غرشون شفير عالم اجتماع يهودي- اسرائيلي, وأستاذ في “جامعة كاليفورنيا” في سان دييغو كتابه, الذي تعتمد عليه هذه المقالة في نصها العبري, صدر في طبعته الاولى باللغة الانجليزية في (1989) عن منشورات “جامعة كمبريدج” . وصدر في طبعة ثانية, باللغة نفسها, في (1996).
ومثل كتاب شفير هذا ثمة كتب عديدة لمؤرخين وعلماء اجتماع وباحثين اسرائيليين لا تزال, حتى الآن, تمارس” حقها “في البحث والسجالية بلغات أجنبية فقط. ودافعي للتنويه بهذا الأمر, الذي قد يتراءى للبعض عديم الأهمية, أنه يمثل على أحد جوانب المجابهة المباشرة, من طرف المؤسسة الاسرائيلية, مع الاجتهادات غير المفطورة على الإجماع الصهيوني حول رواية التاريخ. وهو جانب عدم الالتفات الى وجود هذه الاجتهادات, جرياً على طريقة “القتل بالاهمال”.

لعل أهم خلاصة يتوصل إليها شفير في هذه المقالة, وفي الكتاب عموماً, هي ان الحركة الصهيونية, ومنذ البدايات الأولى لمشروع الاستيطان اليهودي في فلسطين, احتقنت بطابع استعماري- كولونيالي إزاء سكان البلاد الأصليين. ومن الإثباتات المبكرة على هذا الاحتقان يستشهد المؤلف, ضمن أشياء أخرى, بوقائع المواجهة التي حدثت بين آباء الهجرة اليهودية الأولى وبين آباء الهجرة اليهودية الثانية- وهما الهجرتان اللتان ترتب عليهما مشروع الحركة الصهيونية لاغتصاب فلسطين- حول ما ينبغي أن تكون عليه المقاربات الصهيونية لشعب فلسطين. ويتوصل الى نتيجة مؤداها أن تلك الوقائع لم تكن, في جوهر الأمر, أكثر من مجرد اختلاف بين بدائل مختلفة للاستعمار الكولونيالي في سبيل اعتماد “البديل الافضل” لإنجاز استعمار فلسطين, كولونيالياً, من قبل الحركة الصهيونية وتيارها الرئيسي المتمثل في “حركة العمل”.
وتكتسب هذه الخلاصة أهميتها الآن من مناخ سياسي عام يجتهد لارجاع جذور الصراع على فلسطين الى حرب حزيران 1967 فحسب , في محاولة مفضوحة للهروب الى الامام مما سبق ذلك العام من أحداث تعود في أصولها الى سنوات تأسيس الحركة الصهيونية والى الطابع الكولونيالي لهذه الحركة .

تجدر الاشارة أيضاً الى أن كتاب شفير صدر في موازاة صدور كتب أخرى لمؤرخين اسرائيليين أمثال : بيني موريس وآفي شلايم وإيلان بابه. وقد اعتبرت الكتب الأربعة في عداد القطاف الاول لموجة ما اصطلح على تسميته ب”التاريخ الاسرائيلي الجديد”.
ورأى البعض أن يرجع هذا “التاريخ الجديد” الى عاملين رئيسين:
*الأول : نشوء رعيل جديد من المؤرخين الاسرائيليين لديه قدر ما من الجاهزية للتسليم بقسم من الانتقادات الأخلاقية والسياسية, التي وجهت الى اسرائيل في أعقاب 1967 (إثر احتلالها وممارسات عسكرها في المناطق الفلسطينية) , مما أدى بهذا الرعيل الى إعادة فحص الفترة التي سبقت 1967.
*الثاني : إماطة اللثام عن وثائق من فترة (1948) كانت حتى ذلك التاريخ, النصف الثاني من الثمانينات, في طي السرية التامة.
لكن ينبغي القول ان شفير يفترق عن هؤلاء بعودته الى فحص جذور النزاع الصهيوني- الفلسطيني, وهي عودة لا تزال حتى هذه الأثناء مقتصرة عليه وعلى قلائل من الباحثين أمثاله وفي مقدمتهم الباحث النفساني بنيامين بيت هلحمي,الذي سبق شفير في هذا المضمار.
زد على ذلك أن المراجع الأرشيفية, التي يستعين بها شفير في هذه المقالة, شأنها شأن المراجع الأرشيفية في كتابه, لم تكن من بين تلك التي أميط عنها اللثام في الفترة المذكورة. وإنما كانت, قبلاً, مفتوحة أمام مرمى أبصار المؤرخين والباحثين.
ورغم كونها كذلك فإن شفير يعترف بأنها تطلبت منه “قراءة جديدة للمواد القديمة” ,في سيرورة يراد لها أن تعيد الى هذه المراجع ما سبق أن غاب- أو جرى تغييبه عمداً- عن أعين القراء السابقين.
كل ذلك كان قبل ان ينكفىء الكثير من رموز هذا التيار على أنفسهم تحت تأثير عوامل عدة أبرزها , ان لم يكن العامل الأبرز, الانتفاضة الفلسطينية في ايلول/سبتمبر 2000 . غير أن هذا الموضوع مكانه ليس هنا.

 

 

توطئة:
الأبحاث التي تعالج تاريخ المجتمع الإسرائيلي تروي, عادةً, واحدة من قصتين : الاولى تدور حول الكيفية التي أقام بها المستوطنون الصهيونيون مجتمعاً يهودياً في أرض اسرائيل, وأحياناً عبر خلافات داخلية فيما بينهم. والثانية تدور حول كيفية تطور الصراع بين اليهود وبين العرب, الذين كانوا بطبيعة الحال معادين للمشروع الصهيوني الهادف لإقامة كيان يهودي على أرضهم. وتتصالب القصتان بعضهما مع بعض في أحيان نادرة فقط.
في هذه المقالة بودي الإدعاء بأن القصة الأولى لا يمكن فهمها بدون تشبيكها مع القصة الثانية. بناء المجتمع الإسرائيلي وإقامة دولة إسرائيل لم يكونا شأناً يهودياً داخلياً فقط. والصراع الإسرائيلي- العربي ترك بصمات واضحة على المجتمع الإسرائيلي, وعلى ثقافته ومؤسساته, بحيث يمكن تشخيص هذه البصمات في العديد من خصائص هذا المجتمع حتى يومنا هذا. وفي اطار الجوانب التي تبلورت عبر اللقاء اليهودي- العربي تندرج, ضمن أشياء أخرى, الأمور التالية : موقع حركة “العمل” في سيرورة بناء المجتمع, والتطابق الواسع بين الاستيطان وبين الأمن, والدور المركزي الذي تضطلع به الهستدروت في المجتمع والاقتصاد, وحتى الكيبوتس أيضاً.
الأبحاث التي تتمحور حول القصة اليهودية الداخلية بشأن اقامة المجتمع الإسرائيلي, تنيط دوراً مركزياً بالقيم والأفكار التي جلبها المهاجرون الصهيونيون في بلادهم الاصلية, وبالأساس الأيديولوجيات الاشتراكية- العالمية التي تم استجلابها من أوروبا الشرقية. ورغم أن المألوف هو الاعتقاد بأن المثل السامية تؤدي دوراً متميزاً في التاريخ اليهودي, فإن أهمية هذه المثل في تاريخ المجتمع الاسرائيلي كانت أدنى من اهمية الظروف المادية, التي وجد المهاجرون – المستوطنون أنفسهم في خضمها عند وصولهم الى أرض إسرائيل. داخل هذه الظروف كانت هناك أهمية حاسمة لثلاثة عوامل : سوق الأرض وسوق العمل والنسبة العددية بين المستوطنين وبين السكان المحليين.
وادعائي, فيما يلي, هو أنه ضمن سياق التجربة والخطأ في سوقي الأرض والعمل تبنى المستوطنون اليهود – منذ الفترة العثمانية- انماط نشاط كان لها تأثير حاسم على خصائص المجتمع والدولة العتيدين.
الباحثون الذين يفصلون بين القصتين, قصة بناء المجتمع اليهودي وقصة الصراع اليهودي- العربي, يميلون حتى إلى التشديد على خصوصية الاستيطان الصهيوني, وعلى تلك الخصائص التي تجعل هذا الاستيطان, بصورة ظاهرية, مختلفاً عن حالات أخرى من الاستيطان الكولونيالي.
هكذا, مثلاً, يعرضون اختلاف الطابع والوتيرة بين تطور الييشوف اليهودي وبين تطور المجتمع الفلسطيني باعتباره احدى القرائن على كونهما مجتمعين منفردين, وعلى أنه لم يحدث هنا استغلال للمحليين من طرف المستوطنين. أكثر من هذا, فإن الإيديولوجيا الاشتراكية للجماعة المستحوذة في أوساط المهاجرين اليهود يجري عرضها بوصفها عاملاً أدى, بالحتم, الى تسكين أية لدغة كولونيالية يمكن أن تكون كامنة في عملية الاستيطان الصهيوني.

منذ سنوات السبعين المتقدمة بدأت تتبلور في أوساط الباحثين الاسرائيليين, وحتى في النقاش الجماهيري العام, مقاربة جديدة وانتقادية. من منظور هذه المقاربة فإنه من الصائب عقد مقارنة بين الاسيتطان الاسرائيلي الراهن والتشكيل الاجتماعي الإسرائيلي الناشئ الآن, وبين مجتمعات كولونيالية أخرى مثل ايرلندا الشمالية والجزائر الفرنسية أو جنوب افريقيا (انظر مثلاً : Harkabi 1988, سيفان, 1989). مريدو هذه المقاربة هم من منتقدي الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية وقطاع غزة بعد حرب 1967.
والدارج عندهم هو إجراء تمييز حاد بين هذا الاستيطان, الذي يرفضونه, وبين الاستيطان في السهل الساحلي والأغوار, الذي يرفعونه الى مصاف المقدس. ولهذا فإنهم مضطرون لأن يروا في الاستيطان المتأخر- المستعمرات- ظاهرة جديدة وانعطافاً منوطاً, بهذا القدر أو ذاك, بتغيير راديكالي طرأ على الثقافة السياسية الإسرائيلية بعد 1967. يتبين من مقاربتهم هذه أن اثينا الكولونيالية ولدت بالغة عندما قفزت من رأس والدها زيوس الاشتراكي. سوية مع هذا فإن التشابه الجليّ بين موجتي الاستيطان السالفتين يتيح لقسم واحد من حركة “العمل” (قسمها “اليميني”) إمكانية التماهي مع الاستيطان الجديد, بينما يشعر القسم الآخر من هذه الحركة (قسمها “اليساري”) بأن خصوصيته التاريخية تتعرض للسلب.
هذه النظرة, التي تبدأ بسرد التاريخ الإسرائيلي من جديد بالتآين مع الاحتلال في 1967 او مع “الانقلاب” في 1977 (“الانقلاب” – هو التعبير السياسي الاسرائيلي عن مرحلة صعود “الليكود” الى سدة الحكم في اسرائيل بعد أن تربع عليها “العمل” لمدة 29 عاماً متواصلة- المترجم), تتغاضى عن التشابه بين الاستيطان ما قبل 1948 وبين الاستيطان ما بعد 1967.
وبذلك فإنها تفوت على نفسها الفرصة للتعلم من الحاضر بشأن الماضي, والتعلم من الماضي بشأن الحاضر, واستخدام الادراك المزدوج الناجز من أجل إخضاع المقاربات المألوفة في التحليل السوسيولوجي- التاريخي للمجتمع الإسرائيلي الى تقييم متجدد. من ناحيتي, مقابل ذلك, فإن خلع بعد كولونيالي على إسرائيل ما بعد 1967 يشكل دعوة مفتوحة للقيام بفحص مجدّد حول الإنكار الصارم لأي جانب كهذا في الاستيطان الصهيوني المبكر. لهذا يبدو لي أن هناك حاجة وضرورة في المقاربة النظرية, التي بمقدورها أن تفهم التواصل والاستمرارية بين فترة تأسيس المجتمع اليهودي- الإسرائيلي في أرض إسرائيل العثمانية والانتدابية, وبين فترة الدولة المستقلة والفترة التي أعقبت حرب الأيام الستة وصعود الليكود الى الحكم.
بهذه الروح سأدعي, بداية,أن هناك تشابهاً مبدئياً, وإن كان هناك اختلاف معين, بين الاستيطان الصهيوني وبين سيرورات الاستيطان الكولونيالي الأوروبي فيما وراء البحار. وسأدعي, ثانياً, ان التغييرات التي طرأت على المجتمع الإسرائيلي بعد 1967 ينبغي فهمها لا بوصفها انتقالاً من مجتمع صهيوني- اشتراكي الى مجتمع يميني- كولونيالي, وإنما بوصفها استمراراً طبيعياً للمشروع الكولونيالي, عبر الانتقال من شكل استيطاني معين الى شكل آخر.
سأعرض هاتين الأطروحتين النظريتين في خمسة فصول:
الفصل الأول يقترح تصنيفاً لنماذج الكولونيالية الأوروبية, ويقارن بايجاز بين الظروف التي سادت في فلسطين واسقاطاتها على الاستيطان فيها, وبين كولونيات أخرى.
الفصل الثاني يحلل الكيفية التي لاءمت حركة “العمل” الصهيونية, بواسطتها, نموذج الاستيطان الأوروبي لاحتياجاتها وللظروف المحلية.
الفصل الثالث يشدد على السمات الخصوصية للاستيطان الصهيوني.
الفصل الرابع يعرض, بايجاز شديد, خصائص الفترة بين 1948 و 1967.
وأخيراً يبحث الفصل الخامس في أنماط الاستيطان الكولونيالي في فترة ما بعد 1967, بالمقارنة مع تلك الأنماط من الفترة العثمانية والانتدابية, وفي اسقاطات هذه الأنماط الجديدة على طابع المجتمع الإسرائيلي.

 

 

شروط الاستيطان ونماذج المستعمرات

 

رفض الاعتراف بالتشابه بين الكولونيالية الأوروبية وبين الاستيطان الصهيوني ناجم ليس فقط عن الحرج الأيديولوجي المنوط بمقارنة من هذا القبيل, وإنما أيضاً عن افتقاد الوعي بشأن التشكيلة المتنوعة لنماذج المستعمرات الكولونيالية, التي أنشئت وتشكلت من طرف الدول الأوروبية العظمى بين القرون السادس عشر والعشرين.
يجدر التذكر بأن الاستيطان الكولونيالي الأوروبي أفرخ أكثر من نموذج واحد للمجتمع الكولونيالي. ويميز الباحثان فيلدهاوس (fieldhouse,1966) وفريدريسكون ( fredrickson,1988) بين أربعة نماذج لمستعمرات كولونيالية مختلفة:
*المستعمرة العسكرية (Occupation colony).
*المستعمرة المختلطة (mixed colony)- وهي خليط بين مجموعات إثنية مختلفة.
*مستعمرة المزارع (plantation colony).
*مستعمرة الاستيطان الطاهر (pure settlement colony) – بمعنى أن جميع السكان, أو معظمهم , هم من الأصل الطاهر للمهاجرين – المستوطنين الأوروبيين.

هدف المستعمرة العسكرية تمثل في تأمين سيطرة عسكرية وادارية على اقليم ذي أهمية استراتيجية. وهذا الغرض تطلب الاحتفاظ بقوة عسكرية في المستعمرة, لا باستيطان مدني واسع. ومثل هذه المستعمرات جرى تأسيسها, على سبيل المثال, في شواطئ آسيا وأفريقيا (يشار هنا ا لى ان أرض اسرائيل نفسها كانت مستعمرة من هذا الطراز بالنسبة لبريطانيا) . النماذج الثلاثة الأخرى هي مستعمرات استيطانية (settlement – colonies), يعني مستعمرات مرتكزة على استيطان سكان أوروبيين وعلى سيطرتها على الموارد الاقتصادية وفي طليعتها الأرض.
الاختلاف بين النماذج الثلاثة لمستعمرات الاستيطان يكمن في أساليب استعمال الأرض.
في المستعمرات المختلطة اضطر السكان المحليون الى تزويد المستوطنين بقوة العمل المطلوبة, لكن من غير أن يسود فيها فصل عرقي تام, ولهذا فإنه بمرور الوقت, انطمست الحدود بين المستوطنين وبين السكان المحليين بواسطة عدة عوامل من بينها الزواج المختلط, هذا الطراز من المستعمرات اتسمت به أميركا اللاتينية تحت الحكم الإسباني أو البرتغالي. وفي ظروف انعدام قوة عمل محلية, رخيصة ومطيعة, استورد المستوطنون الأوروبيون قوة عمل مستعبدة للعمل في مزارعهم.
اكثر النماذج المعروفة لمستعمرة المزارع هذه هو نموذج مناطق زراعة القطن في جنوب الولايات المتحدة, التي كان العمل فيها يتم من قبل عمال زنوج استوردوا من افريقيا خصيصاً لهذا الغرض.
هناك نموذج أخر لمستعمرة المزارع هو جنوب افريقيا, التي جرى فيها استعباد قوة العمل الزنجية المحلية. وفي الحالتين فرضت على العمال مكانة شرعية دونية, بالاضافة الى مكانة اقتصادية دونية.
وخلافاً لهذين الطرازين من المستعمرات الاستيطانية, فإنه في مستعمرة الاستيطان الطاهر انتمى المشغلون والعمال الى جماعة إثنية واحدة, أي كانوا جميعاً من المستوطنين الأوروبييين. وكان شرط هذا الوضع هو طرد السكان المحليين أو ابادتهم.
ويؤكد فريدريكسون ان هذا النموذج من المستعمرات أتاح للمستوطنين إمكانية “أن يحظوا ثانية بشعور التجانس الثقافي أو الإثني, المحسوب على مفهوم القومية الأوروبية” (fredrickson 1988:218-221) وتعتبر المناطق الشمالية للولايات المتحدة واستراليا ونيوزيلندا أمثلة على هذا النموذج الاستعماري.
الى هذا التصنيف النمطي يجب أن نضيف طرازاً أخر, هجيناً, سأطلق عليه اسم “مستعمرة المزارع الإثنية”. وهو طراز يدمج ما بين سيطرة المستوطنين الأوروبيين على الأرض وتشغيل عمال محليين, إنما من خلال حفظ الحواجز والسدود الإثنية بين المجموعات السكانية. وتنمذج على هذا الطراز المستعمرة الفرنسية في الجزائر والمستعمرة الإنكليزية في كينيا.
إن طابع قوة العمل, التي تشتغل في الأرض التي يمتلكها المستوطنون الكولونياليون هو, إذاً, علامة فارقة حاسمة بين أنواع المستعمرات التي أنشأها الأوروبيون خارج تخوم قارتهم. والنظرية العامة, التي تكشف عن الديناميكية الفاعلة في أسواق العمل التي يتم فيها تشغيل عمال من مجموعات إثنية مختلفة- والمستعدين للقيام بعمل مماثل مقابل أجر مختلف-, يقترحها نموذج “سوق العمل المجزأ” (المحزوز), الذي طورته عالمة الاجتماع عيدنا بوناتشيتش (Bonacich,1972).
يوضح هذا النموذج (موديل) أن العمال أصحاب المداخيل العالية نسبياً, وهم عادة عمال “بيض”, يردون على محاولات اختراق سوق العمل من قبل متنافسين ذوي أيدي عمل اكثر رخصاً, وعموماً من بين مجموعات إثنية ليست أوروبية, بانتهاج واحدة من استراتيجيات ثلاث. الاستراتيجيتان الأكثر شيوعاً, بينهما, هما : إنشاء “كاستات” (Castes)- مجتمعات مغلقة متحجرة ومنغلقة على نفسها- أو, بدلاً منها, استراتيجية “الإقصاء” (exclusion). استراتيجية “الكاستات” معناها تقييد العمال المتنافسين بالاشتغال في مهن منخفضة الأجور والمنزلة الاجتماعية. أما استراتيجية “الإقصاء” فمعناها الإبعاد المطلق والتام للعمال المنخفضي الأجور والمنزلة الاجتماعية من سوق العمل. وتؤدي هاتان الطريقتان الى تجزيء سوق العمل بواسطة موضعة العمال من أصحاب الأيدي الرخيصة في أسفل سلم الشغل أو خارج سوق العمل. ورغم الاختلاف فيما بين الطريقتين فإنهما تحققان نتيجة مماثلة واحدة هي : صيانة المكانة العالية نسبياً وكذلك الاجر العالي نسبياً للعمال من المجموعة الاولى. وهناك إمكانية ثالثة هي تشكل تضامن بين فرق العمال من المجموعات الإثنية المختلفة, بهدف مساواة أجور الجميع بالأجر الأعلى اللائق. لكن مثل هذه الإمكانية عادة ما تبوء بالفشل, ولو بسبب احتمال هروب الرأسمال نحو غايات أكثر رخصاً.

 

 

تعلمنا النماذج التاريخية أن المشغلين الكولونياليين الأوروبيين يميلون الى إيثار الأيدي العاملة الأكثر رخصاً, من غير اعتبار الأصل الإثني للعمال. ونتيجة لذلك فإن الشغيلة من مجموعة المشغلين الإثنية بالذات- المعتادين على أجور أعلى من أجور منافسيهم غير الأوروبيين- هم الذين يتم إخراجهم من السوق. وتبطل هذه الديناميكية الاقتصادية فقط عندما يفلح العمال الأوروبيون في الالتفاف على ميكانيزم سوق العمل وفي تطبيق شروطهم المفضلة بواسطة تجزيء السوق, أي : تقييد منافسيهم أو إبعادهم. ويفهم من هذا أن العمال الأوروبيين, الأبهظ ثمناً, يستطيعون صيانة أماكن عملهم وأجرهم العالي نسبياً, فقط عندما يخوضون نضالهم المهني على أساس إثني أو قومي ويجندون من أجل ذلك, قدر الممكن, تأييد جهاز الدولة. فقط الدولة بمقدورها تقديم مخصصات دعم لأجور العمال الأوروبيين العالية (بواسطة فرض ضرائب على عموم السكان) وعبر استخدام شرعية الوحدة الإثنية, القومية أو العرقية.
بالاستناد الى نظرية الأنماط, بحسب فيلدهاوس وفريدريكسون, وعلى موديل بوناتشيتش, يمكن ايجاز الفوارق البارزة بين أنواع المستعمرات الأوروبية. المعيار المميز الأساسي هو ما أبداه المستوطنون, في كل حالة, من اهتمام بالأرض والعمل المحليين. مستوطنو المستعمرة العسكرية لم يكن لديهم شأن لا بالارض ولا بالعمل المحلي, وإنما فقط بالمكان نفسه باعتباره ذخراً استراتيجياً.
اما مستوطنو المستعمرات المختلطة, فقد كان لهم شأن بالأرض وبقوة العمل المحلية على حد سواء.
المستوطنون في الصنفين الآخرين من المستعمرات كان لهم شأن فقط بالأرض المحلية, وتمثل الاختلاف فيما بينهم في أن مستعمرات المزارع استوردت عمالا مستعبدين أجانب (ليسوا أوروبيين) بينما استخدمت مستعمرات الاستيطان الطاهر فقط عمالاً من أبناء جماعات المستوطنين أنفسهم. وثمة تمايز إضافي يتعلق بما أسميه المصلحة الديمغرافية لأنواع المستعمرات المختلفة, أي : التعامل المفضل فيها بين مجموعات السكان وبين الأرض. فالمستعمرة العسكرية تتسم بكثافة منخفضة للسكان المستوطنين على الأرض, بينما تتسم المستعمرة الطاهرة بكثافة عالية للسكان المستوطنين على الأرض, بينما تتسم المستعمرة الطاهرة بكثافة عالية للسكان المستوطنين على الارض. والمستعمرات من النموذج الأخير نجحت, بشكل عام, في ترسيخ نفسها وتأمين استقرارها لمدة اطول من مدة نماذج المستعمرات الأخرى.

ما يهم موضوع بحثنا هو نوعان من مستعمرات الاستيطان:
– النوع الأول : مستعمرات المزارع, على نسق المستعمرات في جنوب الولايات المتحدة وجنوب افريقيا. فهذه المستعمرات اعتمدت على العمل الرخيص وأقامت “حاجزا لونياً” (color bar) من أجل جعل منزلة المستوطنين البيض أعلى من منزلة غير البيض.
– النوع الثاني : مستعمرات الاستيطان الطاهر, على نسق مستعمرات شمال الولايات المتحدة ونيوزيلندا واستراليا, التي آثرت أن تقصي غير البيض من داخلها وأن تبلور مجتمعاً متجانساً من ذوي الأصل الطاهر للمستوطنين البيض.
وحسبما سنبدي في سياق لاحق فإن المهاجرين الصهيونيين في أرض اسرائيل توجب عليهم أن يقرروا الطريق, التي سينتهجونها في صراعهم مع العرب المحليين على العمل والأجور, وكذلك أن يقرروا ماهية مصلحتهم الديمغرافية. والسؤال الذي كان ماثلاً أمامهم ( وإن لم تتم صياغته بهذه التعابير) هو:هل يتم إنشاء مجتمع على نسق مستعمرات المزارع- وعندها يؤدي ذلك الى جعل العرب المحليين “كاسيته” منغلقة منعزلة دونية؟ أم هل يتم, بدل ذلك, إنشاء مجتمع على نسق مستعمرات الاستيطان الطاهر- وعندها يؤدي ذلك الى إقصاء العرب المحليين من سوق العمل ومن المجتمع بصورة عامة؟
قبل أن تتفحص, بشكل تفصيلي, نماذج الاستيطان الصهيوني يتعين علينا أن نستعرض الظروف والشروط, التي كانت سائدة في أرض اسرائيل بالمقارنة مع تلك التي كانت سائدة في مناطق استيطان مجتمعات كولونيالية اخرى, وكذلك الفوارق التي نجمت عن ذلك في طابع الحركات الكولونيالية. وكما سنبين, فإن أرض اسرائيل لم تقترح, بشكل عام, ظروف استيطان مريحة بشكل خاص, ولهذا فإن البدائل التي مثلت أمام المستوطنين كانت محدودة للغاية, وقوة جذب الحركة الصهيونية للجماهير اليهودية بقيت بدورها محدودة.
لنتفحص هذا الأمر بإيجاز :
1- المناطق الإقليمية المعدة للاستيطان الاوروبي اختيرت بموجب اعتبارات اقتصادية او استراتيجية. مقابل هذا فإن المنطقة الإقليمية المعدة للاستيطان الصهيوني اختيرت بموجب اعتبارات معتقدية أو دينية.
2- السكان المحليون الذين تواجه معهم المستوطنون الأوروبيون كانوا, في معظم الحالات, من الرحل أو الصيادين أو تشكيلات لم تكن تمتلك القوة للحد من تقدم المستوطنين. مقابل هذا فإن قسماً ضئيلاً فقط من السكان المحليين في أرض اسرائيل كانوا من الرحل (قبائل البدو) بينما كان معظمهم من المزارعين الذين كان تشبثهم بالأرض اكثر قوة ورسوخاً, وكانت حياتهم أكثر استقراراً.
وبداءاً من النصف الثاني من القرن التاسع عشر أخذت مناطق الاستيطان الزراعي العربية تمتد وتتسع من الجبل نحو السهل الساحلي والأغوار, عبر تنافس مع الاستيطان اليهودي.
3- المستوطنون في المجتمعات الكولونيالية نشطوا, بصورة عامة, برعاية وحماية القوة العسكرية لشركات استيطانية ولدول كولونيالية عظمى. أما المستوطنون في أرض اسرائيل فإنهم, مقابل هذا, نشطوا في البداية دون مثل هذه الرعاية والحماية. وفقط مع بدء الانتداب البريطاني نشأت ظروف مساعدة للاستيطان اليهودي, لكن هذه الفترة المريحة لم تدم طويلاً.
4- في معظم المستعمرات الاوروبية كانت الأرض موجودة بوفرة لكل طالب وبسعر رمزي (وهو ما يعنيه التعبير الاميريكي (free land). أما في فلسطين فأن وضع ملكية الأرض كان مختلفاً تماماً. والإمكانيات التي كانت متيسرة أمام المستوطنين اليهود وصفها في سنة (1903) مناحيم اوسيشكين, أحد قادة حركة “هواة صهيون”, على النحو التالي :
“في سبيل تأسيس حياة- جالية أتونومية يهودية – او على وجه الدقة دولة يهودية في أرض اسرائيل, هناك ضرورة بادئ ذي بدء لأن تكون كل مناطق أرض اسرائيل, أو معظمها على الاقل, ملكاً لشعب اسرائيل… لكن, بحسب المتبع في العالم, كيف يحققون امتلاك الأرض؟ فقط بواسطة واحدة من الطرق الثلاث التالية : بالقوة- عبر احتلالها في حرب, وبكلمات أخرى نهب الارض من ايدي أصحابها, او بالامتلاك عبر القسر, أي : مصادرة الاملاك بقوة الحكومة, وبالامتلاك عبر رغبة أصحاب الأرض” (أوسيشكين, 1934: 105).
الطريقة الاولى أسقطها لأنها “ليست من الرب بتاتاً”, وربما لاعتبار أكثر واقعية مؤداه كوننا في هذا الشأن “ضعفاء أكثر من اللازم”. وبخصوص الطريقة الثانية أثار قدراً كبيراً من الشك في إمكانية الحصول على امتياز (Charter) يتيح للمهاجرين – المستوطنين اليهود مصادرة أراض من أصحابها الأصليين. وهكذا لم يتبق أمامه إلا الاستخلاص بأن الطريقة الوحيدة لتكديس الأراضي في أيدي المستوطنين اليهود هي امتلاكها بالاموال. وبحسب باروخ كيمرلينغ فإن هذه الحالة القهرية- حالة الاضطرار لدفع الأموال مقابل الأرض- قيدت القدرة التوسعية للمستوطنين, وحدت من مستوى عنف عملية الاستيطان في المرحلة الأولية (Kimmerling,1983:106,145-146) .
5- في معظم المستعمرات الأوروبية استطاع المستوطنون تشغيل عمال مستعبدين مؤقتين أو حتى عبيد, كانت كلفة عملهم منخفضة للغاية. وفي غياب حماية قوة خارجية لم تكن في حوزة المستوطنين اليهود في أرض اسرائيل امكانية كهذه, واضطروا للاعتماد على قوة عمل بأجرة.
6- قوة الجذب المحدودة لأرض اسرائيل أدت الى استنكاف يهود كثيرين عن القدوم إليها.وحتى في حالة هجرتهم من أماكن سكنهم فإنهم فضلوا التوجه الى مستعمرات أوروبية اكثر جاذبية, مثل الولايات المتحدة. ولهذا السبب فإنه رغم الزيادة العددية الواضحة لم ينجح المستوطنون اليهود, في اية مرحلة حتى حرب 1948, في أن يصبحوا المجموعة الأكثرية في البلاد.
هذه الظروف, في اجتماعها معاً, كوّمت امام المستوطنين اليهود في أرض اسرائيل العثمانية والانتدابية مصاعب خاصة, إما أنها لم تكن قائمة البتة, أو لم تكن في مثل هذا المستوى, في مستعمرات الاستيطان الاخرى. ويميل باحثون اسرائيليون كثيرون الى أن يروا في هذه الفوارق قرائن على أنه لا ينبغي بحث الاستيطان الصهيوني باعتباره استيطاناً كولونيالياً. وهذا خطأ. إن التحدي البحثي, على خلاف ذلك, هو ان نفهم كيف عملت الحركة الصهيونية في هذه الظروف الخاصة, وكيف أثّرت هذه الظروف على صبغتها الخاصة كحكرة كولونيالية؟ وبصورة أكثر تفصيلية, فإن السؤال الذي نرغب في الإجابة عليه هو : كيف نجحت الحركة الصهيونية في بناء مجتمع ومن ثم دولة, رغم أنه لم تكن في حوزتها تلك الوسائل الرأسمالية والعسكرية التي كانت في حوزة الدول الكولونيالية الأوروبية العظمى؟
الجواب على هذا السؤال ينبغي البحث عنه في اتجاهين : بداية, رغم النظرة من الخارج فمن الواضح أن الحركة الصهيونية استعانت هي أيضاً,وبصورة مكثفة, بموارد خارجية. هذه الموارد الخارجية شملت في الوقت نفسه دعماً سياسياً من طرف دول عظمى مختلفة, بالأساس بريطانيا, وكذلك دعماً مالياً كبيراً من مصادر مختلفة, بالأساس مصادر يهودية.
ثانياً, احتاجت الحركة الصهيونية- وربما أكثر من الحركات الاستيطانية الأخرى- الى الحصافة والليونة. وقد تمثلت براغماتيتها الإبداعية في جانبين كان لهما أثر كبير على شخصيتها : الجانب الأول هو تطوير أسلوب استيطان خاص بها- الاستيطان الكوموني والتعاوني- الذي استند على التعاون بين الحركة الصهيونية وبين حركة “العمل”. هذا الاسلوب وفر تعويضاً عن ظروف البدء غير المريحة,سواء في سوق الأرض أو في سوق العمل. واسلوب الاستيطان هذا كانت غايته, عملياً, إنشاء مستعمرة استيطان طاهر تكون, حسبما هو محدد أعلاه, مستندة على السيطرة على سوق الأرض وسوق العمل, وعلى الهجرة متعددة الأبعاد الى المستعمرة.
الجانب الثاني تمثل في جاهزية التيار المركزي في حركة العمل لتقييد طموحات الصهيونية الإقليمية, بقصد ملاءمتها مع القدرة الاحتمالية الديمغرافية والاقتصادية الضيقة لليهود, ودراسة التأييد والدعم اللذين يمكن تجنيدهما من طرف الدول العظمى في كل مرحلة من مراحل الاستيطان. لكن, وحسبما تشهد على ذلك المواجهة العسكرية المستمرة مع السكان الفلسطينيين, والتبعية التي لم تتوقف نتيجة الاعتماد على المساعدات الاقتصادية من الخارج, فإن إنجازات الاستيطان الصهيوني ظلت جزئية وضيقة. يعني هذا أن المستوطنين الصهيونيين لم ينجحوا, في نهاية الأمر, في التغلب كلياً على المشاكل الخاصة التي وضعها الاستيطان في فلسطين أمامهم.
ننتقل الأن للبحث حول التطور التاريخي للاستيطان الكولونيالي اليهودي في فلسطين.

 

الحلقة الثانية

 

استيطان حركة العمل:
مستعمرة الاستيطان الطاهر,1882 – 1948

لم يتطور الاستيطان الصهيوني في أرض اسرائيل طبقاً لبرنامج مجهز مسبقاً. لقد تطور عبر طريق التجربة والخطأ, التي قادته من مرحلة الى أخرى حتى تبلور في النهاية- منذ الفترة السابقة للحرب العالمية الاولى- نموذج استيطاني فاعل تناسب, سواء بسواء, مع ظروف سوق الأرض وسوق العمل التي سادت في البلاد, ومع النسبة العددية بين السكان وبين خصائص المستوطنين اليهود. ويمكن, في الاستيطان الصهيوني, أن نميز بين ست مراحل للتطور, قابلة لأن تتوزع إلى فترتين رئيسيتين. المراحل الثلاث الأولى تتوازى مع فترة الهجرة الأولى, 1882-1903, التي وصل فيها الى ارض اسرائيل حوالي أربعين ألف مهاجر يهودي. والمراحل الثلاث اللاحقة تتوازى مع فترة الهجرة الثانية, 1904-1914, التي وصل فيها الى أرض اسرائيل حوالي ثلاثين ألف مهاجر يهودي. وفي هذه الفترة عاش في فلسطين حوالي نصف مليون عربي.

المرحلة الاولى في الاستيطان الصهيوني بدأت في 1882 بمحاولة المستوطنين تأسيس مستعمرة استيطان طاهر لمزارعين يهود أصحاب قسائم صغيرة من الأرض. وسعى أفراد موشافات الهجرة الاولى الى توفير رزقهم بواسطة محاكاة الأسلوب الزراعي الذي كان مألوفاً في فلسطين وفي سائر مناطق الشرق الأوسط, أي أسلوب الزراعة البعلية للمنتوجات الحقلية (“موشافه” هي ترجمة لكلمة Colony). لكن سرعان ما اكتشف هؤلاء نواقص هذا الاسلوب بالنسبة لهم والمتمثلة, بأوضح شكل, في كون الدخل منخفضاً ولا يتيح الإمكانية إلا لمستوى معيشة منخفض حتى عن مستوى المعيشة, الذي كان المهاجرون اليهود الفقراء من أوروبا الشرقية معتادين عليه. وبدا واضحاً أنه إذا لم يستطع المهاجرون- المستوطنون اليهود أن يؤمنوا لأنفسهم مستوى معيشة أوروبياً فإنهم سيغادرون فلسطين. وعندما ضاق الحال عليهم, توجه المستوطنون بطلب مساعدة عاجلة الى البارون إدموند دي روتشيلد في باريس. وخلال أقل من سنة, منذ بدء الهجرة الأولى, فرد البارون جهاز حماية إدارية فوق معظم الموشافات اليهودية.

في ظل السلطة الادارية لروتشيلد دارت المرحلة الثانية في تاريخ الاستيطان الصهيوني. وبين السنوات 1882-1900 تحول الييشوف اليهودي الى مستعمرة مزارع إثنية, بهدف أن تؤمن لسكانها مستوى معيشة أوروبياً. وقد استأجر البارون خبراء في الزراعة اكتسبوا تجربتهم في المستعمرات الفرنسية في شمال أفريقيا, وهؤلاء نظموا من جديد زراعة الموشافات. منتوجات الحقل جرى استبدالها بمزارع, وخصوصاً بكروم العنب للنبيذ( schama,1978:63,68,79-80, غلعادي وناؤور, 1982 -39-38). هذا الاستيطان كان مستنداً الى ملكية فردية للمزارع, الى تشغيل قوة عمل عربية موسمية غير مدربة, مطعمة بعدد قليل من العمال اليهود. وأدى تشغيل العرب, من أصحاب الأيدي العاملة الرخيصة, الى تقييد قدرة النمو الديمغرافي اليهودي في أرض اسرائيل بصورة كبيرة. إذ أنه من دون أماكن عمل بأجر معقول لم يكن بالإمكان جذب هجرة يهودية.

يرى الباحثون الإسرائيليون, الذين يعتقدون بأن الاستيطان اليهودي في أرض اسرائيل كان مختلفاً في جوهر الأمر عن الكولونيالية الأوروبية الكلاسيكية, أن تصفية هذا النموذج من الاستيطان, الذي يستند على تراتبية إثنية – عرقية صارمة, تعتبر دليلاً على إدعائهم. وكان عدد من الباحثين الفلسطينيين, أنصار م.ت.ف, هم أول من لفتوا الانظار الى التشابه بين الاستيطان الصهيوني وبين الاستيطان الفرنسي في شمال أفريقيا. لكن ما ينبغي التشديد عليه, كما بيّنا أعلاه, هو أن هذا الطراز من الاستيطان في أرض اسرائيل بدأ بالانحسار منذ العقد الثاني من هذا القرن.

المرحلة الثالثة في تاريخ الاستيطان الصهيوني بدأت بأزمة جديدة. ففي سنة (1900) توقف البارون روتشيلد عن تقديم مخصصات دعم للكروم والمعاصر وطلب تحويلها الى مرافق ربحية.
وفي إطار سياسة التنجيع الصارمة التي انتهجها, اقتلعت الكروم, وتم تخفيض أجور العمال اليهود. ونتيجة لذلك اختار كثيرون منهم مغادرة البلاد, وبذلك تحقق الخطر الحائم فوق رؤوس العمال أصحاب الدخل العالي نسبياً في سوق العمل, الذي توجد فيه قوة عمل بديلة ذات أيد رخيصة, طبقاً لما ينبع عن نموذج سوق العمل المجزأ. في موازاة ذلك حصلت أزمة إضافية, تمثلت في حدوث فترة انقطاع في عملية امتلاك الأرض وتكديسها في الأيدي اليهودية. ونجم هذا الانقطاع عن انسحاب روتشيلد من عمليات امتلاك الاراضي, وعن استمرار امتناع الهستدورت الصهيونية العالمية (التي أنشأها هرتسل في 1897) عن امتلاك الأراضي, قبل تلقي الامتياز من الدول العظمى للاستيطان الصهيوني. وقد ألفى مهاجرو الهجرة الثانية, عند قدومهم, أنفسهم في خضم هذه الأزمة المزدوجة في سوق العمل وسوق الأرض. وكان من نتائج الجمود في سوق الأرض انتقال مركز الثقل في النشاط الاستيطاني الى سوق العمل. ومع انطلاق الهجرة الثانية, في 1904, بدأت مرحلة جديدة, في محاولة السيطرة الصهيونية على فلسطين, هي المرحلة الرابعة في إحصائنا. وكانت هذه مرحلة قصيرة ومحبطة حاول فيها المهاجرون الجدد أن يشتغلوا كعمال زراعيين, من خلال اكتفائهم بمستوى الأجور المدفوعة للعمال العرب, ومحاولة ملاءمة مستوى معيشتهم مع مستوى معيشة هؤلاء الأخيرين.
يتبين, إذاً ,أن هؤلاء المهاجرين الجدد حاولوا, خلال فترة وجودهم الأولى في البلاد, كما حاول الذين سبقوهم من الهجرة الأولى, أن يتبنوا نمط الحياة المحلي. الهجرة الأولى حاولت تبني أسلوب زراعة الأرض الذي اتبعه الفلاح العربي, وحاولت الهجرة الثانية تبني مستوى معيشة العامل العربي. وفي الحالتين جرى التخلي عن هذه المحاولات بعد أشهر معدودة ( رغم أن عمال الهجرة الثانية نجحوا في الاحتفاظ بصورة المزارع المثالي الذي يكتفي بالقليل – اصبح لاحقاً نموذج الطلائعي).
كما رأينا فإن فشل زراعة البعل في الهجرة الأولى أدى الى الانتقال نحو أساليب زراعة رأسمالية ونحو تطوير نموذج لمستعمرة مزارع إثنية. أما إحباط الهجرة الثانية من جراء ضائقة الاجور المتفاقمة فقد أدى, مقابل ذلك, الى الانتقال نحو أساليب استيطان جماعية _قومية أو اشتراكية – قومية, بهدف تأسيس مستعمرات استيطان طاهر, يمكن فيها فقط توفير شغل بأجر معقول – أوروبي- لعشرات ألوف المهاجرين اليهود المعدمين.
مع بداية المرحلة الخامسة اتخذت خطوة حاسمة على طريق إنشاء نموذج استيطاني ثابت وناجح في ظروف فلسطين, عندما قرر العمال اليهود تغيير الاستراتيجية في صراعهم داخل سوق العمل.
وبدل تخفيض أجورهم الى مستوى الأجور المدفوعة للعمال العرب, قرروا أن يطردوا العمال العرب من سوق العمل. وعنى هذا القرار – بتعابير نظرية السوق المجزأ – انتهاج استراتيجية “الإقصاء”. واستأنست هذه الاستراتيجية باسم “احتلال العمل”. وكان المسوغ المركزي في هذا الصراع هو أن توفير أماكن عمل (باجر معقول) للعمال اليهود يعد شرطاً لنجاح مشروع الاستيطان الصهيوني. وكانت دلالة الاحتكار اليهودي للعمل الأسود والعمل الحرفي تعني إقصاء العمال العرب من سوق العمل.
ماذا كانت نتائج الصراع من أجل احتلال سوق العمل في موشافات المزارع من الهجرة الأولى؟ نجاح عمال الهجرة الثانية في إقناع أصحاب المزارع بإيثارهم على العمال العرب المطيعين وأصحاب أيدي الشغل الرخيصة كان محدوداً جداً, ومحاولتهم الرامية الى احتلال سوق العمل لم تتكلل بالنجاح. لكن, سوية مع ذلك, كان لصراعهم هذا تأثير حاسم على مسار تطور الاستيطان الصهيوني. فالصراع من أجل “احتلال العمل” حدد الوعي القومي للعمال وبلورهم كجماعة قومية مقاتلة في الجالية اليهودية. وبينما قال مزارعو الموشافات بوجوب إقامة مستعمرات مزارع يهودية تستند على عمل عربي, رفع العمال راية الاستيطان اليهودي والعمل اليهودي المنعزلين كطريق للتجسيد القومي. وقد اصطبغ المركب الاشتراكي في تفكيرهم بلون المفارقة الساخرة.
فهم الذين كانوا يعارضون استغلال العمال العرب, حلّوا المشكلة بطريق النضال لمنع تشغيل عمال عرب.
ولم يكن في مقدور برنامج العمال اليهود القاضي بإقامة مستعمرة استيطان طاهر, يعني بنقاء تام للمستوطنين اليهود, أن يتحقق دون دعم ومساعدة من طرف الهيئات الصهيونية الاستيطانية. وقد وجد العمال “روتشيلدهم” في شخص الهستدروت الصهيونية العالمية. فبينما حاول البارون روتشيلد أن يحاكي في أرض اسرائيل نموذج الاستيطان الفرنسي من شمال أفريقيا , حاولت الهستدروت الصهيونية أن تحاكي في أرض اسرائيل نموذج الاستيطان البروسي من شرق ألمانيا.
وهكذا فإنه مع انطلاق النشاط الاستيطاني للهستدروت الصهيونية في 1909, بدأت المرحلة السادسة في مراحل تطور الاستيطان الصهيوني في أرض اسرائيل.
وتمت صياغة النموذج الاستيطاني الجديد من قبل رئيسي “شركة تمهيد الييشوف” (هحفراه لهخشرات هييشوف), أوتو فاربورغ وأرثور روبين, عبر محاكاة واعية ومعلنة لنموذج “الاستيطان الكولونيالي الداخلي” الذي طورته حكومة بروسيا من أجل إنشاء أكثرية ألمانية في مناطق الحدود الشرقية لبروسيا (Reichman&Hasson,1984) .هذه المناطق جرى ضمها الى بروسيا في أعقاب تقسيم بولندا بين روسيا والنمسا وبروسيا, في نهاية القرن الثامن عشر, وكان يقطنها سكان بولنديون. في النصف الثاني من القرن التاسع عشر استنفرت الحكومة البروسية وعدد من القوميين الألمان, بينهم عالم الاجتماع الشاب ماكس فيبر, بعد أن أدت الأزمة الزراعية في شرق ألمانيا الى هجرة جماعية للعمال الزراعيين الألمان نحو المدن في ألمانيا, وكذلك نحو الخارج (الى الولايات المتحدة), والى استبدالهم بعمال بولنديين. ورأت الاوساط المذكورة, بقلق, أن هذه العملية معناها “إلغاء تأميم” هذه المناطق. ومن أجل مواجهة ذلك أقام المستشار بيسمارك مصلحة استيطان حكومية امتلكت ضياعاً لنبلاء بروسيين هاجروا منها وباعتها بشروط مريحة, بعد أن تم تقسيمها الى وحدات صغيرة, لمزارعين ألمان انتقلوا الى المنطقة. بهذه الطريقة بلورت الدولة البروسية خطة طوارئ قومية لتوطين المناطق المختلف عليها والتي خافت أن تفرغ من السكان الألمان. وكانت هذه مبادرة اقتصادية سياسية- قومية للالتفاف على ديناميكية السوق الاقتصادية.

في نهاية العقد الأول من القرن العشرين تبنت حركة الاستيطان الصهيوني هذا النموذج البروسي, بعد أن أضافت عليه مداميك أخرى مستقرضة من حركات التعاونيات والإصلاح الزراعي في ألمانيا. وكانت نتيجة ذلك نظرية “التعاونية الاستيطانية” التي صاغها وبلورها عالم الاجتماع الألماني اليهودي الصهيوني فرانتس أوبنهايمر. هذه النظرية, في صيغتها التي تشدد على المركب “الكوموني”, أرست مبادئ إحدى أكثر مؤسسات الاستيطان الصهيوني خصوصية, وهي مؤسسة “الكيبوتس”.

لقد شكل “الكيبوتس” حجر الزاوية في تطوير قطاع اقتصادي تعاوني واسع يضم نشاطاً اقتصادياً شاملاً ومركباً يشمل, بدوره, إنتاجاً وتسويقاً واستهلاكاً وتمويلاً ومواصلات وغير ذلك.
و”الكيبوتس” هو التعبير الأكثر وضوحاً عن استراتيجية احتلال الارض واحتلال العمل, التي انتهجها المستوطنون- العمال اليهود في أرض اسرائيل. وكانت أراضي الكيبوتس “قومية”, أي : بملكية “الكيرن كاييمت”, وقد أودعت في أيدي اليهود من أجل خدمة غاية قومية, وبهذا فقد تم إخراجها من إطار سوق الأرض الرأسمالي. والكيبوتس بدوره, أخرج شغل أعضائه من إطار سوق العمل الرأسمالي, وبهذا فقد وفر لهم سوق عمل مغلقاً لليهود فقط.
هكذا ادى فشل العمال اليهود في محاولتهم الأولية لتجزيء سوق العمل في الموشافات اليهودية, في المحصلة, الى استراتيجية تجزيء أصلية للسوق, سواء سوق الأرض أو في سوق العمل.
و”الاستيطان العامل”, وهي التسمية التي كان يطلقها على نفسه القطاع الزراعي الكوموني والتعاوني لحركة العمل, صار عملياً يشكل “جزءاً من سوق”, منفرداً ومنعزلاً, يقف في صلب النشاط الاقتصادي اليهودي بكليته, وفيه جرى حل المشكلة الأساسية التي نعالجها- مشكلة توفير شغل ومستوى معيشة عال نسبياً (أوروبي) للعمال من أبناء المجموعة الكولونيالية, عبر إقصاء فعلي أو بالقوة للمتنافسين المحليين من سوقي الأرض والعمل.

وقد تصدى مشروع الاستيطان الصهيوني في فلسطين لوضع خليط خاص من الحلول في سبيل التغلب على العقبات التي تعترض في العادة طريق مجتمعات من هذا القبيل, وعلى العقبات التي اعتبرت خصوصية بسبب الظروف المحلية سواء بسواء.
في واقع الأمر فإن الكثير من المشاكل, التي انتصبت أمام مستعمرات الاستيطان الطاهر, كانت مماثلة, وكذلك كانت حال كثير من الحلول التي أوجدوها لها. غير أن النتيجة النهائية كانت, بطبيعة الحال, خصوصية لكل حالة.
في الحالة التي أمامنا, اعتمد الاستيطان الصهيوني في أرض اسرائيل على ركنين أساسيين : الكيرن كاييمت التابعة للهستدروت الصهيونية العالمية وهستدروت (نقابة) العمال العبريين.
مهمة الكيرن كاييمت تمثلت في إخراج الأرض من إطار السوق التنافسية ونقلها الى ملكية يهودية, عبر منع انقلاب العملية على جهتها النقيضة (أي : امتلاك الأرض مرة اخرى من طرف العرب). وعلى النسق نفسه كان هدف هستدروت العمال العبريين إيجاد أماكن عمل ومصادر رزق خارج سوق العمل, الذي اضطر العمال اليهود في إطاره الى التنافس مع الأيدي العاملة الرخيصة للسكان العرب.
على هذا الأساس يمكن القول, إذن, إن المنظمتين- الكيرن كاييمت وهستدروت العمال- أدتا معاً دوراً مماثلاً في الاستيطان الصهيوني – دور تحييد جهاز السوق ونقل الأرض والعمل الى السيطرة اليهودية فقط. وكل ذلك بهدف زيادة عدد السكان اليهود لجعلهم أكثرية في أرض إسرائيل.

 

 

السمات الخصوصية للاستيطان الصهيوني حتى 1948

سأشدد على ثلاثة جوانب في تطور وصبغة نموذج الاستيطان الصهيوني الطليعي, الذي تبلور من قبل حركة العمل عشية الحرب العالمية الأولى وجرى تطبيقه حتى 1948.
أولاً : الهجرة الثانية تمردت على نموذج مستعمرة المزارع الإثنية, التي صممتها الهجرة الأولى (على نسق المستعمرة الفرنسية في الجزائر), وذلك لأن هذا النموذج لم يتمكن من تأمين شغل كاف وأجر معقول للعمال اليهود. بدل ذلك بلورت الهجرة الثانية نمطاً أخر للاستيطان الكولونيالي – مستعمرة استيطان طاهر (على نسق المستعمرات الأوروبية في شمال أميركا واستراليا), كان المشغلون والشغيلة فيها من أبناء المجموعة الإثنية المستوطنة والمسيطرة على الأرض. ولأن هذا النمط الاستيطاني خدم المصلحة الديمغرافية الصهيونية, المتمثلة في جذب هجرة جماعية, فقد حظي بتأييد الهستدروت الصهيونية العالمية (shafir,1991).
ثانياً: دلالة إنشاء مستعمرة استيطان طاهر كان معناها تجزئة أو تقطيع أوصال الاقتصاد في أرض اسرائيل. وأوجدت هذه الإستراتيجية اقتصاداً منفرداً, إلى جانب اقتصاد المزارع من الهجرة الاولى والاقتصاد الفلسطيني. وكانت هذه هي الدفيئة التي نبتت داخلها الدولة اليهودية العتيدة. المفهوم الوظيفي يعرض الاقتصاد والمجتمع الفلسطيني واليهودي في أرض إسرائيل كما لو أن كلاً منهما منفرد عن الأخر, يتطور من منطلق ديناميكيته الداخلية. خلافاً لذلك فإن مقاربة السوق المجزأ (المحزوز), المطبقة في تحليلنا هنا, لا تقول بغياب الرابطة والصلة بين الاقتصادين والمجتمعين, وإنما عكس ذلك تماماً, تصف كيف أن هذين الاقتصاديين والمجتمعين نبتا وتناميا من خلال برنامج مشترك, وواصلا التبلور عبر الدمج المتناقض الذي نعمق البحث حوله. الاقتصاد الواحد هو صورة مرآة عن الثاني. التطور اليهودي كان مشروطاً بإقصاء العرب, وإقصاء هؤلاء كرس الفجوة في الموارد التنظيمية والاقتصادية بين المجموعتين.
ثالثاً : صراع العمال اليهود ومنظماتهم ضد تشغيل عمال عرب, لم يؤسس فقط نموذج الاستيطان الخصوصي الموصوف أعلاه, وإنما صمم أيضاً السياسة الجغرافية- الديمغرافية لحركة العمل. وقد سبق للباحثة المؤرخة أنيتا شبيرا أن توقفت عند نقطة أن إنشاء مناطق استيطان يهودية منفردة- وهو ما يمكن اعتباره تحصيل حاصل تجزئة سوقي الأرض والعمل التي وصفناها- ادى في نهاية الامر الى التنازل عن تلك المناطق من أرض إسرائيل التي لم تنوجد فيها أكثرية يهودية, وبذلك أسهم في تقسيم البلاد (شبيرا, 1977: 26).
إعطاء أفضلية لـ “الديمغرافيا” (أكثرية يهودية في جزء من البلاد) على حساب الـ “جغرافيا” (أقلية يهودية مسيطرة على جميع أنحاء البلاد) أصبح ماركة متميزة بارزة للتيار المركزي في حركة العمل. وقد تمثلت المصلحة الديمغرافية لحركة العمل في زيادة كثافة السكان اليهود. وبما أن الهجرة اليهودية لم توفر “الأعداد” المطلوبة, لم يكن من الممكن احراز النتيجة المنشودة إلا بواسطة الاكتفاء بمنطقة سيطرة يهودية مقلصة نسبياً. ورغم أنه في البداية كان جميع الصهيونيين, بلا استثناء تقريباً, من مريدي أرض إسرائيل “الكاملة” فإنه في سنوات الثلاثين ( في 1937 ضمن سياق برنامج لجنة بيل لتقسيم البلاد) وفي سنوات الأربعين (في 1947 في سياق الرد على برنامج التقسيم الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة) بات قسم كبير من حركة العمل جاهزاً ومستعداً لقبول تقسيم البلاد, بين دولة يهودية وبين دولة فلسطينية أو أردنية. هذه الجاهزية لم تنجم, بحال من الأحوال, عن مسالمة متأصلة في قيم حركة العمل- كما يميل الى الاعتقاد الكثير من الباحثين الإسرائيليين- وإنما كانت ناجمة بالذات عن حربجية هذه الحركة. فإنها من منطلق الدفاع القتالي عن المصالح الاقتصادية للعمال اليهود, انتهجت استراتجية تجزئة السوق وإقصاء العمال العرب منه. وغاية هذه الاستراتيجية كانت, إذن, الحدّ من الصعوبات الاقتصادية التي انتصبت أمام الاستيطان الصهيوني من جراء الواقع الديمغرافي, الذي شكل الفلسطينيون فيه أكثرية السكان.

وتطلب الجهاز المحصن، الذي أوجدته حركة العمل، خصوصية حصرية أو على الأقل أكثرية يهودية. ويجدر التشديد هنا على أن الخصوصية الحصرية متعددة الألوان، ونموذج الاستيطان لحركة العمل يمكن وصفه بأنه مستعمرة استيطان طاهر محدود- أي: انها تسعى الى أكثرية يهودية، لكن في جزء من البلاد. مقابل هذا فإن مستعمرة استيطان طاهر مطلق كانت ستسعى الى أكثرية يهودية في كل البلاد، ومثل هذا الأمر لم يكن بالإمكان تحقيقه الا عبر طرد جماعي للسكان العرب.

إجمالاً، أقول إن حركة العمل سعت إلى إنشاء مستعمرة استيطان طاهر ذات طابع خصوصي، هي تلك التي توجد فيها أكثرية يهودية في جزء من البلاد. وزعماء حركة العمل، على نسق زعماء صهيونيين آخرين، أرسوا الاستيطان اليهودي من خلال مرساة الحقوق التاريخية لليهود في أرض إسرائيل، لكنهم سوية مع ذلك شددوا على أن البلاد تشترى بالعمل، ولهذا فعلى المستوطنين أن يكونوا عمالها. وكانوا على استعداد لتقييد التوسع الأرضي لهذه المستعمرة ، شريطة تأمين عمل يهودي في المنطقة الخاضعة للسيطرة الصهيونية. ويمكن القول إنه بهذه الطريقة واجهت حركة العمل خيبة الأمل الناجمة عن تضاؤل الهجرة اليهودية إلى أرض إسرائيل.

ومن المفارقات الساخرة، في هذا الصدد، أن السعي إلى الخصوصية الحصرية الديمغرافية – أي: السعي إلى انشاء مجتمع يهودي متجانس عبر إقصاء العمال الفلسطينيين من سوق العمل اليهودي- أدى إلى ما أسميناه التقييد-الذاتي الجغرافي. وهكذا فتحت ثغرة أمام إمكانية تسوية إقليمية بين الصهيونية وبين الحركة القومية الفلسطينية، التي نمت وترعرعت على خلفية مقاومة الهجرة والاستيطان الصهيوني في فلسطين.

 

الحلقة الثالثة

 

المتغير والثابت في السياسة الكولونيالية : 1948-1967

 

البرغماتية الإقليمية السالفة لحركة العمل، التي نجمت عن تبصّر إزاء مسألة السكان والعمل، جنت ثمارها في فترة ما بعد 1948. ففي المجال الديمغرافي حظيت إسرائيل، في تلك الفترة، بموجة الهجرة اليهودية الأكبر في تاريخها, وقد حصلت في موازاة هروب وتشريد أكثرية السكان الفلسطينيين. وفي المجال الجغرافي تمّ تنفيذ التقسيم العملي لأرض إسرائيل، وللمرة الأولى، والوحيدة، تأمّن وجود أكثرية يهودية في مناطق البلاد التي خضعت للسيطرة اليهودية. وبدا أن خطة الاستيطان الطاهر طبقت مرة واحدة وإلى الأبد. وتميزت الفترة بين حرب الاستقلال (1948) وبين حرب الأيام الستة (1967) بسمة التجانس الإثني النسبي للسكان الإسرائيليين، ولهذا فإنها لا تنفك تشكل حتى يومنا هذا غاية نوسطالجية (حنينية) لكثير من الاسرائيليين، الذين يبدو لهم ذلك الواقع أنسب بكثير من وضعية الخليط الإثني، التي نشأت بعد حرب 1967.
في هذه الفترة بدأت عملية الاستبدال الجزئية للمبنى المؤسساتي الحصري-اليهودي، من فترة جالية الييشوف والحركة الصهيونية، بمؤسسات دولانية تعتمد، نظريًا على الأقل، على مبدأ المساواة المدنية. غير أن استمرار بقاء مؤسسات أقيمت وتطورت في فترة الييشوف بهدف إقصاء العرب، حال دون التطبيق الفعلي للمساواة المدنية بين اليهود والعرب.

صحيح أن المنظمات العسكرية وشبكات التعليم ودوائر التشغيل، التي كانت تابعة لحركات سياسية يهودية، الغيت وأخلت مكانها لأجهزة الدولة، لكن بموازاة ذلك ظلت في أوج نشاطها جميع المؤسسات الكولونيالية للحركة الصهيونية وحركة العمل. وهذه بقيت تؤدي أدوارها المقصورة على خدمة السكان اليهود عبر التجاهل التام للسكان العرب. وتندرج في عداد أهم هذه المؤسسات الوكالة اليهودية والهستدروت الصهيونية والكيرن كاييمت، وكذلك هستدوت (نقابة)العمال. ورغم أن الجماهير العربية، داخل تخوم “الخط الأخضر”، حظيت بحق الاقتراع للبرلمان الاسرائيلي (الكنيست) إلا أنها عزلت عمليًا عن المجتمع اليهودي حتى سنة (1965) بواسطة الحكم العسكري الذي فرض عليها. وبعد هذا التاريخ أيضًا ظلت مشاركتها في سوق العمل خاضعة لسيطرة دوائر التشغيل التي خدمت العمال اليهود أولاً وقبل كل شيء.

في الإجمال العام، أقول إنه في الفترة ما بين 1948 و1967 تشققت صدوع كثيرة في الإطار المؤسساتي الصهيوني الحصري. غير أن المبادئ العالمية للمواطنة في إطار الدولة ظلت في خانة الخاسر، سواء في أعقاب التركيز الكبير للموارد تحت سيطرة مؤسسات الدولة وحركة العمل، أو في أعقاب إخضاع المواطنين العرب لهيمنة مؤسسات الاستيطان الكولونيالي، التي واصلت نشاطها إلى جانب مؤسسات الدولة وأحيانًا بدلاً منها.
ورغم التناقض العلني الصارخ بين المبادئ المدنية العالمية المعلنة للدولة، وبين التقسيم الفعلي للسكان إلى مجموعات مختلفة بحسب مبادئ انفرادية، بقي هذا الوضع على ما هو عليه. وهكذا فإنه بالرغم عن النية المعلنة بشأن إقامة “دولة حديثة”، طبقًا للنموذج الديمقراطي الغربي، فإن الذي بقي عمليًا هو وضع الانفصال الإثني ، الذي نشأ في الفترة السابقة لإقامة الدولة في سبيل إيجاد ظروف مريحة للاستيطان الصهيوني.

 

 

راديكالية بعد 1967: بين الصهيونية الجديدة وما بعد الصهيونية
أوجدت حرب 1967 ظروفًا لتطرّف عملية الاستيطان الكولونيالي الصهيوني.بعد هذا التاريخ أصبحت الطريق سالكة لاستبدال نموذج الاستيطان المجزّأ، الموصوف أعلاه، بنموذج استيطان آخر يستند على سيطرة مجموعة المستوطنين على السكان المحليين، أو على طرد هؤلاء من جميع المناطق الخاضعة لسيطرة المستوطنين. بكلمات أخرى انقطعت الصلة أو الرابطة بين المركّب الديمغرافي وبين المركّب الجغرافي، التي كانت قيدًا على عملية الاستيطان الكولونيالي الصهيوني. والذي أتاح ذلك هو، بطبيعة الحال، السيطرة على تلك المناطق بصورة عسكرية والتفوق العسكري لإسرائيل، الأمر الذي افتقر إليه المستوطنون في فترة ما قبل الدولة. وهكذا فإن نموذج الاستيطان الظاهر المحدود أخذ يخلي مكانه لنموذج الاستيطان الطاهر المطلق، الذي كانت منظمة “غوش ايمونيم” أول من بدأ بتطبيقه.

ومع هذا التطور بدأ يتشكل تشابه واضح بين الاستيطان الكولونيالي الإسرائيلي في المناطق المحتلة منذ 1967، وبين حركات استيطان كولونيالية أوروبية سابقة في مناطق مختلفة من العالم. ويرجع مصدر التقاطب الأيديولوجي –السياسي، الذي حصل في المجتمع الإسرائيلي بدءًا من 1967 بشأن الموقف من المناطق المحتلة، إلى خلاف بين مؤيدي نموذجين مصغرين مختلفين للسياسة الكولونيالية من نموذج الاستيطان الطاهر: من جهة مؤيدو النموذج الطاهر المحدود، المستعدون للتنازل عن مناطق مقابل تجانس إثني، ومن جهة أخرى مؤيدو النموذج الطاهر المطلق، الطامعون في الانتشار على كل المناطق، مفترضين أن السكان الفلسطينيين بالإمكان السيطرة عليهم أو طردهم. الخلاف، إذًا ,هو بين من يؤيدون الخصوصية- الحصرية اليهودية، وإن بأصناف مختلفة، لا بين مؤيدي هذه الخصوصية-الحصرية وبين معارضيها.
وعمليًا ألغت حكومات إسرائيل بعد 1967، بدءًا من الحكومات التي كانت برئاسة حزب “العمل”، تقسيم أرض إسرائيل الذي نشأ بعد حرب 1948. و”برنامج ألون” ، الذي شكل هاديًا ومرشدًا لمبادرات الاستيطان من طرف حزب “العمل” بعد حرب “الأيام الستة”, أعدّ تحت تأثير تدوين الحسابات الديمغرافية-الجغرافية القديمة لحركة العمل. وكانت غاية هذا البرنامج ترسيخ وجود إسرائيلي ثابت في المناطق الاستراتيجية في الضفة الغربية، من خلال شمل حدّ أدنى من السكان الفلسطينيين في تخوم المناطق المعدّة لأن تبقى خاضعة لسيطرة إسرائيل، ولهذا فقد تمحور البرنامج حول تشجيع الاستيطان اليهودي في غور الأردن ذي الكثافة السكانية المنخفضة. مع ذلك، فإن إحدى الحكومات برئاسة حزب “العمل” صادقت على إقامة المستوطنات “غير الشرعية” في منطقة “غوش عتصيون” والخليل (ومن هذه المستوطنات ظهر زعماء منظمة “غوش إيمونيم”، في فترة لاحقة). وبهذه المصادقة انجرّت تلك الحكومة وراء سياسة توسع إقليمي بالتقسيط. وجرى توسيع المناطق المشمولة في “برنامج ألون”، بمقدار كبير، في سنة (1973)، عبر “برنامج غليلي” الأكثر غلواءً. وبشكل تدريجي حدثت نقلة كبيرة في المفاهيم والتصورات السابقة حول المناطق الحدودية والاستيطان، بدءًا من الاستيطان الأمني، مرورًا بالاستيطان ذي الدوافع الدينية-المسيحانية، وانتهاء باستيطان الأطراف غير الأيديولوجي (Shafir, 1948). ويمكن الوقوف على التغيير البعيد الأثر في العلاقات بين الشعبين من خلال المجالات الثلاثة المهمة في أية عملية استيطانية كولونيالية ، وهي الأرض والعمل والديمغرافيا.

سوق الأرض:
__________
الطريقة الرئيسة لتحصيل الأرض في الماضي- امتلاكها بالمال- استبدلت بالطريقتين اللتين قال عنهما أوسيشكين انهما “ليستا من الرب”: طريقة الاحتلال العسكري وطريقة المصادرة الإدارية. ومع اتساع اللجوء إلى استعمال هاتين الطريقتين، في سبيل تكديس الأراضي لصالح الاستيطان اليهودي، بدأ يتقلص أكثر فأكثر الفارق بين نموذج الاستيطان الكولونيالي الإسرائيلي، وبين نموذج الاستيطان الكولونيالي التاريخي للدول الأوروبية العظمى.
وفي ظل حكومات “الليكود” تغيرت أيضًا، بصورة جوهرية، الخلفية النظرية لتمدّد المستوطنات اليهودية في المناطق . في فترة الييشوف، وكذلك بعد 1967، في إطار “برنامج ألون”، كان نشر المستوطنات اليهودية يتم بصورة “ملزوزة” ومتتابعة لتسهيل التتابع الإقليمي، ولإقصاء السكان الفلسطينيين من المناطق المعدّة لأن تشملها الدولة اليهودية ولترسيم حدّ التوسع المستقبلي.
مقابل هذا فإن برنامج الاستيطان لحكومات “الليكود”، الذي صممه وصاغه مدير قسم الاستيطان في الوكالة اليهودية من قبل “الليكود”، متتياهو دروبلس، سعى إلى توزيع المستوطنات اليهودية بين المدن والقرى العربية لكي يمنع تواصلاً اقليميًا فلسطينيًا من شأنه أن يشكل نواة لدولة فلسطينية عتيدة. بكلمات أخرى فإن نموذج الاستيطان والتمدّد الجديد سعى الى ابطال أهمية الوجود الديمغرافي الفلسطيني أو، على الأقل، الى التغاضي عن هذا الوجود بصفته عاملاً يحدّ من التمدّد الجغرافي اليهودي (Shafir, 1984:820).

سوق العمل:
__________
طرأت على علاقات اليهود والعرب في سوق العمل أيضًا تغييرات بعيدة المدى، مقايسةً مع ما كانت عليه في فترة الييشوف، فإن سيطرة الهستدروت على سوق العمل في دولة إسرائيل بعد (1948) وضعت حدًا لخطر التنافس من جانب الأيدي العاملة العربية الرخيصة. وبذلك أصبح بالإمكان تبديل وإقصاء الفلسطينيين من إطار السوق (بواسطة إنشاء قطاع يهودي منعزل) بموضعتهم داخل السوق ضمن “كاسيته” شغل دونية الحيثية والأجر (Shalev, 1989:104-115) وبعد (1967) اتسعت هذه “الكاسيته” بصورة كبيرة، إلى درجة تشغيل حوالي (100) ألف فلسطيني من الضفة الغربية وقطاع غزة في مرافق الاقتصاد الاسرائيلي. ونتيجة لإجراءات التباطؤ الاقتصادية في أعقاب حرب يوم الغفران في (1973)، وارتفاع نسبة البطالة في مناطق الضائقة، تعالت من جديد الأصوات المطالبة بتجزئة السوق، عبر إقصاء العمال العرب من إطاره.
وفي هذه المرة طرحت هذه المطالبة مترافقة مع أيديولوجية عنصرية عامة، من قبل حركة “كاخ” التي أسسها مئير كهانا (شفير وبيلد، 1986، 107-108، Peled, 1980: 117-118).
المصلحة الديمغرافية:
________________
عملية شمل الفلسطينيين، بأعداد آخذة في الازدياد، في سوق العمل الإسرائيلية, وإن كان ذلك في إطار “كاسيته” دونية فيه، أوجدت ضغوطًا جديدة، فإن أكثرية السكان الفلسطينيين في المناطق المحتلة في (1967) لم تهرب ولم تُطرد بعد الحرب. ونسبة الولادة في هذه المناطق كانت أعلى بكثير من نسبة الولادة الإسرائيلية. ومثل البروتستانت في إيرلندا الشمالية أو الناطقين بالإنكليزية في كويبك (كندا)، خاف الإسرائيليون من “انتقام الأسرة” الذي يهدّد بتغيير النسب الديمغرافية بين الطرفين. وهكذا فإن إهمال التقييد-الذاتي الإقليمي، إثر صعود “الليكود” إلى الحكم في (1977)، أدى إلى وضع إسرائيل وجهًا لوجه أمام دلالات هذه الوقائع الديمغرافية بالنسبة لها.
قاعدة النزعة العالمية والاشتراكية في الحركة الصهيونية كانت، على الدوام، ضيقة للغاية. التغييرات في مجالات الأرض والعمل والديمغرافيا، الموصوفة أعلاه، أدت ليس فقط إلى اهمال اشتراكية حركة العمل، وإنما أيضًا إلى إهمال التقييد-الذاتي التقليدي لهذه الحركة في موضوع التوسع الإقليمي. ومقاربتها البرغماتية لمشكلة المناطق الجغرافية نجمت منذ البداية عن وعيها بإزاء النسب العددية بين الشعبين، ومنذ (1967) فإن الحكومات المختلفة في إسرائيل- من البداية حكومات “العمل” نفسها بشكل متردد، وبعد ذلك حكومات “الليكود” بشكل منفلت العقال- تحاول مواراة هذا الوعي، لكي تبعد عقبةً عن طريق سياسة توسع إقليمية لا تعرف الحدود. الانقلاب في الثقافة السياسية الإسرائيلية من العالمية إلى الانفرادية، أو من مبدأ المواطنة إلى مبدأ الانتماء الأصلي- الإثني (primordialism) – أنظر (Harkabi, 1988; Lustick, 1988; Kemmerling 1985; Cohen, 1989) هو تعبير عن محاولة للتحرر من نموذج الاستيطان الذي جرى سبكه في فترة الييشوف. وازدياد تأثير الثقافة السياسية، التي يمثلها الحلف الوثيق بين “الليكود” وبين “الحزب الديني الوطني” (همفدال)، وكذلك الانحسار في مكانة الثقافة السياسية الديمقراطية الرسمية، وأحيانًا الانحسار حتى عن الحداثة نفسها في مكانة المجتمع الإسرائيلي، ينبغي فهمهما باعتبارهما انقلابًا ثقافيًا ناجمًا عن تغيير نموذج الاستيطان الكولونيالي.

ويتأرجح رافعو لواء الثقافة السياسة الجديدة-الصهيونية الجديدة- بين جناحين: جناح صغير ومتطرّف تتوق نفسه إلى مستعمرة طاهرة وحصرية لا يكون فيها فلسطينيون. والى هذا الجناح ينتسب المتمسكون بمخططات الطرد (“ترانسفير”) على اختلاف انواعهم، وفي مقدمتهم أحزاب وحركات مثل “كاخ” و”تسومت” و”موليدت”. والثاني جناح كبير أقرب إلى الوسط، تتوق نفسه إلى مستعمرة تعيد إلى الأذهان مستعمرة المزارع، التي تكون المجموعة المستوطنة فيها مسيطرة على مجموعة أكثر دونية منها. ويدخل في عداد هذا الجناح التيار المركزي في “الليكود” ومنظمة “غوش إيمونيم”.

وكرد مضاد على تفشي الثقافة السياسية الجديدة، الصهيونية الجديدة، جرت عملية “ردكلة” في أوساط أجزاء من حركة “العمل” والحركات الأخرى التي على حوافها. هؤلاء يبلورون نزعة عالمية جديدة- ما بعد الصهيونية. ويطالب مؤيدو هذه النزعة بمساواة حقوق المواطن في إسرائيل بين العرب واليهود.
غير أن الصهيونية الجديدة وما بعد الصهيونية تبدوان، في نظر الكثير من الاسرائيليين المتشبثين بالصهيونية “الكلاسيكية” لحركة العمل، كفرًا بالجوهر. هؤلاء يؤثرون التشبث بعالم مضى ولم يعد قائمًا، والتغاضي عن التغييرات الحاصلة في المجتمع الإسرائيلي خلال العقود الأخيرة.
بالنسبة لي، يبدو ان المعركة المستقبلية على صبغة المجتمع الإسرائيلي ستدور رحاها على الطيف (Spectrum) الموسوم في حدّه الأول من قبل الصهيونية الجديدة، وفي حدّه الثاني من قبل ما بعد الصهيونية.

______________________________________________
(هذه المقالة مترجمة عن نصّها العبري الذي ظهر في كتاب “المجتمع الإسرائيلي: وجهات نظر انتقادية” (منشورات “بريروت”، 1993)، من اعداد وتحرير: أوري رام. وهي معتمدة، بالأساس، على كتاب للمؤلف صدر بالانكليزية هو Gershon Shafir, 1989; Land, Labour and Origins on the Israel-Palestinian Conflict 1882-1914, Cambridge: Cambridge University Press.)

 

 

المصادر
(يحتوي هذا الثبت على جميع الكتب والمقالات التي جرت الإشارة اليها في متن المقال، حيث كانت الاشارات مختصرة)

المصادر العبرية:
____________

– أوسيشكين، مناحيم. 1934: “برنامجنا”، من “كتاب أوسيشكين”، القدس، لجنة إصدار الكتاب.
– غلعادي، دان، ومردخاي ناؤور. 1982: “روتشيلد : أبو الييشوف” . القدس: “كيتر”.
– سيفان، عمانوئيل، 1989: “عشية السنة الثالثة للانتفاضة”. “هآرتس”، (8) كانون الأول/ديسمبر.
– شفير، غرشون، ويوآف بيلد. 1986: “خصائص اجتماعية-اقتصادية لمصادر التصويت لمئير كهانا”. مجلة “الدولة ، نظام الحكم والعلاقات الدولية”، عدد (25): 115-129.
– شبيرا، أنيتا. 1977: “النضال الخائب: الخلاف حول العمل العبري، 1929-1939″. تل أبيب، “هكيبوتس همؤحاد”.

ترجمة وتقديم: أنطوان شلحت(الحلقة الأولى ) ( تاليف غرشون شفير)