ثم أن مصر في هذه الفترة كما كتب داعية العروبة ساطع الحصري، كانت قد اكتشفت عروبتها ونشطت في حركة النضال العربي.

وانعكست حركة التضامن العربي في أصداء التقسيم في العالم العربي. زعامات الحكومات العربية في مصر وسوريا والعراق نددوا بالمشروع ودعوا كما دعا حكمت سليمان رئيس وزراء العراق إلى تأليف حكومة عربية في فلسطين على أسس ديمقراطية يكون دستورها كدستور العراق يؤلف بين العناصر ويحفظ حقوقهم.

وأبرزت الحكومة السورية في مذكرتها إلى قناصل الدول في 21/7/1937 أن التقسيم سيؤدي إلى جلاء العرب عن بلادهم، وستستمر الخصومات ويضطرب حبل الأمن في الشرق العربي. وأضافت أن ذلك يقلق سوريا وبلاد العرب ولهذا فهي تدعو إلى حل عادل يضمن وحدة البلاد. (الدولة العربية المتحدة- الجزء الثالث- أمين سعيد ص585- 586).

أما رئيس وزراء مصر مصطفى النحاس فقد أكد أن حكومته تحرص على توطيد صلات الود والإخاء وتبادل المنافع التي تربط بين مصر وبين الشعوب العربية، ولذلك هي تتابع باهتمام ما يجري في فلسطين. (المصدر ذاته) 593.

أما في الأقطار العربي الواقعة مباشرة في قبضة الإمبريالية الفرنسية مثل تونس والمغرب الأقصى والجزائر، فقد قامت الحركات القومية باستنكار التقسيم وجمع التبرعات لدعم النضال العربي في فلسطين (المصدر ذاته ص 593).

كما دعت اللجنة الوطنية لمناصرة فلسطين والبلاد المقدسة في المغرب الأقصى إلى التماثل مع الشعب العربي الفلسطيني، فتجاوبت معها الجماهير وتظاهرت في شتى المدن احتجاجا على التقسيم “وتمسكا بمبدأ الوحدة العربية” (المصدر ذاته ص 594).

كما دعت اللجنة الوطنية لمناصرة فلسطين والبلاد المقدسة في المغرب الأقصى إلى التماثل مع الشعب العربي الفلسطيني، فتجاوبت معها الجماهير وتظاهرت في شتى المدن احتجاجا على التقسيم “وتمسكا بمبدأ الوحدة العربية” (المصدر ذاته ص 594).

وتجسمت حركة التضامن على الصعيد العربي العام تنظيميا في مؤتمر بلودان (بجوار دمشق) الذي عقد في 8 أيلول (سبتمبر) 1937 بحضور 400 ممثل من مختلف الأقطار العربية وقرر:

“إن فلسطين بلاد عربية وأن واجب العرب إنقاذ هذا القطر من الخطر المحدق به… وهو يستنكر فكرة التقسيم ويؤكد أن القضية يمكن أن تحل على أساس إلغاء الانتداب ووعد بلفور وعقد معاهدة بين بريطانيا وممثلي العرب (!) في فلسطين على غرار المعاهدة العراقية”.

كذلك أعلن:

“يتعهد العرب في فلسطين بأن يعامل اليهود كما تعامل الأقليات في جميع البلاد التي تطبق فيها مبادئ عصبة الأمم” (المصدر ذاته 711- 714).

وكان مؤتمر بلودان مؤتمر على الصعيد الشعبي، أما على الصعيد الرسمي فقد عقد في صيف 1938، بمبادئ من لجنة برلمانية مصرية، مؤتمر برلماني عربي في القاهرة اشترك فيه نواب وشيوخ من برلمانات مصر والعراق وسوريا ولبنان ينتسبون إلى مختلف الأحزاب، كما اشترك فيه ممثلو الحركة القومية في المغرب الأقصى وآخر من فلسطين، وقرر المؤتمر تأييد مطالب الحركة القومية العربية في فلسطين وميثاقها: تأليف حكومة قومية مستقلة ووقف الهجرة ومنع بيوع الأراضي. (حول الحركة العربية الحديثة- الجزء الثالث- محمد عزة دروزة ص 214).

وسجلت حركة النساء في العالم العربي في هذه الفترة من نهوض حركة التضامن العربي نجاحا جديا بعقدها مؤتمرا نسائيا حضرته ممثلات من المنظمات النسائية في مصر وسوريا ولبنان وفلسطين وشرقي الأردن والعراق، واستنكر المظالم البريطانية في فلسطين وأيد الميثاق القومي.

وهنا لا بد من وقفة عند سياسة الأمير عبد الله أمير شرق الأردن (بنعمة بريطانيا كما كانت تكتب بعض الصحف الوطنية).

كتب أمين سعيد في كتابه الدولة العربية المتحدة:

“لزمت حكومة شرق الأردن الصمت إزاء مشروع التقسيم فلم تبد رأيها فيه ولم تسمح لأنصارها بإبداء رأيهم، فكان سكوتها سببا في رواج إشاعات مفادها أن هناك اتفاقا بين حكومة الأردن وحكومة فلسطين على تنصيب سمو الأمير عبد الله ملكا على الدولة العربية الجديدة التي تنشأ في حالة تنفيذ مشروع التقسيم وضم الجزء الذي يبقى للعرب إلى شرق الأردن”. (الجزء الثالث ص 591).

وفعلا كان هناك اتجاه واضح لتنفيذ هذا المخطط باعتباره الحل الأفضل لتوطيد مواقع الإمبريالية البريطانية في المنطقة، فالأمير عبد الله كان مغاليا في ولائه لبريطانيا وكان المتوقع منه أن يصفي الحركة القومية العربية المعادية للإمبريالية في فلسطين.

وإزاء هذا المخطط ظهر أن من عوامل مقاومة التقسيم في بعض المحافل العربية تخوف السعوديين من ازدياد قوة الهاشميين الذين كانوا يحكمون العراق وشرقي الأردن.

لقد نشب الصراع السعودي- الهاشمي في أعقاب الحرب العالمية الأولى وانتهى بانتصار السعوديين على الهاشميين في الحجاز وطردهم إياهم من شبه الجزيرة العربية.

ومع هذا ففي هذه الفترة كان هذا الصراع قد بدأ يتخذ طابعا آخر أضفاه عليه نمو التناقض الإمبريالي وتعدد جوانبه.

ففي سنوات الثلاثينيات المتأخرة لم يعد الصراع يقتصر في منطقة الشرق الأوسط على الدولتين بريطانيا وفرنسا بل بدأ يشمل الولايات المتحدة.

فالاحتكارات الأمريكية كانت قد تسربت إلى شبه الجزيرة العربية ونتيجة لاكتشافها النفط في المملكة السعودية بدأت تمارس نفوذا سياسيا فيها مما عمق الصراع السعودي الهاشمي إذ تجاوبت في أصداء الصراع الأنجلو الأمريكي الذي كان يشتد مع الأيام خصوصا وأن الأمير عبد الله يم يكن يتحفظ في ولائه للإمبريالية البريطانية.

ولكن الجماهير في شرقي الأردن تحركت في اتجاه معاكس وأعربت عن تأييدها الشعب العربي في فلسطين بمظاهرات جرت في أكثر من مدينة وفي مناسبات عدة… كما أن عددا من الثوريين فجروا أنابيب بترول شركة نفط العراق التي كانت تمر في أراضيهم (حول الوحدة العربية محمد عزة دروزة- الجزء الثالث ص 215- 216).

ورسمت حركة التضامن في العالم العربي مع الشعب العربي في فلسطين خطا فاصلا بين الصهيونية وجماهير الطوائف اليهودية التي تعيش في الأقطار العربية ولذلك لم تشهد هذه الأقطار تجاوزات على حقوق المواطنين فيها أو اعتداء عنصريا عليهم.

 

الحركة القومية العربية في فلسطين

في عشية إصدار توصيات التقسيم انسحب ممثلو حزب الدفاع من الهيئة العربية العليا وفي البيان الذي أصدره في 3/7/1937 احتج الحزب على الاغتيالات السياسية التي كانت قد بدأت تتفشى في البلاد وأعلن أنها تقسم الجماهير. وكان واضحا أن حزب الدفاع يتهم قيادة الهيئة العربية العليا وخاصة المفتي الحاج أمين الحسيني رئيسها، بتنظيم تلك الاغتيالات التي قضت على بعض رجال الحزب.

ولكن دلائل عديدة منها توقيت الانسحاب ونشاط رجال الحزب إبان الثورة أوحت آنذاك أن قادة حزب الدفاع، الذين جرفهم تيار الحركة القومية الثوري في عام 1936، فانتسبوا إلى الجبهة القومية التقليدية، كانوا على علم بتوصيات التقسيم، ويوصفهم مهادنين للإمبريالية البريطانية استعدوا للسير معها في مخطط إقامة دولة عربية جديدة من شرق الأردن والقسم العربي في فلسطين بزعامة الملك عبد الله.

وجسم انسحاب حزب الدفاع من الهيئة العليا تنظيميا من جديد تجزئة الحركة القومية العربية التي توحدت، بفضل ضغوط الجماهير، في جبهة موحدة اتخذت الهيئة العربية العليا شكلا لها.

ومع هذا لم يستطع قادة حزب الدفاع في اللحظة الحاسمة الخروج علنا بتأييد مقترحات التقسيم، بل أصدروا بيانا أعلنوا فيه أنهم قرروا بالإجماع رفض مشروع تقسيم فلسطين لأنه يعارض آمال الأمة ويضر بمصالحها ويمزق وحدتها ويهدم كيانها. وهم سيواصلون “السعي لاستقلال فلسطين استقلالا يكفل السيادة العربية…” (الدولة العربية المتحدة- الجزء الثالث- أمين سعيد ص 580).

وعلى أساس الوثائق يمكن القول أن الحركة القومية بكافة اتجاهاتها رفضت علنا مشروع التقسيم. أما الهيئة العربية العليا فرفضته في بيان إذاعته في 9/7/1937 وأكدت فيه أن “هذه البلاد لا تخص عرب فلسطين بل العالمين العربي والإسلامي قاطبة” (ص 579 المصدر ذاته ولهذا فعليهم تقع المسؤولية ومعهم يجب أن تجري المشاورات.

وتجددت الثورة المسلحة بعنف أشد، واتسعت اتساعا كبيرا في عام 1938 بحيث اضطرت الحكومة البريطانية إلى استخدام الطائرات والدبابات ومختلف أنواع المدفعية لقمعها.

وقد نجحت الثورة في تحرير بعض المدن والمناطق لفترة قصيرة وأقامت فيها إدارات محلية، حتى القضاء انتقل إلى أيدي محاكم أقامتها قيادة الثورة.

ومن المدن التي تحررت لفترة قصيرة نابلس وجنين وطولكرم والقدس وبعض ضواحيها.

وكتب في هذا الصدد محمد عزة دروزة في كتابه “حول الحركة العربية الحديثة”: “وقد جاء يوم اضطرت السلطات إلى نفض يدها من الحكم داخل المدينتين نابلس والخليل بل وإلغاء المحاكم في نابلس ونقل ملفاتها إلى الثكنة العسكرية خارج المدينة” (الجزء الثالث ص 201).

وامتازت الثورة بعمق جذورها بين الفلاحين والفئات الشعبية، فهؤلاء مدوها بالقوى المحاربة.

وهذا ما ذكره دروزه أيضا حين كتب: أن القرويين كانوا عماد الحركة الثورية وإن كان بعض المدنيين (سكان المدن)، والمثقفين اشتركوا فيها.

وحتى بن غوريون لاحظ أن طابع الثورة تغير فكتب في 3/8/1938 مقالا بعنوان “على ثلاث جبهات” أنه في حين كانت “حركة الإرهاب”!! (هكذا يصف الصهيونيون الثورة القومية” في البداية من صنع عناصر جاءوا من العراق وسوريا إلى فلسطين، امتازت الفترة الثانية بمشاركة المواطنين العرب الفلسطينيين في المعركة بشكل حاسم. (“إعادة ولادة إسرائيل ومصيرها”، بن غوريون ص 90).

وجاء في تقرير الحكومة البريطانية إلى لجنة التحقيق الأنجلو أمريكية في نهاية 1945 أن حوادث العنف على أنواعها من معارك في الجبال إلى اغتيالات في المدن بلغت 5708 حوادث في عام 1938 منها 986 هجوما على البوليس والجيش و720 هجوما على المواصلات البرية و341 حادثة تخريب في السكك الحديدية و10 حوادث تفجير في أنابيب شركة نفط العراق التي نقلت النفط من العراق إلى مصنع التكرير في حيفا وشاطئ البحر الأبيض المتوسط، و430 اغتيالا ومحاولة اغتيال. ويذكر التقرير 651 حادثة هجوم على المستوطنات والأحياء اليهودية ولكن هذه الحوادث في كثير من الأحيان كانت اصطدامات يهودية عربية نجمت عن نشاط منظمة الدفاع الصهيونية التي عرفت “بالهجاناه”. وكما ذكرنا فقد أقامت السلطات “الفرق الطائرة” أو فرق الليل الخاصة من “الهاجاناه” بقيادة رجل الاستخبارات البريطاني وهذه أخذت على عاتقها واجب حماية المنشآت البريطانية ولذلك سببت بنشاطها حوادث اصطدامات يهودية- عربية دخلت في التقرير بوصفها هجومات على مستوطنات وأحياء يهودية. كما دخلت كرات الجيش والبوليس على القرى العربية والاصطدامات الناجمة عن ذلك في باب هجومات على الجيش والبوليس… (ص 46).

هذا لا يعني أن قوات الأنصار العربية المسلحة لم تهاجم المستوطنات إنما يعني أن الثورة ركزت نارها جوهريا على مواقع الإمبريالية البريطانية ولم تكن احترابا يهوديا- عربيا بغض النظر عن وجود انحراف في الحركة القومية العربية حاول أن يجعلها كذلك انزلاقا وراء سياسة الإمبريالية “فرق تسد”.

ولا بد من القول أن قيادة الحركة الصهيونية التي أعلنت في بداية الثورة سياسة “ضبط النفس” لم “تضبط نفسها” بل حركت قواتها “وقامت بإجراءات فعالة من التدخل والرد” (حركة العمال الإسرائيلية ولتر بريوس ص128″). وهذا ينفي مزاعم القيادة الصهيونية أن حوادث تفجير القنابل في أسواق حيفا والقدس ويافا في تموز (يوليو) 1938 التي أودت بحياة عشرات المواطنين العرب كانت من أعمال المتطرفين”!!

وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلى نشاط الصهيونية المحمومة في تشويه سمعة الحركة القومية العربية في فلسطين على الصعيد الدولي لإخفاء حقيقة المعركة القومية التحررية.

ومن وايزمن زعيم الحركة الصهيونية آنذاك حتى أصغر داعية انطلقت التصريحات تؤكد أن الثورة عبارة عن مرتزقة تمولهم الأموال الإيطالية (التجربة والخطأ- وايزمن ص 391).

ورد القوميون العرب على هذا التزييف، ومنهم من انتقد بصراحة الإجراءات المؤسفة (الإجرامية في بعض الأحيان) التي وقعت خلال الثورة- وهي تقع في بداهة في أغلب الثورات. وبذلك وضعوا الثورة في إطارها الحقيقي بوصفها حركة هزت الجماهير إلى الأعماق وكانت فورة شعبية واعية.

ولكن ذلك لا ينفي أن جناحا في قيادة الثورة وقف على رأسه المفتي الحاج أمين الحسيني كان قد انحاز في تلك الفترة إلى المحور الألماني- الإيطالي. وهذا الجناح في القيادة قام بذلك إما بدافع العمالة وإما اعتقادا منه أن “المصلحة القومية”! تتطلب التحالف مع أعداء الإمبريالية البريطانية.

ولكن وصف الثورة “بالعمالة” كان تجنيا على الواقع وتشويها للشعب العربي الفلسطيني الذي كان يحارب لا من أجل إيطاليا أو ألمانيا بل من أجل استقلاله، بل لقد كانت عواطف الشعب العربي في عام 1935 مع الحبشة المطلوبة التي حاربت الغزو الفاشي الإيطالي.

وقد استمرت الثورة خلال مرحلتها الثانية رغم هجوم السلطات البريطانية العنيف على الحركة القومية وتشديد إجراءات القمع التي انتهجتها.

وهكذا في هذه الفترة أعلنت السلطات (في 1 تشرين الأول (أكتوبر) 1937) الهيئة العربية العليا واللجان القومية هيئات غير مشروعة واعتقلت المئات ونفت إلى سيشل عددا من أعضاء الهيئة العليا والزعماء البارزين، وهم أحمد حلمي باشا والدكتور حسين الخالدي وفؤاد سابا ورشيد الحاج إبراهيم ويعقوب الغصين، أما المفتي وجمال الحسيني فقد فرا من البلاد. (التقرير ص 42).

كذلك أقامت السلطات محاكم عسكرية في 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 1937 أصدرت أحكاما مجرمة بحق النشيطين في الثورة ونفذت حكم الإعدام خلال سنتي 1937 و1938 بأكثر من 100 عربي (التقرير ص 46 و49).

 

موقف القيادة الصهيونية

لقد انطلقت القيادة الصهيونية عند تحديد موقفها من التقسيم من منطلقين هامين أولهما شعورها بضرورة تحقيق السيادة اليهودية. فالسيادة أو إقامة دولة يهودية في فلسطين هي العنصر الجوهري في البناء الإيديولوجي الصهيوني. ولذلك كان بديهيا أن ترحب القيادة الصهيونية بالفرصة المواتية لتحقيقها حتى في جزء من “أرض الميعاد” سيكون بمثابة خطوة أولى نحو تحويل فلسطين كلها إلى دولة يهودية. ولهذا في حين صرح بن غوريون آنذاك “أرض إسرائيل لا تتجزأ” صرح وايزمن “أن النقب لن يفر”. (إسرائيل على مفترق الطرق- كريستوفر سايكس ص 212- 213).

ثانيهما: أن التعاون مع بريطانيا يؤلف، بإصلاح وايزمن، حجر الأساس في السياسة الصهيونية. (كتابه التجربة والخطأ ص 393).

وهذا كان يحمل في ثناياه استعداد القيادة الصهيونية على ربط مصيرها بالإمبريالية البريطانية وتقديم القوات الصهيونية المسلحة للمساهمة في معركتها.

وأوحى بذلك وايزمن في رسالته في نيسان (أبريل) 1938 إلى وزير المستعمرات آنذاك أورمبسي جور معلنا عن وجود 40 ألف مقاتل (في الهجاناه) (المصدر ذاته ص 396).

ولكن ارتباط القيادة الصهيونية المقررة آنذاك بالإمبريالية البريطانية لم يلغ وجود تيار يرغب في جذب المنظمة الصهيونية ومشروعها في فلسطين إلى جانب الإمبريالية الأمريكية التي كانت قد بدأت تتسرب إلى الشرق الأوسط.

وهذا ما ظهر في المؤتمر الصهيوني العشرين الذي عقد بين 3 و17 آب (أغسطس) 1937 في بال، سويسرة. آنذاك كان بين مقاومي دعوة وايزمن لقبول قرار التقسيم الوفد الأمريكي (التجربة والخطأ ص 396) الذي كان يهاجم البريطانيين على أنهم خانوا الأمانة ولم يفوا بما وعدوا به في تحويل فلسطين كلها إلى وطن قومي يهودي. ومع هذا لم يرفض المؤتمر فكرة التقسيم بل أعلن أن تقرير اللجنة الملكية اعترف ضمنا بأن غاية الانتداب الأساسية هي تأييد إنشاء الوطن القومي اليهودي في بقعة كان مفهوما عند إعطاء تصريح بلفور أنها تشمل فلسطين التاريخية كلها بما فيها شرق الأردن.

وأكد المؤتمر من جديد “الرابطة التاريخية” التي تربط الشعب اليهودي بفلسطين، ثم لام حكومة الانتداب بسبب ترددها في تنفيذ نصوص الانتداب، وخلص إلى القول:

“يعلن المؤتمر أن مشروع التقسيم كما قدمته اللجنة الملكية غير مقبول. ويخول المؤتمر اللجنة التنفيذية لتدخل في مفاوضات بهدف معرفة الشروط الدقيقة التي تقترحها حكومة جلالته من أجل إقامة دولة يهودية”.

“وعلى اللجنة التنفيذية في مثل هذه المفاوضات أن لا ترتبط بشيء لا باسمها ولا باسم المنظمة الصهيونية… وفي حالة وضع مشروع محدد لإقامة دولة يهودية فعندئذ يعرض هذا المشروع على مؤتمر منتخب جديد للبث فيه” (التجربة والخطأ ص 387).

ومن الواضح آنذاك أن القوى المقررة في المنظمة الصهيونية نجحت في أخذ موافقة منظمتها على مشروع تقسيم فلسطين أملت في أن يكون أفضل من المشروع الذي اقترحته اللجنة الملكية.

وهذا لا يخفف من أهمية معارضة الإصلاحيين، سلف حيروت، (بقيادة جابوتنسكي) التقسيم انطلاقا من إيديولوجيتهم المغالية في التطرف القائمة على دولة يهودية في “أرض الميعاد” على ضفتي نهر الأردن.

وأثرت دعوة الإصلاحيين حتى في بعض العناصر من القيادة الصهيونية الموالية لبريطانيا فدعت إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين كلها (مناحم أوسيشكين مثلا) وكان الخلاف بينها وبين القيادة المقررة بزعامة وايزمن، لا في الأهداف بل حول الطرق، فوايزمن كان يعتقد بالمراحل على اعتبار أن “النقب لن يفر” ومن الممكن أن تمتد الدولة فيما بعد إلى خارج الحدود المقررة لها.

 

المحافل الإمبريالية البريطانية

ويصح القول أن الإمبريالية البريطانية، وقد كانت في وضع حرج على الصعيد الدولي كما أوضحنا، رأت أن الانتداب لم يعد يصلح لمواصلة تحكمها في فلسطين، ولذلك لم تخف أن هذا النظام لم يعد قابلا للتنفيذ- أو غير عملي حسب تقرير لجنة بيل- (التجربة والخطأ ص 389) ولهذا قدرت أن التقسيم قد يكون الشكل الأفضل لكسب “ولاء” الطرفين: اليهودي والعربي وضمان وجودها حماية لمصالحها الإمبراطورية.

وهذا ما شرحه اللورد ستركاند عند مناقشة المشروع في مجلس اللوردات، قال: من المهم أن تحتفظ بريطانيا بأجزاء من فلسطين لتكون هنالك وقاية للبواخر المارة في البحر المتوسط إلى البحر الأحمر.

وأضاف: أن امتياز قناة السويس ينتهي في هذا الجيل والخطط والمشروعات موجودة فعلا لفتح قناة جديدة على موازاتها (اقترحت ذلك بعض العناصر الإسرائيلية عام 1967)، وفي مشروع التقسيم يجب أن تبقى الصحراء بأيد بريطانيا (النقب- أ. ت) فهي، وإن لم تكن هناك فائدة منها الآن لبريطانيا. فأن قيمتها في المستقبل قد لا تقدر بثمن (1).

ولكن من الصعب القول أن المحافل الإمبريالية البريطانية كانت متفقة حول الخطة التي يجب إتباعها لضمان المصالح الإمبريالية.

فونستون تشرشل دعا إلى تساهل الطرفين والتريث في الأمر واللجوء إلى عصبة الأمم على اعتبار أن حفظ السلام بين الدولتين المقترحتين لن يكون سهلا.

أما اللورد بيل فقد حدد ملابسات القضية وتعقيدها الناجم عن ارتباط العرب في فلسطين بالعالم العربي وتأثرهم به. وانعزالية اليهود واستحالة خلق جنسية (قومية) فلسطينية توحد بين الشعبين ومزاحمة اليهود العرب بأساليبهم الحديثة مما يجعل التقسيم حلا أفضل لأنه يحقق للشعبين حكما مستقبلا.

وأعرب اللورد هربترت صموئيل أول مندوب سام في فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى وقيام الانتداب البريطاني فيها عن تفكير محافل إمبريالية وصهيونية واسعة حين رفض مشروع التقسيم وقال: إن الواجب على انجلترا بموافقة فرنسا أن تشجع على إنشاء مجموعة عربية كبرى متحالفة تبذل لها فلسطين المعاونة الاقتصادية كما أن على العرب أن يرضوا بان يشترك العرب واليهود معا في تعمير شرق الأردن. (2). (هذه الموافق لخصناها عن كتاب أمين سعيد الدولة العربية المتحدة- الجزء الثالث ص 595- 608 بعد أن قارناها مع غيرها من المصادر الأجنبية”).

 

التراجع عن التقسيم وإصدار الكتاب الأبيض

وتجاوبت لجنة سير جون ودهيد التي ألفت الحكومة البريطانية لتحديد وسائل تحقيق التقسيم وشكله مع النقاش الذي دار في البرلمان البريطاني، فأعلنت بعد أن زارت فلسطين بين نيسان (ابريل) وتموز (يوليو) 1938 أن التقسيم غير عملي ولا يمكن تنفيذه وبذلك فتحت الطريق أمام الحكومة البريطانية لتقرر سياستها حسب المصالح الإمبريالية المعروفة.

واجتمع الأمير عبد الله، وقد أدرك أن مشروع التقسيم سابق لأوانه، بلجنة ودهيد وفند أمامها فكرة التقسيم وقدم لها “مشروعا مفصلا لدولة موحدة تضم شرق الأردن وفلسطين على أن يكون لليهود فيها استقلالهم الذاتي في مناطقهم مع مشاركتهم بنسبة عددهم في مؤسسات الدولة المركزية وان يكون لهم الحق بهجرة محدودة بنسبة معقولة إلى هذه المناطق”! الحركة العربية الحديثة محمد عزة دروزة- الجزء الثالث ص- 223).

وتخلت الحكومة البريطانية عن التقسيم حال إعلان لجنة ودهيد تقريرها في تشرين الثاني (نوفمبر) 1938، اعتقادا منها أن التقسيم في ظروف اشتداد عدوانية المحور النازي- الفاشي يؤلف خطرا على مصالحها في العالم العربي الذي هب يعارض التقسيم.

ولهذا ليس تجنبا على الحقيقة القول أن تجدد الثورة العربية في فلسطين احتجاجا على التقسيم وعلى مجموع سياسة الانتداب البريطاني أسهم إسهاما جوهريا في تجميد مشروع التقسيم ولو مؤقتا.

ومرة أخرى اقترحت بريطانيا إجراء مفاوضات ثلاثية- ثنائية، ثلاثية بمعنى أن أطرافها ثلاثة: بريطانيا والقيادة العربية والقيادة الصهيونية، وثنائية بمعنى أن الأطراف الثلاثة لا يجلسون حول مائدة واحدة، بل تجري المفاوضات بين ممثلي بريطانيا وقيادة الحركة القومية العربية من ناحية وبين ممثلي بريطانيا والقيادة الصهيونية من ناحية ثانية.

ويعتقد الكاتب كريستوفر سايكس في كتابه “إسرائيل على مفترق الطريق” أن بريطانيا دعت إلى هذا المؤتمر (الذي عقد في شباط- آذار 1939) وهي عارفة أنه سيخفق لتتذرع بإخفاقه لفرض حلولها. (ص 233).

وتجسمت في هذا المؤتمر حصيلة التطور في المنطقة… فقد دعت بريطانيا لحضور المؤتمر حكومات الدول العربية في المنطقة واشتركت في مؤتمر فعلا حكومات العراق ومصر والعربية السعودية واليمن… أما سوريا ولبنان فأهملت بريطانيا دعوتهما تجنبا للاحتكاك بفرنسا.

طبعا من الناحية الثانية كانت الوكالة اليهودية التي بعثت بوفدها إلى المؤتمر. تمثل لا يهود فلسطين فحسب بل منظمات صهيونية دولية تزعم أن وعد بلفور كان للشعب اليهودي بأسره وأن هذا الشعب يطالب بحقوقه في فلسطين وأن حكومة الانتداب البريطانية مسؤولة أمام الطوائف اليهودية عامة عن ذلك.

وأخفق المؤتمر فعلا.

واعتقد القادة العرب أن بريطانيا “قبلت بوجهة نظرهم”! الداعية إلى إنهاء الانتداب وتأسيس حكومة فلسطينية مستقلة ترتبط بمعاهدة مع بريطانيا. (حول الحركة العربية الحديثة- الجزء الثالث محمد عزة دروزة ص 235- 236).

وأجرت بريطانيا اتصالات مع ممثلي الطرفين وأصدرت الكتاب الأبيض في أيار (مايو) عام 1939.

لقد كان الكتاب الأبيض لعام 1939 عودة إلى الكتاب الأبيض لعام 1922 الذي أعلنت فيه بريطانيا أنها لا تفهم من عبارة إنشاء وطن قومي يهودي التي جاءت في وعد بلفور ونظام الانتداب تحويل فلسطين إلى دولة يهودية.

وأعلنت بريطانيا أنها ترى واجبها في قيام دولة فلسطينية في النهاية ولذلك جاء في الكتاب الأبيض.

“إن تشكيل دولة مستقلة في فلسطين والتخلي التام عن رقابة الانتداب فيها يتطلبان نشوء علاقات ما بين العرب واليهود من شأنها أن تجعل حكم البلاد صالحا في حيز الإمكان”, أما نمو مؤسسات الحكم الذاتي فيجب أن تسير على قاعدة النشوء والارتقاء.

وعينيا اقترحت بريطانيا في كتابها الأبيض:

· أن تحتفظ بريطانيا بسلطتها التامة في فلسطين في فترة الانتقال بين الانتداب والاستقلال.

· خلال عشر سنوات تقوم حكومة مستقلة ترتبط مع المملكة المتحدة (بريطانيا) بمعاهدة تضمن للقطرين تطلباتهما التجارية والحربية في المستقبل ضمانا مرضيا”.

· ستنفذ بريطانيا المشروع “رضي اليهود والعرب أم لم يرضوا”.

أما بشأن الهجرة فقد أعلن الكتاب الأبيض أن القدرة الاقتصادية على الاستيعاب لن تكون العامل المقرر في تقرير الهجرة، فهناك أيضا مخاوف العرب، ولذلك اقترح إدخال 50 ألف مهاجر بمعدل 10 آلاف مهاجر سنويا خلال خمس سنوات يضاف إلى ذلك إدخال 25 ألف لاجئ يهودي يفرون من الاضطهاد، وبعد ذلك تكون الهجرة بموافقة العرب.

أما بشأن الأراضي فقد قرر الكتاب الأبيض تخويل المندوب السامي صلاحيات تنظيم انتقال الأراضي (أو منعه) إلى المنظمات الصهيونية على ضوء حالة المزارعين العرب.

 

أصداء الكتاب الأبيض

لقد سارع محمد محمود رئيس وزراء مصر آنذاك، ومن العناصر المعروفة بمهادنتها الإمبريالية البريطانية، إلى التصريح غداة صدور الكتاب الأبيض بأنه “لا يستطيع أن ينصح عرب فلسطين بالرضاء به”. كما وقفت الحكومة العراقية والملك سعود موقف مماثلا. (حول الحركة العربية الحديثة- ج 3- دروزة- 339).

وبدأ يتضح أن هؤلاء الحكام العرب المشبوهين إنما يتاجرون بالقضية الفلسطينية لكسب تأييد جماهيرهم ولاستخدام ذلك في الصراع الدائر بين تكتلاتهم.

أما الهيئة العربية العليا فأصدرت بيانا سجلت فيه على الحكومة الإنجليزية تسليمها نظريا بمطالب العرب وانتقدتها على الغموض في النصوص وعلى تعليقها إنهاء الانتداب وتأسيس الدولة الفلسطينية على رضاء اليهود ورغبتهم في الاندماج في الخطة الاستقلالية مؤكدة أن اليهود سيعملون كل ما يستطيعون على عكس ذلك لإحباط هذه الخطط (المصدر ذاته ص 239).

أما القوى الديمقراطية فقد رأت في الكتاب الأبيض لعام 1939 نجاحا حققته تضحيات الجماهير ودعت إلى القبول به بوصفه خطوة على الطريق التحريري.

ولاحظت هذه القوى أن الجماهير العربية أرهقها النضال الثوري منذ عام 1936 وكان لا بد لها من أن تتراجع بانتظام في ظروف نجاحات جزئية حتى تكون أقدر على الكر من جديد.

ومن الممكن القول أن مجرد التخلي عن التقسيم ودعوة قادة الحركة القومية العربية إلى المفاوضات كان لحظة مناسبة لوقف الكفاح المسلح بانتظام.

وعلى هذا الضوء لم يكن من قبيل المصادفة أن النشاط الثوري هبط بعد الكتاب الأبيض على الرغم من أن القيادة القومية دعت إلى مواصلته.

ويسود الاعتقاد أن الثورة في الربع الأخير من عام 1938 تدهورت تنظيميا وسياسيا وفقدت قاعدتها الجماهيرية والحماس الذي رافقها في بدايتها. ولقد كانت القيادة المقررة تحاول المد بحياة الثورة اصطناعيا واستخدمت في سبيل ذلك أسلوب الاغتيالات التعسفية التي مزقت الوحدة القومية التي تجلت في عامي 1936 و1937- المرحلة الأولى من الثورة والقسم الأكبر من عام 1938- المرحلة الثانية في الثورة.

إن محاولة مد الثورة بالاغتيالات لم يمثل مصلحة قومية إنما عبر عن مصلحة الدول المحورية (ألمانيا وإيطاليا) التي كانت ترغب في خلق المصاعب وتكديسها أمام الإمبريالية البريطانية المنافسة.

ولكن هذه “الثورة الاصطناعية” تبددت شيئا فشيئا لعدم وجود جذور لها وتوقفت عند نشوب الحرب العالمية الثانية.

ويسند موقف الديمقراطيين المؤرخ محمد عزة دورزة- الذي كان أيضا قائدا قوميا- فكتب أن الكتاب الأبيض ماشي الميثاق العربي شوطا غير يسير، وان قبول الإنجليز بمبدأ قيام دولة فلسطينية بأكثرية عربية كان نجاحا عظيما وأن الكفاح العربي تكلل بالنجاح (المصدر ذاته ص 240).

واحتجت القيادة الصهيونية احتجاجا شديد اللهجة على الكتاب الأبيض ورفضته وأعلنت ما يشبه العصيان المدني احتجاجا عليه ودعت التجمعات في الكنيست إلى حلف اليمين التالي:

“يعلن السكان اليهود أمام العالم أن هذه السياسة الخائنة لا يمكن التسامح معها. سيحارب السكان اليهود هذه السياسة إلى الجد الأقصى ولن يضنوا بالتضحيات لعرقلتها والقضاء عليها. ولن يشترك أي فرد من السكان اليهود في خلق أي أجهزة إدارية على أساس هذه السياسة ولن يتعاون معها أحد”.

“إن السكان اليهود لن يعترفوا ولن يقبلوا بأية قيود عديمة الرحمة على الهجرة اليهودية إلى بلادهم. ولا توجد قوة في العالم تستطيع القضاء على حق إخواننا الطبيعي في دخول بلاد الآباء من أجل إعادة بنائها والعيش فيها. سيجد الذين بلا مأوى طريقهم هنا وكل يهودي في هذه البلاد سيستقبلهم” (سقوط وصعود إسرائيل- وليم هل- ص 205).

وجرت مظاهرات في أنحاء مختلفة من البلاد وعقد المؤتمر الصهيوني الحادي والعشرين في شهر آب (أغسطس) 1939 وأعلن مقاومته الكتاب الأبيض وأنكر شرعيته. ولكن إزاء الأخطار التي كانت تلوح في الأفق وخطر اندلاع الحرب أعلن المؤتمر تأييده لبريطانيا دفاعا عن الديمقراطية.

ولا يمكن تحديد لحظة تحول القيادة الصهيونية من تركيز الاعتماد على الإمبريالية البريطانية إلى تركيز الاعتماد على الإمبريالية الأمريكية. ولكن من الممكن القول أن صدور الكتاب الأبيض، الذي كما قلنا أخذ بعين الاعتبار الأوضاع الدولية- كما ارتبطت بمصالح بريطانيا- وأراد إحباط مساعي الإمبريالية الألمانية والإيطالية، أسرع في عملية التحول خصوصا الصهيونية في تخطيط سيطرتها وتقليص سيطرة منافسيها البريطانيين في الدرجة الأولى.

ومن بوادر هذا الأمر أن يقوم السفير الأمريكي في لندن. بأمر من الرئيس الأمريكي (روزفلت آنذاك)، بتحذير الحكومة البريطانية من نتائج الكتاب الأبيض السيئة على الرأي العام الأمريكي! (المصدر ذاته ص 206).

ووجدت الصهيونية أن من أشد أسلحتها أثرا: التلويح بمصائب أبناء الطائفة اليهودية من جراء لا سامية النازية البربرية.

وعلى هذا الوتر ضرب أنصار الصهيونية في الدول الإمبريالية، ودعوا إلى حماية اليهود من الآلاف وفتح أبواب فلسطين أمامهم. (المصدر ذاته- خطاب هربرت موريسون- ص 206).

وفي هذه اللحظة تكشفت مرة أخرى لا مبالاة القيادة الصهيونية بمصير اليهود عامة وتركيزها على شيء واحد: تهجيرهم إلى فلسطين.

وجسم مؤتمر “إيفايان” هذه اللامبالاة المستهترة بحياة اليهود، وكان قد عقد في 6 تموز (يوليو) 1938 وحضرته وفود من 31 دولة وسمحت حتى ألمانيا النازية لوفد يهودي بحضور المؤتمر وذلك لبحث قضية اللاجئين اليهود الذين كانوا يفرون من أمام النازية.

صحيح لم يتحمس ممثلو الدول لفتح أبواب بلادهم أمام اللاجئين من البربرية النازية، ولكن الولايات المتحدة أعلنت موافقتها على دخول 30 ألفا سنويا إلى بلادها وجمهورية الدومنيكان وافقت على دخول 100 ألف من أولئك اللاجئين.

وكان من الممكن توليد ضغوط على الدول الأوروبية لتوسيع الأبواب أمام أولئك اللاجئين.

ولكن الصهيونيين قاطعوا المؤتمر ولم يقلقهم عدم نجاحه. فمنذ البداية اعتبروا هذه المبادرة لا مبالاة وعداء، فالاتجاه كله لا يتوافق مع روح الصهيونية، كما كتب كريستوفر سايكس: (كتابه: إسرائيل على مفترق الطرق- ص 223- 228).

وأضاف: “فلو قامت أمم الدول الإحدى والثلاثين بواجبها واستضافت أولئك الذين كانوا في أمس الحاجة لضيافتها لخف الضغط عن الوطن القومي ولهبط الحماس الصهيوني في فلسطين وهذا آخر شيء كان يرغب فيه القادة الصهيونيون… وحتى في الأيام القادمة الأكثر هولا لم يخف (هؤلاء القادة) عند محادثتهم الأغراب أنهم لا يريدون نجاح الاستيطان خارج فلسطين” (ص 228).

وفعلا عرقل الصهيونيون كل شيء سوى الهجرة إلى فلسطين. وبسبب ذلك فوتوا خلال الحرب العالمية الثانية فرصا عديدة لإنقاذ آلاف اليهود من الجحيم النازي.

ودافع جيمس ب. واربورغ عن هذه السياسة فكتب أن الصهيونيين لم يحضروا (المقصود رسميا) مؤتمر إيفيان ولم يظهروا أي اهتمام بإخفاقه لأنهم “لم يرغبوا في أن يذهب اليهود الأوروبيون الذين يستطيعون الهرب إلى أقطار مختلفة، كانوا يريدونهم أن يأتوا إلى فلسطين. إن موقفهم القاسي لم يغير شيئا لأن العالم الغربي كان يغلق أبوابه أمام ضحايا الاضطهاد النازي” (تيارات متضاربة في الشرق الأوسط- ص95- 96).

إن دعاة الصهيونية يتجاهلون ما كان يمكن أن يتحقق نتيجة النضال الشعبي على الصعيد العالمي ولهذا يختفون وراء مثل هذه الأقوال.

والحقيقة أن الصهيونية في ممارستها لم تكن تتورع عن شيء في سبيل تحقيق أهدافها.

ولهذا لم يكن غريبا أن يبعث بن غوريون في أيام مؤتمر إيفيان مبعوثه “يهودا تاينبوم” إلى بولونيا اللاسامية لشراء السلاح وتهريبه إلى فلسطين (سيرة حياة سياسية).

وهكذا وصلت قضية فلسطين إلى مرحلة خطيرة في عشية الحب العالمية الثانية.

وأمر واحد لم يعد خافيا، لقد أدت ثورة 1936 إلى مزيد من العزلة الاقتصادية بين الشعبين وبذلك عمقت الغربة السياسية القائمة بينهما منذ البداية.

هوامش

1. ولهذا بعد صدور قرار التقسيم عن الأمم المتحدة في 1947 بذلت بريطانيا كل جهد للإبقاء على النقب في القسم العربي الذي خططت ضمه إلى شرق الأردن.

2. لقد كان هذا المشروع أساس مقترحات سوريا الكبرى التي روجت لها بريطانيا ودعت لها بعد الحرب العالمية الثانية واتخذت شكل الكتاب الأزرق الذي طرحه على بساط البحث نوري السعيد سعيا وراء المصالح الهاشمية- الإمبريالية البريطانية.

المصدر:

ايميل توما، جذور القضية الفلسطينية (الأعمال الكاملة) المجلد الرابع، حيفا 1995.