في الضفة الغربية باستثناء القدس الشرقية يعيش نحو 236 الف مستوطن في 155 مستوطنة

وفي مثلها من البؤر الاستيطانية
التي دعى رئيس الوزراء الاسرائيلي الى اقامتها على رؤوس الجبال والتلال عندما كان وزيرا للبنى التحتية في عهد بنيامين
نتنياهو، جاءت دعوة شارون تلك في سياق الحديث عن خريطة المصالح الاستراتيجية التي طرحها بالتعاون مع وزير الدفاع في
حينه اسحق مردخاي.
من يعود بالذاكرة الى الوراء ويستذكر خريطة المصالح الاستراتيجية تلك يدرك على الفور ان جدار الفصل العنصري الذي بدأت
حكومة شارون العمل به في حزيران 2003 يتطابق تماما مع خريطة المصالح الاستراتيجية التي تعبر اصدق تعبير عن اخطر
مراحل المشروع الصهيوني الاستيطاني في الضفة الغربية. قد يختلف مسار الجدار عن حدود خريطة المصالح الاستراتيجية في
بعض التفاصيل غير انهما يتطابقان في الجوهر من حيث كونهما يرسمان بصورة واضحة التسوية السياسية الدائمة التي يسعى
ارئيل شارون لفرضها بالقوة على الشعب الفلسطيني، خريطة المصالح الاستراتيجية تلك طرحت على جدول الاعمال من قبل
شارون كوزير للبنى التحتية ومردخاي كوزير للدفاع في حكومة نتنياهو بعد اتفاق الخليل الذي تم التوقيع عليه بين الجانبين
الفلسطيني والاسرائيلي في بداية العام 1997 . وفقا لخريطة المصالح تلك تبقي اسرائيل بيدها % 63 من مساحة الاراضي
10 كم في عمق الاراضي الفلسطينية على امتداد خط – الفلسطينية في الضفة الغربية من بينها قطاعان امنيان الاول بعرض 7
الهدنة والثاني بعمق 20 كم من نهر الاردن غربا. هذه كانت الفكرة الرئيسية لخريطة المصالح عند شارون بينما دعا مردخاي الى
7 كم على امتداد خط الهدنة وهكذا يتضح ان الفارق بين خريطة شارون وخريطة – قطاع امني اقل عمقا في الغرب وتحديدا 5
مردخان فارق هامشي خاصة بعد ان تطابقت وجهات النظر بشأن ضم غور الاردن وما يسمى بصحراء يهودا الى القطاع الامني
الى الغرب من نهر الاردن.
خريطة المصالح الاستراتيجية الشارونية طرحت في حينه في ذروة الحوار والمفاوضات حول تنفيذ النبضة الثانية من اتفاقية
المرحلة الانتقالية بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي اي قبل اكثر من عامين على مفاوضات كامب ديفيد في النصف الثاني من
العام ، 2000 ومفاوضات طابا مطلع العام 2001 وبالتحديد قبل ان تندلع انتفاضة الاقصى والاستقلال نهاية ايلول من العام 2000
الامر الذي يؤشر بوضوح على نوايا ومخططات الضم والتوسع لدى الجانب الاسرائيلي وخاصة في الضفة الغربية بما فيها القدس.
في حينه لم تكن فكرة الجدار قائمة في أوساط الليكود والاحزاب اليمينية في إسرائيل بقدر ما كانت خطوط الفصل (الشوارع
والطرق) الطولية والعرضية من الشمال الى الجنوب ومن الشرق الى الغرب هي الفكرة المسيطرة في مخطط الفصل العنصري
والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية.
جدار الفصل العنصري الاستيطاني في صورته الراهنة هو في الواقع بديل خطوط الفصل (الشوارع والطرق) الطولية والعرضية
حيث تبدو الصورة هي نفسها من حيث تمزيق الضفة الغربية الى مجموعة من المعازل الرئيسية ومجموعة من جيوب العزل يتم

حشر المواطنين الفلسطينيين في داخلها كترتيب نهائي يرسم صورة التسوية السياسية التي كان الليكود يسعى لفرضها على الشعب
الفلسطيني. ومن هنا يصعب بل يستحيل تصديق ادعاءات حكومة الليكود بان جدار الفصل والضم الاستيطاني الذي يجري تنفيذه
على الارض في الضفة الغربية هو جدار امني جاء في سياق الرد على الانتفاضة الفلسطينية والعمليات التي تستهدف المدنيين في
اسرائيل، فالجدار في الحقيقة ليس جدارا امنيا بل هو المرحلة الاخطر في المشروع الاستيطاني العدواني التوسعي ويأتي تنفيذه في
سياق حرب سلامة المستوطنات التي تشنها حكومة اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني.
يبلغ طول الجدار في جميع مراحله نحو 750 كم في الغرب، يتلوى الجدار كالافعى في بطن الضفة الغربية بطول 250 كم على حد
تعبير الرئيس الامريكي جورج بوش، ويترتب عليه في حال تنفيذ جميع مراحله ضم 21 % من مساحة الضفة الغربية في الغرب
وضم 22 % من مساحة الضفة الغربية في الشرق وفي منطقة القدس يبتلع الجدار 2% من مساحة الضفة الغربية اذا اقيم في
حدود القدس الموسعة ونحو % 10 اذا اقيم في حدود القدس الكبرى وعندما يكون الجدار على هذا النحو فانه يبدو على حقيقته
كجدار فصل عنصري استيطاني لحماية امن المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية قبل ان يكون سياجا او جدارا لحماية امن
اسرائيل والمدنيين فيها .
من المهم للغاية في سياق توضيح الموقف من الجدار تسليط الضوء على التحول الذي طرأ على موقف الليكود من فكرة الجدار فقد
انتقل الليكود في موقفه من مخطط خريطة المصالح الاستراتيجية وترتيباته على الارض الى خطة الجدار كما يجري تنفيذها فقط
بعد شهرين من اعادة احتلال مناطق (أ، ب) في نيسان من العام 2002 اعاد الجيش الاسرائيلي احتلال المدن والبلدات والقرى
والمخيمات التي كانت تحت السيطرة الفلسطينية الكاملة او الجزئية وفقا لاتفاقية المرحلة الانتقالية، وفي حزيران من نفس العام
بدأت حكومة إسرائيل العمل ببناء المرحلة الاولى من الجدار بطول 110 كم من شمال جنين وحتي جنوب طولكرم كانت إعادة احتلال
مناطق السلطة خطوة حاسمة نحو تنفيذ المشروع بعد ان حاصرت قوات الاحتلال المواطنين الفلسطينيين داخل المدن والقرى
والمخيمات في ظل اوامر وترتيبات منع التجول للحيلولة دون تطور حركة جماهيرية واسعة مناهضة للجدار ومن هنا كان صحيحا
تماما وصف تلك الحرب التي شنتها حكومة شارون ضد الشعب الفلسطيني بحرب سلامة المستوطنات ففي ظلها بدأ تنفيذ المرحلة
الاخطر في المشروع الاستيطاني العدواني التوسعي الذي جاء الجدار يعبر عنه اصدق تعبير.
ويترتب على هذا المشروع الاستيطاني العدواني التوسعي الخطير سلسلة من النتائج على حاضر ومستقبل الشعب الفلسطيني تحت
الاحتلال في الضفة الغربية بما فيها القدس على مستوى السكان وفي حال استكمال اسرائيل بناء الجدار في قاطعيه الغربي
500 الف مواطن فلسطيني يعيشون خارج المعازل الرئيسية اي معازل جنين وطولكرم ونابلس – والشرقي سيكون هناك 400
150 – ورام الله وبيت لحم والخليل اي يعيشون في جيوب او معازل فرعية وفي حالة من الحصار الخانق وسيكون هناك 100
الف مواطن فلسطيني يعيشون خلف الجدار معزولين عن بقية المواطنين في الضفة الغربية وسوف يجدون انفسهم في وضع
قانوني صعب للغاية هل هم فلسطينيون يعيشون في اسرائيل ام يسري عليهم قانون المقيم ام قانون المنطقة الحرام اي) بدون)
وفي القدس كذلك سوف يترتب على استكمال بناءالجدار اثار خطيرة لان الهدف واضح من بناء الجدار في حدود القدس الكبرى
وهو خفض نسبة السكان الفلسطينيين من 35 % كما هي الحال في القدس الموسعة الى 22 % في القدس الكبرى الامر الذي يؤشر
بوضوح بالغ على مشروع تهويد المدينة المقدسة وعلى هذا تحديدا تترتب اثار سياسية لا يمكن ان تخفى حتى على المراقب من
بعيد فالجدار يرسم الحدود مع الجانب الفلسطيني التي تحول دون امكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للتطور والحياة كما تنص على
ذلك خريطة الطريق التي تدعي حكومة شارون موافقتها عليها وتبنيها كأساس للتسوية السياسية، عمليا هذا يعني فرض مشروع
للحكم الذاتي للسكان في الضفة الغربية بالقوة العسكرية وباجراءات من طرف واحد على الارض.

وللجدار اثار اخري متعددة كالاثار الاقتصادية واخرها انعكاسات بناء الجدار على القطاع الزراعي الفلسطيني فالجدار يصادر
مساحات واسعة من اخصب اراضي الضفة الغربية ويجرف ويقتلع مئات الاف الاشجار المثمرة ويعزل مثلها عن امكانية وصول
المواطنين اليها ويحول الاراضي الى مجال حيوي للمستوطنات والنشاطات الاستيطانية اكثر المناطق تعرضا للاضرار هنا هي
مناطق جنين وطولكرم وقلقيلية والاغوار وهي المناطق التي تعتبر بانتاجها سلة غذاء الضفة الغربية والتي تسهم في حدود مقبولة
في حصة الزراعة في الناتج القومي الاجمالي الفلسطيني في ظل سياسة الحصار والخنق الاقتصادي وسياسة تدمير الموارد
الاقتصادية اي تسهم في حدود مقبولة في هيكل الانتاج الفلسطيني فضلا عن هيكل العمالة الفلسطينية في ظل ظروف اقتصادية
صعبة للغاية وابعد من ذلك فان الجدار يحكم السيطرة الاسرائيلية الكاملة على مصادر المياه الجوفية الفلسطينية ويحرم
الفلسطينيين من الاستفادة من مياه الحوض الغربي في محافظة جنين وطولكرم وقلقيلية والحوض الشرقي في الاغوار والمرتفعات
الشرقية ولا يبقي لهم غير الحوض الشمالي الشرقي في منطقة جنين وهو الاقل اهمية في مصادر المياه الجوفية الفلسطينية فضلا
عن ذلك يلحق الجدار اضرارا فادحة بالابار الجوفية التي كان المواطن الفلسطيني يعتمد عليها في تطوير القطاع الزراعي وهذا
واضح تماما من الاضرار التي لحقت بهذه الابار نتيجة لتنفيذ المرحلة الاولى من بناء الجدار حيث تم تدمير نحو 30 منها ولحقت
اضرار كبيرة بنحو 56 من تلك الابار التي كان المواطن الفلسطيني يعتمد عليها في تنمية ثروة زراعية تعتمد في حدود ضيقة على
الزراعة المكثفة.
اثار اخرى كثيرة وخطيرة تترتب على هذا الجدار على المستوى الاجتماعي ومستوى خدمات التعليم والصحة وغيرها، البعض
يحاول حصر هذه الاثار على البلدات والقرى الواقعة بين الجدار وخط الهدنة او الواقعة في المعازل الصغيرة او الجيوب في
محافظات قلقيلية وسلفيت وقرى غرب رام الله او في محيط القدس او بيت لحم، غير ان الاثار اوسع من ذلك بكثير فالخدمات
الاجتماعية وخدمات التربية والتعليم والصحة والاسكان والاشغال وغيرها لا يمكن توفيرها بحدودها المقبولة الا على قاعدة وطنية
تستند الى التعامل مع الضفة الغربية بما فيها القدس باعتبارها وحدة اقليمية وهي تصبح متدنية وغير ذات جدوى اذا ما توزعت
على مجموعة من المعازل الرئيسية ومجموعة اخرى من المعازل الفرعية والجيوب الملحقة بها او المعزولة عنها، حكومة
اسرائيل تدرك ذلك واكثر من ذلك ولهذا فان مشروع الجدار مصمم ليكون في محصلته مشروعا سياسيا لفرض الحكم الاداري
الذاتي للسكان ومشروعا استيطانيا بالدرجة الرئيسية.
لهذه وغيرها من الاعتبارات يعارض الشعب الفلسطيني ويقاوم بناء هذا الجدار باعتباره حقا المرحلة الاخطر في المشروع
الاستيطاني العدواني التوسعي وفي معارضته ومقاومته لهذا المشروع الاستيطاني الخطير الذي يقضي على كل امل لدفع جهود
التسوية السياسية الى الامام، يستند الشعب الفلسطيني الى حقه الطبيعي في وطنه وحقه في الدفاع عنه بكل وسائل النضال والكفاح
الوطني كما يستند كذلك الى الشرعية الدولية وهو مغزى تحوله الى محكمة العدل العليا الدولية في لاهاي بقرار من الجمعية العامة
للامم المتحدة فالشرعية الدولية باستنادها الى معاهدة لاهاي ( 1907 ) او اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 او الى قرارات مجلس
الامن والجمعية العمومية للامم المتحدة تحرم على اسرائيل كدولة احتلال ان تبني مثل هذا الجدار على الارض الفلسطينية المحتلة.
اللافت هنا للانتباه والاستغراب في الوقت نفسه هو معارضة عدد غير قليل من الدول بحكم تطابق السياسات او بحكم سياسة النفاق
والمعايير المزدوجة لتوجه الجاني الفلسطيني الى محكمة العدل الدولية بطلب رأيا استشاريا بقانونية وشرعية الجدار كمشروع
استيطاني عدواني توسعي بحجة ان الموضوع المطروح امام المحكمة هو في جوهره موضوع سياسي وليس موضوعا قانونيا،
وتتناسى هذه الدول ان المحكمة ذاتها سبق ان تدخلت في امر مشابه في نهاية السبعينات من القرن الماضي، كانت الامم المتحدة

في حينه قد اتخذت قرارا بانهاء انتداب نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا على ناميبيا، ورفض النظام العنصري الامتثال
بقرار الامم المتحدة وقضت احالة الموضوع على المحكمة الدولية في لاهاي وجاء قرار المحكمة بفرض عقوبات على جنوب
افريقيا وبفتح الطريق امام استقلال ناميبيا ولو بعد سنوات من المعاناة.
المشهد يتكرر من جديد هذه المرة على الارض الفلسطينية ويوسي لبيد وزير العدل في حكومة شارون يحذر اسرائيل من السقوط
في دولة ابارتهايد (فصل عنصري) على طريقة نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا سابقا فهل تقيم محكمة العدل الدولية
العدالة من جديد على الارض الفلسطينية وتفتح الطريق امام ضغط دولي ينهي الى جانب نضال الشعب الفلسطيني كارثة الجدار،
ويفتح الطريق امام قيام دولة فلسطينية قابلة للتطور والحياة؟ هذا هو السؤال.