الاستيطان هو المكافئ السلبي والنافي لوجود الشعب الفلسطيني، ويمثل إعدامه السياسي ومثلت الآن الانتفاضة والمقاومة المكافئ الإيجابي للمشروع الصهيوني الذي يمثل الاستيطان الركيزة الأساسية له ودلالة مهمة على حيويته ولعل من أهم إنجازات الانتفاضة والمقاومة الحالية على الإطلاق هي تضييق الخناق على الاستيطان، هذا الغول النافي لوجود الشعب الفلسطيني
يقول د. عزمي بشارة: “إن بناء الاستيطان وتمدده أصبح مستحيلاً في ظل المعطيات الجديدة فهو أمر صعب إسرائيلياً وفلسطينياً ودولياً وإن إنجازات الانتفاضة على صعيد الاستيطان لا يستهان بها

الانتفاضة والمقاومة تحطم آمال المستوطنين
في نتيجة مباشرة للانتفاضة، يشعر المستوطنون بالخوف وفقدان الأمل بالمستقبل داخل المستوطنات؛ فقد ذكرت الصحف العبرية بتاريخ 28/11/2001 أن كثيراً من العائلات التي تسكن في الضفة الغربية وقطاع غزة بدأت بالرحيل والانتقال إلى داخل ما يسمى بالخط الأخضر
يقول عضو الكنيست الصهيوني موشي راز عن ميرتس أنه تلقى العديد من المكالمات الهاتفية من مستوطنين في الأراضي الفلسطينية المحتلة أخبروه أنهم ينوون ترك المستوطنات والانتقال للإقامة داخل (الخط الأخضر) وعزا ذلك إلى الانتفاضة الجارية في الأراضي المحتلة
وذكر مستوطن يقيم في مستوطنة قرب جنين في مقابلة أجراها معه تلفزيون العدو الصهيوني أنه غادر المستوطنة، وأن هناك نحو 10 عائلات غادرت فعلاً المستوطنة التي يقطنها
“فالفلسطينيون يضيقون الخناق علينا و حياتنا أصبحت لا تطاق”. وتذكر التقارير العسكرية الإسرائيلية أن الهجمات الفلسطينية تعرقل الاتصال مع المستوطنات، وخاصة المعزولة منها التي أقيمت على الأرض الفلسطينية، وأن غالبية المستوطنات باتت خالية من السكان كما هو الحال في مستوطنة (كرمي تسور) التي تقع على تلة بين حلحول وبيت أمر في محافظة الخليل ومستوطنة “براخاه” المقامة على قمة جبل جرزيم المطل على مدينة نابلس وضواحيها، فلم يلحظ رعاة الأغنام من سكان قرية كفر قليل أي شكل من أشكال الحياة أو الحركة داخل مستوطنة (براخاه) بعد أن كانت عناصر الأمن فيها لا ينفكون عن التحرش بهم وبالمزارعين بحجة اقترابهم من السياج المحيط بالمستوطنة
ووفقاً للخرائط الإسرائيلية المقترحة خلال مفاوضات “الحل الدائم” التي جرت في كامب ديفيد” وطابا فإن مستوطنة (براخاه) كانت من ضمن المستوطنات الدائمة. ويؤكد نشطاء في مجال مقاومة الاستيطان أن المستوطنة أقيمت أساساً كتجمع عسكري كون المنطقة من الأماكن الاستراتيجية الهامة ولكثرة المواقع الأثرية فيها، وترتبط مستوطنة (براخاه) بطرق استيطانية عدة يصل أحدها بمستوطنة (يتسهار) وآخر بمعسكر حوارة الاحتلالي ولا يخفي رعاة الأغنام شعورهم بالراحة في غياب نباح الكلاب المفترسة التي يقتنيها المستوطنون والتي كثيراً ما انقضت على قطعانهم وأثارت فزعهم فاضطروا إلى البحث عن مراع آمنة
أما مستوطنة (كرمي تسور) التي أقيمت على أراضي المواطنين في الخليل منذ بداية الثمانينات، فهي تحتل نحو 200 دونم وعدد سكانها لا يتجاوز 350 فرداً، وتعرضت كما المستوطنات الأخرى إلى عدة عمليات عسكرية، أدت إلى مقتل اثنين من سكانها بعدها اتخذ مجلس المستوطنة قراراً بإبقاء أطفال المستوطنة في مدينة القدس عند أقاربهم، أو في بيوت مستأجرة مؤقتاً وبعدها قررت غالبية الأمهات المبيت مع أبنائهن، وتركت المستوطنة فارغة كمدينة أشباح، حتى قال مستوطن يدعي (يودا أتين) مخاطباً سيارة تقل صحفيين في منطقة الإنفاق بمدينة بيت جالا “اذهبوا وانظروا ما الذي جرى في بلدتنا – الرعب والخوف في كل مكان

مستوطنات قطاع غزة في ظل الانتفاضة والمقاومة
تحولت مستوطنات قطاع غزة إلى معازل، فحالها أشد سوءاً. سارة فردمان (21 عاماً) مستوطنة في كفار داروم، قدمت منذ عام من الولايات المتحدة الأمريكية تقول خلال زيارة نظمها الجيش الإسرائيلي لعدد من الصحافيين لمستوطنة كفار داروم “إننا نعيش تحت حصار الجيش، ولا نتنقل إلا بمواكبة عسكرية، وسيارات مصفحة خاصة إن هذا أمر مزعج للغاية، ولا يمكن العيش بهذه الطريقة نحن لا نريد سوى السلام، ونحن هنا لنبقى!!!!
ويقول منيكس – 23 عاماً – “تقع مصادمات يومياً، ونتعرض للهجمات بالهاون، مما افقد المستوطنة عددا كبيرا من سكانها نحن نعيش هنا في خوف وقلق دائم، ولا ندري ما يخبئ لنا المستقبل
وقي تقرير نشر في صحيفة (هآرتس) بتاريخ 15/5/2001 (لدانيال بن سيمون) الذي قام بنفسه بزيارة المستوطنات، وكتب المشاهدات التالية
يقول “شاهدت عن كثب الضائقة التي يمر بها سكان المستوطنات ومن الصعب عدم الشعور بالرحمة والشفقة من أسلوب الحياة الذي فرض على هؤلاء الناس منذ اندلاع الانتفاضة، ومن مظاهر القلق والاكتئاب اللذين يعاني منهما الآباء، والمخاوف والضائقة التي يمر بها الأطفال الذين تم إخلاؤهم من الصفوف التي أطلقت عليها قذائف الراجمات، أن كل خروج من المستوطنات يترافق بالخوف وعدم معرفة الخارجين إن كانوا سيعودون إلى بيوتهم أم لا
ويقول بن سيمون في تقريرة “لقد مل المستوطنون الحياة وبدأوا في التسرب، البعض يغادر بشكل دائم، وآخرون يغادرون بشكل مؤقت إلى أن تمر العاصفة والغضب، هذه الظاهرة برزت بشكل واضح جداً في مستوطنات شمال غزة، حيث أفرغت نصف منازل مستوطنة “دوغيت” من سكانها، والحي الجديد في مستوطنة “نيسانيت” ظل يتيما فارغاً وكذلك الحال في مستوطنة “إلي سيناي” وفي مستوطنة “فيئات سيدسه”، جنوب ” غوش قطيف” شيدت الدولة أكثر من 100 فيلا مع أسطح قرميدية حمراء بقيت فارغة بلا حياة، العائلات التي سكنت هذه الفيلات كانت 15 عائلة فقط، بعضها يفكر بالمغادرة، شلومو كادوش، الذي يسكن المكان قال ” أن السكان ينتظرون قيام الحكومة بعرض تعويض عليهم للمغادرة”، وقال أحد السكان الآخرين إذا أعطي الناس تعويضات فلن يبقى أحد في “فيئات سيدسه”. أما في كفار داروم التي يعيش فيها أكثر من 30 عائلة بقيت أقل من 10 عائلات، بينما غادر الآخرون مع اندلاع الانتفاضة، وبيوتهم تنتصب كنصب تذكاري لهوس العظمة السياسي- والكلام لـ- بن سيمون- وفي مستوطنة (موراج) جنوبي غوش قطيف يستكمل في هذه الأيام المجنونة بناء الكنيس، ولكن حسب وتيرة الرحيل عن المستوطنة من المؤكد أن العدد الشرعي للصلاة لن يستكمل فيه وفي مستوطنة (نفية دكاليم) أيضا الذي يعتبر سكانه أنفسهم مستوطنين
ايدلوجيين، سجلت 10 عائلات أطفالها في مؤسسات تعليمية في عسقلان وأشدود استعداداً لعودتهم إلى “إسرائيل” ولقد وصلت حالة تردي الأوضاع في مستوطنات قطاع غزة، إلى أن وضع الجيش الإسرائيلي خطة عسكرية لإخلائهم عن طريق البحر، فقد قال الجيش الإسرائيلي حسب ما أوردت “رويتر” أن الجيش وضع خطة لإخلاء المستوطنين عن طريق البحر إذا استدعت الضرورة وقطعت الطرق البرية

مستوطنات غور الأردن
مستوطنات غور الأردن هي الأخرى ليست بأحسن حالاً ففي الربع الأخير من العام الماضي، ومع اندلاع الانتفاضة أغلقت روضة الأطفال في مستوطنة (نعمة) وذلك لعدم توفر الأطفال
وفي مستوطنات (فتسال ونيتف وهغدود ويافيت) يزمع الكثيرون للعودة إلى داخل ما يسمى “الخط الأخضر

:الانتفاضة تغلق المصانع في المستوطنات، وتأتي على المقومات الاقتصادية فيها
(عطيروت) مستوطنة صناعية تزيد مساحتها 3000 دونم تمت مصادرتها من أراضي قرية بيت حنينا بقرار من وزير الخارجية الإسرائيلي سنة 1970 لتحويلها إلى مدينة صناعية قريبة من الأيدي العاملة الرخيصة، حيث أقامت شركات إسرائيلية مختلفة عدداً كبيرا من المصانع والمخازن، وبلغت تكاليف إنشائها أكثر من ملياري دولار، ومع بداية الانتفاضة وتصاعد أعمال المقاومة تحولت عطيروت إلى مدينة أشباح، حيث أغلقت مصانع ومخازن ومستودعات كبداية للانهيار الكبير لهذه المدينة الصناعية الواقعة شمال القدس المحتلة حيث تحيط بها بلدة الرام شرقاً ومخيم قلنديا شمالاً وبيرنبالا غرباً، ومع بداية الانتفاضة تصاعدت الهجمات المسلحة على المستوطنين في عطروت حيث قتل المستوطن (عكيفا نشكوس 47) عاما نتيجة إصابته برصاص المقاومة إضافة إلى عدة حوادث أخرى، وإحراق عدة مصانع إسرائيلية، مما جعل الإسرائيليين على وشك مغادرة عطيروت بشكل نهائي بعد تزايد المخاطر الأمنية، فقد أغلقت مداخل عطيروت من جهة الرام بالصخور والحواجز، وتم تشديد الحصار ونقاط الحراسة، حتى تحولت عطيروت إلى ثكنة فارغة
المستوطنات الصناعية الأخرى ليست بأحسن حال من عطيروت، فقد توقف العمل نهائياً في مستوطنة (عموئيل) المقاومة على أراضي محافظة قلقيلية، وتوقف العمل في مصنع (توفح) للألومنيوم ونقلت معداته إلى مدينة أشدود داخل الخط الأخضر، كما أغلق مصنع (صلات شامير) للمواد التموينية المقام داخل مستوطنة (برقان) على أراضي محافظة سلفيت، وأغلق مصنع (عوفرتكس) لمواد التنظيف المقام في نفس المستوطنة كما توقف العمل شبه الكامل في مدن صناعية بالقرب من طولكرم وغزة والخليل
إن التدهور الحاصل في النشاط الاستيطاني، هو انعكاس لأزمة المشروع الصهيوني برمته، وبيان لحجم المأزق الذي يعاني منه الكيان اليهودي، يقول افرايم هيلفي “إن إسرائيل كفكرة أقيمت على ثلاث دعائم أو أقانيم، كما يسميها دافيد بن غوريون: هجرة- أمن- استيطان”، فالاستيطان هو الدعامة الأساسية للمشروع الصهيوني في فلسطين، بل أننا يمكن أن نقيس حيوية المشروع الصهيوني بحجم ونجاح ووتيرة الاستيطان، الذي شكل الفصل الأخطر في تاريخه خلال العقد الماضي، مستفيداً من الأجواء التي أتاحتها له التسوية السياسية “أوسلو”، فتفاعلت وارتقت كل دعائم المشروع الصهيوني فزاد عدد سكان الدولة العبرية إلى أكثر من 20% ووصلت نسبة الزيادة في عدد المنازل في مستوطنات الضفة الغربية وقطاع غزة إلى 50% ووصل إجمالي عدد المستوطنين إلى 64.302 ألف نسمة وفقاً لمعطيات وزارة الداخلية الإسرائيلية، وكل ذلك في ظل خرق إسرائيل لكافة الاتفاقات التي وقعتها مع السلطة الوطنية الفلسطينية منذ عام 1993 حتى الآن في حين التزم الجانب الفلسطيني بها سواء كان ذلك الخرق أثناء أو بعد المرحلة الانتقالية ولعل هذا ما يفسر حيوية الاستيطان بهذا الحجم، ليشكل الفصل الأخطر في تاريخه منذ قيام الدولة العبرية وحتى بداية انتفاضة الأقصى، لذا نجد من الضروري إلقاء نظرة على النشاط الاستيطاني قبل اندلاع الانتفاضة الحالية

الاستيطان قبل اندلاع الانتفاضة
زادت عملية قضم الأراضي الفلسطينية بشكل منهجي ومبرمج، وبدا الاستيطان يتضخم بشكل لم يسبق له مثيل، فمنذ توقيع الاتفاقات
عام 1993م، زاد عدد مساكن الاستيطان بنسبة 50%، ففي تقرير نشرته “حركة السلام الآن” بتاريخ 5/12/2000م، أوضحت أنه تم
بناء 7532 مسكناً في المستوطنات منذ أيلول 1993م، إلى تموز 2000، وتم بناء 2830 مسكنا منذ وصول باراك إلى السلطة في
تموز 1999م، خلال 18 شهرا، ووفقاً لبيانات مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي، ووزارة البناء والإسكان الإسرائيلية، تم طرح عطاءات بناء، 3370 وحدة سكنية في عهد باراك تمثلت على الشكل التالي: ففي الثامن من تموز 1999 تمت عطاءات لبناء 589 وحدة من وزارة الإسكان في مستوطنة “بيتار عليت” غرب بيت لحم، وفي التاسع عشر منه طرحت دائرة ما يسمى “أراضي إسرائيل” بناء 185 وحدة في مستوطنة “هاررأدار” جنوب رام الله، وطرحت وزارة البناء والإسكان في التاسع والعشرين منه وبناء 500 وحدة في (بيتار عليت) غرب بيت لحم وفي التاسع من آب 1999، طرحت وزارة البناء والإسكان بناء 65 وحدة في “أرئيل” بين نابلس ورام الله و178 وحدة في “كرني شمرون” بين نابلس وقلقيلية. كما طرحت الوزارة في التاسع عشر منه بناء 594 وحدة في “جفعات زئيف” وفي القدس مرة أخرى
طرحت 105 وحدة في المستوطنة ذاتها، وفي الثلاثين منه طرحت الوزارة بناء وحدات في “عتنوئيل” جنوبي الخليل، وفي الرابع عشر
منه 1999، طرحت عطاءات بناء 22 وحدة في “نفيه دكاليم”في قطاع غزة، وطرحت الوزارة في الخامس والعشرين من تشرين أول 1999 بناء 10 وحدات في “رفيح يام” في رفح، وبناء 9 وحدات في الاول من تشرين الثاني 1999 في “ميتساد –اسفار”شمال شرق الخليل
وبناء 14 وحدة في “صانور –وجانيم” في جنين، كما طرحت الوزارة في الخامس عشر من تشرين الثاني 1999 بناء 54 وحدة في “ارئيل” بين نابلس ورام الله، وبناء 177 وحدة في الثامن من كانون الأول 1999 في “جيفع بنيامين” في نابلس وطرحت في ذات التاريخ عطاءات بناء 316 وحدة في “الفيه منشيه” في قلقيلية، كما طرحت وزارة البناء والإسكان عطاءات لبناء 174 وحدة في “معاليه أدوميم” في القدس في السابع والعشرين من أيار 2000م
الأرقام والتقارير تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن السنة التي سبقت الانتفاضة كانت السنة الذهبية على صعيد الاستيطان، حيث بلغت فيها نسبة الزيادة ذروتها، يشير إلى ذلك تقرير أعده عضو الكنيست “موشيه راز” يقول فيه أن الاستيطان في عهد باراك زاد بنسبة قياسية منذ عام 1992، من حيث الشروع في إقامة الوحدات السكنية في الأراضي الفلسطينية، ويؤكد التقرير أنه خلال الشهور العشرة الأخيرة من
عام 2000، منحت رخص بناء 1184 وحدة سكنية جديدة في المستوطنات من ضمنها 529 رخصة صدرت في منطقة القدس المحتلة

حكومة شارون تحاول معالجة الأزمة
مع استمرار الانتفاضة وزيادة أعمال المقاومة ضد الاستيطان بضرب خواصره الرخوة على الطرق الالتفافية تراجع النشاط الاستيطاني ومقومات بقائه على الأرض الفلسطينية، وبذلك تفقد الحكومة الحالية أهم برامجها العملية الطموحة لبناء “إسرائيل واحدة” من الماء إلى الماء في ظل استمرار التنكر لحقوق الشعب الفلسطيني وإنكار وجوده على الأرض، وتحاول حل أزمة الاستيطان بطريقين
استمرار الهجوم الاستيطاني وتعزيزه. يذهب إلى ذلك غالبية زعماء اليمين وعلى رأسهم شارون بأن التدهور الحاصل يمكن وقفه برفع وتيرة الاستيطان وتصعيده وذلك لأمرين
أ- ألا يشعر الفلسطينيون بأنهم حققوا إنجازاً مهما جراء الانتفاضة، وبالتالي يتعزز لديهم الشعور بالنصر ، وجدوى مواصلة الانتفاضة والمقاومة
ب-التأكيد أن الإسرائيليين، ما زالوا أحياء يقول “مائير عوزئيل” أن حل مأزق الاستيطان هو أن نقيم ثلاث مستوطنات بدل الواحدة بهدوء أو بدونه، ويقول أن هذا العمل الجيد يضيف دليلاً للعالم ولنا وللآخرين بأننا ما زلنا أحياء، إلى ذلك يقول “شيمون بيريز” في كلمته في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في الولايات المتحدة “إن المستوطنات كيان عضوي حي يحتاج إلى مقومات حياته أهمها النمو الطبيعي”، حسب تفسيره
ج- تقديم الدعم المالي والروحي وشحذ الدوافع الإيمانية للتمسك بالأرض لوقف النزوح من المستوطنات
ففي 24/12/2001م، أصدر الحاخام (اليعيزر مليماد) سكرتير لجنة حاخامي يشع وحاخام مستوطنة (براخاه) فتوى يحظر بموجبها إخلاء أوترك المستوطنات حتى في حالات الطوارئ أو في حالات اتفاق سياسي
وأشار الحاخام (مليماد) في فتواه إلى أن على المستوطنين الذين يسكنون في مكان خطير أن يكونوا مستعدين للتضحية بأنفسهم من أجل التمسك بالأرض، وأوردت صحيفة”معاريف” أن الحاخام مليماد سينشر في الأسبوع نشرة دينية لهذا الغرض بعنوان” أمر توطين الأرض” يقرر فيها أن الأمر الاستيطاني في الأرض يعلو على إنقاذ النفس، وأنه حسب التوراة يجب عليهم الاستيطان في كل البلاد ولا توجد حروب دون قتلى. ووفقاً لمعاريف قال الحاخام مليماد “ترك المستوطنات ينطوي على خطر كبير وإننا دائماً مستعدون للتضحية فقط في حال وجود فرصة للنصر
أما الدعم المالي للاستيطان علاوة على ما تقدم فقد صادق مجلس الوزراء الإسرائيلي خلال جلسته الأسبوعية على خطة خاصة لدعم الاستيطان مادياً بميزانية تقدر بحوالي مليار و140 مليون شيكل (285 مليون دولار) كما صادق على خطة لتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في 11 مستوطنة
وفي هذا السياق تأتي وعود شارون بان يضع مساعدات طارئة تحت تصرف المستوطنات في غور الأردن شمال البحر الميت ودعم الاحتياجات الأمنية والأعمال التجارية، كما وعد رئيس الحكومة تقديم اقتراح على الحكومة للاعتراف بالمستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة كمستوطنات على خط المواجهة، ويعني الاقتراح مزيداً من الامتيازات والتفضيلات لهذه المستوطنات في المخصصات والميزانيات، أسوة بمستوطنات الشمال القريبة من قذائف الكاتيوشا، وتقدر تكلفة هذا الاعتراف بعشرات ملايين الدولارات

القدس والاستيطان
ركزت الخطط الإسرائيلية منذ احتلال المدينة على تعزيز السيطرة الديمغرافية عليها فقامت عشية احتلالها بعملية طرد منظمة للسكان العرب، وبلغ عدد من قامت سلطات الاحتلال بطردهم من القدس 60 ألف عربي، ولم تسمح السلطات فيما بعد إلا بعودة 14 ألفا لبيوتهم، فيما أضيف الباقون إلى عدد اللاجئين، كما سارعت السلطات الإسرائيلية إلى مصادرة أراضي السكان العرب وإقامة المستوطنات عليها، وبلغت مساحة الأراضي المصادرة منذ عام 1967م وحتى عام 1993 م(25402) دونم، أي ما نسبته 7.26% من إجمالي مساحة شرقي القدس، كما لجأت سلطات الاحتلال إلى العديد من الإجراءات بهدف إحداث تفوق ديمغرافي يهودي في المدينة، منها تجميد البناء العربي ضمن حدود البلدية وعدم منح رخص بناء للمواطنين العرب وإغلاق البيوت بحجج أمنية، وهدم البيوت بحجة البناء بدون ترخيص، وتعتبر ضريبة “الأرنونة” من الإجراءات التي ساهمت أيضاً في زيادة الضغط على المواطنين العرب في القدس، ورغم هذه الأساليب العنصرية واللاإنسانية عبر أكثر من ثلاثة عقود، زاد عدد السكان العرب في المدينة من 22% عام 1967، إلى 33% عام 2000م، وفي معطيات صدرت عن قسم التخطيط الاستراتيجي والأبحاث في بلدية القدس المحتلة حديثاً أفادت أن وتيرة ارتفاع عدد المواطنين الفلسطينيين في المدينة أعلى بسبعة أضعاف تقريباً من وتيرة ارتفاع عدد المستوطنين اليهود.ووفقاً للوثيقة فإن عدد سكان مدينة القدس يبلغ 300.646 نسمة، منهم 6.67% مستوطنين يهود، والباقي 4.32% من الفلسطينيين وان ارتفاع نسبة الزيادة لدى السكان الفلسطينيين تبلغ حوالي 75% من مجمل الزيادة في السنة الماضية، والنابعة أساساً من التكاثر الطبيعي للسكان العرب وتقول الدكتورة “سارة هيرشكوبيتس” رئيس قسم التخطيط الاستراتيجي في بلدية الاحتلال بالقدس أن التكاثر الطبيعي للمستوطنين اليهود في المدينة تآكل بسبب ميزان الهجرة السلبي الذي وصل إلى 166% ويذكر أن عدد الذين رحلوا عن المدينة في السنوات العشر الواقعة بين عامي 1989-1999 م من اليهود بلغ 168 ألف نسمة مقابل 104 ألف ساكن جديد وهو ما يعني أن الهجرة السلبية بلغت 64 ألف شخص خلال العشر سنوات. ولوقف هذا التدهور أعدت وزارة الإسكان الإسرائيلية خطة لمنع الهجرة السلبية لليهود في القدس التي بلغ معدلها ستة آلاف يهودي سنوياً، وتشمل الخطة إقامة منطقة صناعية في المدينة، وتخفيضات ضرائبية كبيرة للمشاغل والمصانع الجديدة، وزيادة الاستثمار في الطرق والشوارع والبنى التحتية والسياحية، وإغداق الهبات على بلدية أولمرت وإقامة بلدية مشتركة للقدس وضواحيها وتحسين خط السكة الحديدية الواصل بين تل أبيب والقدس، وتكلف الخطة مئات ملايين الشواكل وتهدف إلى تعزيز القدس ووقف الهجرة السلبية منها إلا أن الوزير بن اليعيزر أوضح أن الشرط الأساسي لتحقيق أهداف الخطة هو الاستقرار الأمني ووقف أعمال الانتفاضة والمقاومة