إن الدراسات السياسية والاستراتيجية المعاصرة قد اصبحت تهتم بالبعد التاريخي لفهم كثير من القضايا المعقدة التي تعاني منها كثير من المجتمعات اليوم، وهكذا برزت موجة اعادة قراءة التاريخ في ضوء التراكم المعرفي من جهة واكتشاف وثائق جديدة تجيب عن اسئلة بقيت مطروحة سنوات طويلة من دون جواب علمي وموضوعي من جهة اخري.
لعل من أبرز الامثلة علي خطورة البعد التاريخي لفهم معطيات الحاضر بشتي جوانبه المعقدة هو الصراع العربي الاسرائيلي.
انه ليس من الممكن ان ندرك عمق الصراع. وما سيفرزه من نتائج مستقبلا من دون ان نفهم الأسس الدينية والايديولوجية التي أسست عليها اسرائيل وكذلك فهم الظروف الدولية التي ساعدت علي بروز فكرة انشاء وطن قومي لليهود في فلسطين علي حساب السكان الاصليين للبلاد بدءاً بحملة نابليون علي مصر ومرورا بمؤتمر برلين ثم المؤتمر الصهيوني العالمي في مدينة بازل السويسرية سنة 1897. فوعد بلفور غداة الحرب العالمية الاولي. ثم اضطهاد النازية لليهود اثناء الحرب العالمية الثانية. وتأسيس دولة اسرائيل في 1948 ووصولا الي مؤتمر مدريد. ثم اتفاق اوسلو، وبداية مسلسل المفاوضات الثنائية بين اسرائيل من جهة والسلطة الفلسطينية والاقطار العربية الاخري من جهة اخري.
اننا نحاول في هذا المقال اماطة اللثام عن الخلفية التاريخية للصراع العربي الاسرائيلي منذ قرن.
قد يبادر بعض قائلاً: ما دخل التاريخ في ما نعيشه من احداث فالامر لا يتجاوز عالمياً سقوط المعسكر الشرقي بزعامة الاتحاد السوفييتي. وما أفرزه من ظهور نظام عالمي جديد بزعامة الولايات المتحدة الامريكية، وعربياً كارثة الغزو العراقي لبلد عربي مجاور وما تسبب فيه من تصدع الصف العربي وانهيار النظام الاقليمي انهياراً لم يسبق له مثيل في التاريخ العربي المعاصر.
ان مثل هذا القول يمثل النظرة المختزلة للتاريخ. ذلك ان جذور الصراع العربي الاسرائيلي تمتد الي مرحلة شروع الصهيونية في تنفيذ برنامج الهجرة اليهودية وبداية السياسة الاستعمارية التوسعية في فلسطين. واذ كان البرنامج لم يفصح في البداية عن نيته في فلسطين. وذُكرت مناطق جغرافية اخري، فإن الارض العربية في فلسطين كانت هي الهدف الاساس. كما كشفت عنه الوثائق صراحة مع بداية القرن المنصرم.
مثّل انعقاد المؤتمر الصهيوني قبل ما يربو عن قرن بزعامة هرتزل نضج المشروع الصهيوني ودخوله مرحلة تطبيقية عملية. اما ملامح الايديولوجية الصهيونية فقد بدأت قبل ذلك. محاولة الافادة من الصراع الفرنسي ــ البريطاني علي منطقة الشرق الاوسط فقد حاولت القوتان المسيطرتان يومئذ علي العالم كسب تأييد اليهود وتنفيذ سياستهما الاستعمارية في المنطقة العربية بالتلويح الي حقهم في القدس وفلسطين. ولم يكن تلويحا ذا طابع ديني فحسب، كما ذهب بعض الباحثين الي ذلك. بل كان ذا هدف سياسي اقتصادي اولا وبالذات، كما عبرت عن ذلك رسالة الي الاخوان في الدين ، وهي الرسالة التي انتشرت في اوروبا وتزامنت مع اعداد نابليون حملته علي مصر وفلسطين، تقول الرسالة: سوف تضم البلاد التي نقترح احتلالها مصر السفلي بالاضافة الي منطقة من البلاد التي تمتد حدودها علي خط يسير من عكا الي البحر الميت، ومن الطرف الجنوبي لهذا البحر الي البحر الاحمر.. ان هذا الموقع الممتاز علي كل ما عداه من المواقع في العالم سوف يجعل منا عبر الملاحة في البحر الاحمر اسياد تجارة الهند، والجزيرة العربية، وجنوب افريقيا وشرقها والحبشة.. ان قرب حلب ودمشق سوف يسهل تجارتنا مع بلاد فارس. وعن طريق البحر الابيض المتوسط نستطيع اقامة الاتصالات مع فرنسا، واسبانيا، وايطاليا ، وسائر انحاء القارة الاوروبية. ان بلادنا الواقعة في مركز الوسط من العالم سوف تصبح مركزا تجاريا لتوزيع كل المنتوجات الغنية والثمينة علي سطح الكرة الارضية . ولا نغفل الاشارة في هذا الصدد الي اتباع المانيا السياسة نفسها بعد ان اتضحت سياستها في المشرق العربي، ودخلت في تنافس مع القوتين الاستعماريتين القديمتين: بريطانيا وفرنسا مستفيدة من ربط علاقتها مع يهود المشرق العربي، ومن تحالفها مع الدولة العثمانية وهي العلاقات التي سيستغلها قادة الحركة الصهيونية في اتصالهم بالقيادة النازية في برلين اثناء الحرب العالمية الثانية.
ان مؤتمر بازل عام 1897 جاء تعبيرا عن دخول المشروع الصهيوني مرحلة النضج والتنفيذ، وهي المرحلة التي مهد لها ايديولوجيا هرتزل عندما نشر كتابه الدولة اليهودية سنة 1896 مفيداً من العوامل التاريخية التالية:
1 ــ دخول الرسمالية مرحلة جديدة هي المرحلة الامبريالية ذات الاستراتيجية الاستعمارية الجديدة وقد تبوأ فيها العالم العربي مكانة متميزة لاسباب متعددة.
2 ــ ظهور القوميات في اوروبا.
3 ــ موجة اضطهاد اليهود في روسيا القيصرية 1881 ــ 1882.
4 ــ محاكمة الضابط الفرنسي اليهودي الديانة دريفوز سنة 1891 بتهمة الخيانة العظمي، ثم اعادة محاكمته وتبرئة ساحته مع منحه وسام الشرف وكان ذلك سنة 1896 وهي السنة التي نشر فيها هرتزل كتابه الدولة اليهودية .
نجحت الصهيونية في تحويل روح التكتل الطائفي الدينية للاقليات اليهودية الي ايديولوجية سياسية متسترة بالدين تهدف الي تأسيس وطن قومي . ودولة يهودية، وبذلك تخرج اليهودية من المرحلة الطائفية القابعة داخل احياء الفيتو الي العالمية السياسية والاقتصادية. ونجحت في التحام مصالح البرجوازية اليهودية بالبرجوازية الاوروبية، موهمة انصار الليبرالية الجديدة، وبخاصة النخب المثقفة في البلدان الاوروبية بأنها حركة تجديدية ذات ايديولوجية علمانية متفطنة الي ان موجة العلمانية كانت قوية في نهاية القرن الماضي في المجتمعات الاوروبية. ونجحت أخيراً في تأسيس الدولة اليهودية وتقديمها للرأي العام الغربي بانها امتداد للمشروع الغربي في الشرق الاوسط، وانها تمثل واحة للديمقراطية والتقدم في محيط متخلف اقتصاديا وتقنيا، وتحكمه نظم استبدادية، وهي الحامية للمصالح الاستراتيجية والاقتصادية للغرب، فقد اعلن هرتزل في كتابه الدولة اليهودية : (ستكون هذه الدولة حصناً متقدماً للحضارة الغربية في مواجهة البربرية الشرقية).
فلا غرابة بعد ذلك من ان يأتي كتاب شمعون بيريز الشرق الاوسط الجديد بعد قرن من صدور كتاب الدولة اليهودية تجديدا للاهداف الاساسية بعد تنقيته من الرؤية الدينية الطائفية. وتعويضها بالرؤية الاقتصادية في عصر العولمة، ولكن مع الابقاء علي الجوهر، وهو زعامة اسرائيل في المنطقة حامية لمصالح الغرب.
لكن علي الرغم من هذا النجاح الذي حققته الحركة الصهيونية خلال قرن فقد حمل المشروع الصهيوني في طياته نقاط ضعف قاتلة وتتمثل في ما يلي:
أ ــ تأسيس دولة علي أسس ايديولوجية دينية شوفينية ذات طابع اسطوري. وهي ايديولوجية لا تستطيع ان تعيش الا بحماية قوة عسكرية غاشمة، وهي الحقيقة التي اكتشفها الرأي العام العالمي بعد انتفاضة الحجارة الاولي وعودة اليمين المتطرف الي السلطة ليوقف قطار السلام.
ب ــ اذكاء الروح العنصرية بين يهود النخبة المتحدرين من اصول اوروبية، ويهود الدرجة الثانية المتحدرين من اصول شرقية وافريقية.
ج ــ الطابع العسكري التوسعي للدولة اليهودية.
لاشك في ان نقاط الضعف هذه في المشروع الصهيوني هي التي تقف اليوم عقبة كأداء امام تحقيق سلام عادل وشامل في الشرق الاوسط.
ولابد من الاعتراف في هذا الصدد بان الحركة الصهيونية ما تزال قادرة علي استغلال الظرف الدولي خدمة لمشروعها فكما افادت قبل قرن من الظرفية التاريخية التي عاشها العالم في نهاية القرن التاسع عشر فهي تفيد اليوم من الظرفية الدولية التي يعيشها العالم في مطلع الالفية الثالثة.
والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد هو: كيف تصدي العرب للمشروع الصهيوني؟ لقد تفطنت النخب السياسية، والفكرية العربية الي الاهداف البعيدة المدي للحركة الصهيونية منذ بداية موجات الهجرة اليهودية الي فلسطين، وما أشبه الليلة بالبارحة، فالوضع العربي المتردي اليوم، وإنعدام التضامن والتنسيق يحول دون مواجهة الاستراتيجية الجديدة للحركة الصهيونية في المنطقة، وهي الاستراتيجية التي كشف عنها بذكاء بيريز في كتابه الشرق الاوسط الجديد .
انه من المعروف ان الصهيونية قد حاولت إيهام العالم بأن فلسطين هي الوطن الاصلي ليهود العالم، وان الفلسطينيين لا يمثلون شعباً يطمح لأن تكون له دولته المستقلة، وانما هم اقلية يمكن ان تنصهر في البلدان العربية المجاورة، ولكن الفلسطينيين نجحوا في فضح المخطط الصهيوني واثبات حقهم في وطنهم وان الشعب الفلسطيني هو شعب عريق في المنطقة، وان الهوية العربية الفلسطينية هي هوية الارض الفلسطينية، كما نجحوا بفضل انتفاضة اطفال الحجارة في الكشف خاصة عن ارهاب الدولة الاسرائيلية وبدأ عندئذ الرأي العام العالمي يتساءل عن مدي صحة خرافة النظام الديمقراطي الاسرائيلي وانكشف اللب الشوفيني العنصري للايديولوجية الصهيونية.
ولكن السياسة العربية اخفقت منذ البداية والي اليوم في التصدي لسياسة الهجرة اليهودية الي فلسطين وما رافقها من تنفيذ للمخطط الصهيوني وهو ما افرز وضعا معقدا وزرع قنابل موقوتة في طريق التعايش السلمي بين الشعبين المتجاورين الفلسطيني والاسرائيلي، فلم يعرف التاريخ عبر حقبه الطويلة الوضع الشاذ الناشيء عن سياسة الهجرة والاستيطان: ملايين من الفلسطينيين المشردين يعيشون في المخيمات في الاقطار العربية المجاورة، ومستوطنات اسرائيلية يحميها السلاح، وتعيش مستقلة داخل اراضي الحكم الذاتي، وفي علاقة عدائية مع الشعب الفلسطيني.
ومن الموضوعات التي اخفق العرب في الافادة منها لفضح الوجه الحقيقي الصهيوني تعاون قادتها مع النازيين علي حساب اليهود الضعفاء وهو تعاون لم يعد محل شك بعد ان كشفته الوئاثق الثابتة. ونكتفي بالاشارة في هذا الصدد الي ان كثيرا من الدراسات التي كتبها مؤرخون يهود والمعتمدة اساسا علي وثائق الرايخ الثالث قد اثبتت تعاون قيادة الحركة الصهيونية مع النظام النازي، وذلك خلال الفترة الممتدة من 1933 الي 1942 وهي السنة التي التأم فيها ببرلين المؤتمر النازي الذي قرر الحل النهائي للمسألة اليهودية، فقد بقيت المنظمة الصهيونية لليهود الالمان معترفاً بها رسميا الي سنة 1938 اي خمسة اعوام بعد وصول هتلر الي السلطة، وقد سعت القيادة الصهيونية مقابل الاعتراف بها الي مقاومة مقاطعة العالم الحر للنازية والفاشية، وقد جاء هذا التحالف نتيجة طبيعية للتشابه الايديولوجي بين النازية والصهيونية وكان الشغل الشاغل للقيادة الصهيونية هو تأسيس دولة اسرائيل في فلسطين قبل الاهتمام بضعفاء اليهود. فقد صرح بن غريون في 7 ديسمبر 1938 قائلا: لو اعلم انه من الممكن انقاذ جميع اطفال المانيا (يعني اليهود) وترحيلهم الي انكلترا او انقاذ نصفهم فقط وترحيلهم الي ارض اسرائيل فانني سأختار الحل الثاني ذلك انه يجب علينا الأخذ بعين الاعتبار ليس فقط حياة هؤلاء الاطفال، بل ايضا تاريخ شعب اسرائيل .
وكان بن غوريون من ابرز القادة الصهيونيين الذين تعاونوا مع النازيين الي جانب مناحين بيغن، واسحق شامير، وموشي شارت (كان اسمه يومئذ موشي شرتوك)، وغولدا مايير، وليفي اشكول، وموردخاي رومكونسكي وقد عينه اليهود بعد احتلالهم مدينة لودز البولونية عام 1939 رئيسا للمجلس اليهود فيها. وبعد هذه الاشارة التاريخية نعود للتساؤل عن الآفاق المستقبلية في هذا الظرف المعقد اقليميا ودولياً؟
انه من السهل علي الحركة الصهيونية ان تضع استراتيجيتها الجديدة في ظل التحولات الدولية الراهنة، فهي استراتيجية تنطلق من ثوابت ايدلوجيتها القديمة، وقد تحولت الي ايديولوجية دولة عصرية متقدمة في المنطقة تملك وحدها قوة رادعة هي السلاح النووي، اما تحديد استراتيجية عربية لمواجهة المرحلة القادمة للمشروع الصهيوني الذي بشر به بيريز فهو أمر اشد تعقيداً، واصعب منالا نتيجة إنعدام سياسة الحد الادني من التنسيق والتضامن العربي بعدما سدد الغزو العراقي للكويت الطعنة القاتلة للنظام الاقليمي العربي.
ان الخطوة الاولي في مواجهة الاستراتيجية الجديدة للحركة الصهيونية يجب ان تنطلق من اصلاح الاوضاع الداخلية في الاقطار العربية بدءاً بالنظم السياسية. وضرورة بروز دور المجتمع المدني، وبداية تجارب ديمقراطية جدية، وينبغي في هذا الصدد تتظافر جهود النخبة السياسية والفكرية مع فئات الليبرالية العربية الجديدة التي بدأت تعي انها ستهمش وتبقي تابعة تلهث وراء الفتات في نظام العولمة الاقتصادية ان لم تواكب الليبرالية الاقتصادية الجديدة ليبرالية سياسية في العالم العربي.