| 1921-1931 |
|
|
|
وثائق الصراع العربي الصهيوني في أكثر من 200 عام
مذكرة رئيس المؤتمر العربي الفلسطيني الثالث لوزير الخارجية البريطانية حول ضرورة وقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين 8/ 3/ 1921 سعادة ناظر خارجية إنجلترا طالما نبهنا حكومات الحلفاء بأن مهاجري اليهود الذين يؤمون فلسطين ينشرون مبادئ البلشفية في البلاد يسببون وقوع الفتن فيها ولكنا قبل لم نلق أذنًا صاغية أما اليوم فقد اعترفت الحكومة بأن فتنة يافا قد تسببت وبدأت من قبل اليهود وأن مهاجريهم ينشرون روح البلشفية في فلسطين لهذا نطلب مكررين إيقاف سير الهجرة اليهودية إلى هذه البلاد حقنًا للدماء ومنعًا لسير نار البلشفية في الشرق. لجنة المؤتمر العربي الفلسطيني (الإسلامي والمسيحي). (قدمت نسخ إلى كل من: جلالة ملك بريطانيا العظمى - ومجلس اللوردات - ومجلس العموم - وقداسة البابا – وناظر خارجية فرنسا - وناظر خارجية إيطاليا - وناظر خارجية إسبانيا - وناظر خارجية الولايات المتحدة الأمريكية). قرارات مؤتمر القاهرة 12 - 24 مارس سنة 1921 عقد وزير المستعمرات البريطانية مؤتمرًا عامًا لشؤون الشرق الأوسط في القاهرة أيام 12 - 24 أذار سنة 1921 ورأسه تشرشل نفسه وحضره بيرس كوكس والسير هوبرت صموئيل، وهما المندوبان الساميان في العراق وفلسطين، وحضره لورانس وكلايتون وكورنواليس وجيرترود بيل. وأصدر المؤتمر القرارات الآتية: أن تقدم ملكية العراق إلى فيصل، ملك سوريا المخلوع. وأن تقدم إمارة شرق الأردن إلى عبد الله شقيق فيصل الأكبر. وللتخفيف من حدة الوطنية العراقية تقرر أن يستبدل الانتداب بمعاهدة تحالف تعقد مع فيصل عند توليه العرش. صك الانتداب على فلسطين أعلن مشروعه من قبل عصبة الأمم المتحدة بتاريخ 6 يوليو سنة 1921 و صودق عليه في 24 يوليو سنة 1922 ووضع موضع التنفيذ في 29 سبتمبر المقدمة: مجلس عصبة الأمم لما كانت دول الحلفاء الكبرى قد وافقت على أن يعهد بإدارة فلسطين التي كانت تابعة فيما مضى للمملكة العثمانية بالحدود التي تعينها تلك الدول إلى دولة منتدبة تختارها الدول المشار إليها تنفيذًا لنصوص المادة (22) من ميثاق عصبة الأمم. ولما كانت دول الحلفاء قد وافقت أيضًا على أن تكون الدولة المنتدبة مسؤولة عن تنفيذ التصريح الذي أصدرته في الأصل حكومة صاحب الجلالة البريطانية في اليوم الثاني من شهر تشرين الثاني سنة 1917 وأقرته الدول المذكورة لصالح إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين على أن يفهم جليًا أنه لن يؤتَى بعمل من شأنه أن يضير بالحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية الموجودة الآن في فلسطين أو بالحقوق والوضع السياسي مما يتمتع به اليهود في أية بلاد أخرى. ولما كان قد اعترف بذلك بالصلة التاريخية التي تربط الشعب اليهودي بفلسطين وبالأسباب التي تبعث على إعادة إنشاء وطنهم القومي في تلك البلاد. ولما كانت دول الحلفاء قد اختارت صاحب الجلالة البريطانية ليكون منتدبًا على فلسطين، ولما كان الانتداب على فلسطين قد صيغ في النصوص التالية وعرض على مجلس عصبة لإقراره، ولما كان صاحب الجلالة البريطانية قد قبل الانتداب على فلسطين وتعهد بتنفيذه بالنيابة عن عصبة الأمم طبقًا للنصوص والشروط التالية. ولما كانت الفقرة الثامنة من المادة (22) المتقدمة الذكر تنص على أن درجة السلطة أو السيطرة أو الإدارة التي تمارسها الدولة المنتدبة سيحددها بصراحة مجلس عصبة الأمم إذا لم يكن هناك اتفاق سابق بشأنها بين أعضاء عصبة الأمم. لذلك فإن مجلس عصبة الأمم بعد تأييده الانتداب المذكور يحدد شروطه ونصوصه بما يلي: المادة الأولى: يكون للدولة المنتدبة السلطة التامة في التشريع والإدارة باستثناء ما يكون قد قيد في نصوص هذا الصك. المادة الثانية: تكون الدولة المنتدبة مسؤولة عن وضع البلاد في أحوال سياسية وإدارية واقتصادية تضمن إنشاء الوطن القومي اليهودي وفقًا لما جاء بيانه في ديباجة هذا الصك وترقية مؤسسات الحكم الذاتي وتكون مسؤولة أيضًا عن صيانة الحقوق المدنية والدينية لجميع سكان فلسطين بقطع النظر عن الجنس والدين. المادة الثالثة: يترتب على الدولة المنتدبة أن تعمل على تشجيع الاستقلال المحلي على قدر ما تسمح به الظروف. المادة الرابعة: يعترف بوكالة يهودية ملائمة كهيئة عمومية لإسداء المشورة إلى إدارة فلسطين والتعاون معها في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية وغير ذلك من الأمور التي قد تؤثر في إنشاء الوطن القومي اليهودي ومصالح السكان اليهود في فلسطين ولتساعد وتشترك في ترقية البلاد على أن يكون ذلك خاضعًا دومًا لمراقبة الإدارة. يعترف بالجمعية الصهيونية كوكالة ملائمة مادامت الدولة المنتدبة ترى أن تأليفها ودستورها يجعلانها صالحة ولائقة لهذا الغرض ويترتب على الجمعية الصهيونية أن تتخذ ما يلزم من التدابير بعد استشارة حكومة صاحب الجلالة البريطانية للحصول على معونة جميع اليهود الذين يبغون المساعدة في إنشاء الوطن اليهودي. المادة الخامسة: تكون الدولة المنتدبة مسؤولة عن ضمان عدم التنازل عن أي جزء من أراضى فلسطين إلى حكومة دولة أجنبية وعدم تأجيره إلى تلك الحكومة أو وضعه تحت تصرفها بأية صورة أخرى. المادة السادسة: على إدارة فلسطين مع ضمان عدم إلحاق الضرر بحقوق ووضع فئات الأهالي الأخرى أن تسهل هجرة اليهود في أحوال ملائمة وأن تشجع بالتعاون مع الوكالة اليهودية المشار إليها في المادة الرابعة، حشد اليهود في الأراضي الأميرية والأراضي الموات غير المطلوبة للمقاصد العمومية. المادة السابعة: تتولى إدارة فلسطين مسؤولية سن قانون للجنسية ويجب أن يشتمل ذلك القانون على نصوص تسهل اكتساب الجنسية الفلسطينية لليهود الذين يتخذون فلسطين مقامًا دائمًا لهم. المادة الثامنة: إن امتيازات وحصانات الأجانب بما فيها مزايا المحاكم القنصلية والحماية التي يتمتع بها الرعايا الأجانب في السابق بحكم الامتيازات أو العرف في المملكة العثمانية لا تكون نافذة في فلسطين. غير أنه متى انتهى أجل الانتداب تعاد هذه الامتيازات في الحال برمتها أو مع التعديل الذي يكون قد تم الاتفاق عليه بين الدول صاحبة الشأن إلا إذا سبق للدول التي كان رعاياها يتمتعون بالامتيازات المذكورة في أول آب سنة 1914 أن تنازلت عن حق استرجاع تلك الامتيازات أو وافقت على عدم تطبيقها لأجل مسمى. المادة التاسعة: تكون الدولة المنتدبة مسؤولة عن جعل النظام القضائي القائم في فلسطين ضامنًا تمام الضمان لحقوق الأجانب والوطنيين على السواء. ويكون احترام الأحوال الشخصية والمصالح الدينية لمختلف الشعوب والطوائف مضمونًا تمام الضمان أيضًا وبصورة خاصة تكون إدارة الأوقاف خاضعة للشرائع الدينية وشروط الواقفين. المادة العاشرة: تكون المعاهدات المبرمة بين الدولة المنتدبة وسائر الدول الأجنبية بشأن تسليم المجرمين مرعية الإجراء في فلسطين إلى أن تعقد اتفاقات خاصة بذلك فيما يتعلق بفلسطين. المادة الحادية عشرة: تتخذ إدارة فلسطين جميع ما يلزم من التدابير لصون مصالح الجمهور فيما يتعلق بترقية البلاد وعمرانها ويكون لها السلطة التامة في وضع ما يلزم من الأحكام لاستهلاك أي مورد من موارد البلاد الطبيعية أو الأعمال والمصالح والمنافع العمومية الموجودة في البلاد أو التي ستؤسس فيما بعد أو السيطرة عليها بشرط مراعاة الالتزامات التي قبلتها الدولة المنتدبة على نفسها. ويترتب عليها أن توجد نظامًا للأراضي يلائم احتياجات البلاد مراعية في ذلك من بين الأمور الأخرى الرغبة في تشجيع حشد السكان في الأراضي وتكثيف الزراعة. ويمكن لإدارة البلاد أن تتفق مع الوكالة اليهودية المذكورة في المادة الرابعة على أن تقوم هذه الوكالة بإنشاء أو تسيير الأشغال والمصالح والمنافع العمومية وترقية مرافق البلاد الطبيعية بشروط عادلة ومنصفة مادامت الإدارة لا تتولى هذه الأمور مباشرة بنفسها. غير أن كل اتفاق كهذا يجب أن يشترط فيه ألا تتجاوز الأرباح التي توزعها الوكالة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة مقدار الفائدة المعقولة التي يعود بها رأس المال المستثمر وأن كل ما يزيد على هذه الفائدة من الأرباح يجب أن يستخدم لما فيه نفع البلاد على الوجه الذي توافق عليه الإدارة. المادة الثانية عشرة: يعهد إلى الدولة المنتدبة بالإشراف على علاقات فلسطين الخارجية وحق إصدار البراءات إلى القناصل الذين تعينهم الدول الأجنبية ويكون لها الحق أيضًا في أن تشمل رعايا فلسطين وهم خارج حدود منطقتهما بحماية سفرائها وقناصلها. المادة الثالثة عشرة: تضطلع الدولة المنتدبة بجميع المسؤوليات المتعلقة بالأماكن المقدسة والمباني أو المواقع الدينية في فلسطين بما في ذلك مسؤولية المحافظة على الحقوق الموجودة وضمان الوصول إلى الأماكن المقدسة والمباني والمواقع الدينية وحرية العبادة مع المحافظة على مقتضيات النظام العام والآداب العامة. وتكون الدولة المنتدبة مسؤولة أمام عصبة الأمم دون سواها عن كل ما يتعلق بذلك بشرط ألا تحول نصوص هذه المادة دون اتفاق الدولة المنتدبة مع إدارة البلاد على ما تراه الدولة المنتدبة ملائمًا لتنفيذ نصوص هذه المادة وبشرط ألا يفسر شيء من هذا الصك تفسيرًا يخول الدولة المنتدبة سلطة التعرض أو التدخل في نظام أو إدارة المقامات الإسلامية المقدسة الصرفة المصونة حصانتها. المادة الرابعة عشرة: تؤلف الدولة المنتدبة لجنة خاصة لدرس وتحديد وتقرير الحقوق والادعاءات المتعلقة بالأماكن المقدسة والحقوق والادعاءات المتعلقة بالطوائف الدينية المختلفة في فلسطين وتعرض طريقة اختيار هذه اللجنة وقوامها ووظائفها على مجلس عصبة الأمم لإقرارها ولا تعين اللجنة ولا تقوم بوظائفها دون موافقة المجلس المذكور. المادة الخامسة عشرة: يترتب على الدولة المنتدبة أن تضمن جعل الحرية الدينية التامة وحرية القيام بجميع شعائر العبادة مكفولتين للجميع بشرط المحافظة على النظام العام والآداب العامة فقط ويجب ألا يكون ثمة تمييز مهما كان نوعه بين سكان فلسطين على أساس الجنس أو الدين أو اللغة وألا يحرم شخص من دخول فلسطين بسبب معتقده الديني فقط. ويجب ألا تُحْرَم أية طائفة كانت من حق صيانة مدارسها الخاصة لتعليم أبنائها بلغتها الخاصة وألا تنتقص من هذا الحق مادام ذلك مطابقًا لشروط التعليم العمومية التي قد تفرضها الإدارة. المادة السادسة عشرة: تكون الدولة المنتدبة مسؤولة عن ممارسة ما يقتضيه أمر المحافظة على النظام العام والحكم المنظم من الإشراف على الهيئات الدينية والجزئية التابعة لجميع الطوائف المذهبية في فلسطين ومع مراعاة هذا الشرط لا يجوز أن تتخذ في فلسطين تدابير من شأنها إعاقة هذه الهيئات أو التعرض لها أو إظهار التحيز ضد أي ممثل من ممثليها أو عضو من أعضائها بسبب دينه أو جنسيته. المادة السابعة عشرة: يجوز لإدارة فلسطين أن تنظم على أساس التطوع القوات اللازمة للمحافظة على السلام والنظام والقوات اللازمة للدفاع عن البلاد أيضًا بشرط أن يكون ذلك خاضعًا لإشراف الدولة المنتدبة ولكن لا يجوز لإدارة فلسطين أن تستخدم هذه القوات في غير الأغراض الآنفة الذكر إلا بموافقة الدولة المنتدبة وفيما عدا ذلك لا يجوز لإدارة فلسطين أن تؤلف أو أن تستبقي أية قوة من القوات العسكرية أو البحرية أو الجوية. ليس في هذه المادة ما يمنع إدارة فلسطين من الاشتراك في نفقات القوات التي تكون للدولة المنتدبة في فلسطين. ويحق للدولة المنتدبة في كل وقت أن تستخدم طرق فلسطين وسككها الحديدية ومرافئها لحركات القوات المسلحة ونقل الوقود والمهمات. المادة الثامنة عشرة: يجب على الدولة المنتدبة أن تضمن عدم التمييز في فلسطين بين رعايا أية دولة من الدول الداخلة في عصبة الأمم (ومن جملة ذلك الشركات المؤلفة بحسب قوانين تلك الدولة) ورعايا الدولة المنتدبة أو رعايا أية دولة أجنبية أخرى في الأمور المتعلقة بالضرائب أو التجارة أو الملاحة أو تعاطي البضائع أو المهن أو في معاملة السفن التجارية أو الطيارات المدنية وكذلك يجب ألا يكون هناك تمييز في فلسطين ضد البضائع التي يكون أصلها من بلاد من بلدان الدول المذكورة أو تكون مرسلة إليها وتطلق حرية مرور البضائع بطريق التوسط (الترانسيت) عبر البلاد المشمولة بالانتداب بشروط عادلة. ومع مراعاة ما تقدم وسائر أحكام صك الانتداب هذا يجوز لإدارة فلسطين أن تفرض بالتشاور مع الدولة المنتدبة ما تراه ضروريًا من الضرائب والرسوم الجمركية وأن تتخذ ما تراه صالحًا من التدابير لتنشيط ترقية المرافق الطبيعية في البلاد وصيانة مصالح السكان فيها ويجوز لها أن تعقد بالتشاور مع الدولة المنتدبة اتفاقًا جمركيًا خاصًا مع أية دولة من الدول التي كانت جميع أملاكها في سنة 1914 داخلة في تركيا الآسيوية أو شبه جزيرة العرب. المادة التاسعة عشرة: تنضم الدولة المنتدبة بالنيابة عن إدارة فلسطين إلى كل ميثاق من المواثيق الدولية العامة التي سبق عقدها أو التي تعقد فيما بعد بموافقة عصبة الأمم بشأن الاتجار بالرقيق والاتجار بالسلاح والذخيرة أو بالمخدرات أو فيما يتعلق بالمساواة التجارية وحرية مرور البضائع بطريق التوسط (الترانسيت) والملاحة والطيران والمواصلات البريدية والبرقية واللاسلكية أو بالممتلكات الأدبية والفنية والصناعية. المادة العشرون: تتعاون الدولة المنتدبة بالنيابة عن إدارة فلسطين في تنفيذ كل سياسة مشتركة تقررها عصبة الأمم لمنع انتشار الأمراض ومكافحتها بما في ذلك أمراض النباتات والحيوانات بقدر ما تسمح به الأحوال الدينية والاجتماعية وغيرها من الأحوال. المادة الحادية والعشرون: يترتب على الدولة أن تؤمن وضع وتنفيذ قانون خاص بالآثار القديمة على أساس القواعد المذكورة فيما يلي خلال الاثني عشر شهرًا الأولى من هذا التاريخ ويكون هذا القانون ضامنًا لرعايا جميع الدول الداخلة في عصبة الأمم المساواة في المعاملة فيما يتعلق بالحفريات والتنقيبات الأثرية: 1- تعني عبارة (الآثار القديمة) كل ما أنشأته أو أنتجته أيدي البشر قبل سنة 1700 ميلادية. 2- يسن التشريع المتعلق بحماية الآثار القديمة على أساس التشجيع لا التهديد وكل من اكتشف أثرًا دون أن يكون مزودًا بالتصريح المذكور في الفقرة الخامسة وأبلغ الأمر إلى أحد موظفي الدائرة المختصة يكافأ بمكافأة تتناسب مع قيمة ما اكتشفه. 3- لا يجوز بيع شيء من الآثار القديمة إلا للدائرة المختصة ما لم تتنازل تلك الدائرة عن شرائه ولا يجوز إخراج شيء من الآثار القديمة من البلاد إلا بموجب رخصة تصدير صادرة من تلك الدائرة. 4- كل من أتلف أو ألحق ضررًا بقطعة من الآثار القديمة عن سوء نية أو إهمال يعاقب بالعقوبة المعينة. 5- يحظر إجراء الحفر أو التنقيب للبحث عن الآثار القديمة إلا بتصريح من الدائرة المختصة ويغرم المخالف بغرامة مالية. 6- توضع شروط عادلة لنزع ملكية الأراضي ذات القيمة التاريخية أو الأثرية سواء أكان نزع الملكية مؤقتًا أم دائمًا. 7- يقتصر في إعطاء التصريح لإجراء الحفريات على الأشخاص الذين يقدمون أدلة كافية على خبرتهم في الآثار ويترتب على إدارة فلسطين ألا تسير عند إعطاء هذه التصاريح علي طريقة تؤدي إلى استثناء علماء أية أمة من الأمم من التراخيص بدون سبب مبرر. 8- يقسم ناتج الحفريات بين المكتشف والدائرة المختصة على أساس النسبة التي تعينها تلك الدائرة فإذا تعذرت القسمة لأسباب علمية يعطى للمكتشف تعويض عادل بدلاً من إعطائه قسمًا من الآثار المكتشفة. المادة الثانية والعشرون: تكون الإنكليزية والعربية والعبرية اللغات الرسمية لفلسطين وكل عبارة أو كتابة بالعربية وردت على طوابع أو عملة تستعمل في فلسطين يجب أن تكرر بالعبرية وكل عبارة أو كتابة بالعبرية يجب أن تكرر بالعربية. المادة الثالثة والعشرون: تعترف إدارة فلسطين بالأيام المقدسة (الأعياد) عند كل طائفة من الطوائف في فلسطين كأيام عطلة قانونية لأفراد تلك الطائفة. المادة الرابعة والعشرون: تقدم الدولة المنتدبة إلى عصبة الأمم تقريرًا سنويًا بصورة تقنع المجلس يتناول التدابير التي اتخذت أثناء تلك السنة لتنفيذ نصوص الانتداب وترسل نسخ من جميع الأنظمة والقوانين التي تسن أو تصدر أثناء تلك السنة مع التقرير. المادة الخامسة والعشرون: يحق للدولة المنتدبة بموافقة مجلس عصبة الأمم أن ترجىء أو توقف تطبيق ما تراه من هذه النصوص غير قابل التطبيق على المنطقة الواقعة ما بين نهر الأردن والحد الشرقي لفلسطين كما سيعين فيما بعد بالنسبة للأحوال المحلية السائدة في تلك المنطقة وأن تتخذ ما تراه ملائمًا من التدابير لإدارة تلك المنطقة وفقًا لأحوالها المحلية بشرط ألا يُؤْتَى بعمل لا يتفق مع أحكام المواد (15، 16، 18). المادة السادسة والعشرون: توافق الدولة المنتدبة على أنه إذا وقع خلاف بينها وبين عضو آخر من أعضاء عصبة الأمم حول تفسير نصوص صك الانتداب أو تطبيقها وتعذر حله بالمفاوضات يعرض على محكمة العدل الدولية الدائمة المنصوص عليها في المادة الرابعة عشرة من ميثاق عصبة الأمم. المادة السابعة والعشرون: إن كل تعديل يُجْرَى في شروط هذا الانتداب يجب أن يكون مقترنًا بموافقة مجلس عصبة الأمم. المادة الثامنة والعشرون: في حالة انتهاء الانتداب الممنوح للدولة المنتدبة بموجب هذا الصك يتخذ مجلس عصبة الأمم ما يراه ضروريا من التدابير لصون استمرار الحقوق المؤمنة بموجب المادتين (13، 14) على الدوام بضمان العصبة ويستعمل نفوذه لأن يكفل بضمان الجمعية احترام حكومة فلسطين للالتزامات المالية التي تحملتها إدارة فلسطين بصورة مشروعة في عهد الانتداب احترامًا تامًا وفي جملة ذلك حقوق الموظفين في رواتب التقاعد أو المكافآت. قرار اللجنة الفلسطينية بمصر برفض الانتداب 1922 عقدت اللجنة الفلسطينية بمصر اجتماعًا عامًا للبحث في الحالة التي وصلت إليها القضية الفلسطينية حتى اليوم وبعد شرح جميع ما تم بها في خلال السنة الماضية وما فاه به رجال السياسة عنها وما أراد الوفد الفلسطيني بإنجلترا وأوروبا من الأعمال وما قامت به الجمعيات الفلسطينية في الوطن وأمريكا وسائر المهاجر. وبعد المذاكرة والبحث فيما يجب على هذه اللجنة أن تتخذه من الإجراءات التي تعتقد أنها في مصلحة البلاد قر القرار على نشر البيان الآتي: حيث أن مبادئ هذه اللجنة الأساسية تنحصر في المطالبة بوحدة سورية مع فلسطين واستقلالهما تحت حكومة وطنية نيابية ورفض الوطن القومي اليهودي. وحيث أن هذه المبادئ مطابقة لقرارات المؤتمرات الفلسطينية الأربعة التي انعقدت في فلسطين بعد الاحتلال. وحيث أن الفلسطينيين - سكان جنوبي سورية - قد سكتوا حتى الآن عن الإلحاح في طلب الاستقلال التام محتفظين بجميع حقوقهم المدونة في قرارات المؤتمرات المذكورة ووجهوا معظم مساعيهم إلى المطالبة بإلغاء وعد بلفور الذي يهدد كيان الأمة والبلاد محسنين الظن بالسياسة الإنجليزية وتقاليدها. وحيث أن هذه السياسة أصبحت تصارحنا بما كانت تموه به علينا في السر حتى ظهر لنا عيانًا أنها تريد أن تستفيد من الوقت ريثما تستطيع إبرام الوصاية علينا، وآخر دليل على ذلك خطاب اللورد بلفور الأخير في مجلس جمعية الأمم وطلبه الإسراع في إبرام الوصاية على فلسطين في حين أن حكومته تفاوض وفدنا رسميًا في تفسير وعده المشهور، ثم خطاب السير هربرت صموئيل في لندن وتصريحه أن اليهود يجب أن يصبحوا الأكثرية العظمى في فلسطين دون أن يكون التكذيب الذي أصدر لهذا القول سوى أداة الألاعيب السياسة. وحيث أنه رغم عطف السواد الأعظم من الشعب الإنجليزي على رغائبنا في بلادنا لا نزال نرى سياسة الحكومة الإنجليزية مسيرة نحونا بآراء الصهيونيين. وحيث أن السكوت عن الإلحاح في طلب الاستقلال التام وسياسة الإخلاص التي سلكناها نحو بريطانيا العظمى قد جاءت بعكس ما كنا ننتظر منها فكان من نتيجتها أن ساسة الإنجليز استهانوا بالشعب الفلسطيني وحاولوا ومازالوا يحاولون فرض شر نوع من أنواع الانتداب على البلاد وأنه رغم ما أبداه الشعب الفلسطيني من التودد لإنجلترا وما أثبته من حقوقه في بلاده تاريخيًا وجغرافيًا ودينيًا... الخ، أصر ساسة الإنجليز على وجوب تنفيذ وعد بلفور طبقًا لرغائب الصهيونيين وكان من نتيجتها أيضًا أنهم عينوا لفلسطين مندوبًا ساميًا صهيونيًا مطلق الإدارة والتصرف وألغوا القوانين السابقة التي كانت تقيد هجرة اليهود فاتحين أبواب البلاد للصهيونيين دون أي مراعاة لأي حق من حقوق الأهالي وفي الوقت نفسه أقاموا العثرات في سبيل من يرجع من أبناء فلسطين إلى وطنه وألقوا مقاليد الأمور في البلاد إلى الصهيونيين جاعلين منهم رؤساء الدوائر الكبيرة وجعل الموظفين يتصرفون بها بمطلق إرادتهم ومنحوا الصهيونيين وحدهم امتيازات تضع في أيديهم وتحت رحمتهم موارد البلاد الاقتصادية وثروتها وجعلوا الضرائب على الأهالي أضعاف ما كانت عليه منفقين قسمًا وافرًا منها على مشاريع أوجدوها خصيصًا لتشغيل المهاجرين الصهيونيين. ووضعوا قوانين ضيقوا فيها الخناق على الحرية الشخصية ونزعوا الأراضي من أيدي الوطنيين لتسليمها لليهود الذين ظهر أخيرًا طمعهم في الاستيلاء على الأماكن المقدسة. وفي كل ذلك لم يلتفت ساسة الإنجليز إلا لتعزيز النفوذ الصهيوني وخنق الروح الوطنية في فلسطين ماديًا وأدبيًا وسياسيًا. وحيث أن السياسة الإنجليزية لا تستطيع أن تنفذ بنا ما تريده إلا باسم الانتداب وبواسطة الانتداب المنافي للحقوق المقدسة التي للأمم وسيادتها ووحدتها وحياتها أيضًا. وحيث أن الواجب يقضى على كل فلسطيني رجلاً كان أو امرأة ولدًا أو بنتًا من الفقير إلى الغنى ومن الكبير إلى الصغير أن يبذل كل ما عز وهان في سبيل استقلال وطنه. ولما كان ظاهرًا من كل ما تقدم أن وعد بلفور والانتداب الإنجليزي على فلسطين جزء لا يتجزأ ولا يمكن تنفيذ الأول إلا بمساعدة الثاني، فاللجنة الفلسطينية بمصر ترى أن خير وسيلة لنجاة الأمة وإنقاذها من المستعمرين والصهيونيين حفظًا لكيانها من الزوال هي معالجة القضية من أساسها والمداومة على السعي للتوصل إلى استقلال البلاد. ولذلك قررت: أولاً: المجاهرة برفض كل انتداب مهما كان نوعه وشكله والسعي لتحقيق وحدة سورية واستقلالها استقلالا تامًا بحكومة وطنية نيابية مسؤولة لدى الشعب. ثانيًا: إبلاغ هذا القرار إلى الوفد الفلسطيني في لندن، وإلى الجمعيات الوطنية في فلسطين وفي المهاجر وإلى معية الأمم وإلى رؤساء الحكومات الكبرى ونشره بأوسع طرق الانتشار. سكرتير اللجنة محمد على الطاهر. رئيس اللجنة وهبة العبسي. الكتاب الأبيض الذي أصدره وزير المستعمرات البريطانية " مستر تشرشل " في يونيو سنة 1922 نظر وزير المستعمرات مجددًا في الحالة السياسية الحاضرة في فلسطين برغبة صادقة بغية الوصول إلى حل للمسائل المعلقة التي أفسحت مجالاً للغموض والقلق اللذين استحوذا على بعض طبقات من السكان. وقد وضع البيان التالي بعد استشارة المندوب السامي لفلسطين وهو يتضمن خلاصة الأجزاء المهمة من المخابرات التي دارت بين وزير المستعمرات ووفد الجمعية الإسلامية المسيحية في فلسطين الذي مضى على وجوده بعض الزمن في إنكلترا وغير ذلك من الاستنتاجات الأخرى التي تم الوصول إليها منذ ذلك الحين. إن التوتر الذي ساد فلسطين من حين إلى آخر يعزى معظمه إلى مخاوف أخذت تساور بعض طبقات من السكان العرب واليهود. أما مخاوف العرب فبعضها مبني على تفاسير مبالغ فيها لمعنى التصريح الذي أُعْطي بالنيابة عن حكومة جلالته في اليوم الثاني من شهر نوفمبر سنة 1917 والذي يحبذ إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. ذلك لأنه نشرت بيانات غير رسمية بأن الغاية المنشودة هي جعل فلسطين يهودية برمتها واستعملت عبارات قيل فيها إن فلسطين ستصبح يهودية كما أن إنكلترا إنكليزية. فحكومة جلالته تعتبر هذه الآمال غير قابلة للتحقيق وتعلن أنها لا ترمي إلى مثل هذه الغاية وأنها لم تفكر قط في إخضاع أو محو السكان العرب أو القضاء على لغتهم وآدابهم في فلسطين كما يتخوف الوفد العربي - وهى تلفت النظر إلى أن عبارات التصريح المنوه بها لا تشير إلى تحويل فلسطين بجملتها وجعلها وطنيًا قوميًا لليهود بل إنها تعنى بأن وطنًا كهذا يؤسس في فلسطين. ومما يلاحظ بسرور فيما يتعلق بهذا الأمر أن المؤتمر الصهيوني الذي عقد في كارلسباد في شهر أيلول سنة 1921 وهو المجلس الأعلى المسيطر على الجمعية الصهيونية اتخذ قرارًا أعرب فيه رسميًا عن المقاصد الصهيونية جاء فيه: " إن الشعب اليهودي عقد النية على أن يعيش مع الشعب العربي باتحاد واحترام متبادلين وأن يسعيا معًا لجعل هذا الوطن المشترك زاهرًا بحيث يضمن تجديده الرقي القومي لكل من الشعبين بسلام ". وهنالك أمر آخر لابد من لفت النظر إليه وهو أن اللجنة الصهيونية في فلسطين المعروفة الآن باللجنة التنفيذية الصهيونية لا ترغب في أن يكون لها كما أنها لا تملك أي قسط في إدارة البلاد العامة والمركز الخاص الذي تشغله الجمعية الصهيونية بموجب المادة الرابعة من صك الانتداب لا يخولها صلاحية تولي هذه الوظيفة وإنما ينحصر لأحكام المادة (81) من مشروع دستور فلسطين حق استئناف أي مسألة يرى أن حكومة فلسطين لم تجر فيها على أحكام صك الانتداب إلى جمعية الأمم بواسطة المندوب السامي ووزير المستعمرات. أما بشأن الدستور المنوي تطبيقه في فلسطين والذي نشر مشروعه فمن المرغوب فيه إيضاح بعض النقاط بشأنه. ففي الدرجة الأولى ليس الأمر كما ادعى الوفد العربي بأن حكومة جلالة الملك أعطت في أثناء الحرب تعهدًا بأن ينشأ حالاً حكومة وطنية مستقلة في فلسطين. إن هذا القول يستند في الغالب إلى كتاب أرسله في 24 أكتوبر سنة 1915 السير هنري مكماهون الذي كان عندئذٍ مندوبًا ساميًا في مصر إلى شريف مكة الملك حسين ملك الحجاز اليوم. وقد ادعى أن هذا الكتاب يتضمن وعدًا لشريف مكة بالاعتراف باستقلال العرب ضمن البلاد التي اقترحها الشريف وتأييده. غير أن هذا الوعد أُعْطي معلقًا على تحفظ ورد في نفس الكتاب وهذا التحفظ يستثني في جملة ما يستثنيه من المناطق ذلك القسم من سوريا الواقع غربي ولاية الشام. وقد اعتبرت حكومة جلالته على الدوام أن هذا التحفظ يشمل ولاية بيروت وسنجق القدس المستقل وبناءً عليه تكون فلسطين برمتها غربي الأردن مستثناة من تعهد السير هنري مكماهون. ومع ذلك ففي عزم حكومة جلالته تأسيس حكومة ذاتية واسعة النطاق في فلسطين ولكنها ترتئي بالنظر للظروف الخاصة في تلك البلاد أن يتم ذلك تدريجيًا لا طفرة وقد خطت الخطوة الأولى في هذا السبيل حين تأسيس الإدارة المدنية فعينت المجلس الاستشاري الحالي وذكر المندوب السامي وقتئذٍ أن هذه الخطوة هي الخطوة الأولى في سبيل ترقية مؤسسات الحكم الذاتي وفي النية الآن اتخاذ خطوة ثانية بتأليف مجلس تشريعي تكون أكثرية أعضائه منتخبة على أساس انتخابي واسع. وقد اقترح في مشروع الدستور أن يكون ثلاثة من أعضاء المجلس غير موظفين يعينهم المندوب السامي. ولكن بالنظر للاعتراضات التي وجهت إلى هذا النص المستند إلى اعتبارات قوية فإن وزير المستعمرات مستعد لأن يحذفه من الدستور. وسيؤلف المجلس التشريعي برئاسة المندوب السامي من اثني عشر عضوًا منتخبًا وعشرة أعضاء من الموظفين. وفي رأي وزير المستعمرات أن من الحكمة أن يمر وقت ما قبل توسيع الحكم الذاتي في فلسطين وقبل تخويل المجلس صلاحية المراقبة على السلطة التنفيذية وبعد بضع سنوات يعاد النظر في حالة البلاد فإذا أسفر الاختيار في سير النظم الدستورية التي يراد تأسيسها الآن عن نجاح تعطى إذ ذاك صلاحية أوفر لنواب الشعب المنتخبين. ويود وزير المستعمرات أن يلفت النظر إلى أن الإدارة الحالية قد نقلت للمجلس الإسلامي الأعلى المنتخب من الطائفة الإسلامية في فلسطين حق الرقابة على الأوقاف الإسلامية والمحاكم الشرعية. وقد أعادت الإدارة لهذا المجلس أيضًا اختيارًا منها إيرادات كبيرة لأوقاف قديمة كانت الحكومة العثمانية قد ضبطتها. ولدائرة المعارف لجنة استشارية تمثل جميع طبقات الأهالي كما أن دائرة التجارة والصناعة تستفيد من تعاون الغرف التجارية التي تأسست في المدن الكبرى. وتنوي الإدارة أيضًا إشراك أمثال هذه اللجان التمثيلية مع دوائر الحكومة المختلطة بصورة أعم. ويعتقد وزير المستعمرات أن سياسة تُبْنَى على مثل هذه الخطط مع المحافظة على أوسع معاني الحرية الدينية في فلسطين والمحافظة التامة على حقوق الطوائف كافة فيما يتعلق بأماكنها المقدسة لا يمكن إلا أن تكون مقبولة لدى جميع طبقات السكان وأنه على هذا الأساس يمكن أن يُبْنَى روح التعاون الذي يتوقف عليه لدرجة كبرى رقي ورخاء الأرض المقدسة في المستقبل. خطاب وايزمان إلى تشرشل ردًا على الكتاب الأبيض 18 يونيه سنة1922 " بالإشارة إلى كتابكم بتاريخ الثالث من يونيو، لي الشرف أن أبلغكم أن اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية درست البيان الذي أصدرته حكومة جلالته عن سياستها في فلسطين، واتخذت القرارات التالية: تؤكد اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية، بعد أن أخذت بعين الاعتبار البيان الصادر عن حكومة جلالته عن سياسة بريطانيا في فلسطين، والمبلغ إليها بمذكرة وزارة المستعمرات بتاريخ الثالث من يونيو عام 1922، لحكومة جلالة الملك، بأن سياسة المنظمة الصهيونية ستسير طبقًا للسياسة التي أعلنت عنها الحكومة. وتلاحظ اللجنة الصهيونية بكثير من الرضا، أن حكومة جلالته في تحديدها لسياستها المقبلة في فلسطين، اهتبلت الفرصة من جديد لتأكيد الوعد الصادر في الثاني من نوفمبر عام 1917، وأنها قد عرضت على مسامع الرأي العام العالمي واهتمامه أن من واجب الشعب اليهودي أن يعرف أن وجوده في فلسطين أمر يمت إلى الحق لا إلى شيء آخر. وتلاحظ اللجنة الصهيونية أيضًا أن حكومة جلالته، قد اعترفت إلى جانب هذا الحق، وكشيء مكمل له، بأن من الضروري أن يتمكن اليهود من زيادة عددهم في فلسطين، عن طريق الهجرة، وهي تفهم من بيان الحكومة أن حجم هذه الهجرة سيتقرر على ضوء طاقة البلاد الاقتصادية على الاستيعاب من وقت إلى آخر، وقدرتها على قبول مهاجرين جدد. وتثق اللجنة التنفيذية أنه مهما كانت الترتيبات التي ستوضع لتنظيم هذه الهجرة، فإن حكومة جلالته وإدارتها في فلسطين، ستضعان دائمًا هذا المبدأ نصب أعينهما. وكانت المنظمة الصهيونية جد راغبة دائمًا للسير بالتعاون الصادق مع جميع الطوائف الأخرى في فلسطين. وقد سبق لها أن أوضحت دائمًا، قولاً وعملاً، أن ليس ما هو أبعد عن أهدافها من أن تنزل الضرر مهما كان قليلاً بالحقوق المدنية والدينية أو المصالح المادية للسكان من غير اليهود في البلاد. وستواصل المنظمة الصهيونية بذل كل جهد في طاقتها لتعزيز روح الثقة التي أشارت إليها حكومة جلالته، كالأساس الثابت الوحيد لازدهار فلسطين في المستقبل. وتأمل اللجنة التنفيذية في أن تؤدي السياسة التي ستعلن عنها حكومة جلالته إلى تبديد كل ما هناك من مخاوف باقية حتى الآن، وأن تسجل هذه السياسة التي سيقبل بها جميع الفرقاء المعنيين، بداية عهد جديد من التقدم السلمي ". التوقيع حاييم وايزمان بيان اللجنة التنفيذية للمؤتمر العربي الفلسطيني الرابع برفض الانتداب 8/ 7/ 1922 للعرب في فلسطين حق تقرير مصيرهم ومصير بلادهم السياسي وهو حق أكسبتهم إياه الأجيال الطوال وتمخضت عنه آلام البشر في أفظع حرب قامت على وجه البسيطة وهم به متمسكون وعنه مدافعون لا يثنيهم عنه قرار دول ولا يردهم عن طلبه راد. وإن ما رميت به الأمة الفلسطينية من مصائب السياسة الغربية لم تكن سوى أداة لعجم عودها ومحك للكشف عن جوهرها وكانت رباطًا متينًا جمع بين شتات آرائها وأغراض أفرادها. ولولا هذه المحن لما قام لنا بعد الحرب قائمة، لهذا وبعد أن اعتادت الأمة تلقي طغيان السياسة بصبر وثبات يوم فرسايل ويوم سيفر ويوم سان ريمو فلا يجب أن يؤثر قرار مجلس النواب البريطاني على قوتنا المعنوية أو أن يدخل التشاؤم على نفوسنا لا سيما ومجلس اللوردات بجانبنا وبيدنا حق أبلج ويد الله معنا. يجب أن تعتبر الأمة بما مر بها من الحوادث وتقلب السياسة في هذه السنوات الأربع يجب أن تقيس بمسار العقل والرزانة المسافة الشاسعة التي قطعتها قضيتنا في هذه المدة مع تقهقر قضية الأخصام بحيث أن حالة العالم السياسية القلقة أكبر برهان على أن كل ما يُبْنَى على غير الحق تنسفه الرياح ويجب أن يعلم كل فرد من أفراد هذه الأمة أن من أدخل اليأس إلى نفسه أو أدخلها نفس غيره هي في هذه الآونة الحرجة فقد خان أمته ووطنه وقضى على بنيه بالموت الأدبي والمادي. إن في فلسطين ثالث الحرمين وأولى القبلتين وهي البلاد المقدسة لدى جميع الأمم الإسلامية والمسيحية فهي ليست لسكان فلسطين وحدهم بل لكل مسلم ومسيحي في قلبه ذرة من الدين والإيمان الصحيح وإن الفلسطينيين الذين قاموا في الدفاع عن هذه البلاد المقدسة وحدهم خير قيام سوف يطلبون إلى العالمين الإسلامي والمسيحي الاشتراك في ذلك ولا ريب في أن ما بنته المبادئ السياسية السافلة من الباطل ستهدمه المبادئ القومية والدينية والسامية بأيدي الحق. لذلك فاللجنة التنفيذية للمؤتمر العربي الفلسطيني الرابع تعلن اليوم باسم الأمة العربية الفلسطينية التي صممت أن تحيا في بلادها عزيزة مكرمة حرة أنها تضرب بقرار مجلس النواب البريطاني الأخير المبني على الجور والظلم عرض الحائط كما ضرب ذلك المجلس ووزارة بريطانيا بعهود الحكومة البريطانية لعرب فلسطين في سنة 1915 وسنة 1918 عرض الحائط. وستبقى مثابرة على أعمالها ثابتة على مطالب الأمة الأساسية وقد دعت برقيًا الوفد لقطع جميع المفاوضات مع وزارة المستعمرات والرجوع إلى البلاد بعد أن يعلن للحكومة البريطانية وعصبة الأمم قرار الأمة برفض الانتداب. وسندعو المؤتمر العربي الفلسطيني للاجتماع بعد عودة الوفد حالاً كي يضع الخطط الجديدة التي تراها الأمة أضمن وأقرب للوصول إلى الغاية الأساسية وعلى الله التوفيق. لتحيا فلسطين عربية حرة مستقلة وليحيا العرب. قرارات المؤتمر العربي الفلسطيني الخامس نابلس 20 آب 1922 1 - إرسال برقية تعزية لعائلة اللورد نورثكليف. 2 - رفع برقية شكر لجلالة الملك حسين. 3 - رفض دستور فلسطين الجديد ومقاطعة انتخابات المجلس التشريعي المقبلة. 4 - إرسال وفد للشرق على أن يفوض أمر تنفيذ ذلك للجنة التنفيذية. 5 - تأسيس مكتب عربي فلسطيني في لندن. 6 - تأليف تاريخ للحركة الفلسطينية وتشكيل لجنة بذلك. 7 - إرسال وفد لأمريكا وتفويض اللجنة التنفيذية بإجراء ذلك. 8 - تشكيل اللجنة التنفيذية لجانًا تحكيمية مؤقتة لأجل إزالة الخلافات بين الفئات الوطنية كلما دعت الحاجة. 9 - تشكيل جمعيات إسلامية مسيحية في جميع النواحي والأقضية وتهيئة الأسباب لإنارة الفلاح بالأمور الوطنية. 10 - إحداث طوابع عليها أوسمة وطنية تباع لأجل إلصاقها على الصادرات والتحارير والمعاملات التجارية الوطنية. 11 - تأييد رفض نظام الانتداب باسم فلسطين. 12 - مقاطعة اليهود في الشراء وبيع الأموال غير المنقولة على أن تعهد اللجنة التنفيذية تعيين ميعاد وكيفية تطبيقها. 13 - الاحتجاج على القرض المنوي عقده باسم فلسطين. 14 - إرسال كتاب شكر لجمعية العلماء في مصر لدفاعهم عن فلسطين. 15 - وضع عهد لفلسطين واتخاذ يوم وضع العهد يومًا تاريخيًا للأمة. 16 - عدم الاشتراك بمشروع روتنبرج. 17 - تطبيق مشروع القرشين والنظام المالي الذي سنته اللجنة التنفيذية للمؤتمر العربي الفلسطيني الرابع في حزيران (يونيه) سنة 1922. بيان اللجنة التنفيذية للمؤتمر العربي الفلسطيني الخامس حول مقاطعة انتخابات المجلس التشريعي واستنكار تنفيذ بريطانيا لسياسة الوطن القومي اليهودي 1/ 9/ 1922 أجمعت الأمة العربية الفلسطينية على رفض الانتداب ومشروع إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين وذلك بعد أن تجلت لها نتائج هذه السياسة الرهيبة على حياتها القومية والاقتصادية. وإن من مقتضيات رفض الأصل أن ترفض الفروع لذلك الأصل ولهذا فقد قرر المؤتمر العربي الفلسطيني الخامس المنعقد في نابلس في 22 آب سنة 1922 رفض الدستور الجديد لفلسطين بمقاطعة الانتخابات المقبلة للمجلس التشريعي لأنه وجد بعد البحث الدقيق أن الاشتراك في تلك الانتخابات إنما هو قبول ظاهر محسوس للانتداب ولتصريح بلفور الذي يقضي بجعل البلاد المقدسة وطنًا قوميًا لليهود. ولقد رفض الوفد العربي الفلسطيني في لندن بلسان الأمة ذلك الدستور لأنه وجد فيه مخالفة أساسية لمطالب الأمة وأمانيها وفيه غبن فاحش لها ولمصالحها. ولا نحتاج لبيان ذلك إلا أن نرجع إلى الإيضاح الذي نشرته الحكومة في الجرائد المحلية في البرهة الأخيرة إذ نرى أن: 1 - ليس للمجلس التشريعي سلطة تنفيذية مطلقًا. 2- ليس للمجلس التشريعي أن ينظر في أي نقطة تخالف سياسة الحكومة الأساسية بتمهيد السبل لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. 3- إن تنفيذ قرارات هذا المجلس تتوقف على إرادة المندوب السامي الذي عهد إليه بتطبيق تصريح بلفور للأمة اليهودية. 4- يؤلف هذا المجلس من أحد عشر عضوًا من موظفي الحكومة واثني عشر عضوًا منتخب لليهود منهم عضوان تحت رئاسة المندوب السامي ويكون له صوتان. وقد أوضحت الحكومة في بيانها أن الأعضاء الموظفين مضطرون لأن يتمشوا في المجلس طبق إرادة ورغبة الحكومة " في المشاريع التي يعتقد بها بأنها تعرب عن خطة الحكومة ". فيكون في المجلس مع هذه الحالة أربعة عشر صوتًا ينادون بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين وعشرة أصوات ينادون بضد ذلك وبما أن قرارات هذا المجلس ستتخذ بأكثرية الأصوات فستكون كلها مخالفة لأماني الأمة ومصالحها التي تناقض الأماني والمصالح التي تتوخاها تلك الأكثرية. 5 - نص الدستور على أنه ستشكل لجنة من أعضاء المجلس المنتخبين لكي تنظر مع الحكومة في أمر المراقبة على المهاجرة. وأن هذه اللجنة ستكون مقيدة بنظامات لا تتخطاها وأن تنفيذ قراراتها يرجع إلى المندوب السامي الذي أنيط به أمر تمهيد السبل بجميع الوسائط لهذه الهجرة التي علمت الأمة أنها هي التي ستلتهم البلاد أخضر ويابسًا. ولهذا فلن يكون لهذه اللجنة إلا الموافقة على عدد المهاجرين الذين سوف يدخلون البلاد للقضاء على سكانها من الوجهة الاقتصادية والقومية. ومع أن للجنة التنفيذية ثقة تامة بأن أفراد الأمة على اختلاف الطبقات ساهرون على مصالحها عالمون بما يحتوي عليه هذا الدستور من المناقضات لمطالبها مصممون على تنفيذ مقررات مؤتمرها فقد قررت في جلستها المنعقدة في 1 أيلول سنة 1922 أن تنشر للأمة هذا البيان مظهرة مجمل الأسباب التي حدت بالمؤتمر أن يقرر رفض ذلك الدستور ومقاطعة الانتخابات المقبلة للمجلس التشريعي وهي على يقين أن الأمة ستقاطع هذه الانتخابات منذ بدايتها كما جرى ذلك في نابلس بسكون وهدوء ومراعاة للقوانين والأنظمة المدنية والله ولى التوفيق. رئيس اللجنة التنفيذية للمؤتمر العربي الفلسطيني موسى كاظم الحسيني اقتراح لورد اسلنجتون في مجلس اللوردات نوفمبر سنة 1922 " لا يستطيع هذا المجلس أن يقبل الانتداب على فلسطين في شكله الحالي لأنه يتنكر تنكرًا مباشرًا للعهود التي قطعتها حكومة جلالته لشعب فلسطين في بيانها الصادر في أكتوبر عام 1915 وكذلك في إعلانها الصادر في نوفمبر عام 1918 ولأن هذا الانتداب في صورته الحالية يتعارض مع مشاعر ورغبات الأغلبية الغالبية من شعب فلسطين. ولذا يجب تأجيل قبول هذا الانتداب في مجلس عصبة الأمم، إلى أن تُجْرَى فيه التعديلات اللازمة التي تتفق مع العهود التي سبق لحكومة جلالته أن قطعتها ". رد اللجنة التنفيذية العربية على عرض المندوب السامي بتشكيل وكالة عربية على غرار الوكالة اليهودية في فلسطين 1923 أتشرف بأن أعرض على فخامتكم أن الهيئة العربية التي دعوتموها في اليوم الحادي عشر من شهر تشرين الأول إلى دار الحكومة فتلوتم عليها بيان حكومة جلالة الملك بشأن تأسيس وكالة عربية في فلسطين فأجمعت على رفضه ووعدت بالرد عليه كتابةً، قد عهدت إلى أن أقدم الجواب عليه إلى فخامتكم لتتفضلوا برفعه إلى حكومة جلالة الملك. ليست الغاية التي يتوخاها الوطنيون في هذه البلاد الحصول على وكالة عربية تشبه الوكالة الصهيونية التي نصت عليها المادة الرابعة من " صك الانتداب " وإنما غايتهم التي لا يرجعون عنها ولا سبيل لهم إلا إليها هو الحصول على الاستقلال الذي ينشدونه من أمد بعيد والذي وعدهم به الحلفاء وفي مقدمتهم حكومة جلالة الملك فاشتركوا في الحرب الكبرى وقاموا بنصيبهم فيها لا لأجله. تفضلتم فخامتكم في البيان المذكور: " أن الحكومة أمعنت النظر في أمر إدارة فلسطين وأنها اتخذت الآن قرارًا نهائيًا بشأنه خلاصته أن الحكومة لا ترى سبيلاً للارتداد عن تصريح بلفور الذي قبله جميع الحلفاء ووافق عليه مجلسا الشيوخ والنواب في الولايات المتحدة وأدرج أخيرًا في " صك الانتداب " فأصبح في نظر حكومة جلالة الملك تعهدًا دوليًا لا تستطيع الرجوع عنه بتاتًا ".. لا ترى الهيئة العربية المذكورة سبيلاً إلى موافقة الحكومة على هذا القرار النهائي لأنه يخالف رغائب الأمة العربية وأمانيها وتعتقد أن حقوق الدول الطبيعية والموضوعية التي أقرها الرئيس ولسن في مبادئه الأربعة عشر والتي أيدها الحلفاء في تصريحاتهم الرسمية العديدة أثناء الحرب الكبرى لا تجيز لأمة من الأمم أن تزدري هذه الرغائب وتلك الأماني فتتصرف بالبلاد على غير رأي أهلها وعلى مالا يوافق مصلحتهم تصرف الملك بملكه. لا تنكر الحكومة أنها إنما قبلت الانتداب على فلسطين وفقًا للمادة الثانية والعشرين من نظام " عصبة الأمم " ولكن هذه المادة لا تجيز لها أن تكون دولة منتدبة فيها إلا بموافقة أهليها على فرض قبولهم الانتداب وهم قد رفضوه مرارًا في مؤتمراتهم بأنفسهم لا أن تكون العدالة ثمن حريتهم واستقلالهم ولهذا فإنهم يصرون، على أن تكون لهم حكومة وطنية دستورية مستقلة. أما الاقتراح بأن يشترك العرب في إدارة بلادهم بواسطة وكالة عربية يتوقف تقريرها على مفاوضة " عصبة الأمم " لتوافق عليها لتكون لها صفة رسمية كالوكالة اليهودية واعتباركم هذا الاقتراح خطوة كبرى نحو استيفاء رغائب الشعب العربي فقد تلقته الأمة بالاستغراب العظيم؛ إذ كيف يعقل أن يقبلوا بهذا المشروع بعد أن رفضوا مشروعي المجلس التشريعي والمجلس الاستشاري ولهما صلاحية أوسع من صلاحية الوكالة. كيف يقبلون به وهو يجعل العرب أصحاب البلاد في مستوى واحد مع اليهود فضلاً عن أن اسم الوكالة يجعلهم يشعرون أنهم غرباء في بلادهم أيضًا. أما الشكاوات التي أشرتم إليها بشأن الوكالة اليهودية فلم تكن لعدم وجود وكالة عربية مثلها وإنما كانت احتجاجًا على وجود وكالة يهودية. ولابد لي قبل الختام أن أشير إلى ما ورد في بيان فخامتكم من تأكيدكم أن الحكومة لا تنوي تغيير خطتها وسياستها في فلسطين، وأن الذين يأملون نتيجة أخرى تختلف عن هذه يضلون أنفسهم ويضلون غيرهم ممن يقبلون آراء كهذه. إن أمل العرب يا فخامة المندوب في تغيير سياسة الحكومة في فلسطين مستند إلى إيمانهم القوي بحقهم الصريح واعتقادهم ببطلان السياسة الحاضرة وقد كان الوطنيون يجلون فخامتكم عن أن تنسبوا إلى بعضهم أمر تضليل أمتهم في قضيتهم الكبيرة هذه ويؤكدون لفخامتكم أن هذه العبارة الشديدة قد تركت في نفوسهم أثرًا سيئًا جدًا فإن أمل المحق في انتصار حقه أولى أن يكون موضع احترام لا أن يعتبر ضلالاً وتضليلاً. وتفضلوا بقبول فائق الاحترام رئيس اللجنة التنفيذية موسى كاظم الحسيني. مقررات المؤتمر العربي الفلسطيني السادس 1923 1 - شكر أعضاء المجلس الاستشاري على انسحابهم ودعوتهم لحضور جلسات المؤتمر. 2 - رفع برقية لجلالة الملك حسين تتضمن رفض المعاهدة التي نشرت خلاصتها حكومة فلسطين وطلب عدم إبرامها قبل أخذ رأي الأمة بها. 3 - نشر بيان برفض مشروع المعاهدة وكل مشروع آخر لا يضمن للأمة مطالبها العادلة المعلومة المؤيدة بالمؤتمرات السابقة. 4 - إحالة درس موضوع مقاطعة الضرائب إلى اللجنة التنفيذية وتطبيقها عند مسيس الحاجة بعد استشارة وفود البلاد أو مؤتمرها. 5 - إرسال برقية للمقامات العالية في لندن تتضمن خلاصة البرقية المرفوعة لجلالة الملك حسين والبيان الذي نشره المؤتمر. 6 - إعلان مقاطعة مشروع روتنبرج والاحتجاج لوزارة المستعمرات على نصب الأعمدة ومد الأسلاك في يافا وتكليف روتنبرج ثمن الأعمدة والأسلاك. 7 - مطالبة الحكومة بالإسراع بتنفيذ اتفاقية الغور. 8 - إحالة النظر في أمر مقاطعة اليهود إلى اللجنة التنفيذية للمؤتمر الاقتصادي. 9 - إحالة النظر في موضوع سن دستور لفلسطين إلى اللجنة التنفيذية. 10 - تفويض اللجنة التنفيذية بالمطالبة بالاكتفاء باللغة العربية واعتبارها اللغة الرسمية الوحيدة في البلاد. 11 - مطالبة الحكومة بحفظ حقوق الأهالي في الأحراج وإعطائها قوانين بها. 12 - رفض كل قرض يعقد باسم فلسطين. 13 - إرسال وفد إلى لندن. 14 - الإبراق بطلب الإفراج عن المعتقلين السياسيين في أرواد (سوريا). بيان الوفد الفلسطيني الثاني عن أعماله أمام المؤتمر العربي الفلسطيني السادس 1923 لما أعلن انعقاد مؤتمر لوزان الأول ليتداول في أمر تقرير الصلح مع الترك رأت اللجنة التنفيذية ضرورة إيفاد وفد إلى لوزان ليكون في محيط هذا المؤتمر الذي ستتناول أبحاثه أمر مصير البلاد العربية التي انسلخت عن الأتراك والتي لا تزال من الوجهة الحقوقية قبل انعقاد الصلح من ممتلكات الدولة العثمانية سيما وقد أعلن الترك الوطنيون أنهم لا يحيدون في مفاوضتهم الصلحية عن ميثاقهم الملي الذي تنص مادته الأولى على ترك مصير البلاد التي انسلخت عنها لأهلها. وكان القصد من هذا الوفد أن يبذل جهده في حمل مفوضي الترك على الثبات في ميثاقهم الملي في أمر بلادنا من جهة وإسماع صوت هذه البلاد لأعضاء ذلك المؤتمر بأنها لن ترضى عن أي حل لا يتفق مع رغائبها وحقوقها المشروعة من جهة ثانية. فغادر وفدنا البلاد ووجهته الآستانة لعله يجتمع بأولي الحل والعقد من الأتراك ومفوضيهم فيها فيبسط لهم قضيته بصورة خاصة. وقد عرج في طريقه على القاهرة حيث اجتمع مع اللجنة التنفيذية للمؤتمر السوري الفلسطيني الذي عقد في جنيف عام 1921 وكان وفدنا الأول ممثلاً فيه البلاد. وقد اقترحت اللجنة علينا أن نوحد أعمالنا مع الوفد السوري الذي سافر فريق من أعضائه إلى الآستانة للغاية التي توخيناها نحن أيضًا فحبذنا الاقتراح وواصلنا السير. وكان في ودنا أن نمر بأزمير ولكن الاحتياطات العسكرية التي كانت حكومة الأناضول قد اتخذتها حالت دون ما نريد فجئنا إلى الآستانة واجتمعنا مع رأفت باشا القائد العام فيها وبسطنا له آمالنا فأكد لنا أن حكومة المجلس الوطني الكبير متمسكة تمام التمسك بالميثاق الملي. وقد كان عصمت باشا والوفد التركي قد سافروا قبلنا إلى لوزان فرأينا أن يذهب قسم من وفدنا إلى لوزان ليلحق بعصمت باشا وأن يبقى قسم آخر وهو الأستاذ المظفر في الآستانة ينتظر فرصة يذهب فيها إلى أنقره. وصلنا لوزان يوم افتتاح المؤتمر فرأينا من المصلحة أن نوحد خطتنا مع الوفد السوري وأن نشتغل معًا باسم الوفد السوري الفلسطيني أيضًا. ومن ثم أخذ الوفد يجتمع بوفود الدول المشتركة في المؤتمر ويبسط لهم قضيته بحذافيرها. واجتمع بصورة خاصة بعصمت باشا وقص عليه حالة البلاد ورغائب الأمة فوعد بالمحافظة على نص الميثاق الملي بتصريحه الرسمي الأخير بعد أن فشل المؤتمر بأن الدولة التركية وقد كنا ننتظر في الوقت ذاته نتيجة انتخابات المجلس التشريعي وأنصارنا ينتظرونها معنا لما علمنا من عظيم تأثيرها على سير قضيتنا فوصلتنا البشرى العظيمة قبل مغادرتنا لندن بيومين عن نجاح الأمة في موقفها الشريف الذي وقفته وإحباط مشروع الانتخابات إحباطًا تامًا الأمر الذي أثبت للذين يشتغلون معنا ولخصومنا أن فلسطين جادة في حركتها الوطنية وأنها لن ترضى عن سياسة يراد فرضها عليها فرضًا وأن الحركة فيها حركة شعبية إجماعية لا إفرادية شخصية. وقد علمنا قبل مغادرتنا لندن بأن باب مفاوضات قد فتح بين مندوب جلالة الملك حسين والحكومة البريطانية حول عقد معاهدة تؤيد العهود المقطوعة الأولى وترضي العرب. فأوقفنا ذلك المندوب الدكتور ناجي بك الأصيل على ما لدينا من الوثائق والمخابرات السياسية المتعلقة بقضية فلسطين والتي قد دحضت كل قول بخروج فلسطين عن دائرة العهد المقطوع وصار في إمكانه أن يقف وقفة العارف المطلع على قضية فلسطين أثناء مفاوضاته في القضية العربية التي هي جزء منها. كذلك اجتمعت وفود العرب في لندن فانتهزنا الفرصة وجرت مذاكرات اشتركنا بها انتهت بوضع قرارات بشأن توحيد السعي في السير بالقضية العربية عمليًا وقد نشرت الصحف ملخص هذه القرارات كما تعلمون. والقصد الذي توخيناه جميعنا من ذلك هو توحيد مساعي المشتغلين في القضية العربية في كل قطر والاهتمام بقضيتهم كقضية دون أن يكون هنالك مجال لضياع المساعي الإفرادية على أن يكون لكل قطر استقلاله الداخلي التام. هذا ملخص عمل الوفد في سفرته الثانية. لقد رجعنا من أوربا ونحن قانعون أن قضيتنا أصبحت من القضايا العالمية التي تهتم لها الأمة الإنجليزية في الدرجة الأولى والدول الكبرى التي لها علاقة بالشرق الأدنى في الدرجة الثانية. وأننا كلما ازددنا ثباتًا وتمسكًا بحقوقنا ومطالبنا وكلما انتبهنا إلى كل شرك ينصب للبلاد فتوقيناه اقتربت قضيتنا من الحل العادل وضعف مركز خصومنا السياسي وأباطيلهم التي أصبحت لا تقوم على أساس. وإنه يجمل بنا قبل الختام أن نشير أن الموقف الشريف الذي وقفه إخواننا المخلصون الذين انتدبوا للمجلس الاستشاري الجديد سيكون ذا أثر عظيم في سلسلة جهادنا الوطني الذي نجحنا فيه نجاحًا كبيرًا. نشير إلى ذلك الموقف مرسلين لهم الاحترام وجزيل الشكر. مشروع المعاهدة البريطانية مع الشريف حسين صيف 1923 يتعهد صاحب الجلالة البريطانية بأن يعترف باستقلال العرب في العراق وشرقي الأردن والحكومات العربية الموجودة في شبه جزيرة العرب ما عدا عدن، وأما فلسطين فقد تعهد صاحب الجلالة البريطانية بألا يفعل في تلك البلاد شيئًا قد يجحف بما للشعب العربي من حقوق مدنية ودينية. ويعترف صاحب الجلالة الهاشمية بمركز صاحب الجلالة البريطانية الخاص في العراق وشرقي الأردن وفلسطين يتعهد بأنه - فيما يقع ضمن حدود نفوذ جلالته الهاشمية من الأمور المتعلقة بهذه الأقطار - سيبذل أفضل جهوده للتعاون مع صاحب الجلالة البريطانية في سبيل قيامه بالتزاماته. قرار المؤتمر العربي الفلسطيني السادس بمقاطعة المجلس التشريعي يافا 16/ 6/ 1923 قرر المؤتمر العربي الفلسطيني السادس المنعقد في يافا والممثل للأمة رفض مشروع المعاهدة الإنجليزية - العربية المقدم لجلالة الملك حسين والذي نشرت حكومة فلسطين خلاصته لأنه مخالف للعهود المقطوعة للعرب ولحقوق الشعب الفلسطيني والمطالبة بإلغاء السياسة الصهيونية وبإنشاء حكومة وطنية نيابية مستقلة ورفض كل مشروع لا يضمن تحقيق مطالب الأمة. بيان الوفد العربي الفلسطيني في لندن إلى الرأي العام البريطاني حول الحالة في فلسطين 15/ 8/ 1923 إن عرب فلسطين مسلمين ومسيحيين هم ثلاثة وتسعون في المائة من السكان. وهذه الأكثرية الساحقة لقصد ولأسباب قاطعت الانتخابات للمجلس التشريعي الذي حاولت الحكومة إنزال البلاد على أحكامه فكانت المقاطعة عبارة عن رفض رسمي لذلك الدستور الذي قام على أسس السياسة الصهيونية وكان مناقضًا للعهود المقطوعة للعرب في سنة 1915 و1918 ومجحفًا بحقوق عرب فلسطين السياسية والاقتصادية وسائر الحقوق الحيوية. وتأليف ذلك المجلس التشريعي من عشرة أعضاء عرب منتخبين فقط إزاء عشرة أعضاء رسميين معينين (بعضهم الآن يهود ويمكن أن يكونوا كلهم يهودًا بعدئذٍ) وعضوين يهوديين منتخبين وصوت المندوب السامي المرجح هو تمثيل غير عادل سيما بالنظر للسلطة الأوتوقراطية التي أبقيت في يد المندوب السامي. وقد أعلن فشل الانتخابات رسميًا من قبل الحكومة البريطانية التي كان يأمل منها المخلصون أن تعتبر وتقدر هذه النتيجة الصادقة تجربة نهائية ورسمية لسياسة صهيونية غير عادلة ومستحيلة التطبيق في فلسطين. إلا أنها - خلافًا لكل حسبان - رأيناها التجأت إلى محاولة أشد بعدًا عن الانصراف في سبيل ترقيع سياستها. نعني تأليفها مجلسًا استشاريًا يضم من الأعضاء غير الرسميين نفس النسبة المذكورة أعلاه على أن يعينهم المندوب السامي تعيينًا. وهذه أيضًا لم يقدر لها غير الفشل وفشلت فعلاً فإن المندوب السامي لم يستطع إيجاد العشرة من بين السبعمائة ألف إلا كما يلي: أربعة من أعضاء مجلسه الاستشاري الذي ألفه سنة 1920 ولم يلغ وأربعة من رؤساء البلديات المعينين من قبل الحكومة والتاسع عضو لجنة رسمية والعاشر فقط من طبقة جديدة. ومع ذلك فإنهم جميعًا انسحبوا لسبب معقول وهو أن قبولهم الخدمة في هذا المجلس بعد حصول فشل الانتخابات للمجلس التشريعي قد يعد قبولاً منهم بذلك الدستور الذي رفضه الشعب وهم أبناؤه. ثم إن حكومة فلسطين عادت فارتكبت محاولة أغرب وأبعد عن التصور من أخواتها ففي شهر تموز الأخير أعلنت رسميًا لأولئك العشرة المعينين من قبلها أن قبولهم تعيينها لهم لهذا المجلس لا يعتبر كقبول منهم بالدستور. وكان ذلك منها مغالطة بينة ومع ذلك فأربعة فقط من أولئك العشرة (الذين يجب أن نذكر أن اثنين منهم رئيسا بلديتين معينان من الحكومة وواحدًا منهم عضو في المجلس الاستشاري العتيق وواحدًا عضو لجنة رسمية بالتعيين) لم يستطيعوا حتى الآن صد رغبة الحكومة التي بيدها أمر وظائفهم ذات المعاش. أما الستة الآخرون فقد رفضوا هذا التعيين ثانية ولذلك فتأليف هكذا مجلس استشاري لا يزال حتى الآن بعيدًا عن حيز الحقيقية ثم لنفرض أن حكومة فلسطين توقفت في آخر الأمر إلى الحصول على عشرة أفراد من الأمة العربية يقبلون عضوية هذا المجلس - سواء بالإغراء أو الإرهاب أو أي وسيلة أخرى - حبًا منها في إيهام العالم في الخارج أن العرب أخيرًا وافقوا على الاشتراك في السياسة والإدارة الحاليتين فإن المسألة الباقية تكون بعيدة عن الإنصاف الذي بموجبه يصح التسليم بأن مثل هذه الهيئة أو المجلس مما يصح اعتباره موفيًا بالحقوق والمصالح الحقة التي هي للسبعمائة ألف عربي من أهالي فلسطين الذين وضعت لهم الحكومة الحالية بدون إرادتهم دستورًا بديلاً عن المجلس التشريعي الآنف الذكر. فنحن الوفد العربي الفلسطيني المتكلم باسم هذه الأكثرية الساحقة نحتج بكل شدة على مواصلة مثل هذه المحاولات ومثل هذه السياسة ونكرر أيضًا بيان غرضنا من القدوم إلى لندن قائلين بأنه الرغبة في تنوير الحكومة البريطانية والشعب البريطاني عن حقائق الحال في فلسطين والدفاع عن مصالح شعبنا وحقوقه ورفض كل مشروع غير متفق مع تلك الحقوق والمصالح التي قطعت العهود للاعتراف بها ولتأييدها من قبل بريطانيا العظمى. وإن اعتقادنا الثابت الراسخ في الإخلاص هو أن البادرة إلى إنشاء حكومة نيابية وطنية في فلسطين هو الدواء الوحيد للحالة الحاضرة. هذه هي رسالتنا للشعب البريطاني. ثم إن طلبنا الاجتماع باللجنة الوزارية التي أنيط بها التحقيق في القضية الفلسطينية قد رفض لكونه " غير ممكن " إننا صرحنا وأوضحنا أن طلبنا من تلك اللجنة أن تستمع لنا كان قائمًا على شديد رغبتنا في تقديم حل عادل للمعضلة الفلسطينية على أساس الحقائق والوثائق الخطية (أي الحقائق المبنية على وثائق ومستندات) وأننا نعلم أيضًا أن المندوب السامي كان قد بسط القضية الصهيونية لهذه اللجنة الوزارية. وفى الختام إننا نغتنم هذه الفرصة لرد تلك الفكرة غير الصحيحة فكرة وجود أيما حزب أو تشكيل حزب متطرف أو معتدل في فلسطين فإن الجمعية العربية الوحيدة في فلسطين هي الجمعية الإسلامية المسيحية المنتظم فيها السبعمائة ألف والممثلة في مؤتمرها العربي الفلسطيني. وليست هيئات هذه الجمعية التمثيلية بعيدة عن التطرف فقط بل إنها لا تطلب شيئًا أقل أو أكثر من حقوقها ومصالحها القومية التي حصل التعهد بالاعتراف بها وتأييدها من قبل بريطانيا العظمى. ولذلك فاستعمال كلمة تطرف بهذه العلاقة يكون من قبيل ما لا معنى له أو من قبيل المغالطة المقصودة. رئيس الوفد العربي الفلسطيني. مذكرة الوفود العربية إلى المستر ايمري وزير المستعمرات البريطانية أثناء زيارته لفلسطين 1925 1 - إن عرب فلسطين قد قدموا تقارير كثيرة وأرسلوا وفدهم إلى لندن مرتين وفي كل ما قدموه بينوا التناقض الغريب الذي يظهر في مسلك الحكومة الإنجليزية في بلاده على الرغم من: ( أ ) نص عهد جامعة الأمم. (ب) العهود المقطوعة للملك حسين. (ج) بعض مواد صك الانتداب. (د) البيانات الرسمية والشبه الرسمية الصادرة من الوزارات. 2 - إن السياسة التي تسير عليها الحكومة في فلسطين جرت البلاد إلى حالات اقتصادية صعبة لا يمكن للبلاد أن تستمر على تحملها ودوام الحال على هذا الشكل دون أن يجد العرب آذانًا صاغية عادلة يؤدي حتمًا إلى سقوط البلاد في هوة أشد عمقًا من الحالة الحاضرة إذ أنهم: ( أ ) يكلفون بضرائب باهظة للإنفاق على ترتيبات واسعة لا تتحملها البلاد لتنفيذ السياسية الصهيونية التي لا يمكن أن تتفق مع مصالحهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية. (ب) قد حرموا إدارة بلادهم وتمتعهم باستقلال ذاتي على حين ليسوا أقل مستوى من سكان البلدان العربية الأخرى مثل العراق وشرق الأردن التي تتمتع بحكم ذاتي نيابي. (ج) وقد حرموا حتى مما كانوا يتمتعون به من بلديات ومجالس إدارة ومجالس عمومية منتخبة، ومن إرسال أعضاء إلى البرلمان في العهد التركي. (د) قد فتحت أبواب بلادهم لهجرة يهودية ضخمة تحتوي على كثير من العناصر غير الصالحة لحياة البلاد وتحملها اقتصاديًا واجتماعيًا. (هـ) قد جعل للعناصر اليهودية أرجحية ظاهرة في إدارة البلاد الرئيسية وفي تيسير المصالح اليهودية القومية والاجتماعية هذا وهم أقلية ضئيلة في البلاد عددًا ومصلحة. العرب يطلبون حقهم في الحكم التشريعي: 3 - إن العرب في فلسطين وهم يطلبون حقهم في الحكم التشريعي لم يريدوا قط أن يغمطوا حقوق اليهود الذين يساكنونهم ولكنهم يريدون أن يتمتعوا بحقهم باعتبار أنهم أكثرية ساحقة في العدد والمصلحة وباعتبار أنهم وعدوا بوعود صريحة وباعتبار أن عهد جامعة الأمم يخولهم ذلك مع حفظ حق اليهود الوطنيين في الاشتراك معهم في الإدارة والتشريع بحسب نسبتهم. 4 - إن العرب يعتقدون أنهم لن يطمئنوا في بلادهم ويروا في الحكومة البريطانية النية الحسنة التي طالما أعلنتها بالنسبة إليهم إذا ظلت مستمرة في طرز الإدارة والسياسة التي سارت عليها في فلسطين إلى الآن على أنهم يريدون دائمًا أن يكونوا على وفاق تام معها في مصالحها النزيهة ويعتقدون أنه قد آن للحكومة البريطانية أن تقلع عن تجربتها العقيمة وأن تعيد نظرها بصورة جدية في هذه السياسة التي جعلت البلاد وأهلها في حالة اضطراب روحي وانحطاط اقتصادي وقلق. مطالب الأمة: 5 - وها نحن نقدم لها مطالب البلاد بصورة صريحة واضحة وأن تبدل علاقة الانتداب السيئة: ( أ ) تأسيس حكومة وطنية مسؤولة أمام مجلس نيابي منتخب من الأهالي الفلسطينيين بحسب التمثيل النسبي. (ب) تسن جمعية وطنية منتخبة القانون الأساسي الذي يضمن بقاء الأماكن المقدسة بيد أهلها القديمين على ألا يغير شيء فيها وحفظ حقوق الأجانب ومصالح الدولة المساعدة المتفقة مع مصالح البلاد وضمانة مشاركة اليهود الوطنيين بالحكم والتشريع بحسب النسبة على أن يُراعَى في وضعهما تحمل حالة البلاد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وضمانة التعهدات الدولية التي تحملتها الدولة المساعدة وهي التعهدات الصحيحة وحفظ الآثار وحرية الأديان ونحوها على النمط الوارد في المعاهدة المعقودة بين الحكومة الإنجليزية والعراق. تقرير اللجنة التنفيذية إلى لجنة الانتداب في عصبة الأمم 11/ 5/ 1927 من الحقائق العامة أن البلاد الواقعة تحت الانتداب هي وديعة مقدسة وضعتها عصبة الأمم في أيدي المنتدبين بمقتضى عهد عصبة الأمم لأجل مساعدة أهلها على إدارة شؤون بلادهم " لبينما يتمكنوا من القيام بذلك بأنفسهم ". لهذا فإن اللجنة التنفيذية ترغب في إلفات نظركم إلى ما ورد في خطاب للمستر ايمري ناظر المستعمرات في مجلس العموم بلندن في بحر هذه السنة مما يناقض هذا المبدأ الذي من أجله وجد مجلسكم الموقر. وبهذه المناسبة ترغب اللجنة التنفيذية العربية في فلسطين أن تنظر نظرة عامة إلى حالة فلسطين من وجهة علاقتها المزدوجة بإنجلترا وعصبة الأمم مدة السنين التسع الماضية كي ترى ما إذا كانت الدولة المنتدبة قد طبقت بالفعل قول المستر ايمري المنوه عنه أعلاه وبذلك سلبت العرب حقوقهم السياسية المعترف بها مخالفة في ذلك نصوص عهد عصبة الأمم. الهجرة اليهودية: جاء في تقرير مجلسكم الموقر المصدق في مجلس عصبة الأمم سنة 1924 " أن الهجرة لم تكن دائمًا متناسبة مع حالة البلاد الاقتصادية " وقرر أن تتخذ الحكومة مبادئ أساسية للهجرة " تكون بمقتضاها قائمة على حاجة البلاد الاقتصادية في الدرجة الأولى ". وفوق ذلك فإن المادة (6) من " صك الانتداب " توجب على حكومة فلسطين. " أن تسهل الهجرة اليهودية بشرط ألا يخل ذلك بحقوق ووضعية السكان غير اليهود، وأن تجرى الهجرة مناسبة ". أما حكومة فلسطين فبرغم اكفهرار الجو الاقتصادي في البلاد فقد فتحت لليهود أبواب الهجرة وسمحت بدخول ما يقارب الخمسين ألفًا منهم في السنتين اللاحقتين وهما 1925 و1926، وإن هذه السياسة الخرقاء المنافية لما أوجبته وأوحت به لجنة الانتدابات في تقريرها المذكور أعلاه وللمادة (6) في " صك الانتداب " قد ولدت بالطبع مصائب اقتصادية اكتنفت اليهود والعرب معًا. فقد ازدادت الأزمة الاقتصادية تعقدًا وبدلاً من أن نرى الذهب الكثير الذي قيل بأنه سيتدفق على البلاد مع الهجرة رأينا أزمة اقتصادية لم يسبق لفلسطين أن شعرت بمثلها. وبقي ما يقرب من عشرة آلاف عامل يهودي بلا عمل يهددون الأمن طيلة العام. اللغة: إن المادة (22) من " صك الانتداب " تنص على أن " اللغات الإنجليزية والعربية والعبرانية تكون هي اللغات الرسمية. وكل عبارة أو نقش على الطوابع والنقد ... وإلخ كتب في العربية يعاد بالعبرانية " والعكس بالعكس ورغمًا عن شدة هذه المادة التي توجب أن تتساوى لغة أقلية ضئيلة لا يتكلم فيها من تلك الأقلية إلا أقلية مثلها بلغة أهل البلاد الذين يتحملون من أجل ذلك نفقات باهظة فإن حكومة فلسطين قد تجاوزت هذه المادة وناقضتها بأن أخذت تكتب وتنقش على عموم ما تكتب وتنقش عليه حرفي (أ. ي) بجانب كلمة " بالاستينا " العبرية دلالة على كلمة " أرض إسرائيل " وعدا عن هذا فإن أهم أعمال الحكومة لا تكتب إلا بالإنجليزية. حتى إن التقارير العامة كتقرير ضريبة الأعشار المطلوب إلى السكان انتقاده لم يطبع إلا بالإنجليزية. لهذا فإن عرب فلسطين يرغبون في أن يعرفوا من مجلسكم الموقر كيف يمكنهم أن يستفيدوا من حماية عصبة الأمم إن كانت هي عاجزة عن حمايتهم في الأمور المتقدمة الذكر وهي المسؤولة عنها لأنها من وضعها وتواصيها ومنها يطلب أمر تطبيقها في النهاية. وإن اللجنة التنفيذية ترغب أن ترفع مع هذا وبرسالة منفصلة تقريرًا عن قضية برة قيسارية المعروفة، والمقدم من قبل وكيل أصحابها العرب كي يتمكن مجلسكم الموقر من أن يرى إلى أي درجة وصل مندوب الدولة المنتدبة في مغالطته عند إيراد الأمور التي يطلب أن تكون خالية من الغلط. وهي ترفعه كمثال يبين وجه الخطأ في اتباع الأصول المرعية في مجلسكم الموقر من استماع وجه واحد في أوجه القضية بسماع أحد المتداعين فقط، وفي عدم إمكانكم من زيارة فلسطين لدرس القضية في مكان وجودها. وتفضلوا.... سكرتير اللجنة التنفيذية جمال الحسيني. بيان لجنة الدفاع عن البراق الشريف إلى المؤتمر الإسلامي المعقود في القدس سنة 1928 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد فلما كان المسجد الأقصى المبارك في بيت المقدس هو عند المسلمين عامة من أعظم بيوت الله التي أذن أن ترفع ويذكر فيها اسمه. بيت الله الذي وَلَّى الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم والمسلمون حينًا وجوههم شطره. بيت الله الذي أسرى سبحانه بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم إليه وبارك حوله. بيت الله الذي قرنه صلى الله عليه وسلم بالبيت الحرام وبمسجده النبوي في شد الرحال إليه. بيت الله الذي جاءت الشريعة الإسلامية الغراء بجليل قدره وعظيم فضله، فهو بذلك أولى القبلتين وثالث المسجدين الذي كان الإسراء إليه والمعراج منه فسُبْحَانَ الذي أَسْرَى بعَبْدِهِ لَيْلاً مِن المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأَقْصَى الذي بارَكْنا حَوْلَهُ لنُريَهُ مِنْ آياتنا إنَّهُ هو السَّميعُ البَصير. لما كان ذلك وكنا نحن أهل البلاد المقدسة قد أقامنا الله حراس هذا البيت وسدنته فإننا نرى من واجبنا أن نتقدم لإخواننا المسلمين عامة في مشارق الأرض ومغاربها ببيان ما أصبح يحيق بهذا المسجد من الخطر من جَرَّاء مطامع اليهود في انتزاعه من أيدي المسلمين لا سمح الله تلك المطامع التي ظهرت جلية بما يحاولونه الآن من الاعتداء عليه وتثبيت حقوق لهم فيه وحوله وبما يبذلونه من المساعي بمختلف الوسائل للتأثير على الحكومة البريطانية والحكومات الأخرى وعلى عصبة الأمم لتأييد فكرتهم وتحقيق مطامعهم والله ولي هذا البيت وحارسه وهو نعم المولى ونعم الوكيل. جدار المسجد الأقصى الغربي: يحيط بالمسجد الأقصى من جهاته الأربع سور الحرم الشريف وهو سور عظيم منيع عني المسلمون به وبما حوله في مختلف العصور لما له من التأثير في المحافظة على هذا المسجد المبارك فأنشأوا فوقه المدارس والزوايا وحبسوا ما حوله عن الخارج أوقافًا حتى أصبح محاطًا حينئذٍ داخلاً وخارجًا بألوف المتعلمين والعابدين والزائرين. وفي الناحية من القسم الغربي من هذا السور مكان له قيمة عظمى عند المسلمين لما أنه موضع البراق الشريف نسبة إلى براق النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء. فكان له منهم عناية خاصة إذ حبسوا ما يحيط ويتصل به أوقافًا على المسلمين وعلى زاوية الشيخ الإمام العالم العارف أبي مدين شعيب بن الشيخ المجاهد العالم أبي عبد الله محمد بن أبي مدين شعيب المغربي قدس الله سره. وأنشئت هنالك منازل الوقف متراصة بحيث وأحاط المسلمون سكانها بمكان البراق الشريف من الخارج إحاطة مؤدية إلى حراسته. وقد بلغ من تراص هذه المنازل حول هذا المكان الذي هو جدار الحرم الغربي أن جدار الحرم وبقية أبنية هذا الوقف استُعْمِل ممرًا ليسلك منه السكان المسلمون إلى منازلهم. هذا الممر الخاص الموقوف وقفًا إسلاميًا لم يمانع المسلمون فيما مضى الزائرين والسائحين على اختلاف طوائفهم وأديانهم وفي جملتهم اليهود من الوقوف فيه للنظر إلى تلك الناحية التاريخية الأثرية من الخارج. غير أن اليهود أخذوا تدريجًا يقلبون هذه الزيارة العادية إلى مراسم دينية الأمر الذي انتبه إليه المسلمون في حينه وأخذوا يقفون دون أية محاولة من هؤلاء الطامعين يخرجون بها عن حدود الزيارة العادية. مطامع اليهود ومحاولاتهم قبل الاحتلال: يرمي اليهود منذ أمد بعيد إلى غاية رهيبة هي انتزاع المسجد الأقصى من يد المسلمين بزعم أنه " الهيكل " ولكنهم لم يكونوا يصرحون بهذا قبلاً لأن البلاد المقدسة كانت في حراسة المسلمين أنفسهم وإنما كانوا يحاولون من آن لآخر إغفال ذوي الشأن والاستفادة من إباحة الوقوف خلف الجدار المذكور ليمنحوا تساهلاً أوسع. ولكن هذه المحاولات لم تكن تجديهم نفعًا رغم ما كانوا يتوسلون به من شتى الوسائل وخصوصًا في عهد الحكومة العثمانية. فقد دأب زعماؤهم وكبراؤهم على التوسل إليها بمختلف الطرق وبألوان من المطالب التي قد تخفى تحتها تلك الغاية من تأسيس حق لهم في ذلك المكان الإسلامي المقدس يكون خطوة في سبيل تحقيق مطامعهم الرهيبة فكانوا يحاولون حينًا أن يصحبوا معهم كراسي ومقاعد يجلسون عليها وحينًا آخر يحاولون وضع موائد ومصابيح وغيرها. غير أن ولاة الأمور حينذاك كانوا يحظرون عليهم ذلك ويقمعونه بشدة و يمنعونهم من أن يتجاوزوا الزيارة العادية بوضعها وشكلها إلى أيسر يسير كما ظهر ذلك من الوثائق ومن قرارات" مجالس إدارة اللواء " في زمن الحكومة العثمانية. محاولات اليهود بعد الاحتلال البريطاني: لم يكن فشل اليهود المتكرر في عهد السلطات الإسلامية ليقلع بهم عن تلك المطامع الرهيبة ولكنها خبت في نفوسهم كما تخبو النار تحت الرماد. فما أن كان الاحتلال وما أن منحوا الوعد البريطاني بالوطن القومي اليهودي بفلسطين حتى تطاير ذلك الرماد وعادت تلك المطامع تتأجج وظهر لهيبها على ألسنة زعمائهم وغوغائهم في جميع العالم فأخذوا يعلنون ما كتموا متخذين من الاحتلال والوعد بالوطن القومي قوة ظنوها كافية لتحملهم على الاستهانة بالرأي العام الإسلامي غير حاسبين لتحديهم أربعمائة مليون من المسلمين في أولى قبلتيهم وثالث مساجدهم " المسجد الأقصى المبارك " أي حساب فقد قال أحد كبار زعمائهم السر الفردموند في مقال له " إن اليوم الذي سيعاد فيه بناء الهيكل أضحى قريبًا جدًا وإنني سأكرس بقية حياتي لبناء هيكل عظيم مكان المسجد الأقصى". وقال أحد زعمائهم أيضًا - زنكويل - " وما على المسلمين إلا أن يرحلوا إلى أرض غير هذه الأرض " بل قد بلغ من غرورهم ومطامعهم أن أخذوا ينشرون ويوزعون صورًا لبيت الله المقدس وقد علت أسواره الأعلام الصهيونية واستوى التاج اليهودي فوق القبة من صخرة الله المشرفة مكان الهلال. وإننا نثبت هنا إحدى هذه الصور - التي ينشرونها بين بني قومهم ناقلين إلى العربية ما كتب عليها بالعبرانية وقد صدرت بهذه العبارة " ينتظر جميع العالم فرج ربنا لإعادة شعبه إلى جبله المقدس ". وقال أحد أقطابهم المستر بنتويش الذي يشغل بفلسطين منذ سنين حتى اليوم أكبر وظيفة في العدلية والذي هو صاحب الكلمة العليا بل الكلمة الأخيرة في القضاء والتقنين والتشريع وهو من صميم الصهيونيين في مؤلف له مطبوع أثناء كلامه عن البراق الشريف ما نص ترجمته: " وأكبر محل ديني لاجتماع اليهود بالقدس هو " قوتل حمارابي " الحائط الغربي من الحرم أو الهيكل " إلى أن قال " وهو بحسب التقاليد جزء من هيكل سليمان وهو القسم الوحيد من الحرم والهيكل الذي يصل إليه اليهود " وإلى أن قال " وقد قال - زنكويل - حديثًا: إن اليهودي عند المبكي (أي البراق الشريف) هو في نفسه أكثر إغراقًا في الخيال من اليهودي السائر في الشارع ولكن لا هذا ولا ذاك سيجدد بناء المبكى ولكن أبناء الجيل الذين سيقومون بهذا والذين يعتقدون أن العمل هو الصلاة الحقيقية ينزلون في القدس ويسكنونها وهم ينتظرون قيام " كوروش " جديد وقيام " نحيما " جديد ليشقا الطريق في استعادة المكان المقدس الظاهر لليهودية " وقد فسر المستر بنتويش المكان المقدس بقوله: " والمكان المقدس على جبل موريا المعروف الآن بالحرم الشريف " (كذا). ووضع المستر بنتويش عند " كوروش " المارة هذه العلامة (1) ليعلق عليها في ذيل الصفحة ما يأتي: " (1) بعد كتابة هذه السطور بعدة أشهر ظهر تصريح كوروش الحديث في هذا العصر ممثلاً بوعد الحكومة البريطانية الصادر في 2 نوفمبر سنة 1917 القائل بأن الحكومة البريطانية تبذل جهودها في إعادة بناء الوطن القومي اليهودي في فلسطين ". فلينظر المسلمون إلى تفسير المستر بنتويش الحقوقي الكبير وعد بريطانيا بالوطن القومي لليهود وليقارنوا بين هذا التفسير وبين أشغال المستر - بنتويش - نفسه اليوم أكبر وظيفة في فلسطين من صلاحيتها سن القوانين ثم ليستعرضوا القوانين التي سنت إلى اليوم في فلسطين والتي من جملتها قانون نزع الملكية الذي جعلوه يشمل أوقاف المسلمين وليربطوا ذلك كله بطلب اليهود استملاك وقف أبي مدين الإسلامي المتصل بالبراق الشريف. وقد ظهرت بوادر هذه الفكرة الرهيبة في أول الاحتلال إذ حمل اليهود بعض كبار موظفي الحكومة المحتلة العسكرية حينئذٍ على السعي في إقناع المسلمين وإغرائهم على أن يستبدل اليهود بالدراهم وقف المسلمين هذا الذي ذكرنا ملاصقته للبراق الشريف " جدار الحرم الغربي " واتصاله فيه. فثار ثائر مسلمي فلسطين لذلك ووقفوا سدًا منيعًا متكاتفين أمام هذه المحاولة رافضين كل الرفض أن يفرطوا بذرة من تراب مجدهم وما يحيط به من جدران وأوقاف معلنين استعدادهم لبذل نفسهم ونفيسهم في الدفاع عن جدار المسجد الأقصى وموضع البراق إزاء أي طمع. وإن قصد اليهود من الاستيلاء على هذه الأوقاف إقامة كنيس مكانها تعلو جدار المسجد وتستند عليه وحينئذٍ يسهل عليهم النفاذ إلى المسجد الأقصى بوسائل مختلفة. ولما رأى اليهود أن المسلمين لن يتساهلوا في هذا الأمر وأنهم لن يتأخروا عن الوقوف أمامهم فيه مهما كلفهم ذلك عادوا يذرون الرماد يسترون ما فضح من غايتهم كما أنهم عادوا إلى الوسائل التي كانوا يتوسلون بها قديمًا من العمل على إغفال المسلمين لتأسيس بعض حقوق لهم بوضع ما منعوا منه بتاتًا من الأدوات في البراق الشريف. عادوا إلى ذلك وعاد المسلمون إلى منعهم مزدادين بعد الاحتلال يقظة وحذرًا وحرصًا متخذين من حقهم المقدس سلاحًا مشروعًا للدفاع عن أماكنهم الدينية فلم يتساهلوا ولن يتساهلوا بشيء منها وهم يقفون منذ الاحتلال إزاء كل محاولة من اليهود في هذا الشأن موقفًا لم يتزحزحوا عنه قيد شعرة وواصلوا الاحتجاجات على هذه المحاولات إلى السلطات المحلية وحكومة لندن وغيرهما. الحادث الأخير: عاجل اليهود المسلمين في أول الاحتلال بطلب استبدال الوقف المذكور كما ذكرنا. وما كادوا يفشلون حتى ظهرت لهم بارقة أمل أخرى في تحقيق غايتهم وذلك أنه بلغهم ما كان عليه المسجد الأقصى حينئذٍ من خطر السقوط الداهم بسبب ما أصابه من خراب. فمنوا أنفسهم بأنه لا يلبث أمام أية صدمة أو زلزال أن ينهار ويندك ويصبح أثرًا بعد عين وحينئذ يسهل تحقيق أمانيهم فيه. ولكن سرعان ما خابت آمالهم من هذه الناحية أيضًا فإن المجلس الإسلامي الأعلى بفلسطين تمكن والحمد لله بفضل بذل المسلمين ومؤازرتهم الصادقة من دفع الخطر عنه وعمارته عمارة محكمة متينة مما دعا اليهود على أن يعودوا سيرتهم الأولى من أمل استبدال الوقف واستخلاص جدار المسجد الأقصى لأنفسهم بادئين بمعاودة التجارب الماضية مغتنمين الفرصة في عيد غفرانهم من هذه السنة. فحاولوا التصرف بالبراق الشريف تصرف المالك بملكه إذ ملأوه بالمقاعد والكراسي والموائد والخزائن والستائر أو المصابيح وغيرها بحيث أصبح الناظر يحسب جدار المسجد الأقصى مكان براق محمد صلى الله عليه وسلم كنيسًا يهوديًا بحتًا الأمر الذي حمل مسلمي فلسطين ومن بلغه نبأ هذا الاعتداء من مسلمي الأقطار الأخرى أن يستنكروا هذه الحالة ويخشوا عواقبها خصوصًا بعد الذي ظهر واضحًا من موقف اليهود أثناء طلب المسلمين من الحكومة المحلية أن توقف هؤلاء المعتدين عند حدودهم. فإنهم قاموا بمظاهرات عنيفة في فلسطين وأحدثوا ضجة شديدة في الخارج وانبعثوا يبثون الدعاية لفكرتهم لدى الحكومة البريطانية في فلسطين ولندن وغيرها. وقام زعماؤهم في فلسطين يطلبون أن تحل قضية البراق لصالحهم وطلبوا استملاكه بجميع برقياتهم وكتبت صحفهم بأن جدار المسجد لهم وأن من حقهم التصرف فيه. رأى المسلمون هذه الحركة العنيفة فسارعوا إلى عقد عدة اجتماعات عامة في المساجد وخصوصًا في المسجد الأقصى المبارك الذي تتعلق هذه القضية به للمشورة فيما يجب عمله إزاء الاعتداء الفظيع والمحاولة الرهيبة فشكلوا لجنة ممثلة لهم سموها لجنة الدفاع عن البراق الشريف وكلوا إليها أمر تنفيذ قراراتهم التي قرروها مجتمعين تحت قبة المسجد الأقصى بعد أن عاهدوا الله على الدفاع عن هذا المكان إلى النهاية. فقامت اللجنة بواجبها من مراجعة الحكومة والاحتجاج إليها وتطيير هذا النبأ المفزع إلى العالم الإسلامي صاحب المسجد الأقصى والمطالب بحراسته. هذا وقد أخذت وفود المسلمين من جميع أنحاء فلسطين تفد إلى القدس باسم الجمعيات والهيئات والأفراد معلنة استعدادها على الدفاع مادام فيها عرق ينبض وأمطرت البلاد جميعها الحكومة الفلسطينية بالبرقيات الكثيرة طالبة منها أن تحول دون ما ينجم عن اعتداء اليهود هذا من إثارة فتنة دينية عمياء في البلاد. كما أرسلت إلى المجلس الإسلامي الأعلى ولجنة الدفاع البرقيات والرسائل تطلب منهما الثبات في موقفهما الحازم وتعلن بأن المسلمين جميعهم من وراء العاملين على محافظة البراق الشريف وأنهم يؤيدونهم ويؤازرونهم بأموالهم وأنفسهم وجهودهم. وكذلك أخذت الهيئات الإسلامية في أنحاء فلسطين تقابل الحكومة محتجة بنفسها وحاملة مضابط الاحتجاج الموقع عليها من آلاف المسلمين الذين ظن اليهود أن تحديهم في مقدساتهم سهل هين. وظل المجلس الإسلامي الأعلى حازمًا في موقفه نائبًا نيابة حسنة عن العالم الإسلامي في الدفاع شديد التمسك بحق المسلمين في هذا المكان المقدس الذي هو جزء من المسجد الأقصى المبارك مراقبًا بكل حذر موقف اليهود في البراق يومًا فيومًا عاملاً كلما رأى اعتداء على إزالته. وقد قابل المندوب السامي والحكومة مرارًا بنفسه وبواسطة سكرتيره وموظفيه وأرسل كتب الاحتجاجات وأبرق إلى جلالة ملك الإنجليز ووزارة المستعمرات وأعلن إلى الصحف في العالم الإسلامي والغربي عن هذا الحادث وما يجره اعتداء اليهود هذا من الفتن في البلاد المقدسة. خطة الفلسطينيين: هذا وإن المسلمين بفلسطين الذين يعدون أنفسهم بالن بلادهم سيظلون قائمين بواجبهم بكل استبسال وحزم إزاء ما وكِّل إليهم حراسته وسيظهرون بأنهم كانوا ولن يزالوا جديرين بأن يقفوا في الصف الأول لا يتقهقرون خطوة واحدة في سبيل الدفاع عن أولى القبلتين وثالث المساجد مع جدرانه التي هي جزء منه وما يحيط به من الأوقاف وغير ذلك من الأماكن الإسلامية المقدسة. وهم يطلبون من إخوانهم المسلمين حيثما كانوا وملوكهم وأمرائهم وعامتهم أن يشدوا أزرهم ويعاضدوهم بكل ما يستطيعون فالمسجد الأقصى لهم جميعًا ومكان البراق المقدس لهم كافة فليجعلوا من قواهم قوة واحدة تحرس بيوت الله ومن أصواتهم صوتًا واحدًا يرن في كل فضاء ويسمع كل أذن بأن المسلمين لن يتأخروا عن الدفاع عن مساجدهم. والله حافظ بيته وناصر جنده " إنْ تَنْصروا الله يَنْصُركُم وَيُثَبِّت أقْدَامَكُم ". موقف المجلس الإسلامي الأعلى بشأن حوادث البراق القدس 1928 عطفًا على جميع المخابرات التحريرية والمحادثات الشفهية التي جرت بين المجلس الإسلامي الأعلى وبين الحكومة المركزية بالقدس قديمًا وحديثًا بشأن البراق الشريف (جدار الحرم الغربي) نلفت نظر فخامتكم إلى ما يأتي: 1 - إن هذه الناحية من الجدار المذكور هي مكان البراق الشريف نسبة لبراق النبي محمد صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وإن المسلمين، في جميع الأقطار يجلون الإسراء الذي جاء نصًا في القرآن الكريم. 2 - إن هذا الجدار هو جدار المسجد الأقصى ثالث الحرمين الشريفين الذي هو عند المسلمين عامة بمنزلة حرم مكة المشرفة وحرم المدينة المنورة. 3 - إن كل جزء من الحرم الشريف وكل جدار يحيطه بما فيه هذا الجدار الغربي هو في عقيدة المسلمين جزء لا يتجزأ من المسجد الأقصى المبارك الذي أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى فضل زيارته والصلاة فيه وشد الرحال إليه من أدنى الجهات وأقصاها. من هذا كله يعلم أن المسجد الأقصى وكل جزء من الحرم الشريف القدسي وخصوصًا هذه الناحية من الجدار الغربي التي هي مكان البراق الشريف له مكانة مقدسة عظمى عند المسلمين عامة في مشارق الأرض ومغاربها وأنهم يتعلقون بهذا المسجد المذكور في القرآن الكريم تعلقًا دينيًا شديدًا مقرونًا بالإجلال والتعظيم. مذكرة اللجنة التنفيذية للمؤتمر العربي الفلسطيني إلى المندوب السامي بطلب الحكم النيابي لفلسطين 1928 تتشرف اللجنة التنفيذية للمؤتمر العربي الفلسطيني المنعقد في القدس في 20 حزيران سنة 1928 الممثل لعموم الأحزاب العمومية إسلامية ومسيحية بأن ترفع لفخامتكم قرار المؤتمر المذكور بطلب تأسيس حكومة نيابية في فلسطين مشفوعًا بما يؤيد هذا الطلب وما يدفع الأمة العربية الفلسطينية بمجموعها إلى التمسك به والعمل له بكل طريقة مشروعة. إن لفلسطين كغيرها من البلاد حقًا صريحًا في تقرير مصيرها أقرته جميع دول الحلفاء قبل الهدنة وبعدها واتخذه العالم بأجمعه مبدأ ساميًا تسير الأمم على نوره في معاملة بعضها بعضا فيرتاح القوي للضعيف ويثق الضعيف بالقوي ويحل الوئام محل الخصام وليس قرار المؤتمر العربي الفلسطيني المذكور أعلاه إلا ظاهرة من مظاهر هذا الحق. وإن فلسطين لبلاد عربية محكمة الاتصال بجميع البلاد العربية التي قطعت لها عهودًا صريحة من قبل حكومة إنجلترا في أوائل الحرب العظمى فكان من أجلها أن انتظمت هذه البلاد في صفوف الحلفاء وسفكت دماء أبنائها في سبيل نيل حريتها المقدسة واستقلالها المنشود. على أن لو اعتبرنا ما لم تقر البلاد من أن فلسطين تعتبر من الوجهة الدولية بلادًا تحكم بموجب المادة (22) من عهد عصبة الأمم لوجدنا أن طلب تشكيل حكومة نيابية في فلسطين هو نفسه ما تنص عليه تلك المادة ضمنًا وصراحة. وقد صرحت إنجلترا وفرنسا في دمشق ثم نشر تصريحهما بمناشير وزعت من الإدارة المحتلة عندئذٍ في عموم المدن والقرى من أن لسوريا وفلسطين حق التمتع بالحكم النيابي والاستقلال. وعلى هذه الأسس نالت جميع البلاد العربية المجاورة لها حق تقرير مصيرها بنفسها والمشمولة بالعهود المقطوعة للعرب والمنصوص عنها في المادة (22) من عهد عصبة الأمم لفلسطين والتي كانت بنفس الحالة التي كانت بها فلسطين قبل الحرب كالعراق وسوريا وشرق الأردن نالت قسطًا من الحكم النيابي أو أنها ستناله قريبًا ولم تبق غير فلسطين ترسف في قيود حكم استعماري مطلق. وفوق كل ما تقدم فإن الخبرة التي اكتسبها الفلسطينيون في تطبيق الحكم الاستعماري المطلق مدة السنوات العشر الأخيرة تدفعهم إلى أن يعلنوا عقيدتهم الراسخة من أن هذا الحكم قد أخفق إخفاقًا تامًا، مستدلين على ذلك بنتائجه المحزنة الظاهرة للعيان لاستمرار الأزمة المالية التي استحكمت حلقاتها منذ سنتين كما تنطق بذلك البيانات والأرقام الرسمية المنشورة في تقارير الحكومة السنوية وفي إرهاق السكان الفقراء بالضرائب الثقيلة لإعداد البلاد للهجرة الصهيونية كما صرح بذلك في هذا الشهر المستر سايمس مندوب الحكومة البريطانية أمام لجنة الانتدابات. فكان من ذلك أن أسيء إلى أهل البلاد بتحميلهم ما لا طاقة لهم به وأسيء إلى المهاجرين باستدراجهم من بلادهم التي كانوا فيها آمنين إلى بلاد يقاسي أكثرهم اليوم فيها أشد حالات البؤس والشقاء، والظاهرة أيضًا بما قذفت به الحكومة هذه البلاد من القوانين التي لا توافق طبائع أهلها وعاداتهم وشرائعهم فأوقعت البلاد في ذهول ودهشة ورجال القضاء والمحاكم في حيرة وفوضى وفي عدم الاتساق والتناسب في توزيع الميزانية العامة وعدم استقرارها على حال وفي أمور متنوعة أخرى كانت كلها نتيجة منتظرة لاستقلال رجال الحكومة بسلطتي التشريع والتنفيذ وكلهم من الغرباء الذين يجهلون حالات البلاد وطبائعها وعقلية سكانها وطبائعهم. فاستنادًا على الحقوق الطبيعية وعلى العهود المقطوعة للعرب في أمر استقلالهم وعلى عصبة الأمم وما نشر في طول البلاد وعرضها على لسان إنجلترا وحلفائها واستنادًا على إخفاق الحكم الاستعماري مدة العشر سنوات الماضية قرر المؤتمر العربي الفلسطيني المنعقد في القدس في 20 حزيران 1928 مطالبة حكومة إنجلترا بتأسيس حكومة نيابية في فلسطين. وإن الأمة العربية الفلسطينية بمجموعها على اختلاف طبقات أفرادها ونزعاتهم قد أقرت في مؤتمرها كل هذا الطلب وهي تعتقد أنه الحل الوحيد للمعضلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تحيط بها. وإن اللجنة التنفيذية التي انتخبها المؤتمر المذكور لتمثله وتنفذ قراراته لعلى استعداد للمذاكرة مع مندوبي الحكومة في الأسس والطرق التي تضمن للبلاد حقوقها المشروعة. وهى تأمل بما تعهده في فخامتكم من الميل إلى مناصرة العدل وتأييد حقوق الأمم أن تتوصل بمساعدتكم الثمينة إلى نيل حقوقها كاملة وبذلك تكونون قد وضعتم أسس الإصلاح والسلام في هذه البلاد المقدسة. وتفضلوا يا صاحب الفخامة بقبول فائق الاحترام. ما كتبه هربرت صموئيل في مذكراته عن مصير فلسطين ووضع اليهود بها إني احتفظت بالحوادث التي أدت في النهاية إلى تعييني في فلسطين لأسردها كقصة متتابعة وإني أطلب إلى القارئ أن يرجع بذاكرته إلى أوائل أيام الحرب عندما جعل مصير الأقاليم الجنوبية من الإمبراطورية التركية لدى دخولها الحرب حليفة لألمانيا وأوستريا أمرًا حيويًا فقد كان التذمر يملأ المنطقة الشاسعة من سوريا إلى الخليج الفارسي منذ وقت طويل وكان السكان الأتراك قلة والقسم الأعظم من السكان يرغب في التحرر من الحكم الأجنبي الذي اتصف بسوء الإدارة والخشونة وكل منا كان مطمئنًا إلى أن الحرب ستنتهي بهزيمة دول الوسط وحلفائهم ولم يخامرنا إلا القليل من الشك بأنه سيفتح أمام هذه الأقاليم - ومن ضمنها فلسطين - مستقبل آخر. وحتى ذلك الوقت لم أكن لأهتم بصورة خاصة في الحركة الصهيونية التي بعثت حية في العالم الجديد واشتد ساعدها بجهود الدكتور تيودور هرتزل المؤلف والصحفي النمساوي قبل ذلك بنحو عشرين سنة. وقد استدر الصهيونيون نوعًا من التأييد نالوا معظمه من يهود أوروبا الشرقية. وكانت الصهيونية تعمل على نشر الفكرة وإنجاح البداية العملية لعودة يهودية إلى فلسطين. وقد حاول هرتزل أن يحصل على ترخيص من السلطان من شأنه فتح أبواب فلسطين لهجرة اليهود ومنحهم مركزًا خاصًا فيها ولكنه فشل في محاولته تلك وبدا أن ليس هناك أي نتيجة عملية متوقعة في وقت قريب لذلك تركت للآخرين متابعة هذا الخيال البعيد عن التحقق حسب الظاهر. وفي اللحظة التي دخلت فيها تركيا الحرب تغير الوضع تمامًا فإن قدر لفلسطين أن تحظى بمصير جديد فإن بريطانيا العظمى هي صاحبة الشأن الأول في ذلك المصير بما لها من مصالح استراتيجية هامة في الشرق الأوسط. وإن على حكومتنا أن تولي عنايتها الجدية موضوع من سيخلف الأتراك في السيطرة على فلسطين ذلك البلد الذي يتاخم قنال السويس وبالنسبة لشخصي فقد كان لهذا الموضوع أهمية زائدة وخاصة. فقد كنت الشخص الأول من الشعب اليهودي الذي قدر له أن يحتل مقعدًا في الوزارة البريطانية (إذ أن دزرائيلي أخرجه والده وهو طفل من المجتمع اليهودي) وكان يتحتم على أقل تقدير أن أعلم ما هي الحركة الصهيونية وما الذي تعمله، فاتصلت بالدكتور وايزمان الذي أصبح أحد زعماء المنظمة الصهيونية البارزين واستحصلت منه على مطبوعاته وقرأتها بعناية وكلما ازددت قراءة لها، ازداد تأثري بنفوذها الروحي الذي أنعش بجلاء الحركة الصهيونية بما قدم لها من تضحيات وبما تم لها من أعمال على أيدي الطلائع اليهودية التي نجحت بدخول البلاد وتوطيد أقدامها فيها وبفضل إمكانيات البلاد نفسها الزراعية والصناعية. وقد تجلت أهمية موضوع مصالح بريطانيا العظمى الاستراتيجية بوضوح لأن فلسطين لو فصلت عن تركيا كما هو المحتمل ووقعت تحت حكم أي من الدول الكبرى في القارة فسيكون ذلك خطرًا عليها. لقد تحددت آرائي جيدًا في الحال الأمر الذي دعاني لمقابلة وزير الخارجية ومحادثته بشأنها وقد جاء في المذكرة المؤرخة 9 نوفمبر سنة 1914 عن هذه المحادثة ما يلي: أني تكلمت مع السير ادوارد غراي اليوم حول مستقبل فلسطين وقد ذكرت خلال الحديث أن تركيا قد ألقت بنفسها في الحرب الأوروبية وأن من المحتمل أن تتمزق إمبراطوريتها وأن موضوع مستقبل السيطرة على فلسطين قد يثار وأن اختلافات الدول الأوروبية الكبرى قد يجعل من الصعب تخصيص فلسطين لواحدة منها ولعل الفرصة قد سنحت لتنفيذ أماني الشعب اليهودي القديمة وإعادة إنشاء دولة يهودية فيها. وقد اقترحت أنه قد يكون من الممكن تأمين تعاون روسيا التي يقيم في بلادها عدد عظيم من السكان اليهود كما أن اجتياح بولونيا الألمانية والنمساوية وغاليسيا سيجلب معه حشودًا عظيمة منهم وأن الجيوش الروسية قد لاقت ترحيبًا في بولونيا من قبل جميع السكان ماعدا اليهود وستكون روسيا راغبة إن كانت حكيمة في كسب ولاء رعاياها اليهود القدماء والجدد لكني كنت من ناحيتي مرتابًا فيما إذا كان الرأي العام فيها يسمح لحكومته بمنحهم حقوقًا متساوية فإذا قامت روسيا بدور رئيسي في إعادة إنشاء الدولة اليهودية فإن كسب عواطف اليهود في الأقاليم الروسية سيكون قويًا لا يخيب في إيجاد تأثير قوي مباشر في وطنهم هناك وقلت إنني شخصيًا لم أكن في يوم ما صهيونيًا قط لأن الآمال في تحقيق أي نتيجة عملية بدت بعيدة لدرجة أنني لم أكن راغبًا في المساهمة في الحركة. أما الآن فإن الأحوال قد تغيرت بالكلية فإذا ما أقيمت حكومة يهودية في فلسطين فإنها قد تصبح مركزًا لثقافة جديدة وأن في العقل اليهودي نوعًا من التفوق وفي ظل الرعاية الوطنية قد تصبح الدولة ينبوعًا للاستنارة ومصدرًا عظيمًا للأدب والفن وتطور العلوم. وإن تأسيس الدولة سيكون له تأثير على ملايين من الشعب اليهودي المشتتين في عديد من بلاد العالم والذين سيظلون على تشتتهم لأن فلسطين أصغر من أن تحتويهم وأن اليهود حادوا الذكاء مملؤون نشاطًا ولكنهم غالبًا في مستوى منخفض ومرد هذا إلى حد بعيد إلى أنهم يستوعبون معظم آمالهم وأمانيهم من الماضي السحيق لا من الحاضر أو المستقبل وهذا لا يكفى للنهوض بالشعب فإن أتيح لهم أن يروا قومًا من أبناء جلدتهم يقومون بأعمال عظيمة فسيكون لذلك أثره في نظرتهم العامة إلى الأمور وأن في رفع مستواهم الأدبي ما يضيف إلى الفوائد التي ستجنيها الشعوب التي يعيش اليهود بين ظهرانيها. واعتقدت أن النفوذ الإنجليزي يجب عليه أن يقوم بدور هام في تأسيس مثل هذه الدولة لأن وضع فلسطين الجغرافي وقربها من مصر يجعل صداقتها لإنجلترا أمرًا له أهميته للإمبراطورية البريطانية. واقترحت أنه يجب على يهود إنجلترا وأمريكا أن يتوليا زعامة هذا المشروع إذا ما أخذ به وأن الألمان لا يستطيعون عمل شيء في هذه الظروف، والفرنسيون ليس لديهم النفوذ الكافي والإيطاليون كذلك وقد كان من المهم أن تؤسس الدولة الجديدة تحت رعاية أعظم البلاد تقدمًا والتي وجد اليهود أنفسهم يعيشون فيها. وإن إنشاء دولة جديدة من الأساس لهو مشروع على أعظم جانب من الجسامة وعلى الخصوص بالنظر إلى العناصر التي قد توجد بين سكان فلسطين الحاليين لكن شعوري أكد لي أن المشروع سيتم وأن نداء إلى جماعات اليهود في أنحاء العالم سيوفر دون شك مالاً كافيًا لشراء حقوق الأفراد القائمة هناك لوضع أسس الدولة. ومع إيجاد نظام للري وطرق وسكك حديدية وميناء سوف يصبح بالإمكان حتمًا تحسين موارد البلاد الاقتصادية بصورة ملحوظة إذا دخل إلى البلاد الناس الجديرون بالعمل واتخذت الاحتياطات لمقاومة إيجاد طائفة من صغار المتاجرين. وقد كان من رأيي أن الوقت لم يحن بعد لاتخاذ أي إجراء في هذه اللحظة لكن إذا تطورت الأحداث العسكرية إلى ما كنا نتوقع قبل مضي وقت طويل فإن بالإمكان جس نبض الحكومة الروسية ومن الأفضل أن يتم ذلك عن طريق غير رسمي. لقد قال لي جراى أن للفكرة دومًا تأثيرًا عاطفيًا قويًا عليه وأن الانجذاب التاريخي كان قويًا جدًا. لقد كان موقف جراي مشجعًا للاقتراح وإنه على استعداد للعمل من أجله إذا ما سنحت الفرصة. وإذا تقدمت فرنسا أو أي دولة أخرى باقتراحات بشأن سوريا فإن من المهم عدم الموافقة على أي مشروع قد يتعارض مع إيجاد الدولة اليهودية في فلسطين. وقد سألني عما إذا كنت أعتقد أن سوريا يجب أن تضم إلى فلسطين بحكم الضرورة فأجبته كلا إن الأمر على العكس فليس من حكمة الرأي إدخال أمكنة كبيروت ودمشق لأنها تحتوي على عدد كبير من السكان غير اليهود الذين لا يمكن تمثلهم وسألني عددًا من الأسئلة تتعلق بأحوال فلسطين الاقتصادية. وقد ذكرت أن أمرين اثنين يعتبرون جوهريين - أن الدولة يجب أن تكون محايدة من حيث أنها لا تستطيع أن تكون كبيرة بالقدر الذي يمكنها من الدفاع عن نفسها وأنه يجب ضمان حرية وصول الحجاج المسيحيين وقلت أيضًا إنه سيكون هنالك نفع عظيم إذا ضمت بقية سوريا إلى فرنسا إذ أنه أجدى للدولة اليهودية أن تكون لها جارة أوروبية من أن تكون تلك الدولة تركيا. ولقد سنحت لي فرصة اليوم جرى فيها حديث موجز مع لويد جورج في نفس الموضوع. لقد أشار في مجلس الوزراء إلى مصير فلسطين النهائي وقال لي إنه مشتاق جدًا لأن يرى دولة يهودية قد أنشئت هناك. وبعد أسابيع قلائل وضعت الأفكار التي شرحتها إلى جراى بمشروع مذكرة إلى الوزارة وبعد أن قدمت موجزًا بالوقائع وناقشت التغيرات الممكنة التي تطرأ على مستقبل فلسطين ختمت المذكرة بأن ضم فلسطين إلى الإمبراطورية البريطانية مع تشجيع الاستعمار اليهودي والتقدم الثقافي عمليًا هو أحسن حل وأن الفقرات الأخيرة كانت نوعًا من الختام البلاغي وإني لم أوزع هذه المذكرة على كل حال بل أرسلت في أول فرصة نسخًا عنها إلى رئيس الوزراء وإلى اثنين أو ثلاثة من الزملاء لكن الاقتراح لم يجد صدى لدى اسكويت ذي الطبيعة الخاصة فعندما ظهرت " ذكرياته " بعد سنة وجدت هذه الملاحظة المسلية كتبت في ذلك الوقت: 28 يناير سنة 1915: لقد تلقيت الآن من هربرت صمويل مذكرة عنوانها " مستقبل فلسطين " ذهب يجادل بها بكثير من التطويل وببعض الحماس تأييدًا لضم فلسطين إلى بريطانيا البلد الذي بحجم ويلز الكثير منه جبال قاحلة وبعضه لا ماء فيه. وهو يعتقد أن بإمكاننا أن نقيم في هذا البلد الذي لا يرجى منه الخير الكثير لما يقرب من ثلاثة أو أربعة ملايين من اليهود الأوروبي وإن هذا العمل سيكون له تأثير طيب على اليهود الذين بقوا خارج فلسطين وهذه المذكرة لدى قراءتها تشبه إلى حد كبير طبعة جديدة من " تانكرد " أخرجت للحياة من جديد. وإني أعترف بأن هذا الاقتراح القاضي بإضافة مسؤوليات علينا لا يستهويني لكنه تفسير غريب لقول دزرائيلي المأثور المحبب إليه " الجنس هو كل شيء ". وأن يجد هذا القول أصداء غنائية تصدر عن عقل هربرت صمويل الذي عرف عنه التنظيم والتنسيق. وفي شهر مارس وزعت المذكرة بصيغة منقحة حيث أسهبت في بعض فقراتها وركزت الأخرى وأهملت الجمل البلاغية وقد تناولت المذكرة التغيرات الممكنة تحت عناوين خمسة: ( أ ) الضم من قبل فرنسا. (ب) إبقاء فلسطين تركية. (ج) تدويلها. (د) إنشاء دولة يهودية مستقلة. (هـ) فرض حماية بريطانية مع تشجيع استقرار اليهود. وقد أيدت البند الأخير ودافعت عنه. وقد سجل اسكويث تعليقًا آخر: 13 مارس سنة 1915: " أظن أنني كنت أشرت إلى مذكرة هربرت صمويل المغرقة في الحماس والتي تلح على أنه لدى فصل أملاك تركيا الآسيوية علينا أن نأخذ فلسطين وأن نحشد فيها في وقت معين جميع اليهود المشتتين في أنحاء الأرض حيث يتاح لهم الحصول على الحكم الذاتي في الوقت المناسب. ومما يدعو إلى الغرابة حقًا أن المؤيد الوحيد الآخر لهذا الاقتراح هو لويد جورج الذي لا حاجة بي إلى القول بأنه لا يهتم مثقال ذرة لليهود أو ماضيهم أو مستقبلهم بل يعتقد أن الأماكن المقدسة ستنتهك حرمتها إذا ما سمح لفرنسا الملحدة الأغنوسطية أن تتملكها أو أن تضعها تحت رقابتها ". وهنا يدافع هربرت عن لويد جورج ويقول بأنه على العكس مما قال اسكويث يهتم في شؤون اليهود ويقارن بين عقلية الشخصيتين اسكويث، العملي، الحذر، المنمق، ولويد جورج الخيالي والمغامر. ثم يستطرد قائلاً ومن بين الأشخاص الذين أرسلت إليهم المذكرة في صيغتها الأصلية لويد جورج وقد اطلع ردنغ عليها فكتب لي الأخير في الخامس من شهر فبراير سنة 1915 قائلاً: حادثت لويد جورج حول الموضوع قبل سفره إلى باريس وهو بالتأكيد يميل إلى ناحية التأييد وإن اقتراحك أثار النواحي الشعرية والخيالية في تفكيره وكذلك الناحية الرومانتيكية والدينية. وفي الخامس من شهر فبراير - عقدت حديثًا ثانيًا مع جراى وهذا ما دونته عنه في مفكرتي: أنه لا يزال مهتمًا بإيجاد حل للمسألة على وجه يتفق والآراء الصهيونية ولكنه يرتاب كثيراً في الإمكانية أو الرغبة في إنشاء حماية بريطانية إنه لا يعرف وجهة نظر الحكومة الفرنسية وكان على الأصح ميالاً لجس نبضها وقد أشرت على أي حال بأنه بفعله هذا سيفتح مسألة التصرف بالأملاك بعد الحرب على مصراعيها وأن التصرف في فلسطين لا يمكن أن يبحث دون أن تثار أيضًا مسألة شمالي سوريا ومن المحتمل مستعمرات شمال إفريقيا ولا يميل جراي إلى تحمل الإمبراطورية البريطانية مسؤوليات عسكرية وديبلوماسية جديدة تتورط فيها بسبب هذا التوسع في الحدود. وعندما سألته عما يرتئيه من حل قال قد يمكن جعل البلد محايدًا في ظل ضمانة دولية ووضع الرقابة على الأماكن المقدسة في أيدي لجنة تمثل الحكومات الأوربية والبابا وربما الولايات المتحدة وأن تخول حكومة البلاد إيجاد نوع من مجلس شورى لليهود وقد أعربت عن ارتيابي عما إذا كان السكان العرب وهم يؤلفون خمسة أسداس السكان يوافقون على مثل هذه الحكومة. فقال جراي قد يكون في بقاء السيادة التركية إذا وجدت ضرورة لذلك حلاً آخر لتأسيس حكومة قريبة الشبه نوعًا بحكومة لبنان لكن الحاكم يعين من قبل الحكومات الأوروبية فأكدت له الخطر من وجود أي دولة غير إنجلترا تتصرف بفلسطين وما في إقامة إدارة دولية من مجازفة قد تنتهي بسيادة إحدى الدول الأوروبية وأوضحت لو أن ألمانيا امتلكت فلسطين قبل اندلاع نيران هذه الحرب لاستطاعت أن تشن هجومًا مخيفًا على مصر فوافق على ذلك. إن الدكتور وايزمان الذي كان منذ سنوات أستاذًا معيدًا للكيمياء في جامعة مانشستر قد تعرف هناك بالمستر بلفور وكان إذ ذاك أحد أعضاء مجلس النواب ممثلاً للمدينة وفي سياق كتاب أرسله إلى من مدينة مانشستر مؤرخًا 21 مارس سنة 1915 قال " لقد سنحت لي فرصة للحديث إلى مستر بلفور وسيساعدنا إذا كانت الأمور قد وضحت بالنسبة لفرنسا " وهكذا بدأ الاتصال بين بلفور والصهيونية وساده الاهتمام والحماس حتى نهاية حياته وكان مقدرًا له أن تكون له نتائج تاريخية. لقد تبلورت الآراء في ناحية إيجاد نوع من الحماية البريطانية وكلما ازداد المرء ارتياحًا للموضوع أصبحت فكرة الدولة اليهودية غير عملية، قد توجد الدولة في المستقبل ومع مجريات الأحداث ولكن طالما كانت الأكثرية العظمى من السكان من العرب فإنشاء الدولة خارج عن الموضوع. وإن في فرض حكومة من الأقلية اليهودية إخلالاً صريحًا بأحد الأهداف الرئيسية التي أعلن الحلفاء أنهم يحاربون من أجلها وفي نفس الوقت ليس من الضروري أن نقبل الوضع بأن السكان الحاليين قلائل كما هي الحال يجب أن يكون لهم الحق في سد الباب أمام عودة الشعب الذي سبقت علاقته بالبلاد علاقتهم هم خصوصًا وأن علاقة اليهود بالبلاد قد أنتجت أحداثا روحية وثقافية ذات قيمة للبشرية بشكل يلفت النظر بمقارنته بالتاريخ المقفر للألف سنة الماضية وعلى أي حال لم يستدع الأمر اتخاذ أي قرار في الأشهر الأولى من سنة 1915. إن الوضع العسكري في أوروبا وآسيا لم يبرز هذا الموضوع إلى ميدان السياسة العملية. لقد مضى عامان على ما ذكرت، والجيش البريطاني يتقدم من مصر في فلسطين وقد آن الأوان لاتخاذ قرار في الموضوع. ففي إنجلترا تخلت وزارة اسكويث إلى وزارة لويد جورج. وقد أوشك لورد ميلنر أن يقوم بدوره العظيم في سير الأمور وقد بعثت إليه بنسخة عن " مذكرة حول مستقبل فلسطين " وفي رده عليها قال " إنها تحتوي على مقترحات جديدة بالنسبة إلى ومن بين التغيرات التي بحثتها فإن ذاك الذي وافقت عليه أنت بنفسك يظهر لي بالتأكيد إنه أكثرها استهواء ". وإني أذكر أن سير ماركس سايكس العضو المحافظ في البرلمان والعظيم الاهتمام في الشرق الأوسط والذي رأس قسم الاستخبارات في وزارة الحرب التي تبحث هذا القسم من العالم والذي مثل الحكومة في كثير من الأبحاث التي كانت تُجْرَى حول فلسطين ليس مع الصهيونيين فحسب بل مع الفرنسيين وكان حاضرًا في مؤتمر عقد في شهر فبراير سنة 1917 بينه وبين الزعماء الصهيونيين بحثت فيه النواحي الرئيسية من الموضوع بدقة تامة. وبحلول شهر أكتوبر عندما كان جيش اللنبي يقف أمام مدينة القدس كانت الوزارة البريطانية مستعدة للوصول إلى قرار. فبدلاً من جعل فلسطين " دولة يهودية " فإن الفكرة كانت تتخذ شكل " وطن قومي يهودي في فلسطين ". وقد وضع مشروع النص على ما أعتقد بخط يد لورد ميلنر وأرسل إلى عدد من كبار زعماء الطائفة اليهودية للإعراب عن آرائهم. لقد انقسمت الآراء لأن معظم العائلات اليهودية التي استقرت في إنجلترا منذ عهد طويل كانت على العموم إما معادية للصهيونية السياسية أو غير مهتمة بها وإن عمي صمويل مونتاغ قد اتصل به هرتزل عندما زار إنجلترا قبل بضع سنوات غير أنه قرر الوقوف بعيدًا عن الحركة. وأدوين مونتاغ الذي اشترك في وزارة لويد جورج في شهر يوليو سنة1917 وكان في ذلك الحين وزيرًا للهند كان خصمًا عنيدً للسياسة بأجمعها ووزع مذكرتين على أعضاء الوزارة في مقاومة هذه السياسة. وإن ثلاثة ممن استشارتهم الحكومة أخيرًا كانوا معادين للسياسة وأربعة يوافقون عليها وهم دكتور هرتز رئيس الحاخامين واللورد روتشيلد وأخي ستيوارت الذي كان في حينها رئيسًا لمجلس اليهود المفوضين الذين يمثلون الطائفة اليهودية وشخصي وقد أضيف إليهم المتكلمان باسم الصهيونيين دكتور حاييم وايزمان ومستر سوكولوف. إنهم قبلوا الاقتراح " مع السرور العميق والارتياح " ولم يثيروا موضوع الدولة اليهودية. لقد أدخلت بعض التعديلات على المشروع وبتاريخ 2 نوفمبر سنة 1917 أرسل الوعد رسميًا من قبل بلفور وزير خارجية إنجلترا في ذلك الحين إلى لورد روتشيلد بوصفه رئيسًا للاتحاد الصهيوني. قرار المؤتمر العربي الفلسطيني السابع القدس 20/ 6/ 1928 1 - المطالبة بحكومة برلمانية. 2 - الاحتجاج على كثرة الموظفين الإنجليز في الحكومة الفلسطينية. 3 - الاحتجاج على إعطاء امتياز البحر الميت لشركة أجنبية. 4 - الاحتجاج على تفضيل العمال اليهود على عمال العرب في الأشغال الحكومية. 5 - المطالبة بوقف سن القوانين ريثما تؤلف الحكومة البرلمانية. بلاغ المندوب السامي البريطاني عن اضطرابات أغسطس 1929 بمزيد الأسى، إن البلاد تسودها حالة اضطراب، وإنها قد أصبحت فريسة لأعمال العنف غير المشروعة. وقد راعني ما علمته من الأعمال الفظيعة التي اقترفها جماعات من الأشرار سفاكي الدماء عديمي الرأفة وأعمال القتل الوحشية التي ارتكبت في أفراد من الشعب اليهودي خلوًا من وسائل الدفاع بقطع النظر عن عمرهم وعما إذا كانوا ذكورًا أو إناثًا والتي صحبتها - كما وقع في الخليل - أعمال همجية لا توصف وحرق المزارع والمنازل في المدن وفي القرى ونهب وتدمير الأملاك. إن هذه الجرائم قد أنزلت على فاعليها جميع لعنات الشعوب المتمدينة في أنحاء العالم قاطبة. فواجبي الأول أن أعيد النظام إلى نصابه في البلاد وأن أوقع القصاص الصارم بأولئك الذين سوف يثبت عليهم أنهم ارتكبوا أعمال العنف. وستتخذ جميع التدابير الضرورية لإنجاز هاتين الغايتين وبناءً عليه أطلب من جميع سكان فلسطين أن يساعدوني على القيام بهذا الواجب. ووفاقًا لتعهد أعطيته للجنة التنفيذية العربية قبل مغادرتي فلسطين في شهر يونيه الماضي تناقشت في أثناء وجودي بإنجلترا مع وزير المستعمرات في شأن إجراء تغييرات دستورية في فلسطين غير أني سأؤجل هذه المباحثات مع حكومة جلالته بسبب الحوادث الأخيرة. الاتفاق المتضمن دستور الوكالة اليهودية لفلسطين كما تم توقيعه في زوريخ اليوم الثامن من آب 5689 (عبرية)، الرابع عشر من أغسطس 1929 بما أن الإعلان التالي والذي يعرف عامة بـ (وعد بلفور) قد صدر في الثاني من تشرين الثاني (نوفمبر) 1917 عن حكومة صاحب الجلالة البريطاني. تنظر حكومة صاحب الجلالة بعطف إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وسوف تستخدم أفضل مساعيها لتسهيل تحقيق هذا الهدف، مع العلم بأن شيئًا ما لن يحصل مما قد يؤدي إلى التعدي على الحقوق المدنية والدينية للجماعات غير اليهودية الموجودة في فلسطين، أو على الحقوق والمكانة السياسية التي يتمتع بها اليهود في أي بلد آخر. وبما أن صك الانتداب على فلسطين، كما صدقه مجلس عصبة الأمم في 24 تموز (يوليو) 1922، يعهد بإدارة فلسطين إلى صاحب الجلالة البريطاني كحاكم منتدب، ويجعل حكومة الانتداب مسؤولة عن وضع الوعد الصادر في الثاني من تشرين (نوفمبر) 1917 موضع التنفيذ، ومع العلم بأن صك الانتداب يعترف بالرابطة التاريخية بين الشعب اليهودي وفلسطين. وبما أن المادة الرابعة من صك الانتداب تنص على الاعتراف بوكالة يهودية مناسبة، وتعتبر كهيئة عامة غرضها تقديم المشورة للإدارة الفلسطينية والتعاون معها في شتى المسائل الاقتصادية والاجتماعية وغيرها من المسائل التي قد تؤثر في قيام الوطن القومي اليهودي ومصالح السكان اليهود في فلسطين وتخضع دائمًا لسيطرة الإدارة، لكي تساعد في إنماء البلاد وتشترك فيه، وبما أن المادة المذكورة تعتبر المنظمة الصهيونية على أنها تلك الوكالة - بالإضافة إلى التعليمات لاتخاذ الخطوات. بعد التشاور مع حكومة الانتداب، التي تضمن تعاون جميع اليهود الراغبين في المساعدة على إقامة الوطن القومي اليهودي. وبما أن المنظمة الصهيونية، في نظرتها الرامية إلى ضمان تعاون من هذا النوع، قد اقترحت إنشاء وكالة يهودية موسعة، ينال فيها اللاصهيونيون التمثيل الكافي، لكي يتمكنوا، بالاشتراك مع المنظمة الصهيونية من المشاركة في امتيازات الوكالة اليهودية ومسؤولياتها. وبما أن الموقعين أدناه، والذين يمثلون المنظمة الصهيونية والهيئات اليهودية في بلدان مختلفة والتي لا ترتبط بالمنظمة الصهيونية بل ترغب في الاشتراك بالوكالة اليهودية، قد عقدوا اجتماعًا مشتركًا يهدف إلى وضع دستور للوكالة الموسعة. فقد جرى الاتفاق على المسائل الآتية: تعريفات: 1 - فيما يتعلق بهذا الاتفاق: " صك الانتداب " يعني الانتداب على فلسطين كما قبلته حكومة صاحب الجلالة البريطاني وصدق عليه مجلس عصبة الأمم في 24 تموز (يوليو 1922) " الوكالة " تعني الوكالة اليهودية الموسعة لفلسطين كما ينص هذا الاتفاق على تشكيلها. " الصهيوني " هو ذلك الشخص المرتبط بالوكالة بصفته عضوًا في المنظمة الصهيونية وممثلاً لها. " اللاصهيوني " هو ذلك الشخص المرتبط بالوكالة بصفة غير صفة كونه عضوًا في المنظمة الصهيونية وممثلاً لهما. النعتان " صهيوني " و" لاصهيونى " لهما دلالات مقابلة. اسم الوكالة: 2 - سوف تعرف الوكالة وتوصف بـ الوكالة اليهودية لفلسطين. هدف الوكالة: 3 - سوف يكون هدف الوكالة " أن تقوم بأعباء مهمات الوكالة اليهودية كما نص عليها صك الانتداب ". مع العلم بأن الوكالة سوف تعالج المسائل الواقعة ضمن نطاقها بالطريقة التي تؤدي إلى تحقيق الأهداف التالية: ( أ ) تشجيع الهجرة اليهودية ومساعدتها إلى أبعد حد ممكن مع التسليم بأن كلاً من العمال المهاجرين والمهاجرين أصحاب الدخل المستقل سوف يحظى بالعطف والاعتبار. (ب) تضم نشاطات الوكالة اليهودية داخل نطاقها الضمانة التي تكفل الحاجات الدينية اليهودية. مع العلم بصورة واضحة أن حرية الوجدان الفردية سوف تبقى مصونة ومؤكدة. (ج) رعاية اللغة العبرية والثقافة اليهودية والاعتناء بهما. (د) يجرى ابتياع الأراضي كأملاك يهودية، وتسجل ملكية الأراضي المبتاعة، وفقًا لما تنص عليه المادة (10) في هذا الاتفاق باسم الصندوق القومي اليهودي، على أن تصبح فيما بعد الملكية الشرعية الثابتة للشعب اليهودي. (هـ) تعمل الوكالة على إنجاح الاستيطان الزراعي القائم على العمل اليهودي وترقيته، وتعتبر من المسائل المبدئية ضرورة استخدام الطاقة العمالية اليهودية في جميع الأعمال والمشاريع التي تقوم الوكالة بتنفيذها أو مساعدتها. وطالما أن متطلبات الفاعلية الاقتصادية مستوفاة، فإن الشكل الاجتماعي لأي مستوطن تجري إقامته في فلسطين يبقى مسألة متروكة بيد المستوطنين شريطة أن تترك على الدوام لحكم الوكالة اليهودية مسألة تعيين الصلاحية الاقتصادية وقابلية التطبيق لدى أي مشروع مقترح للاستيطان قبل أن تقوم الوكالة بتخصيص الأموال التي تخضع لسيطرتها لأي مستوطن معين. 4 - 1/ تكون أجهزة الوكالة كما يلي: ( أ ) اللجنة الإدارية. (ب) المجلس. (ج) اللجنة التنفيذية. (2) يكون للوكالة رئيس، وإن لم تقرر عضوية المجلس بتشكيله القائم آنذاك وبأكثرية ثلاثة أرباع الأصوات إيجابًا عكس ذلك، يصبح ذلك الرئيس رئيسًا للمنظمة الصهيونية في الوقت الحالي. 5 - 1/ المجلس: هو الهيئة الحاكمة العليا للوكالة. إنه السلطة الأخيرة في جميع المسائل التي تقع ضمن صلاحية الوكالة الشرعية وهو الذي يضع وفقًا لما تنص عليه المادة الثالثة دائمًا المبادئ الهادية للسياسة. 2/ يتألف المجلس من ممثلي المنظمة الصهيونية الذين يشكلون النصف، ومن ممثلين عن اللاصهيونيين في البلدان المختلفة وفقًا للتوزيع المبين في جدول هذا الاتفاق، للنصف الآخر ويخضع ذلك لأي تعديل قد يحصل في الجدول ويمكن القيام به من وقت إلى آخر بأكثرية أصوات لا تقل عن ثلثي كامل عضوية المجلس كما هو مؤلف في ذلك الحين. يحق للمنظمة الصهيونية في جميع الأحيان أن تتمتع بعدد المقاعد نفسها التي تعطي إلى اللاصهيونيين الذين يحق لهم بالفعل التمثيل في المجلس آنذاك وذلك وفقًا للجدول أو لأي تعديل آخر يقوم المجلس بإجرائه. 3/ تعين المنظمة الصهيونية ممثليها تبعًا لتقليدها الدستوري. ويعين اللاصهيونيون، في البلدان المختلفة والذين لهم حق التمثيل في المجلس، ممثليهم على أساس تلك الطريقة التي تبدو في كل حالة من الحالات أنها أفضل ما يتناسب مع الأوضاع المحلية يشترك في ذلك التسليم بالمبدأ الهادئ الذي يتيح لطريقة التعيين أن تكون ديمقراطية في طبيعتها بقدر الإمكان. يُجْرَى تعيين أعضاء المجلس قبل كل جلسة عادية له. 4/ حين يشغر مقعد عضو في المجلس لأسباب غير انتهاء مدة ولايته، يُجْرَى ملء المقعد الشاغر كما يلي: ( أ ) إذا قررت الهيئة التي عينت العضو صاحب المقعد الشاغر ذلك يملأ المقعد أول شخص يحتل قائمة نواب الأعضاء الذين عينتهم تلك الهيئة بموجب المادة (8). (ب) في حالة تعذر صدور قرار من ذلك النوع، يحق للهيئة التي عينت العضو الذي شغر مقعده أن تعين محله من جديد. 5/ يدعي كل من مجلس إدارة الصندوق التأسيسي لفلسطين (كيرين هايسود) ومجلس إدارة الصندوق القومي اليهودي (كيرين كايمت) والهيئات الحاكمة للمنظمات الأخرى التي يقررها المجلس فيما بعد، إلى إرسال ممثل لحضور اجتماعات المجلس لكن هؤلاء الممثلين لا يحق لهم التصويت. 6/ تدعو اللجنة التنفيذية لعقد الاجتماعات العادية للمجلس مرة كل عامين. وتقدم اللجنة في كل اجتماع تقريرًا مفصلاً وافيًا عن جميع نشاطات الوكالة وعن الأوضاع في فلسطين. كذلك ترفع اللجنة تقريرًا مفصلاً عن الوضع المالي للوكالة وترفقه بنسخة مراجعة عن كشف الميزانية والحسابات. تتضمن أعمال الجلسة النظر في ذلك التقرير وفي بيانات كشف الميزانية والحسابات والموافقة على ميزانية جديدة للفترة التي يقررها المجلس. 7/ تستطيع اللجنة التنفيذية في الحالات الطارئة وبموافقة اللجنة الإدارية أن تدعو لعقد اجتماع استثنائي في أي وقت وأن تعقد هذا الاجتماع فيما لو أشارت اللجنة الإدارية بذلك. يستطيع رئيس الوكالة أيضًا أن يعقد اجتماعًا استثنائيًا للمجلس تحت الظروف الوارد ذكرها في المادة (12) فقرة (4). 8/ يعين المجلس رئيس جلسات أو رئيسًا مشتركًا، وقد يعين رئيس جلسات مشارك ونائبًا واحدًا للرئيس أو أكثر. 9/ لا يفقد الشخص الذي يشغل كرسي الرئاسة خلال جلسة المجلس حقه بالتصويت الذي يملكه كعضو في المجلس، لكنه لا يملك صوتًا إضافيًا أو مرجحًا في حال تعادل الأصوات. 6 - 1/ تتألف اللجنة الإدارية من أربعين عضوًا، يعين الأعضاء الصهيونيون في المجلس عشرين منهم من بينهم، ويعين الأعضاء اللاصهيونيون في المجلس العشرين الباقين من بينهم، مع العلم بأن اللجنة تعتبر وكأنها تشكل وحدة كلية منفردة بمسؤولية جماعية تجاه المجلس. يحق لأعضاء اللجنة التنفيذية حضور جلسات اللجنة الإدارية، لكن لا حق لهم بالتصويت. 2/ يتولى أعضاء اللجنة الإدارية المسؤولية من تاريخ اجتماع عادي للمجلس حتى الاجتماع التالي. يُجْرَى ملء المقاعد التي تشغر خلال المدة التي تفصل بين اجتماعين عاديين للمجلس كما يلي: ( أ ) إذا كان المقعد الشاغر من بين الأعضاء الصهيونيين في اللجنة الإدارية تقوم المنظمة الصهيونية بملء المقعد. (ب) إذا كان المقعد الشاغر من بين الأعضاء اللاصهيونيين في اللجنة الإدارية، يُجْرَى ملء ذلك المقعد بالطريقة التي تقررها بقية الأعضاء اللاصهيونيين في اللجنة الإدارية. 3/ يدعى كل من مجلس إدارة الصندوق التأسيسي لفلسطين (كيرين هايسود) ومجلس إدارة الصندوق القومي اليهودي (كيرين كايمت) والهيئات الحاكمة للمنظمات الأخرى التي يقررها المجلس فيما بعد، إلى إرسال ممثل لحضور اجتماعات اللجنة الإدارية، لكن هؤلاء الممثلين لا يحق لهم التصويت. 4/ تعين اللجنة الإدارية رئيس جلسات كما قد تعين رئيسًا مشاركًا كذلك تملك سلطة إنشاء اللجان الفرعية والاستشارية حسبما تراه مناسبًا من وقت إلى آخر. (5) تجتمع اللجنة الإدارية من حين إلى آخر في الفترة التي تفصل اجتماعات المجلس لكي تتسلم تقارير اللجنة التنفيذية وتنظر فيها ولكي تقرر، خلال تلك الفترة، المسائل المتعلقة بالسياسة وتمارس سلطاتها العامة وإشرافها على نشاطات الوكالة وطريقة تصريف شؤونها. حين يتخذ المجلس أية إجراءات يسري مفعول ذلك على اللجنة الإدارية، ماعدا الحالات التالية: 1 - قد يمنح المجلس اللجنة تلك السلطة في حرية التصرف التي يعتبرها مناسبة. 2 - يعتبر المجلس قد منح اللجنة سلطة الحياد عن قراره أو الابتعاد عنه حين تستوفي الشروط التالية: ( أ ) لا تنظر اللجنة الإدارية في اقتراح للحياد عن قرار للمجلس أو الابتعاد عنه إلا بعد أن تكون قد اتخذت قرارًا بأكثرية ثلاثة أرباع الأعضاء الذين لهم حق التصويت بأن ظروفًا طارئة جعلت تأييد ذلك القرار أمرًا مستحيلاً أو غير مرغوب فيه. (ب) يتطلب أي اقتراح من هذا النوع موافقة اللجنة الإدارية عليه بأكثرية ثلاثة أرباع الأعضاء الذين لهم حق التصويت. 6/ بقدر ما تسمح الظروف بذلك، تجتمع اللجنة الإدارية مرة كل ستة أشهر. يعين رئيس اللجنة بعد التشاور مع رئيس الوكالة، مكان الاجتماع وزمانه. يستطيع رئيس اللجنة بالاتفاق في الرأي مع رئيس الوكالة، أن يدعو لعقد اجتماع استثنائي للجنة في أي وقت، وأن يعقد هذا الاجتماع فيما لو طلب إليه رئيس الوكالة ذلك، أو حين يطلبه ما لا يقل عن ثلث أعضاء اللجنة الإدارية. 7 - 1/ يعهد إلى اللجنة التنفيذية بتصريف الشؤون الجارية للوكالة، وفقًا لدستور الوكالة وبناءً على التعليمات التي يصدرها بين الحين والآخر كل من المجلس أو اللجنة الإدارية في ممارستهما لصلاحيتهما الدستورية. 2 - يُجْرَى تعيين اللجنة التنفيذية. ما لم وحتى تقرر أغلبية كل من الأعضاء الصهيونيين واللاصهيونيين في المجلس غير ذلك على الشكل التالي: ( أ ) يعين المجلس بموجب نص الفقرة المتفرعة " ب " في كل اجتماع عادي له لجنة تنفيذية تتولى المسؤولية حتى انعقاد الاجتماع العادي التالي للمجلس. تتألف اللجنة التنفيذية من عدد زوجي من الأشخاص تعينه اللجنة الإدارية في اجتماع تعقده خلال مدة لا تتعدى ستة أشهر من تاريخ انعقاد كل اجتماع للمجلس يرشح الأعضاء اللاصهيونيون في المجلس نصف الأعضاء الذين يتم تعيينهم وترشح المنظمة الصهيونية النصف الباقي. يشترط في ذلك، فيما لو تعذر على الأعضاء اللاصهيونيين في المجلس تقديم العدد المقرر من الترشيحات، أن يصبح من حق المنظمة الصهيونية ملء المقعد أو المقاعد الشاغرة الباقية. (ب) تتألف اللجنة التنفيذية خلال الفترة المنتهية في 30 أيلول (سبتمبر) 1930 من اثني عشر شخصًا، تسمى المنظمة الصهيونية ثمانية منهم ويرشح الأعضاء اللاصهيونيون في المجلس الأربعة الباقين. وابتداء من أول تشرين الأول (أكتوبر)1930 حتى موعد انعقاد الاجتماع العادي الأول للمجلس بعد ذلك التاريخ تتألف اللجنة التنفيذية من ثمانية أعضاء، أربعة يرشحهم الأعضاء اللاصهيونيون في المجلس. وحتى الأول من تشرين الأول (أكتوبر)1930 وبعد ذلك التاريخ إلى حين انعقاد الاجتماع العادي الأول للمجلس يعتبر الأعضاء اللاصهيونيون في المجلس بأنهم قد منحوا حقهم في إجراء الترشيح إلى الأعضاء اللاصهيونيين في اللجنة الإدارية، ويعتبر الأشخاص الذين جرى ترشيحهم لعضوية اللجنة التنفيذية الإدارية إلى حد العدد الذي قرره الأعضاء اللاصهيونيون في اللجنة الإدارية بأنهم قد تعينوا كما يجب قبل المجلس. يحق للمنظمة الصهيونية ملء المقعد أو المقاعد الشاغرة الباقية بشرط أن يكون الأعضاء الصهيونيون في اللجنة الإدارية لم يقوموا بتقديم الترشيحات حسب العدد المقرر وخلال ستة أشهر من تاريخ هذا الاتفاق أو خلال ستة أشهر من تاريخ أول تشرين الأول (أكتوبر)1930، كما قد تكون الحال ". 3 - حين تشغر مقاعد في اللجنة التنفيذية نتيجة أسباب غير تقاعد الأعضاء بعد نهاية مدة توليهم المسؤولية تقوم اللجنة الإدارية بملء المقاعد الشاغرة، وذلك بأن يحل مرشح المنظمة الصهيونية محل سلفه الشاغر ويحل مرشح الأعضاء اللاصهيونيين محل سلفه الشاغر من بين أعضاء اللجنة الإدارية. اللجنة التنفيذية: 4 - تعتبر اللجنة التنفيذية بأن لها أن تشكل وحدة كلية منفردة ولها مسؤولية جماعية. 5 - مركز المكاتب التابعة للجنة التنفيذية في الوكالة هو القدس ويشرف رئيس الوكالة على دار مكتبها في لندن بالاشتراك مع أعضاء من اللجنة التنفيذية يعينهم المجلس بالتشاور مع الرئيس ويعهد إلى مكتب لندن على الأخص بتصريف الشؤون والأعمال القائمة بين سلطات الانتداب والوكالة. 6 - تجتمع اللجنة التنفيذية في القدس عادة أو في لندن، كما قد تكون الحال، ولها الحرية في الظروف الاستثنائية أن تجتمع في أي مكان آخر تفضله أكثرية أعضائها. تمثيل الأعضاء الغائبين: 8 - يحق لتلك الهيئة التي تعين عضوًا صهيونيًا أو لاصهيونيًا في المجلس أو في اللجنة الإدارية أن تعين ما لا يزيد عن ثلاثة نواب أعضاء لكل عضو. ويتولى هؤلاء المسؤوليات لنفس المدة وكأنهم أعضاء. تقديم العدد المقرر من الترشيحات، أن يصبح من حق المنظمة الصهيونية ملء المقعد أو المقاعد الشاغرة الباقية. الصندوق التأسيسي لفلسطين (كيرين هايسود): 9 - 1/ ما لم، وحتى يقرر المجلس خلاف ذلك، يشكل الصندوق التأسيسي لفلسطين الأداة المالية الرئيسية للوكالة والتي تغطى بها ميزانيتها. 2 - تتعهد المنظمة الصهيونية حالما يصبح هذا الاتفاق ساري المفعول بما يلي: ( أ ) تُجْرَى ممارسة السلطة في تعيين مدراء الصندوق التأسيسي لفلسطين والتي ألقيت على عاتق اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية بموجب مواد تشكيل الصندوق التأسيسي لفلسطين (كيرين هايسود) ليمتد، بالطريقة التي يشاء توجيهها مجلس الوكالة، شريطة أن يحق للأعضاء الصهيونيين واللاصهيونيين في المجلس بترشيح نصف الأشخاص الذين تعينهم اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية بموجب الشروط المذكورة. (ب) يضع مجلس الإدارة مجموعة الإيرادات الصافية للصندوق تحت تصرف الوكالة، وتضم الوكالة بدورها في ميزانيتها الموجبات اللازمة لتسديد المطلوبات القائمة بتاريخ وضع هذا الاتفاق موضع التنفيذ. 10 - 1/ لا يتضمن هذا الاتفاق ما يؤثر على تنظيم الصندوق القومي (كيرين كايمت) أو على وضعه، ولا على علاقاته بالمنظمة الصهيونية أو حقه بتوجيه النداء إلى الجمهور اليهودي لطلب التأييد المالي بعد التشاور اللازم مع الوكالة. 2 - فيما عدا ما يأتي ذكره ها هنا بالتخصيص، يجرى شراء جميع الأراضي التي يتم الحصول عليها بالأموال الواردة من الوكالة اليهودية تحت إشراف الوكالة وإدارتها وبواسطة الصندوق القومي اليهودي. ويتم تسجيل تلك الأراضي باسم الصندوق القومي اليهودي لكي تصبح فيما بعد الملكية الشرعية الثابتة للشعب اليهودي. يشترط في ذلك أن توافق الوكالة اليهودية وتصادق على البنود التي يمكن بموجبها لأي شخص أو جمعية أو هيئة أن يستعمل هذه الأملاك التي يسيطر عليها الصندوق القومي اليهودي أو يحتلها أو يستأجرها أو يملكها، وأن أية تغييرات أو تعديلات يمكن القيام بها في هذا الصدد يجب أن تحظى بموافقة الوكالة اليهودية ومصادقتها، ويشترط كذلك ألا يفهم القصد من هذا بأنه عدم تشجيع شراء الأراضي بالأموال الخاصة، طالما لا يجري ابتياع هذه الأراضي بقصد المضاربة أو كبادرة عدائية لمشاريع الصندوق القومي اليهودي أو الوكالة اليهودية، وإن لم تتمكن الوكالة، في حسن تقديرها للأمور، من توظيف جزء من أموالها في شراء الحصص والسندات والأسهم أو غيرها من ضمانات أية مؤسسة قائمة حاليًا أو يتم تنظيمها فيما بعد لتسهيل شراء الأراضي في فلسطين من قبل الأفراد بصفتهم الخاصة. ولا يقصد منها التدخل في عملية تنفيذ أية سياسة قد تتبناها الوكالة اليهودية لمساعدة أولئك الذين يسعون للاستيطان في الأراضي بوسائلهم الخاصة بطريقة وشروط معينة تتعارض مع السياسة الأساسية المنصوص عنها هنا. عضوية الوكالة: 11 - 1/ بالإضافة إلى اللاصهيونيين من البلدان المختلفة والذين يظهر ممثلوهم من بين موقعي هذا الاتفاق، بفتح باب التمثيل في الوكالة أمام هيئات يهودية في بلدان أخرى غير مرتبطة بالمنظمة الصهيونية حالما يتم تسليمهم بهذا الاتفاق عن طريق ممثلين يملكون الصلاحية اللازمة، فيصبح من حقهم إذ ذاك التمثيل في المجلس وفقًا للتوزيع المبين في الجدول اللاحق وعرضه لأي تعديلات في ذلك الجدول يقوم بها المجلس كما نصت المادة (5) فقرة (2). 2 - تدقق لجنة أوراق الاعتماد - والمؤلفة من أعضاء المجلس الصهيونيين - بالتساوي خلال كل اجتماع للمجلس في أوراق اعتماد كل من الأعضاء الصهيونيين واللاصهيونيين في حال تعادل الأصوات داخل اللجنة المذكورة، تترك المسألة لقرار رئيس المجلس. إنهاء الاتفاق: 12 - 1/ يمكن حل الوكالة اليهودية الموسعة لفلسطين والتي شكلها هذا الاتفاق عندما تؤيد ذلك أصوات لا تقل عن ثلثي العضوية الكاملة للمجلس، كما هو مكون آنذاك. وفي اجتماع يعقده المجلس بعد ثلاثة شهور من إعلام الأعضاء كتابة بأن هناك اقتراحًا يقضي باتخاذ خطوات أثناء ذلك الاجتماع تتعلق بحل الوكالة الموسعة. 2 - يمكن لأي فريق وقع هذا الاتفاق، ماعدا المنظمة الصهيونية، أن يبلغ رئيس الوكالة عزمه على الانسحاب من هذا الاتفاق ويصبح هذا التبليغ، ما لم يجرِ إلغاؤه، ساري المفعول بالنسبة لذلك الفريق بعد عام من تاريخ تقديمه، ولاحق لذلك عند ذاك بالتمثيل في المجلس. 3 - إذا تعذر على أي الفرقاء الذين وردت الإشارة إليهم في الفقرة السابقة أن يكون ممثلاً، إما بصورة مباشرة أو وفقًا لنص المادة (8)، خلال اجتماعين عاديين متتاليين للمجلس يعتبر ذلك الفريق منسحبًا من هذا الاتفاق ومصادقتها، ويشترط كذلك ألا يفهم القصد من هذا بأنه عدم تشجيع شراء الأراضي بالأموال الخاصة، طالما لا يُجْرَى ابتياع هذه الأراضي بقصد المضاربة أو كبادرة عدائية لمشاريع الصندوق القومي اليهودي أو الوكالة اليهودية، وإن لم تتمكن الوكالة، في حسن تقديرها للأمور، من توظيف جزء من أموالها في شراء الحصص والسندات والأسهم أو غيرها من ضمانات أية مؤسسة قائمة حاليًا أو يتم تنظيمها فيما بعد لتسهيل شراء الأراضي في فلسطين من قبل الأفراد بصفتهم الخاصة. ولا يقصد منها التدخل في عملية تنفيذ أية سياسة قد تتبناها الوكالة اليهودية لمساعدة أولئك الذين يسعون للاستيطان في الأراضي بوسائلهم الخاصة بطريقة وشروط معينة تتعارض مع السياسة الأساسية المنصوص عنها هنا. 4 - في حال انسحاب أحد الفرقاء من هذا الاتفاق (كما تنص الفقرة 2 أو 3 من هذه المادة) وهم الذين يحق لهم كمجموع ما لا يقل عن ثلث مجموع عدد المقاعد اللاصهيونية في المجلس كما يتبين من الجدول اللاحق (عرضه لأي تعديل يقوم به المجلس لذلك الجدول كما تنص المادة 5 فقرة 2،) تستطيع المنظمة الصهيونية إبلاغ الانسحاب في الطريقة وتحت الشروط المحددة مسبقًا في الفقرة (2) وحين يصبح هذا البلاغ ساري المفعول يُجْرَى حل الوكالة اليهودية الموسعة كما شكلها هذا الاتفاق. يكون من واجب رئيس الوكالة، دون الإجحاف بحق المنظمة الصهيونية في الانسحاب وفقًا لنصوص هذه الفقرة وقبل أن يصبح البلاغ بانسحاب المنظمة الصهيونية ساري المفعول أن يسعى لعرض القضية على المجلس ويدعو المجلس لعقد اجتماع استثنائي لهذه الغاية فيما لو دعت الضرورة. 5 - في حال اتخاذ إجراءات لحل الوكالة تبعًا لنصوص هذه المادة، يجب ضم القرار أو الإجراء الذي يتخذه المجلس في هذا الصدد بالإضافة إلى بيان يعين توزيع للأصوات في المجلس، إلى محاضر وقائع المجلس. ثم يتم استنساخ هذه المحاضر ويبعث بها رئيس الوكالة بعد مصادقته على صحتها ويبلغ إلى سكرتير المنظمة الصهيونية لكي ينقلها بدوره إلى حكومة الدولة المنتدبة. التعديلات: 13 - يمكن تعديل هذا الاتفاق باستثناء المادة (3 و4) فقرة (2) خلال اجتماع يعقده المجلس وبما لا يقل عن ثلثي الأصوات لكامل عضوية المجلس، كما يكون مؤلفًا آنذاك ويتطلب أي تعديل للمادة (3 أو 4) فقرة (2) أكثرية أصوات لا تقل عن ثلاثة أرباع العضوية الكاملة للمجلس، كما يتألف آنذاك ولا يجوز النظر في أي تعديل خلال اجتماعات المجلس إلا بعد أن يكون الأعضاء قد تسلموا دعوة مكتوبة خلال ما لا يقل عن ثلاثة أشهر من تاريخ الانعقاد، تبلغهم عن موعد ذلك الاجتماع ونصوص التعديل المقترح. قوانين: 14 - تملك اللجنة الإدارية سلطة سن القوانين التي لا تتعارض مع هذا الاتفاق وتعلق بالمسائل التي تعود إلى تصريف أعمال الوكالة وشؤونها وتشمل ما يلي: 1 - المدة المطلوبة للتبليغ عن موعد الاجتماعات الاستثنائية منها وتلك التي يعقدها ( أ ) المجلس و(ب) اللجنة الإدارية. 2 - النصاب المطلوب لاجتماعات ( أ ) المجلس و(ب) اللجنة الإدارية والأنظمة التي تتعلق بطريقة إدارة الجلسات. 3 - طريقة التعيين ومدة الولاية ومهام كل من الرئيس أو الرئيس المشارك ونائب الرئيس في المجلس، ورئيس اللجنة الإدارية ورئيسها المشارك، والطريقة التي يُجْرَى بها ملء المراكز الشاغرة لفترة مؤقتة. تعرض هذه القوانين على اجتماع المجلس الذي يلي اجتماع اللجنة الإدارية التي جرى إصدارها فيها ويبطل مفعولها إلا إذا صادق عليها المجلس. وضع الاتفاق موضع التنفيذ: 15- هذا الاتفاق نافذ المفعول ابتداء من تاريخ التوقيع وترسل حينذاك المنظمة الصهيونية نسخة عن الاتفاق إلى حكومة الدولة المنتدبة التي يطلب إليها الاعتراف بالوكالة اليهودية الموسعة لفلسطين، كما تشكلت في هذا الاتفاق نيتها بصفتها الوكالة اليهودية التي يشير إليها صك الانتداب. ويطلب إليها أيضًا إعطاء التأكيدات بأنه في حالة حل الوكالة الموسعة المنصوص عنها ها هنا، تعتبر المنظمة الصهيونية فيما يتعلق بأهداف المادة الرابعة من صك الانتداب على فلسطين صاحبة المكانة نفسها في جميع النواحي وكما كانت قبل توسيع الوكالة اليهودية. تم التوقيع في زوريخ اليوم الثامن من آب 5689 (عبرية) والرابع عشر من آب، 1929 عن المنظمة الصهيونية حاييم وايزمن. ناحوم سوكولوف. التوقيع عن اللاصهيونيين في بلغارية إلى سيدي تشيكوسلوفاكية جوزيف بور. مصر استونية. زفي اسنشتات. فرنسا. روبرت بولاك. ألمانيا أ. فاسرمان. الامبراطورية البريطانية وتضم: بريطانيا، أيرلنده الشمالية، الدولة الأيرلندية الحرة، كندة، جنوب إفريقيا أو. أ. دافيغدوف غولد سميد. اليونان ليون ريكانلتي. ليون ريكانلتي. إيطالية لاتفيه. أو. غروسنبرغ. ليتوانية ج. دولف. فلسطين جوزيف ميوكاس. بولونيه ل. آدر. سموئيل غولد فلام. رومانية ج. موشينيك. أ. بروكوفيتشي. سويسره ج. دريفوس برودسكي. لويس مارشال. الولايات المتحدة الأمريكية فليكس واربورغ. لي ك. فرانكه. يوغسلافيا الكالاي. - جدول توزيع المقاعد في مجلس الوكالة اليهودية لفلسطين يبين الجدول التالي توزيع المقاعد غير التي أعطيت للمنظمة الصهيونية في: مجلس الوكالة: 1 - الأرجنتين. 2 - النمسه. 1 - بلجيكه. 7 - الإمبراطورية البريطانية (وتضم: بريطانيه، أيرلنده الشمالية ودولة أيرلنده الحرة). 1 - كندة. 1 - جنوب إفريقية. 1 - استراليا ونيوزيلنده. 1 - الهند. 1 - بلغاريا. 3 - تشيكوسلوفكيا. 1 - مصر. 4 - فرنسا. 7 - ألمانيه. 1 - اليونان. 2 - هنغارية. 1 - إيطاليه. 1 - لاتفيه. 1 - ليتوانيه. 1 - هولنده. 1 - شمال إفريقية (ويضم مراكش، الجزائر، تونس). 6 - فلسطين. 14 - بولونيه. 6 - رومانيه. 1 - سويسرة. 44 - الولايات المتحدة الأمريكية. 1 - يوغوسلافيه. 111 1 مقعد يوزعه على أي بلد أو مجموعة من البلدان قد تطلب تمثيلها. 112 المجموع النهائي من بيان اللجنة التنفيذية العربية في الرد على الكتاب الأبيض الإنجليزية الصادر في أكتوبر سنة 1930 مقدمة اطلعت اللجنة التنفيذية العربية بعد انتظار طويل على البيان الذي أصدرته الحكومة الإنجليزية بشأن السياسة التي عزمت على انتهاجها في فلسطين وكنا نرقب صدور هذا البيان بفارغ الصبر آملين أن نجد فيه ما يزيل مخاوف العرب الناشئة عن سياسة حكومة فلسطين الممثلة للحكومة الإنجليزية التي سارت عليها منذ الاحتلال والتي كان من شأنها إبادة القومية العربية. إن العرب كانوا يشعرون منذ البدء بالخطر الهائل الذي يهدد كيانهم القومي من جَرَّاء هذه السياسة وكانوا يعلنون دائمًا هذا الخطر للحكومة الإنجليزية ولعصبة الأمم وللأمم المتمدنة. وقف السر هربرت صموئيل سنة 1919 في ألبرت هول في لندن وأعلن رأيه السياسي في الصهيونية كما يلي: " إن السياسة الصهيونية التي تعرض اليوم على مؤتمر الصلح والتي يتمسك بها كل صهيوني بكل ما أوتي من حول وطول تتطلب أن توضع البلاد في حالات موافقة للهجرة اليهودية والاستعمار اليهودي وأن تمنح أكثر امتيازات المشاريع التي تحتاج إليها البلاد للهيئات اليهودية وأن يوسع نطاق التعليم والتربية القومية اليهودية وأن تتمتع البلاد بالحد الأقصى من الحكم الذاتي لكي يتمكن القائمون في النهاية من تأسيس دولة مستقلة تحت إشراف أكثرية يهودية ". وهذا الشخص نفسه هو الذي أرسلته الحكومة الإنجليزية في سنة 1920 إلى فلسطين مندوبًا ساميًا والذي عمل بكل ما أوتي من قوة في مدة السنوات الخمس التي تولى زمام الحكم في خلالها على تحقيق الغايات الصهيونية التي كان يتوخاها كصهيوني صميم. 2 - فلقد كانت البلاد سنة 1920 في ضنك شديد والسر هربرت صموئيل نفسه وصف الحالة في تقريره عن إدارة فلسطين في سنتي 1920 - 1925 كما يلي: " قد وجدت البلاد في عام 1920 مضطربة من جَرَّاء التأثيرات التي عقبت عواصف الحرب. فقد كانت البلاد لبضع سنين خلت مسرحًا للأعمال الحربية التي قامت بها جيوش جرارة فهناك قرى تهدمت وقطعان من المواشي والخيل هلكت وأشجار زيتون قطعت بكميات كبيرة وقودًا للجيوش التركية والقطارات العسكرية وبيارات برتقال عديدة تركت بلا ري فلم تعط ثمرًا وكانت البلاد في حالة فقر وبؤس عامة ". 3 - غادر السير هربرت صموئيل فلسطين سنة 1925 دون أن يصلح شيئًا في الحالة التي تقدم وصفها. فكانت همته وغيرته في خلال الخمس السنوات المشار إليها مصروفتين لوضع البلاد اقتصاديًا وإداريًا وسياسيًا في حال يسهل معها تأسيس الوطن القومي اليهودي بقطع النظر عن الأضرار الجسيمة التي كانت تلحقها هذه السياسة بالحالة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد. 4 - وقد أسس حكومة مدنية في فلسطين أوسع نطاقًا عما كانت عليه الإدارة التركية بثمانية أضعاف بدون حاجة لذلك وأرهق الفلاح بضرائب ثقيلة لا قبل له بها لا سيما أن البلاد لم تكن حينئذٍ فقيرة فقط بل كانت مشرفة على الإفلاس التام وقد عمل فوق هذا كله على تنزيل أسعار غلال البلاد تنزيلاً عظيمًا بإصداره أوامر من وقت إلى آخر بمنع تصديرها إلى الخارج. ففي سنة 1920 مثلاً كانت أسعار حاصلات البلاد عالية جدًا وكان الفلاح واثقًا بتصفية ديونه ويستند إلى أساس مالي ثابت فأمر السير هربرت صموئيل، بمنع تصدير الحبوب والزيت وهي أساس ثروة البلاد فتضخمت الأسواق المالية بهذه الحاصلات وعقب ذلك هبوط في الأسعار بصورة هائلة. فالفلاح لم ير له مخرجًا أمام هذه الكوارث الاقتصادية إلا ببيع أرضه أو قسم منها للمشتري اليهودي الوحيد الذي خرج بهذه الصورة من أسواق الأراضي بصفقة رابحة جدًا. وكأن الحكومة لم تكتف بذلك حينئذٍ بل ضغطت في سنة 1921 على الفلاح لدفع أقساط ديونها وبدأت في تصفية البنك الزراعي العثماني وحصلت قسمًا كبيرًا منه جبرًا فما أتت سنة 1922 حتى وجد الفلاح نفسه عاجزًا عن حرث أراضيه وهذا ما اعترف به السير هربرت صموئيل نفسه في تقريره المشار إليه دون أن يذكر أنه هو السبب الفعال في ذلك: " إن القسم الأعظم من الأراضي الزراعية باقٍ تحت تصرف العرب وفي كل عام يترك قسم كبير منها بلا حرث". وغير خفي أن الفلاح الفلسطيني كان يزرع في الماضي أراضيه كلها وكان، يجهل تمامًا الأزمات الاقتصادية التي وضع السير هربرت صموئيل البلاد فيها عن عمد. 5 - فالعرب الذين كانوا يرون أنفسهم مهددين بإضاعة منابع ثروتهم من جَرَّاء السياسة الخانقة التي كانت تتبعها حكومة فلسطين اضطروا إلى إرسال وفد إلى لندن في سنة 1922 لمفاوضة الحكومة الإنجليزية بشأن إلغاء وعد بلفور وتأسيس حكومة وطنية ذات مجلس نيابي في فلسطين ولقد كان من نتيجة هذه المفاوضة أن أصدرت الحكومة الكتاب الأبيض الذي بينت فيه خطتها السياسية والمعنى الحقيقي الذي قصدته من وعد بلفور. وقد أخذت حكومة مكدونالد بهذا المعنى في سياستها الحاضرة. تفسير الحكومة الإنجليزية لعبارة " الوطن القومي اليهودي ": 6 - إن الكتاب الأبيض الصادر في سنة 1922 فسر في هذا الوعد بالصورة الآتية: " وقد أعاد اليهود في القرنين أو الثلاثة قرون الأخيرة إنشاء طائفة لهم في فلسطين يبلغ عددها الآن ثمانين ألفًا ربعهم تقريبًا مزارعون أو عملة في الأرض. ولهذه الطائفة إدارات سياسية خاصة منها مجمع منتخب لإدارة شؤونها الداخلية ومجالس منتخبة في المدن ورئاسة حاخامين ومجلس رباني لإدارة شؤونها الدينية. وتستعمل هذه الطائفة اللغة العبرية كلغتها الوطنية ولها صحف عبرية تفي بحاجاتها وهي تتبع نمطًا تهذيبيًا يميزها عن سواها وتبدي نشاطًا كبيرًا في الحركة الاقتصادية. فهذه الطائفة بسكان المستعمرات والمدن وهيئاتها السياسية والدينية والاجتماعية ولغتها الخاصة وعاداتها وطرق معيشتها الخاصة لها في الحقيقة مميزات قومية ومتى سأل سائل ما هو معنى تنمية الوطن القومي اليهودي في فلسطين يمكن أن يجاب على ذلك بأنه لا يعني فرض الجنسية اليهودية على أهالي فلسطين إجمالاً بل زيادة نمو الطائفة اليهودية بمساعدة اليهود الموجودين في أنحاء العالم حتى تصبح مركزًا يكون فيه للشعب اليهودي برمته اهتمام وفخر من الوجهتين الدينية والقومية. ولكن حتى يكون للطائفة اليهودية أمل وطيد لتقدمها الحر ويفسح للشعب اليهودي مجال وافٍ كي يظهر فيه مقدرته كان من الضروري أن يعلم بأن وجوده في فلسطين هو كحق وليس كمنة. ذلك هو السبب الذي جعل من الضروري ضمان إنشاء الوطن القومي لليهود ضمانًا دوليًا والاعتراف رسميًا بأنه يستند إلى رابطة تاريخية قديمة ". إن العرب صرحوا مرارًا بأنهم يرفضون هذا الوعد المخالف للعهود المقطوعة للعرب في أثناء الحرب العامة (معاهدة الملك حسين مكماهون سنة 1915) وللمادة (22) من نظام عصبة الأمم والمجحف بحقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية وأنهم لن يترددوا لحظة واحدة في رفضه بالرغم من تفسيره بالكيفية المشار إليها لأن فلسطين العربية لن تكون إلا عربية وإن سياسة من شأنها جعل فلسطين ذات صبغة سياسية أخرى لن تكون نتيجتها سوى الفشل. إن هذا التفسير لم يذهب الغموض والإبهام الموجودين في نص وعد بلفور نفسه. وفضلاً عن ذلك فإنه يوجد هنالك ذكر لا لتأسيس الوطن القومي اليهودي في فلسطين فقط بل لتنميته أيضًا. 7- فالكتاب الأبيض الصادر في سنة 1922 يكون بهذه الصورة قد أدخل في وعد بلفور نصا جديدا لم يكن يحتوي عليه من قبل لأن تأسيس الوطن القومي اليهودي شيء والسعي لتنميته بعد أن يكون قد تأسس شيء آخر. والحق أن اللجنة التنفيذية العربية لا تقدر - كما أن غيرها لا يقدر - أن تستخرج معنى صحيحا من التفسير المشار إليه فإن إنشاء الوطن القومي اليهودي هو حسبما جاء في الكتاب الأبيض الصادر في سنة 1922 عبارة عن إيجاد طائفة يهودية في فلسطين يكون لها مميزات قومية بسكان المستعمرات والمدن وهيئاتها السياسية والدينية والاجتماعية ولغتها الخاصة وعاداتها وطرق معيشتها الخاصة. فلما وجدت اليوم في فلسطين طائفة يهودية لها هذه المميزات فالوطن القومي اليهودي المفسر بهذه الصورة يكون قد حصل "وقد أعاد اليهود في القرنين أو الثلاثة قرون الأخيرة إنشاء طائفة لهم في فلسطين يبلغ عددها الآن ثمانين ألفا ربعهم تقريبًا مزارعون أو عملة في الأرض. ولهذه الطائفة إدارات سياسية خاصة منها مجمع منتخب لإدارة شؤونها الداخلية ومجالس منتخبة في المدن ورئاسة حاخامين ومجلس رباني لإدارة شؤونها الدينية. وتستعمل هذه الطائفة اللغة العبرية كلغتها الوطنية ولها صحف عبرية تفي بحاجاتها وهي تتبع نمطا تهذيبيا يميزها عن سواها وتبدي نشاطًا كبيرًا في الحركة الاقتصادية. فهذه الطائفة بسكان المستعمرات والمدن وهيئاتها السياسية والدينية والاجتماعية ولغتها الخاصة وعاداتها وطرق معيشتها الخاصة لها في الحقيقة مميزات قومية ومتى سأل سائل ما هو معنى تنمية الوطن القومي اليهودي في فلسطين يمكن أن يجاب على ذلك بأنه لا يعني فرض الجنسية اليهودية على أهالي فلسطين إجمالا بل زيادة نمو الطائفة اليهودية بمساعدة اليهود الموجودين في أنحاء العالم حتى تصبح مركزًا يكون فيه للشعب اليهودي برمته اهتمام وفخر من الوجهتين الدينية والقومية. ولكن حتى يكون للطائفة اليهودية أمل وطيد لتقدمها الحر ويفسح للشعب اليهودي مجال وافٍ كي يظهر فيه مقدرته كان من الضروري أن يعلم بأن وجوده في فلسطين هو كحق وليس كمنة. ذلك هو السبب الذي جعل من الضروري ضمان إنشاء الوطن القومي لليهود ضمانًا دوليًا والاعتراف رسميًا بأنه يستند إلى رابطة تاريخية قديمة". إن العرب صرحوا مرارًا بأنهم يرفضون هذا الوعد المخالف للعهود المقطوعة للعرب في أثناء الحرب العامة (معاهدة الملك حسين مكماهون سنة 1915) وللمادة (22) من نظام عصبة الأمم والمجحف بحقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية وأنهم لن يترددوا لحظة واحدة في رفضه بالرغم من تفسيره بالكيفية المشار إليها لأن فلسطين العربية لن تكون إلا عربية وإن سياسة من شأنها جعل فلسطين ذات صبغة سياسية أخرى لن تكون نتيجتها سوى الفشل. إن هذا التفسير لم يذهب الغموض والإبهام الموجودين في نص وعد بلفور نفسه. وفضلاً عن ذلك فإنه يوجد هنالك ذكر لا لتأسيس الوطن القومي اليهودي في فلسطين فقط بل لتنميته أيضًا. 8 - غير أن زعماء الصهيونيين لم يبالوا بالعبارات السياسية المبهمة فقرروا هم أنفسهم أن الحكومة الإنجليزية إنما جاءت لفلسطين لتعمل على تشجيع المهاجرة اليهودية وحشد اليهود في الأراضي إلى أن تصبح فلسطين ذات يوم دولة مستقلة تحت إشراف أكثرية يهودية لأن المهم في نظرهم ليس مصلحة البلاد ولكن تأسيس الوطن القومي اليهودي الذي هو غاية والذي اعتبر كذلك بزعمهم في صك الانتداب. ويكفي لإثبات هذا أن نورد هنا ما قاله الدكتور حاييم وايزمان رئيس الوكالة اليهودية في لندن في كتابة المؤرخ في 2 مارس 1930، المرسل إلى فخامة المندوب السامي لفلسطين بمناسبة تقريره السنوي إلى لجنة الانتدابات الدائمة وما قاله المستر هاري ساكر رئيس اللجنة الصهيونية في فلسطين حينئذٍ أمام لجنة شو. أما الأول فلقد قال في الكتاب المشار إليه: " إذا كان حقنا في الدخول لفلسطين متوقفًا على ما يصيب أكثرية الأهالي الحاليين من الفوائد فإن حالتنا لا تختلف حينئذٍ في شيء عن حالة سائر المهاجرين للبلاد الأجنبية وأن مواد صك الانتداب التي تؤسس وطنًا قوميًا لليهود في فلسطين تفقد في هذه الحالة كل معانيها ". وأما الثاني فقد أجاب بصفته شاهدًا أمام لجنة شو عن أسئلة وجهها إليه أحد محامي العرب: المستر ستوكر: ما قولك في الوطن القومي اليهودي، هل تم تأسيسه حتى الآن؟ ساكر: إن الوطن القومي في طور التكوين. المستر ستوكر: متى ترى أنه يكون قد تأسس؟ ساكر: ليس هنالك من زمن معين يمكن أن يعتبر فيه ذلك الوطن القومي قد تأسس ووقف فيه هذا التأسيس وقد بينت أن حقوق اليهود في ظل الانتداب يجب أن تتزايد وتتسع اتساعًا من شأنه اطراد الوطن القومي في النمو تبعًا لبعض الأحوال وبذلك أقصد أن الوطن القومي ليس من الأمور التي تقف عند حد خاص في زمن ما. المستر ستوكر: هل وجهة نظرك هي أن الحالة الحاضرة حالة موقتة وأن هذا النظام التأسيسي سيستمر عددًا من السنين دون أن ينتهي أو يصل إلى حد ما؟ ساكر: ليس في تاريخ أمة حد ينتهي به تأسيسها. المستر ستوكر: وهل يكون هذا الانتداب أبديًا ؟ ساكر: لا ريب. المستر ستوكر: أفلا تكون بذلك قد جردت المادة (22) من عهد عصبة الأمم من معناها الذي يتضمن أن تتمتع تلك البلاد أو الجماعات أو الأمم التي بلغت درجة كافية من الرقي بحكومة مستقلة؟ ساكر: هذه مسألة يقع على عصبة الأمم أمر تعيينها. المستر ستوكر: إن المادة (22) هذه تنص على ما يلي: " إن بعض الجماعات التي كانت تابعة للدولة التركية قد بلغت درجة من الرقي يمكن معه الاعتراف بوجودها مؤقتًا كأمم مستقلة على أن تسدي إليها إرشادات ونصائح إدارية من قبل دولة منتدبة إلى أن تصبح قادرة على الوقوف وحدها ". أليس من الواضح إذًا أن عهد عصبة الأمم يترقب زمنًا في المستقبل تكون فيه تلك البلاد قادرة على السير وحدها وذلك من غير أن تتطلب من الدولة المنتدبة معونة أو تدريبًا أو ما شابه ذلك؟ ساكر: ربما يحل ذلك الزمن في تاريخ فلسطين. المستر ستوكر: أليست إذن وجهة نظرك أن الوطن القومي اليهودي لم يتأسس بعد؟ وهو لا يزال في دور التكوين. ساكر: نعم هو في دور التكوين. ستوكر: متى ترى أن هذا الوطن يتأسس نهائيًا وما هو رأيك في ذلك؟ ساكر: أرى أن الصلة التاريخية بين اليهود وفلسطين هي صلة مستمرة وليست مما يقف عند حد. ستوكر: وهل تقصد أنه متى يزيد يهود فلسطين عن الجماعات الأخرى بعدد كبير يكون من المرغوب فيه إعطاء فلسطين حكومة ذاتية؟ ساكر: لا. إن وجهة نظري هي بقاء الانتداب البريطاني إلى الأبد. ستوكر: ولكن ترى زيادة عدد السكان اليهود؟ ساكر: بقدر ما أستطيع. ستوكر: وترى أيضًا أن الوطن القومي اليهودي لا يكون قد تأسس بوجه وافٍ وإنما يظل سائرًا في طريق التأسيس على الدوام فهل هذه هي وجهة نظرك؟ ساكر: نعم تلك وجهة نظري. ستوكر: وهل هذه وجهة نظرك الشخصية أم وجهة نظر اللجنة التنفيذية الصهيونية؟ ساكر: هي وجهة نظر كل شخص وذلك بقدر ما أعلم. ستوكر: لنفرض أن السكان اليهود زادوا وهم في دور تكوين الوطن القومي عن السكان العرب ضعفين أو ثلاثة أضعاف فهل ترون حينئذٍ أن الوقت قد حان لتأسيس دولة يهودية؟ ساكر: حقًا إنكم تسألونني عما يجب أن أنظر إليه في وقت بعيد لا أكون فيه حيًا. ستوكر: إذًا وجهة نظرك هي أنه مهما وصل إليه الوطن القومي اليهودي من تقدم ورقي ومهما كان عدد اليهود بالنسبة إلى بقية السكان فإن الانتداب يجب أن يستمر إلى الأبد. ساكر: أظن أن هذا ما تقتضيه مصلحة الكل. إن ليونارد شتاين الذي وضع بيان اللجنة الصهيونية على الكتاب الأبيض في نوفمبر 1930 كان أصرح من المستر ساكر في هذا الصدد. فلقد قال في هذا البيان إن جميع اليهود قد فهموا وعد بلفور كما فهمه الجنرال سمطس بأنه عبارة عن تحرير فلسطين والاعتراف بأنها وطن إسرائيلي. ولكن العرب الذين لم يوافقوا على إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين لن يوافقوا طبعًا على ما قد تختلقه التفاسير السياسية من هذا الوعد ولن يقبلوا أن تكون لفلسطين يومًا ما صبغة غير صبغتها العربية. 9 - إن الكتاب الأبيض ذكر أن الالتزام المتعلق بحماية مصالح جميع السكان في فلسطين له المكان الأول وأن سائر الالتزامات لا تعتبر إلا إذا كانت لا تعارض مصلحة الأهالي على الإجمال. فاللجنة مع موافقتها على هذا ترى أن الحكومة الإنجليزية لم تُعِرْ جميع البنود الواردة في المادة الثانية من صك الانتداب نفس الاهتمام. والحق أن هذه المادة تجعل الحكومة الإنجليزية مسؤولة عن إنشاء وطن قومي لليهود وعن العمل بذات الوقت على ترقية أنظمة الحكم الذاتي وضمان الحقوق المدنية والدينية لجميع السكان. 10 - إن من المستحيل أن يفهم أحد من العرب إصرار الحكومة الإنجليزية على عدم تعرضها مطلقًا للشق الأول من الفقرة الثانية من هذه المادة والاكتفاء بطمأنة اليهود والعرب معًا على القيام بالتزاماتها فيما يتعلق بالوطن القومي وضمان حقوق السكان. فهذه المادة توجب على الحكومة الإنجليزية وضع البلاد في حالات اقتصادية وإدارية وسياسية تضمن معها لا تأسيس الوطن القومي اليهودي فقط بل ترقية مؤسسات الحكم الذاتي التي هي عبارة عن السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية أيضًا ويفهم من هذه المادة بصورة صريحة أن الحكومة الإنجليزية محظور عليها البدء بتنفيذ الالتزام الأول قبل الثاني لأن عليها أن تشرع ربما حسبما جاء في نص المادة باللغة الفرنسية التي لها رسميًا ذات القوة فيما يتعلق بصكوك الانتدابات ولا يمنع من ذلك خلو النص الإنجليزي من عبارة بذات الوقت الواردة في المادة المذكورة بعد عبارة إنشاء الوطن القومي اليهودي والتي نظن أنها حذفت منه سهوًا. 11 - ولا يمكن القول بأن مؤسسات الحكم الذاتي تعني مجالس البلديات والمجالس المحلية في القرى لأن هذه إنما أنشئت في فلسطين وفقًا للمادة الثالثة من صك الانتداب القائلة بأن على الدولة المنتدبة أن تشجع بقدر ما تسمح الأحوال بذلك الاستقلال المحلي. 12 - ومما تجب ملاحظته هنا أن عبارة الحقوق المدنية والدينية قد وردت بفقرة واحدة في المادة الثانية مع عبارة مؤسسات الحكم الذاتي وهذا يدل على أن هذين الشيئين مربوطان معًا وأنه يجب ترقية هذه المؤسسات لأجل ضمان الحقوق المشار إليها لأنه لا يتسنى لأحد المحافظة على هذه الحقوق بدونها ويستحيل حقًا على أية حكومة أجنبية مهما كانت راقية أن تعرف احتياجات الأهالي فتسن ما يلزمهم من القوانين وتحسن إدارة البلاد والفصل في قضاياها بصورة تضمن حقوق الأهالي. 13 - والوكالة اليهودية تزعم أن التزامات الحكومة الإنجليزية المتعلقة بالعرب ليس لها نفس الاعتبار الذي للالتزامات المتعلقة باليهود. لأن وضعية هذه الحكومة بالنسبة إلى تلك الالتزامات على زعمهم هي المحافظة على الشيء الموجود بخلاف الالتزام الثاني الذي يلزمها القيام بأعمال معينة في صك الانتداب. إن المادة (11) من هذا الصك تنص على ما يلي: " على الحكومة الإنجليزية أن تتخذ جميع الوسائل اللازمة لصون مصالح الجمهور بكل ما له علاقة بترقية البلاد وعليها أيضًا أن توجد نظامًا للأراضي يلائم احتياجات البلاد ناظرة فيما تنظر فيه إلى الرغبة في زيادة حشد السكان في الأراضي وتكثيف الزراعة ". ويتضح جليًا من هذا أن الحكومة ملزمة بالمحافظة لا على ما هو موجود في البلاد فقط بل عليها أن تعني أيضًا بكل ماله علاقة بترقيتها وعليها أيضًا أن تعني بترقية الزراعة وإقطاع أراضٍ زراعية للعرب الذين ليس لهم أراضِ في البلاد. 14 - وفضلاً عن ذلك فإن المادة السادسة من صك الانتداب ألزمت الحكومة الإنجليزية بالمحافظة على حقوق العرب ووضعيتهم باعتبارهم أمة فعليها أن تحظر انتقال أية أرض عربية لليهود إذا كان هذا الانتقال مجحفًا بهذه الحقوق والوضعية. ومن السفسطة التي لا مثيل لها قول الوكالة إن المقصود من عبارة " وضعية العرب " المنصوص عليها في هذه المادة هي الوضعية السياسية وإذن فالمادة على زعمهم تعني محافظة الحكومة على وضعية العرب السياسية ولو فقدوا كيانهم الاجتماعي والاقتصادي من جَرَّاء المهاجرة اليهودية واستيلاء اليهود على أراضي البلاد. 15 - اجتهدت الحكومة الإنجليزية في الكتاب الأبيض الأخير أن تدحض ادعاءات اليهود من هذه الوجهة وأن تنفي كون الفقرات المتعلقة بالوطن القومي اليهودي هي الأساس الرئيسي لصك الانتداب وكون الفقرات التي ترمي إلى صيانة مصالح غير اليهود إنما هي اعتبارات ثانوية تقيد نوعًا ما يدعى بأنه القصد الرئيسي الذي وضع صك الانتداب لأجله ولقد توصلت بنتيجة استقرائها مواد " صك الانتداب " إلى الأمرين الآتيين: ( أ ) إن الالتزامات المثبتة في صك الانتداب بشأن فريقي السكان لهي ذات قوة متساوية. (ب) إن الالتزامين المفروضين على الدولة المنتدبة ليسا بأي وجه كان مما لا يمكن التوفيق بينهما. 16 - بيد أنه ليس من المستطاع أن نقول إن ذينك الالتزامين بشأن تأسيس الوطن القومي اليهودي وحماية مصالح العرب في فلسطين هما في درجة متساوية لأن الالتزام بتسهيل تأسيس الوطن القومي اليهودي مشروط فيه عدم الإضرار والإجحاف بمصالح العرب ووضعيتهم. وقد يكفينا لإثبات هذا أن نورد هنا المادة السادسة من صك الانتداب. " على حكومة فلسطين، مع ضمان عدم إلحاق الضرر بحقوق ووضعية الجماعات الأخرى أن تسهل الهجرة اليهودية في أحوال وشروط مناسبة وأن تشجع بمعونة الوكالة اليهودية المشار إليها في المادة الرابعة حشد اليهود في أراضي البلاد ومن جملتها أراضي الحكومة والأراضي الموات غير المطلوبة للمشاريع العامة ". فالالتزام بتأسيس الوطن القومي اليهودي مقيد إذن بعدم إلحاق الضرر بالعرب ووضعيتهم الذي هو مطلق وغير مقيد بأي شرط كان. فإذا ظهر أن تأسيس الوطن القومي اليهودي يعارضه هذه المصالح والوضعية وجب أن يسقط حينئذٍ حتمًا. 17 - إن اللجنة التنفيذية لا توافق أيضًا الحكومة الإنجليزية على قولها إن هذين الالتزامين ليس بأي وجه كان مما لا يمكن التوفيق بينهما. فإن لدى اللجنة ما يدعو إلى الاعتقاد الجازم باستحالة التوفيق بين هذين الالتزامين فضلاً عن كون تأسيس الوطن القومي اليهودي في فلسطين يحول دون تمتع العرب بالحقوق السياسية التي يتمتع بها إخوانهم في العراق وسورية وشرق الأردن فقد ثبت أنه ضربة قاضية على حياة البلاد الاقتصادية والاجتماعية. وإذا كان في الاستطاعة القول بكل جزم إنه لا يوجد في فلسطين أرض ميسورة للمزارعين من المهاجرين الجدد كما قرر الكتاب الأبيض الأخير وكان الوطن القومي اليهودي لا يؤسس بدون أراضٍ ولا رجال كما أشار إلى ذلك الدكتور حاييم وايزمان رئيس الوكالة اليهودية في كتابه المشار إليه آنفًا فلنا أن نقول إذن بصورة جازمة إنه لا يمكن التوفيق بين الالتزامين المذكورين. وإن الحكومة الإنجليزية نفسها اضطرت بعد قولها بإمكان التوفيق بين هذين الالتزامين إلى الاعتراف بأن موقفها بينهما شاق ودقيق جدًا وأنها لا تأمل النجاح إلا إذا رغب زعماء العرب واليهود في التعاون عن طيب خاطر مع إدارة فلسطين والحكومة الإنجليزية، وأن لها في هذا الصدد اعترافًا هو تأييد لهذا القول: ومع ذلك فمن الضروري في هذا الصدد إيضاح مسألة واحدة هي من الأهمية بمكان ذلك أنه في الأحوال الخاصة بفلسطين لا يمكن لأية سياسة مهما كانت نيرة جلية أو مهما بذل من جهد في سبيل تنفيذها أن يقيض لها النجاح ما لم تنل التأييد من جميع هذه الجماعات التي وضعت لمنفعتها وخيرها ليس بقبولها فقط بل بتعاونها عن طيب خاطر. 18 - إن اللجنة التنفيذية تصرح هنا حالاً باستحالة تأييد مختلف الجماعات في فلسطين للسياسة المشار إليها. إن الصهيونيين لا يستطيعون أن يؤيدوا فعلاً هذه السياسة للسبب الآتي: وهو أن الصهيونيين معتدلين كانوا أم متطرفين يرمون جميعًا إلى غاية إيجاد أكثرية يهودية في فلسطين على الأقل ولا يمكنهم أن يفهموا وطنًا قوميًا لا يتضمن هذه الغاية فلو قضي عليهم بالبقاء أقلية في فلسطين ما اختلفت حالتهم فيها، بزعمهم عما هم في البلاد الأخرى التي هم فيها أقلية أيضًا. فما يرمون إليه إذن هو أن يكون لهم في فلسطين وطن قومي يكون فيه للستة عشر مليونًا من اليهود المنتشرين في أقطار العالم أكثرية وبالتالي سيادة قومية. ولما نشرت الحكومة الإنجليزية هذه المرة الكتاب الأبيض الذي أشارت فيه إلى تحديد المهاجرة اليهودية وشراء الأراضي اضطروا أن يظهروا نياتهم وأغراضهم بشأن فلسطين وقاموا بدعاية هائلة ضد هذا الكتاب الذي من شأنه أن يحول دون مطامعهم الاستعمارية. فبينما كان جواب الدكتور حاييم وايزمان رئيس الوكالة اليهودية على الكتاب الأبيض الصادر في سنة 1922 للمستر تشرشل وزير المستعمرات حينئذٍ التأكيد بالعمل بمقتضى هذا الكتاب الذي لا يعارض رغائب جمعيته التي كانت في جميع الأوقات ترغب من صميم فؤادها في أن تتعاون مع جميع طبقات السكان في فلسطين وتمقت كل المقت الإجحاف لأدنى درجة بحقوق الأهالي غير اليهود المدنية أو الدينية أو بمصالحهم المادية فإننا نرى اليوم هذا الرجل نفسه يجيب اللورد باسفيلد عن كتابه الأبيض باستقالته من رئاسة الوكالة اليهودية كما أننا رأينا العالم الصهيوني يملأ الأرض صراخًا وعويلاً احتجاجًا على هذا الكتاب بالرغم من عدم وجود أي اختلاف في المبادئ الواردة في الكتابين القديم والجديد. إن السبب في موقفي الدكتور حاييم وايزمان المتناقضين تجاه هذين الكتابين بسيط جدًا فالصهيونيون كانوا يشعرون حينما صدر الكتاب الأبيض في سنة 1922 بأن الحكومة الإنجليزية على وفاق معهم في كون المهم في الأمر هو تأسيس الوطن القومي اليهودي ولو أضر ذلك بالعرب وإن المبادئ المثبتة في هذا الكتاب لن يعمل بها إلا على هذا الأساس ولقد زعموا أن الحكومة الإنجليزية نفسها لم تأتِ إلى فلسطين إلا لأجل القيام بهذه المهمة وأنه ليس لوجودها في فلسطين سبب آخر. واعتقدوا لذلك بأن الكتاب الأبيض المشار إليه من شأنه أن يزيد وضعيتهم السياسية تثبيتًا وتمكينًا. أما الكتاب الأبيض الجديد فإنه يختلف في نظرهم عن الكتاب السابق ليس في المبادئ التي بنت عليها الحكومة الإنجليزية خطتها السياسية الجديدة ولكن بكيفية تنفيذ هذه المبادئ. ومن المفيد أن نورد في هذا الصدد تصريحات المستر هاري ساكر أمام لجنة شو: لرئيس شو: يوجد في صك الانتداب ذكر الأمرين: تأسيس الوطن القومي اليهودي والمحافظة على حقوق العرب المدنية والدينية فإذا تعارض هذان الأمران. أيهما يسقط؟ المستر ساكر: لا أعتقد أنهما يتعارضان. الرئيس شو: ولكن افرض أنهما تعارضا مرة، خصوصًا وأنه يمكن أن يحصل ذلك في نواحٍ عديدة؟ المستر ساكر: إني لا أرى أنهما يتعارضان ولا يمكن أن يتعارضا. الرئيس شو: لأضرب لك مثلاً: إذا تم تأسيس الوطن القومي كما نظن أنه سيتم، فيمكن ألا يتم إلا باستيلاء اليهود على جميع أراضي السكان الحاليين. وهذا يلحق طبعًا بهؤلاء السكان ضررًا باعتبارهم أمة فإذا فرضنا إمكان وقوع هذا الحادث فأي من هذين التعهدين يجب أن يسقط حينئذٍ، أتأسيس الوطن القومي اليهودي أم المحافظة على حقوق الأهالي؟ المستر ساكر: ترغبون في معرفة وجهة نظري؟ الرئيس شو: يوجد احتمال تعارض هذين الأمرين دائمًا بصورة من الصور ولا أعلم كيف يقع ذلك. ولكن توجد احتمالات عديدة في وقوع تعارض بينهما، والذي أرغب في معرفته هو إذا وقع تعارض مثل هذا فأي التعهدين يعتبر الأول؟ المستر ساكر: من الصعب جدًا القول أي التعهدين هو الأول حسب " صك الانتداب " ولكن فيما يختص بي فإني أرى أن التعهد الأول، وفاقًا لهذا الصك، هو إيجاد الوطن القومي اليهودي. الرئيس شو: وهذا الذي كنت فهمته منك. ولكن على فرض صحة وجهة نظرك هذه بالنسبة إلى أحكام " صك الانتداب " ألا تعتقد أن ذلك يكون مخالفًا لوعد بلفور الذي نص على أنه لا يعمل شيء في هذا الشأن يكون من شأنه إلحاق ضرر ما بحقوق الأهالي. فالاعتبار الأول في هذا الوعد إذن ليس لتأسيس الوطن القومي اليهودي. ولكن الوطن القومي هذا يجب أن يؤسس بصورة لا تضر بحقوق الأهالي. إني أسألك هذا بصفتك محاميًا. المستر ساكر: إذا كنت تسألني ذلك بصفتي محاميًا، فإني أعترف بصعوبة المسألة. الرئيس شو: ما هي وجهة نظر الجمعية الصهيونية في هذه المسألة الحقوقية؟ المستر ساكر: لا أعلم فيما إذا كانت هذه المسألة عرضت على الجمعية الصهيونية بالصورة التي هي موضوع البحث الآن. الرئيس شو: أظن أنه لابد أن تكون هذه المسألة قد كانت موضوع البحث كثيرًا في الجمعية الصهيونية وأرى أنكم تعتقدون أن الالتزام الأول هو تأسيس الوطن القومي اليهودي وأنه إذا تعارض هذا الالتزام الثاني وهو المحافظة على حقوق الأهالي فإن هذا الالتزام هو الذي يجب أن يسقط أليس هذا هو وجهة نظر الجمعية الصهيونية؟ لرئيس شو: يوجد في صك الانتداب ذكر الأمرين: تأسيس الوطن القومي اليهودي والمحافظة على حقوق العرب المدنية والدينية فإذا تعارض هذان الأمران. أيهما يسقط؟ المستر ساكر: لا أعتقد أنهما يتعارضان. الرئيس شو: ولكن افرض أنهما تعارضا مرة، خصوصًا وأنه يمكن أن يحصل ذلك في نواحٍ عديدة؟ المستر ساكر: أني لا أرى أنهما يتعارضان ولا يمكن أن يتعارضا. الرئيس شو: لأضرب لك مثلاً: إذا تم تأسيس الوطن القومي كما نظن أنه سيتم، فيمكن ألا يتم إلا باستيلاء اليهود على جميع أراضي السكان الحاليين. وهذا يلحق طبعًا بهؤلاء السكان ضررًا باعتبارهم أمة فإذا فرضنا إمكان وقوع هذا الحادث فأي من هذين التعهدين يجب أن يسقط حينئذٍ، أتأسيس الوطن القومي اليهودي أم المحافظة على حقوق الأهالي؟ المستر ساكر: ترغبون في معرفة وجهة نظري؟ الرئيس شو: يوجد احتمال تعارض هذين الأمرين دائمًا بصورة من الصور ولا أعلم كيف يقع ذلك. ولكن توجد احتمالات عديدة في وقوع تعارض بينهما، والذي أرغب في معرفته هو إذا وقع تعارض مثل هذا فأي التعهدين يعتبر الأول؟ المستر ساكر: من الصعب جدًا القول أي التعهدين هو الأول حسب "صك الانتداب" ولكن فيما يختص بي فإني أرى أن التعهد الأول، وفاقا لهذا الصك، هو إيجاد الوطن القومي اليهودي. الرئيس شو: وهذا الذي كنت فهمته منك. ولكن على فرض صحة وجهة نظرك هذه بالنسبة إلى أحكام "صك الانتداب" ألا تعتقد أن ذلك يكون مخالفًا لوعد بلفور الذي نص على أنه لا يعمل شيء في هذا الشأن يكون من شأنه إلحاق ضرر ما بحقوق الأهالي. فالاعتبار الأول في هذا الوعد إذن ليس لتأسيس الوطن القومي اليهودي. ولكن الوطن القومي هذا يجب أن يؤسس بصورة لا تضر بحقوق الأهالي. إني أسألك هذا بصفتك محاميًا. المستر ساكر: إذا كنت تسألني ذلك بصفتي محاميًا، فإني أعترف بصعوبة المسألة. الرئيس شو: ما هي وجهة نظر الجمعية الصهيونية في هذه المسألة الحقوقية؟ المستر ساكر: لا أعلم فيما إذا كانت هذه المسألة عرضت على الجمعية الصهيونية بالصورة التي هي موضوع البحث الآن. الرئيس شو: أظن أنه لابد أن تكون هذه المسألة قد كانت موضوع البحث كثيرًا في الجمعية الصهيونية وأرى أنكم تعتقدون أن الالتزام الأول هو تأسيس الوطن القومي اليهودي وأنه إذا تعارض هذا الالتزام الثاني وهو المحافظة على حقوق الأهالي فإن هذا الالتزام هو الذي يجب أن يسقط أليس هذا هو وجهة نظر الجمعية الصهيونية؟ المستر ساكر: إني أميل لوجهة النظر هذه. 19 - إن العرب اعتادوا أن يعيشوا بأمان مع اليهود في جميع القرون السالفة وظلوا على وفاق معهم لكل ما فيه مصلحة البلاد وخيرها إلى أن ظهرت مطامعهم السياسية الاستعمارية التي من شأنها بناء قومية يهودية على أنقاض القومية العربية في فلسطين. فالعرب الذين أقاموا في هذه البلاد قرونًا عديدة والذين عاشوا طيلة هذه المدة مع إخوانهم في سورية الشمالية والعراق أمة واحدة ولا يزالون جزءًا منها بالرغم من التقسيمات السياسية لا يستطيعون أن يبقوا على ما كانوا عليه مع اليهود ما دام هؤلاء متمسكين بسياستهم الاستعمارية المشار إليها ومادامت غاياتهم تعارض غايات العرب القومية. ويظهر جليًا من هذا أن العرب لا يمقتون اليهود لكونهم يهودًا ولا يرفضون التعاون معهم لهذا السبب بل إنهم يتقبلون كل سياسة ترمي إلى مصلحة هذه البلاد العربية ونفعها غير أن اللجنة تؤكد أن اليهود الصهيونيين لن يعدلوا عن سياسة ترمي إلى إيجاد أكثرية يهودية في فلسطين الأمر الذي لا يستطيع العرب التسليم به أبدًا. إن العرب لم يعتدوا على أحد وإن غاية ما يتوقون إليه هو المحافظة على كيانهم القومي وإن كل سياسة من شأنها أن تحول دون هذه الغاية لهي سياسة جائرة وإن القائمين بها هم وحدهم مسؤولون عن نتائجها. حقوق العرب بتأسيس الحكومة الوطنية: 20 - بحثت الحكومة الإنجليزية في الكتاب الأبيض الأخير في بعض المواد الواردة في صك الانتداب والتي تحتوي على حقوق العرب في فلسطين وأكدت أنها عازمة على تنفيذها تمامًا في هذه المرة. 21 - إن اللجنة التنفيذية العربية التي رفضت في كل فرصة الموافقة على صك الانتداب لمخالفته للعهود المقطوعة للعرب وللمادة (22) من نظام عصبة الأمم تشكر للحكومة الإنجليزية مع ذلك توخيها في بحثها هذا طمأنة العرب على حقوقهم المادية والدينية. ولكنها تنكر عليها من جهة أخرى إصرارها على عدم البحث في المواد المتعلقة بحقوق العرب السياسية. فصك الانتداب يحتم مثلاً على الحكومة الإنجليزية تأسيس حكومة وطنية في فلسطين حالاً: ( أ ) إن كلمة الانتداب تفرض وجود دولة منتدبة وحكومة منتدب عليها ولا يوجد في فلسطين أثر لهذه الحكومة. (ب) إن المادة (22) من عهد عصبة الأمم التي هي الأساس الرئيسي لصك الانتداب تحتم وجود دولة مرشدة غير أن هذه الدولة لم تخلق بعد. (ج) إن الفقرة الأخيرة من المادة الثانية من صك الانتداب ألزمت الدولة المنتدبة بوضع البلاد في حالات اقتصادية وإدارية وسياسية يسهل معها ترقية الحكم الذاتي. فالحكم الذاتي الذي يتألف من السلطات التشريعية والإدارية والقضائية ليس له أي وجود بعد في فلسطين. (د) إن مواد صك الانتداب كلها تبحث في واجبات حكومة فلسطين وعلاقاتها بالحكومة الإنجليزية ولكن حكومة فلسطين هذه لم تولد بعد فالحكومة الإنجليزية قائمة اليوم مقام الحكومة المنتدبة والحكومة المنتدب عليها معًا. 22 - جاء في الكتاب الأبيض الأخير ما يلي: " كما أنه من العبث أيضًا من الجهة الثانية للزعماء العرب أن يصروا على مطالبهم بوضع نوع من الدستور يجعل قيام حكومة جلالته بالتعهد ذي الشقين المشار إليه آنفًا في حكم المستحيل ". إن اللجنة لا توافق الحكومة الإنجليزية على هذا الرأي، ولا تقرها على أن العرب يصرون عبثًا على المطالبة بحقوقهم الأساسية. لم ترَ اللجنة الحكومة الفرنسية في سورية ولا الحكومة الإنجليزية في العراق، تتخذان العهود الدولية، حجة لحرمان أهالي هذه البلاد من تمتعهم بحكومات وطنية ومجالس نيابية. ففرنسا التي مازال الشرقيون يرون من سياستها الاستعمارية ما يرون، لم تهضم شيئًا من حقوق البلاد التي انتدبت إليها، بالنسبة إلى الحقوق التي حرم الإنجليز العرب منها في فلسطين. احتلت الحكومة الإنجليزية هذه البلاد، وأدارتها في الثلاث عشرة سنة التي خلت، إدارة مباشرة، لا يجهل أحد ما كان لها من سوء تأثير وأعمال غاشمة. ولقد كنا نميل إلى الاعتقاد أن الحكومة الإنجليزية التي عرفت بالاختبار خطل هذه السياسة واطلعت على ما نجم من أضرار لن تلبث أن تغير سياستها في هذه البلاد تغييرًا أساسيًا. 23 - فاللجنة رأت اليوم، مع الأسف، أن الحكومة الإنجليزية لن تغير شيئًا من شكل الإدارة السابقة، وغاية ما هنالك أنها ظلت واقفة عند اقتراحها بتأسيس المجلس التشريعي الذي عرضته منذ ثماني سنوات. وإن حجة الحكومة الإنكليزية في ذلك هي، كما قلنا سابقًا، خشيتها ألا تستطيع القيام بما تسميه " التزاماتها الدولية " تجاه عصبة الأمم إذا هي رفضت بالموافقة على تمتع العرب بحقوقهم السياسية. ولكن الحكومة الإنكليزية قد عهدت إلى المندوب السامي في فلسطين وحده في أمر القيام بهذه الالتزامات. فلقد ورد في " الكتاب الأبيض " تحت فصل " التطورات الدستورية " نص خاص بذلك: .. وسيبقى المندوب السامي متمتعًا بالصلاحية الضرورية التي تمكن الدولة المنتدبة من القيام بالالتزامات المترتبة عليها إزاء عصبة الأمم ومن ذلك صلاحية وضع أي تشريع تقتضيه الحاجة الماسة وتوطيد النظام. فالسلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية، كل هذه السلطات التي تتكون منها حكومة فلسطين ليس لها إذًا أي علاقة بهذه الالتزامات وفقًا لهذا النص إذ أن أمر القيام بها منوط بالمندوب السامي وحده. فإذا كانت الحالة هي هذه فما معنى إصرار الحكومة الإنجليزية إذن على حرمان الفلسطينيين من تأسيس حكومة مسؤولة لدى مجلس نيابي؟ إن اللجنة تعتقد أن مشروع المجلس التشريعي المقترح في الكتاب الأبيض ناقص ولا يوافق رغبات الأمة وأمانيها وهي من أجل هذا ترى لزامًا عليها أن تستمر على المطالبة بحقوق الأمة إلى أن تتحقق تلك الأماني والرغبات كاملة. 24 - تؤكد اللجنة التنفيذية على نور التجربة الطويلة أن هذه البلاد لن يقيض لها أن تعيش بسعادة مادامت تحكم بواسطة إدارة إنجليزية صرفة. واللجنة تعتقد أن الحالة في فلسطين لن تتحسن من الوجهتين الاقتصادية وتوطيد النظام مادامت الحكومة الإنجليزية لا تعدل عن سياستها الحاضرة ولا توافق على إدارة فلسطين بواسطة أهلها؛ ذلك لأن نتيجة الاختبار ليس في فلسطين فقط ولكن في جميع العالم أثبتت أن البلاد لا تترقى ويستتب الأمن فيها إلا بواسطة أهلها فشرق الأردن ما كانت لتحصل على الأمن الذي نشاهدها تتمتع في نعيمه اليوم لو لم يسلم أمر إدارتها إلى أهلها العرب. إن البلاد المقدسة لم تكن تعرف قبل الاحتلال البريطاني الثورات والاضطرابات التي أصبحت تهددها اليوم بصورة دائمة فالحكومة الإنجليزية لم تر مندوحة من أن تحتفظ في الوقت الحاضر بفرقتين من المشاة وسربين من الطيارات وأربع فرق من السيارات المصفحة وأن تقوي فرقتي البوليس البريطاني والفلسطيني وتضع مشروعًا للدفاع عن المستعمرات اليهودية كما أنها ترغب في أن تتخذ وسائل أخرى كثيرة في هذا الشأن. واللجنة تؤكد أن سياسة تقوم على الحديد والنار لن تكون عاقبتها إلا الفشل؛ لأن دعائم السلام لا تقوم إلا على أسس العدل والإنصاف. أما السياسة المؤسسة على الإرهاب إذا نجحت يومًا فإنها لا محالة فاشلة في يوم آخر ففلسطين بلاد فقيرة، وقد ازدادت فقرًا وبؤسًا منذ الاحتلال البريطاني وثبت فوق ذلك أن الضريبة التي يدفعها الفلسطيني فادحة جدًا وأن السياسة الصهيونية كانت العمل الأساسي في تضخم ميزانية الحكومة وأن ميزانية البوليس وحدها تبتلع مبلغًا كبيرًا من هذه الميزانية. وليس من الإنصاف والعدل في شيء أن تلجأ الحكومة لأجل تطبيق السياسة الصهيونية وتأسيس الوطن القومي اليهودي كما أشارت إلى ذلك في الكتاب الأبيض إلى زيادة الطيارات والجند والبوليس فتصبح هذه الميزانية أكثر ضخامة وأشد بلاء على هذه الأمة التعسة الحظ من ذي قبل. وقد اعترفت الحكومة الإنجليزية بهذه الحقيقة المرة على الكيفية الآتية: " وقد وقع على كاهل مالية فلسطين عبء ثقيل من جَرَّاء الضرورة التي دعت إلى زيادة قوات الأمن العام زيادة كبرى. إلا أن هذه الزيادة اعتبرت ضرورية في نور الحوادث التي وقعت في خريف سنة 1929، وليس في الاستطاعة التنبؤ بالزمن الذي يمكن فيه تخفيض النفقات في هذا الباب بدون خطر. إذ أن ذلك التخفيض يجب أن يتوقف لدرجة كبرى على نجاح هذه السياسة الجديدة وعلى تحسين العلاقات المتبادلة بين العرب واليهود ذلك التحسين الذي تأمل حكومة جلالته أن يكون إحدى نتائج تلك السياسة. ولكن وعد بلفور الذي يمقته العرب كل المقت لم يفرض على الحكومة الإنجليزية تأسيس الوطن القومي اليهودي بالقوة لأن كل ما ورد في هذا الوعد هو كتابة عن أن الحكومة البريطانية تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين وأن تبذل أحسن مجهوداتها في سبيل تسهيل الوصول إلى هذه الغاية" لا سيما أن هذه الحكومة لم تُعْطِ هذا الوعد إلا بعد أن أكدت أنها " لن تعمل شيئًا في هذا السبيل يكون من شأنه إلحاق الضرر بالحقوق المدنية أو الدينية التي للجماعات غير اليهودية في فلسطين ". فاللجنة تؤكد لذلك أنه يوجد في تذرع الحكومة الإنكليزية بالقوة من جهة وبإرهاق العرب بالضرائب الفادحة من جهة أخرى لتأسيس الوطن القومي اليهودي مخالفة لوعد بلفور نفسه. حسن من الحكومة الانكليزية أن تعمل قبل كل شيء على توطيد أركان السلام، لكن الأحسن أن تلتزم اليهود، في سبيل هذه الغاية ليس فقط بالتنازل من جهتهم عن التصورات الاستقلالية الانفصالية التي أخذت تنشأ في بعض الدوائر فيما يتعلق بالوطن القومي اليهودي، بل بالعدول عن كل سياسة تعارض حقوق العرب القومية مما يضمن بقاء البلاد المقدسة مركزًا للسلام العام. السواحل: - ورد في الشهادات التي أديت أمام لجنة شو، وثبت من التحقيق الذي قام به المستر فولكاني، المهندس الزراعي اليهودي، وهو لا يتهم طبعًا بمحاباته للعرب، أن القسم من هذه السواحل الصالح لزراعة البرتقال، وهى أغنى أراضي فلسطين قاطبة، يتراوح بين 220.000 و 250.000 دونم وأن اليهود استولوا على ما يزيد عن 200 ألف دونم من هذه الأراضي حتى الآن. وفضلاً عن ذلك فإن القسم الأكبر منها يملكه صندوق المال الوطني اليهودي باسم جميع يهود العالم. وأصبح العربي لا يأمل أن يستفيد منها يومًا ما، لا بالإيجار ولا بالشراء. إن العرب كانوا يملكون قبل الاحتلال البريطاني جميع الأراضي، وكانوا يزرعونها كلها برتقالاً وبطيخًا، ولكن زراعة البطيخ أصبحت نادرة بسبب ضياع القسم الأوفر من هذه الأراضي. مرج بني عامر وسهل عكا: - استولى اليهود على معظم مرج بني عامر وعلى السهل الواقع بين حيفا وعكا في سنة 1925 ويجدر بالذكر أن السهل الثاني الذي هو أصغر مساحة من سهل مرج بنى عامر هو وحده أكبر من كل السهول الباقية للعرب. وكان العرب يزرعون هذين السهلين سمسمًا وذرة في موسم الصيف وهذان النوعان من الزراعة يأتيان رأسًا بعد زراعة البرتقال والبطيخ من حيث القيمة والفائدة. فالعرب قد خسروا هذا النوع من الزراعة بسبب فقدهم هذه السهول وأصبح الفلاح العربي مهددًا بقضاء الموسم الصيفي بلا عمل. - لابد للجنة هنا من أن تشكر السرجون هوب سمبسون الذي كذب بصورة قاطعة ادعاء الصهيونيين، ومنهم السر هربرت صموئيل، بأن اليهود قد جعلوا هذا السهل جنة عدن بعد أن كان خرابًا. فلقد ثبت من الشهادات الواردة أمام لجنة شو ومن التحقيق الذي قام به السرجون هوب سمبسون أن العرب كانوا يزرعون هذا السهل بصورة أوفى من اليهود. الحولة: - تتصرف بهذا الحقل الخصيب شركة سورية، بمقتضى الامتياز الذي كان قد منح لها في زمن الحكم التركي. واللجنة توافق على اقتراح السير جون هوب سمبسون القائل بتملك هذا الحقل من قبل الحكومة على أن يقطع بعد ذلك للفلاح العربي. - ورد في المادة السادسة من صك الانتداب ضرورة تشجيع حشد اليهود في الأراضي، بما فيها أراضي الحكومة. ويظهر أن واضع هذا الصك كان يظن أن الحكومة التركية تملك مساحات شاسعة من الأراضي خالية من السكان، وأنه من الممكن منحها للجمعية اليهودية ليستعمرها مهاجرو اليهود. إن تلك الأراضي التي قيل إنها ملك الحكومة هي، بالحقيقة، كناية عن أراضٍ يملكها المتصرفون الحاليون منذ القديم، وقد سجلت باسم الحكومة بفضل الأنظمة الاستبدادية التي كانت تشن في العهد التركي وبرغبة السلطان عبد الحميد في تملك أراضي في البلاد المقدسة. وإن الحكومة التركية التي كانت تعلم حقيقة الأمر لم تحاول مرة واحدة إخراج أحد أولئك المتصرفين من تلك الأراضي. وعلى فرض أن الحكومة التركية تملكت الأراضي المذكورة بمسوغ مشروع، فليس من شريعة سماوية أو موضوعة تجيز أن يهب أجنبي ملك غيره لأجنبي آخر وأن يخرج منها أصحابها الشرعيين. ويظهر أن السير هربرت صموئيل الذي لا يتهم بمحاباته للعرب قد أدرك هذه الحقيقة فاعترف بها في تقريره الرسمي عن إدارة فلسطين لسنتي 1920 - 1925، حيث قال: " جاء في المادة السادسة من صك الانتداب لفلسطين أن على الحكومة مع ضمان عدم إلحاق الضرر بحقوق ووضعية الجماعات الأخرى، أن تسهل المهاجرة اليهودية في أحوال وشروط مناسبة وتشجع حشد اليهود في الأراضي، ومن جملتها أراضي الحكومة وأراضي الموات غير المطلوبة للمشاريع العامة، إلا أنه لم يكن من المستطاع تنفيذ القسم الأخير من هذه المادة لأن أغلب أراضي الحكومة يتصرف بها العرب ولا يمكن انتقالها إلى غيرهم بدون إلحاق الضرر بهم وبدون مس هذه المادة التي وضعت للمحافظة على حقوقهم. ومعظم الأراضي الأخرى إما صخرية أو لا ماء فيها. وكل محاولة لإسكان اليهود فيها تكون مجلبة للكوارث ". وقد اعترف في مكان آخر بأن " أراضي بيسان، وإن كانت انتقلت ملكيتها بمقتضى القانون العثماني إلى الحكومة قد كان للزراع العرب حق معنوي قوي لاستمرارهم على التصرف بها، مما اضطر إلى الاعتراف بهذا الحق ". فأراضي الحولة، هي كأراضي بيسان، يزرعها العرب من قديم ولهم فيها حقوق معنوية قوية. وليس هنالك ما يسوغ، بأي وجه كان إخراجهم منها، لأجل إسكان مهاجري بولونية وروسية وغيرهم فيها. أما أراضي الموات المذكورة في المادة السادسة المشار إليها، فهذه كناية عن أراضٍ حجرية أو جبلية لا يملكها أحد، وإن قانون الأراضي العثماني الصادر في سنة 1274 هـ (1857م) بحث فيها لوجود أراضٍ من نوعها في المملكة العثمانية. إن المادة (103) من هذا القانون لا تعد أرضًا مواتًا، إلا إذا، اجتمعت فيها الأوصاف الآتية: 1 - أن تكون بعيدة عن أقاصي العمران لحد لا يسمع منه صوت الشخص الجهوري. 2 - أن تكون غامرة كالصخر أو الوعر أو ما شابه ذلك. 3 - ألا تكون ملكا لأحد. 4 - أن تكون مخصصة لمنفعة بعض المدن والقرى. فيكاد يستحيل وجود أراضٍ في فلسطين تتوفر فيها هذه الأوصاف. ذلك لأن هذه البلاد مقسمة إلى قرى يحد بعضها بعضًا دون أن يكون هنالك فاصل ما بين حدود قرية وأخرى، وأن جميع قرى فلسطين يملكها أهلها، بما فيها من جبل ووعر. فالحكومة العثمانية التي كانت تعرف هذه الحقائق، ألزمت مأموري الأراضي بإعطاء وثائق رسمية - سندات طابو – لأصحاب الأراضي لتقوم دليلاً على ملكيتهم لها. وقد طاف هؤلاء المأمورون البلاد منذ خمسين سنة وقيدوا قسمًا من الأراضي في سجلاتهم وأعطوا أصحابها " سندات طابو " حسب إشارة الخبيرين بأحوال القرى، غير أن قسمًا كبيرًا من الأراضي بقي بدون تسجيل. غير أن ذلك ما كان ليضر أحدًا؛ لأن الحكومة العثمانية لم تحاول مرة أن تحظر على أحد أن يتصرف في أراضيه، بحجة عدم حصوله على " سند طابو " يشعر بملكيته لهذه الأراضي. وفضلاً عن ذلك فلقد كانت تشجع الأهالي على زرع الأراضي التي لا مالك لها وتمنحها لهم مجانًا أو لقاء دفع مبلغ جزئي من المال. وقد دامت الحال على هذا المنوال إلى أن تأسست حكومة السر هربرت صموئيل. فهذه الحكومة التي كانت مسؤولة عن " إيجاد نظام للأراضي يلائم احتياجات الأهالي. وفقًا للمادة 11 من صك الانتداب قد سلبت، بقوانين وضعتها لغايات سياسية ما كان للأهالي من حقوق زراعية، في عهد الحكم العثماني. فالسر هربرت صموئيل لم يضع هذا الخمر الجديد في زق جديد " كما أشار إلى ذلك في تقريره الرسمي عن سياسة فلسطين في سنتي 1920 - 1925 ولكنه أراق ما كان في زقنا القديم من خمر عتيق جيد، دون أن يعوض البلاد بما هو أطيب منه. إن المادة (103) من قانون الأراضي العثماني تخول كل إنسان زراعة أية أرض موات، وتلزم مأمور الأراضي بتسجيلها له مجانًا، إذا هو زرعها بإذن منه أو مقابل مبلغ قليل من المال، إذا زرعها بدون إذن. ففي سنة 1921 أصدر السر هربرت صموئيل أمرًا بإلغاء هذه المادة وحظر على أي كان زرع أرض غامرة وعرض المخالف للمحاكمة والعقاب. ولم تكتفِ الحكومة بهذا، إذ أنها حاولت الاستيلاء على الأراضي المتروكة منذ القديم لمنفعة أهالي القرى، كما أنها استولت حتى الآن على مليون ونصف مليون دونم ونيف من الأراضي لتجعلها إخراجًا وقد سجلت نصف هذه الأراضي باسمها وأنها تحاول الآن تسجيل الباقي. إن إدارة فلسطين لم تكن تجهل أن جميع أصحاب الأراضي في فلسطين لم يسجلوا، في زمن الحكم العثماني، أراضيهم كلها. فلقد كان الكثيرون منهم يكتفون بزراعة أراضيهم ويعدون تصرفهم القديم فيها عنوانًا ثابتًا لملكيتهم، فلقد خسر بعض هؤلاء أراضيهم وأصبح الباقون مهددين بالالتحاق بطبقة المزارعين العاطلين الذين لا أرض لهم. إن اللجنة، لا تنسب هذا الظلم الفادح الذي ابتلي به العرب إلى سياسة الحكومة الإنكليزية بصورة مباشرة، ولكنها لا تقدر من جهة أخرى إلا أن تعدها مسؤولة عن كل ما أصاب البلاد من بلاء في هذا الشأن فإنها هي التي أناطت مراقبة الأراضي في فلسطين بصهيونيين، يسيطرون على دوائر الأراضي يسيرونها حسب رغائب الصهيونيين، ولهؤلاء الصهيونيين محام من جنسهم يتعاونون معه على حل المسائل القانونية العويصة. وهذا المحامي هو النائب العام لحكومة فلسطين. إن اللجنة التنفيذية كانت قد احتجت في حينه على هذه الأنظمة وهذه الأعمال، لا سيما على إناطة مراقبة الأراضي بصهيونيين يصرفون همتهم وغيرتهم في سبيل استيلاء اليهود على أراضي البلاد. ولا يسع اللجنة إلا أن تكرر بهذه المناسبة احتجاجها الشديد على نظام الأراضي الحاضر وتولية الصهيونيين لتنفيذه، وتصر اللجنة على طلب تغيير هذه السياسة تغييرًا أساسيًا، لا سيما وقد أثبت تقرير السير جون هوب سمبسون أنه يوجد بين العائلات القروية العربية، التي يبلغ عددها 86.980 عائلة نحو 29.4 في المائة بلا أرض، وأن الأراضي الزراعية الباقية للعرب غير كافية لاحتياجاتهم وأن مواليد العرب تزداد كثيرًا، في كل سنة، عن عدد الوفيات فيها. - ومما هو جدير بالذكر تكذيب الحكومة الإنكليزية في الكتاب الأبيض الأخير، لتبجحهم وقولهم إن الاستعمار الصهيوني كان مفيدًا للجميع في فلسطين، فقد أشارت في هذا الكتاب إلى هذا الأمر المهم، بلباقة: ".. لكنه من الضروري عند البحث في هـذا القسم من المعضلة (تأثير استعمار اليهود في السكان العرب) أن يميز بين الاستعمار الذي تقوم به جمعية الاستعمار اليهودي في فلسطين (المعروفة عمومًا بالبيكا) وبين الاستعمار الواقع تحت إشراف الجمعية الصهيونية..." فإذا ما نظرنا إلى السياسة الماضية التي اتبعتها جمعية " البيكا " نرى أن العرب لم يتضرروا كثيرًا من إنشاء المستعمرات اليهودية. وقد كانت العلاقات حسنة فيما مضى بين أهالي المستعمرات وجيرانهم العرب. أما المحاولات التي قامت لإثبات الادعاء القائل بأن الاستعمار الصهيوني لم يلحق مزارعي الأراضي التي يملكها اليهود بالطبقة التي لا أرض لها، فقد كذبها التحقيق الذي قام به أخيرًا السير جون هوب سمبسون. وإذا علم أن جمعية " البيكا " أسست في العهد العثماني، وأن الأراضي التي تملكتها في البلاد قليلة، ظهر جليًا أن القول بأن الاستعمار الصهيوني كان مفيدًا لجميع أهالي فلسطين، هو افتراض محض، فالعرب لم يستفيدوا من الاستعمار الصهيوني شيئًا قط، بل خسروا كل فائدة من أية أراضٍ استولى عليها صندوق رأس المال المشار إليه. - وفضلاً عن ذلك فقد حرم اليهود العرب من حقوق المزارعة التي خولهم إياها القانون، دون أن تحاول إدارة فلسطين مرة واحدة المحافظة على حقوقهم هذه. ومن ذلك أن اليهود استولوا في سنة 1925 على مرج بني عامر الذي كان يعيش فيه: 1270 مزارعًا عربيًا وقد كان على اليهود أن يقطعوا لكل مزارع فيه أرضًا كافية لمعيشته وفقًا لقانون حماية المزارعين لسنة 1921. ولكن اليهود لم يبالوا بذلك فطردوا من استطاعوا طرده من مزارعي العرب في هذه الأراضي، وخدعوا البعض بإعطائهم مبالغ زهيدة لا تفي بحاجاتهم، وقد لقنوهم درسًا بقتل أحدهم لإصراره على البقاء في الأراضي التي اعتاد هو وآباؤه زرعها منذ القديم. وكذلك كانت الحالة في أراضي وادي الحوارث التي استولى عليها اليهود في سنة 1929 حيث أخرجوا منها المزارعين العرب الذين يعدون بألفي شخص والذين كانوا يزرعون هذه الأراضي هم وآباؤهم من قبل. غير أن ما حل بهؤلاء العرب كان أشد وأفظع مما حل بإخوانهم في مرج بني عامر. إذ أن مزارعي وادي الحوارث لم يخرجوا من أراضيهم إلا بعد أن بطش بهم البوليس، وأسال دماء بعضهم، ولا يزال الكثيرون منهم هائمين في البراري والقفار بدون ملجأ ولا قوت. - فهنا تؤيد اللجنة التنفيذية قول الحكومة الإنكليزية إنه لا يوجد اليوم في فلسطين أية أرض ميسورة لحشد مزارعي اليهود. واللجنة مع ترحيبها بالمشاريع التي عزمت الحكومة على القيام بها لتحسين الزراعة فإنها تعتقد أن هذه المشاريع لا تهيىء لليهود أراضٍ إضافية يمكن للعرب الاستغناء عنها. فلقد ثبت لنا أن العرب لا يملكون أراضي زراعية كافية للقيام بأود معيشتهم، وأنهم في حاجة إلى ما يقرب من مليوني دونم عما يملكونه الآن، وأنه يوجد بعين العائلات القروية 29.4 في المائة بلا أرض. إن احتياج العرب إلى الأرض سوف يزيد كثيرًا عن هذا المقدار في السنين الآتية من جَرَّاء زيادة المواليد على الوفيات في هذه البلاد. فوالحالة هذه لا يكفي ملاحظة احتياج العرب الحاليين إلى الأراضي الزراعية فقط، بل يجب التفكير في مصلحة الأجيال الآتية أيضًا. وإذا لوحظت هذه المسألة، أمكننا أن نقول فورًا إن أساليب الزراعة الجديدة المنوي انتهاجها لتحسين الأراضي حسب توصيات السرجون هوب سمبسون يجب السير عليها لمصلحة السكان العرب الحاليين والآتين معًا في فلسطين لا فردًا فردًا، ولكن المحافظة على حقوق العرب بصفتهم أمة، ولا يلاحظ في حياة الأمة مصلحتها في قرن معين، ولكن في كل القرون. فعلى نور الحقائق الآنفة الذكر يجب تفسير العبارات الآتية التي وردت في الكتاب الأبيض وهي: " إن وجود أراضٍ زائدة لليهود يتوقف على ما يتم من التقدم في زيادة إنتاج الأراضي العامرة.. فباتباع مثل هذه السياسة (التحسين الزراعي) فقط يستطاع حشد مزارعين آخرين من اليهود في الأراضي على وجه موافق للأحكام المثبتة في المادة السادسة من " صك الانتداب " ومثل هذه النتيجة لا تحصل إلا بأعمال تستغرق سنوات عديدة. ولذا فمن حسن حظ الجمعيات اليهودية أن تكون مالكة الآن أراضي واسعة احتياطية لم تسكن ولم تعمر بعد. وعلى ذلك ستمكن استمرار اليهود على عملهم بدون انقطاع ريثما توضع تدابير عمومية أخرى لتحسين الزراعة يستطيع العرب واليهود الاستفادة منها. - والنتيجة الطبيعية التي يستطاع استخراجها من هذه المقدمات هي منع انتقال الأراضي الزراعية من العرب لغير العرب. ولكن اللجنة تأسف أن ترى الحكومة الإنجليزية قد ابتعدت عن القول لهذه النتيجة واتبعت طريقًا لحل معضلة الأراضي، لا تلائم تلك المقدمات. فهي بدلاً من أن تقرر حالاً منع انتقال الأراضي الزراعية من العرب لغيرهم، أناطت مراقبة التصرف بالأراضي بحكومة فلسطين وخولتها القيام بأمر تقديرها. وهذا ما ورد في الكتاب الأبيض. ومع ذلك فمن الواجب بحكم الضرورة، أن تناط مراقبة التصرف في الأراضي بالسلطة القائمة بهذا التحسين، فلا يسمح به إلا متى كان ذلك الانتقال لا يعارض خطط تلك السلطة. وإذا نظرنا إلى مسؤوليات الدولة الإنجليزية ظهر أن هذه السلطة يجب أن تكون إدارة فلسطين ومن هذا النص نستخرج النتيجتين الآتيتين: ( أ ) يستطيع اليهود الاستيلاء على أراضٍ زراعية جديدة، بشرط الحصول على موافقة المندوب السامي لفلسطين. (ب) لا يسمح بانتقال الأراضي بين العربي وأخيه العربي إلا بإذن المندوب السامي. فهاتان النتيجتان لا توافقان المادة (6) من " صك الانتداب " لأن هذه المادة تجعل الحكومة مسؤولة عن حقوق العرب ووضعيتهم تجاه خطر الاستعمار اليهودي. كان على الحكومة الإنجليزية، إذن أن تقرر حالاً وفقًا لهذه المادة، منع أية أرض من العرب إلى اليهود، وليس في هذه المادة من شيء يقيد حرية تصرف العرب فيما بينهم بالأراضي بأي قيد كان، كما أنه لا خطر على حقوق العرب ووضعيتهم من بقاء هذه الحرية. فقد نصت المادة السادسة المذكورة على صون أراضي العرب إزاء اليهود لأن المقصود من ذلك، المحافظة على كيان الأمة العربية؛ فإبقاء حرية التصرف بهذه الأراضي فيما بين العرب لا يؤثر في هذا الكيان. ويلوح للجنة أن عدم تقرير هذا المبدأ حالاً يكون سببا لإيجاد قلاقل جديدة؛ لأن الصهيونيين لن يتركوا حيلة للضغط على المندوب السامي للحصول على ما يلائم غايتهم الاستعمارية في الأراضي الزراعية فتعليق انتقال الأراضي الزراعية لليهود على موافقة المندوب السامي ليس من شأنه، على هذه الصورة، أن يزيل مخاوف العرب. إن حكومة فلسطين السابقة لم تنفذ المبادئ التي قررها " الكتاب الأبيض " الصادر في سنة 1922 لمصلحة العرب، ولا يوجد أي ضمان لهؤلاء بأن حكومات فلسطين اللاحقة سوف تنفذ المبادئ التي قررها لصالحهم " الكتاب الأبيض " الأخير. وليس من الممكن تفسير موقف الحكومة الإنكليزية هذا إلا بما يشاع عن ضعفها تجاه الضغط اليهودي الشديد. ولكن ضعفًا مثل هذا لن يكون مثالاً حسنًا للفلسطينيين. فاللجنة لذلك تلح بإصرار على أن يقرر حالاً مبدأ منع انتقال الأراضي من العرب لغيرهم. وقد بقيت هنا مسألة لم يشر إليها " الكتاب الأبيض " وهي مسألة الديون في فلسطين. فمسألة الديون التي هي معقدة في ذاتها قد أصبحت مخيفة وخطرة في الزمن الحاضر. وليس من ينكر أن للسياسة الصهيونية علاقة كبيرة فيها؛ لأن مزارعي العرب الذين أصبحوا عاجزين عن القيام بأود معيشتهم من جَرَّاء الضرائب الفادحة التي يدفعونها للحكومة اضطروا إلى الالتجاء، بحكم الضرورة، إلى المرابين الذين يقرضونهم المال بفوائد فاحشة جدًا. وقد اضطر بعضهم إلى بيع أراضيهم وفاءً لديونهم المذكورة. ويرزح القسم الغالب من مزراعي العرب اليوم تحت عبء هذه الديون التي لا يستطيعون تسديدها. إذا كانت الحكومة راغبة في تحسين حالة الفلاح، فيتحتم عليها حل معضلة الديون قبل كل شيء. واللجنة تقترح أن تعين الحكومة لجنة خاصة لتصفية هذه الديون على وجه يلائم مصلحة الفلاح العربي. المهاجرة: - جاء في " الكتاب الأبيض " أن الحكومة الإنكليزية بحثت أخيرًا في النظام الذي تتبعه حكومة فلسطين في مراقبة المهاجرة اليهودية ودققت في المسألة من جميع وجوهها، وأنها أوقفت في شهر أيار الماضي الإذن الذي منحته حكومة فلسطين للجنة التنفيذية الصهيونية بإدخال عدد من المهاجرين اليهود للبلاد، وذلك ريثما تظهر نتيجة التحقيق الذي يقوم به السرجون هوب سمبسون في مسائل الأراضي والمهاجرة والبطالة في فلسطين. فالحكومة الإنكليزية توصلت بنتيجة البحث والتدقيق المذكورين إلى الأمور الثلاثة الآتية: ( أ ) إن النظام الذي اتبعته حكومة فلسطين في السنين الماضية لا يوافق أبدًا الخطة السياسية التي أعلنتها الحكومة الإنكليزية في " الكتاب الأبيض " الصادر في سنة 1922. (ب) إن السياسية التي قررها اليهود في مؤتمر زوريخ لم تراع فيها أحكام " صلة الانتداب ". (ج) إن القرار الذي أصدرته في أيار الماضي بشأن وقف الإذن بالهجرة اليهودية كان في محله. - ولكن ما هي الوسائل التي ترغب الحكومة الإنجليزية في التذرع بها لاتقاء الأخطار التي تنشأ حتمًا من سياسة المهاجرة المتبعة في فلسطين والتي ظهر الآن خلطها وفسادها. لم تبين لنا الحكومة الإنكليزية بوضوح هذه الوسائل وإن كل ما صرحت به في " الكتاب الأبيض " هو أنها عزمت على جعل حكومة فلسطين السلطة لفصل كل الأمور السياسية المتعلقة بالمهاجرة. فاللجنة التنفيذية العربية تعلم أن حكومة فلسطين كانت دائمًا هي السلطة الحقيقية التي تفصل بهذه السياسة. والحق أن المهاجرين اليهود الذين يؤمون فلسطين هم على ثلاثة أصناف: الصنف الأول هو المهاجر ذو الوسائل المستقلة والثاني هو المهاجر الذي يستند في معيشته إلى أحد المقيمين في فلسطين، والثالث هو المهاجر العامل والمهاجرون من هذه الأصناف الثلاثة إنما يدخلون تحت إشراف حكومة فلسطين وبإذن منها، على الوجه الآتي: وهو أن مهاجري الصنفين الأولين يبرهنون رأسًا لدائرة المهاجرة على أنهم حائزون على الأوصاف المطلوبة قانونًا. ويسمح لهم إذ ذاك بالدخول إلى فلسطين. وأما مهاجرو الصنف الثالث فيدخلون البلاد، حسبما يأتي: وهو أن اللجنة التنفيذية الصهيونية تطلب من رئيس دائرة المهاجرة في حكومة فلسطين مرتين في السنة، إعطاء إذن لقدر معين من عمال اليهود بالدخول إلى البلاد، بمقتضى جدول تقدمه له، وتبرهن اللجنة المذكورة لرئيس المهاجر المذكور على أن عدد المهاجرين المطلوب إدخالهم، وفقًا للجدول المذكور لا يزيد على مقدرة البلاد الاقتصادية. وهذا الرئيس، وهو يهودي يرفع تواصيه في هذا الشأن، إلى المندوب السامي لفلسطين الذي يقرر بناءً على هذه التواصي، إعطاء الإذن بدخول أولئك المهاجرين أو عدم ذلك. لذلك لم تقدر اللجنة التنفيذية العربية أن تفهم كيف أن الحكومة الإنكليزية ترى لمعالجة المهاجرة اليهودية في المستقبل على وجه لا يضر العرب أن تنيط مراقبة هذه المهاجرة بحكومة فلسطين. وإليك ما جاء في " الكتاب الأبيض ": " بالنظر إلى المسؤولية المترتبة على الدولة المنتدبة، ترى هذه الدولة من الضروري أن تؤمن حكومة فلسطين، وهي الوكيلة عنها السلطة التي تفصل في جميع أمور السياسة المتعلقة بالمهاجرة، وذلك بالنظر إلى الصلة الوثيقة بين هذه المهاجرة وسياسة البطالة والأرض. ولا يمكن حصول أي تحسين في النظام الحاضر ما لم تكن هنالك ثقة بين الحكومة من جهة والوكالة اليهودية من جهة أخرى، في قيام كل منهما بواجباته الخاصة. على أن يلاحظ في ذلك ما تؤثر به نقابة العمال اليهودية في سياسة الوكالة اليهودية ". ويظهر من ذلك أن سلطة الفصل في السياسة المتعلقة بالهجرة بيد حكومة فلسطين وحدها. - فالحكومة الإنكليزية التي اطلعت على خطيئات إدارة فلسطين الماضية في شأن سياسة المهاجرة المذكورة، تصر، إذن، على إبقاء سلطة الفصل في المهاجرة في قبضة هذه الإدارة على أن تتعاون هي والوكالة اليهودية، كما كانت الحالة في السابق وكل ما رأته الحكومة الإنكليزية من علاج شافٍ في هذا الباب هو إسداء النصائح للوكالة بأن تحافظ على واجباتها السياسية وأن تتخلص من نفوذ نقابة العمال اليهودية، حينما تتعاون هي وحكومة فلسطين على تنفيذ سياسة الهجرة اليهودية. فاللجنة التنفيذية العربية لا ترى في هذا العلاج ما يخفف من مضار سياسة المهاجرة التي اتبعت 50 - وزيادة على ذلك، لا فرق بين سياسة الوكالة اليهودية وسياسة نقابة العمال المذكورة التي بنيت على أسس سياسية خطرة. فالحكومة الإنكليزية لا تجهل أن قسمًا كبيرًا من أعضاء مؤتمر زوريخ ينتمي إلى هذه النقابة، وأن هذا المؤتمر الذي تسير الوكالة اليهودية على سياسته، كان قرر، فيما قرر، ما يأتي: ( أ ) يرحب المؤتمر الصهيوني السادس عشر بإنعاش المهاجرة إنعاشًا يفسح المجال لهجرة مستمرة زائدة وينفخ في الشعب اليهودي في فلسطين وفي الحركة الصهيونية العالمية روحًا قوية. والمؤتمر يعرب، في الوقت نفسه، عن أسفه الشديد لعدم استواء مدى المهاجرة حتى الآن مع احتياجات اليهود وما فيهم من قوى كاملة على العمل، ولأن ما وضع من العراقيل والقيود التي لا مبرر لها في سير الهجرة، قد سبب فقدان أشغال كثيرة للعامل اليهودي في أرض إسرائيل. (كذا) (ب) يدون المؤتمر السادس عشر أن مجال العمل الذي فتح حديثًا في فلسطين يمكن من توسيع المهاجرة في السنة القادمة. فالأشغال الواسعة التي تقوم بها الحكومة والمباني التي تنشئها الشركات الأممية وأعمال التشجير وتكثيف الزراعة ورقي الصناعة والتجارة، كلها أمور تتطلب تدفق آلاف المهاجرين من العمال في البلاد. والمؤتمر طمعًا في توطئة تلك الأشغال لعمال اليهود يوجب على اللجنة التنفيذية الصهيونية أن تدخل إلى البلاد، بشتى الوسائل، عددًا وافرًا من المهاجرين في الزمن المعين. (ج) يطلب المؤتمر تخويل اللجنة التنفيذية حق التصرف بوثائق المهاجرة التي تمنحها حكومة فلسطين تصرفًا مطلقًا. فمن ذلك ترى أن الوكالة اليهودية مضطرة إلى اتباع نفس سياسة نقابة العمال في فلسطين. وإننا كدليل على إيغال تلك النقابة في التطرف، نقتبس العبارة الآتية من تقرير " لجنة شو " عن حوادث آب سنة 1922، وهي: وقد ذكرت نقابة العمال اليهودية العامة في فلسطين مذكرة رفعتها إلينا، أن يكون في مقدمة برامج الأعمال التي يجب على حكومة فلسطين أن تقوم بها في المستقبل تقديم معونة مادية لزيادة السكان اليهود بسرعة عن طريق المهاجرة والأراضي. ويظهر من تقرير السرجون كامبل عن إدارة المستعمرات اليهودية أن السياسة المتطرفة التي تتبعها نقابة العمال المذكورة هي سياسة جميع الصهيونيين أيضًا. وإليك ما جاء في ذلك التقرير: " رأيت أن المذهب القائل بأن يدخل أقصى عدد مستطاع من اليهود إلى فلسطين هو عقيدة راسخة، لكل المستعمرات وكبار موظفي الحكومة الحاليين والسابقين الذين لهم علاقة بالحركة الصهيونية على السواء. ومما ظهر لي أن تدفق الهجرة اليهودية نحو فلسطين هو ما تراه بعض الأوساط ذات النفوذ اليهودي، أمرًا لا محيص عنه لنجاح الوطن القومي. ويظهر أن هؤلاء يرون الأمور تعالج نفسها بنفسها بعد تدفق ذلك السيل من المهاجرين في فلسطين..." تلك هي سياسة جميع الصهيونيين في أمر الهجرة اليهودية. ونؤكد أن الحكومة الإنكليزية وغيرها لن تقدر على تعديل شيء منها بإسداء النصائح والمواعظ. - اعترفت الحكومة الإنكليزية بأن عدد العرب العاطلين عن العمل قد بلغ حدًا خطرًا، وبأن للهجرة اليهودية كبير فعل في ذلك فاللجنة التنفيذية العربية تسجل للحكومة الإنجليزية هذا الاعتراف. وقد أنعمت اللجنة النظر في النصوص الواردة في " الكتاب الأبيض " عن الوسائل التي تزيل بها تلك الأضرار فهي تقول، ولكن مع الأسف، إنها لم ترَ ما يبدد مخاوف العرب الراهنة، إذ كل ما جاء في هذا الكتاب هو أن الحكومة الإنكليزية ستنظر في الوسائل اللازمة لمعرفة عدد العاطلين من العرب في فلسطين، وأنها ستبذل قصارى جهدها للتأكد من مقدرة البلاد الاقتصادية، عند طلب إدخال مهاجرين جدد إلى البلاد. وكانت الحكومة الإنكليزية أتت لنا في سنة 1922 " بكتاب أبيض " أكدت لنا فيه أمر المهاجرة اليهودية. وهذا ما صرح به المستر تشرشل في ذلك البيان: ".. ولا يجوز أن تكون هذه المهاجرة كبيرة لدرجة تزيد على مقدرة البلاد الاقتصادية ومن الضروري أن يضمن لأهالي فلسطين كافة أن لا يكون المهاجرون عبئًا عليهم، وألا تحرم أية فئة من السكان الحاليتين أشغالها..." وها قد مضت ثماني سنوات على هذا الوعد من غير أن تفكر الحكومات الإنكليزية التي تناوبت السلطة، في احترام هذا الوعد، ولو مرة واحدة على الرغم من صيحات اللجنة التنفيذية العربية. - وكانت هذه اللجنة قد وجهت نظر الحكومة الإنكليزية منذ البدء إلى أن مراقبة المهاجرة لا تكون مؤثرة، غير ضارة، بمصالح البلاد إلا إذا أنيط أمرها بالسكان الأصليين. فقد كتبت في سنة 1922 للمستر تشرشل وزير المستعمرات، ما يأتي: " وبما أن هجرة عنصر غريب إلى بلاد ما يؤثر في الأهالي الوطنيين - سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا - فإن من العدل والإنصاف أن يكون للأهالي الذين يتأثرون من هذه الهجرة القول الفصل في ذلك. فاللجنة المقترح إنشاؤها، لا تعطي أهالي فلسطين حق الإشراف على المهاجرة... ولا شيء يصون مصالح الأهالي العرب إزاء أخطار الهجرة سوى إنشاء حكومة وطنية نيابية تشرف على المهاجرة ". - لقد صدقت نبوءة اللجنة التنفيذية بالأضرار التي أصابت العرب من مراقبة الأجنبي للمهاجرة اليهودية. ولذلك تطلب اللجنة من الحكومة الإنكليزية ألا تعيد هذه التجربة الخاسرة، لأن نفس المقدمات تؤدي حتمًا إلى نفس النتائج. الخاتمة: - هنا ينتهي بيان اللجنة التنفيذية العربية على " الكتاب الأبيض " الذي أصدرته الحكومة الإنكليزية في أكتوبر 1930، والذي من شأنه أن يزيل مخاوف العرب في مسائل الأراضي والمهاجرة والبطالة في فلسطين. وإذا كنا نقول إن من شأن هذا الكتاب أن يزيل بعض مخاوف العرب في تلك المسائل، فإننا لا نستطيع أن نقول إنه أزالها أو أزال قسمًا منها. ذلك لما نعرفه عن مقدرة اليهود في الدعايات الخادعة وعن ضعف الحكومة الإنكليزية إزاء هذه الدعايات. - والحق، أنه لم يكد يظهر " الكتاب الأبيض " حتى قام اليهود ضد تلك الدعايات الطويلة العريضة في العالم كله، مما أدى إلى تراجع الحكومة الإنكليزية. فالحكومة لم تكتفِ بإجازة إدخال 1.500 مهاجر يهودي خلافًا لما قررته في " الكتاب الأبيض " من مبادئ، بل قام أحد أركانها ينسخ منه بالتدريج الأحكام المثبتة فيه. فها هو اللورد باسفيلد، وزير المستعمرات، ينفي في الكتاب الذي نشره في جريدة " التايمس " في 6 نوفمبر 1930، عزم الحكومة على وضع تشريع يحظر على الوكالة اليهودية والجمعيات اليهودية الاستمرار على سياستها المعروفة في الأراضي والأشغال، مع أن " الكتاب الأبيض " انتقد هذه السياسة بشدة، ونص على أنها مخالفة للمادة السادسة من " صك الانتداب ". " ومهما كانت هذه الحجج منطقية (أي الحجج التي أُدلي بها لتبرير هذه السياسة) من جهة الحركة الوطنية الصرفة، فيجب القول إنها لم تراع فيها أحكام المادة السادسة من " صك الانتداب " التي تشترط صراحة على حكومة فلسطين أن تضمن، عند تسهيلها المهاجرة اليهودية وحشد اليهود في الأراضي، عدم إلحاق أي ضرر بحقوق ووضعية الجماعات الأخرى ". ولقد قال المستر ليونارد شتاين، بمناسبة كتاب اللورد باسفيلد المذكور في البيان الذي وضعه عن الوكالة اليهودية، ردًا على " الكتاب الأبيض " أن الأمر لا يخلو من وجهين: إما أن يكون " الكتاب الأبيض " قد افترى على مخالفة للمادة السادسة من " صك الانتداب " وإما أن تكون الحكومة الإنكليزية مع اعترافها بمخالفة تلك السياسة " لصك الانتداب " تصر على الاشتراك مع الوكالة اليهودية على خرق أحكام هذا الصك واللجنة التنفيذية العربية تعتقد أن تلك السياسة مخالفة لا " لصك الانتداب " فقط، بل لجميع مبادئ الحقوق والأخلاق العامة. - وقد نشر اللورد باسفيلد في جريدة " رينولدزنيوز " المصورة تفسيرًا لما جاء في " الكتاب الأبيض " عن مسألة تأثير المهاجرة اليهودية في البطالة، فقال إن ما عنته الحكومة الإنكليزية من ذلك، هو أنه عند النظر في كل طلب للسماح بهجرة فريق من اليهود إلى فلسطين، يجب إنعام النظر فيما إذا كان من شأن هذه الهجرة أن تزيد عدد العاطلين من العرب زيادة كبيرة أم لا. إننا نقدر منزلة اللورد باسفيلد العلمية حق قدرها؛ فهو لا يمكن أن يجهل أن تفسير كهذا، لا يوافق النصوص والمبادئ الواردة في " الكتاب الأبيض " في هذا الشأن؛ لأن الفرق عظيم بين قولنا إنه لا يجوز أن تكون المهاجرة اليهودية سببًا " لحرمان العرب من الحصول على الأشغال الضرورية لمعيشتهم " وبين القول إن هذه المهاجرة " لا يجوز أن تكون سببًا في زيادة العاطلين من العرب زيادة كبيرة ". - إن واجب كل حكومة أن تحافظ على حقوق كل فرد من أفراد الأمة التي تحكمها. وليس من الجائز أن يؤذن لعمال يهود بولونية أو روسية بالدخول إلى فلسطين، في حين أنه يوجد عربي واحد عاطل عن العمل في فلسطين. نعم، وعدت الحكومة الإنكليزية أنها لن تحيد عن تنفيذ سياستها بالضغط أو التهديد، وأنها لن تنحرف عن اتباع سياسة ملائمة لمصالح أهالي فلسطين. وقد أكدت في " الكتاب الأبيض "، أنه لا سبيل لأحد أن يضطرها إلى اتباع سياسة تكون لصالح جماعة دون أخرى، وإن كل سياسة من هذا القبيل، قائمة على أمر فاسد. إلا أن اللجنة التنفيذية العربية تصرح هنا، آسفة، أن الحكومة الإنكليزية قد نقضت هذا الميثاق، قبل أن يجف مداده. - ليس في الكتاب الأبيض من جديد في حقوق العرب السياسية وإن النصوص والمبادئ الواردة عن حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية لا تضمن للعرب حقوقهم القومية ومصالحهم الاقتصادية. فالمهم ليس بالنصوص والمبادئ ولكن بتنفيذها. الكتاب الأبيض لسنة 1930 بيان الخطة السياسية لحكومة جلالته البريطانية قد كان تقرير اللجنة المخصوصة برئاسة السير ولتر شو الذي نشر في شهر نيسان مبعثًا لجدال عنيف ظهر في أثنائه أن هنالك سوء فهم كبير حول ما قامت به حكومة جلالته في الماضي عن الأعمال في إدارة فلسطين وما تقصد القيام به في المستقبل وأصبح من المؤكد أن الحالة تستدعي الإسراع في نشر بيان واضح شامل عن الخطة السياسية يرمي إلى إزالة سوء الفهم هذا وما نشأ عنه من التباس وتخوف غير أن إعداد مثل هذا البيان اقتضى اتخاذ تدابير أولية ضرورية أفضت حتمًا إلى تأخير إتمامه. 1- وقد لفت تقرير لجنة شو النظر إلى بعض نواحٍ من المشكلة رأت حكومة جلالته أنها تستدعي إجراء تحقيق عاجل شامل بالنظر لما لها من صلة وثيقة بالسياسة المقبلة. ولذلك تقرر أن يوفد إلى فلسطين محقق كبير الاختبار (هو السير جون هوب سمبسون) للتداول مع المندوب السامي بشأن تسوية الأراضي والمهاجرة وترقية الشؤون الاقتصادية وتقديم تقرير بذلك إلى حكومة جلالته. وبالنظر لأهمية هذه المواضيع البارزة ولتماسك بعضها ببعض تأكد لحكومة جلالته بأن ليس في الاستطاعة وضع بيان عن الخطة السياسية قبل أن تأخذ بعين الاعتبار تقريرًا وافيًا مفصلاً عن الحالة في فلسطين فيما يتعلق بهذه الأبواب الثلاثة الهامة مما في استطاعة السير جون هوب سمبسون وصفه بجدارة وقد ألح على حكومة جلالته بشدة أن يتقدم استلام تقرير السير جون هوب سمبسون إصدار تصريح عن السياسة المقبلة التي تود السير عليها. غير أن حكومة جلالته رغمًا عن تقريرها للحاجة الماسة التي تستدعي الإسراع في إصدار مثل هذا التصريح رأت أنها ملزمة بالتمسك بقرارها من حيث انتظار تقرير السير هوب سمبسون معتبرة في ذلك على الأخص ما تجمع لديها من الأدلة بشأن صعوبة المشكلة وتعقدها الحاجة إلى تحقيق وافٍ في جميع الحقائق الواقعية قبل الوصول إلى أية استنتاجات حاسمة. وقد قدم الآن السير جون هوب سمبسون تقريره ووضع هذا البيان بعد إمعان التدقيق في مضمون ذلك التقرير وفي غيره من المعلومات التي نشرت في المدة الأخيرة عن الحالة في فلسطين. 2 - وفي بلاد كفلسطين حيث تتغاير في الوقت الحاضر بل تصطدم من بعض الوجوه أماني فريقي السكان ليس من المنتظر أن يأتي أي بيان عن السياسة مهما كانت صيغته موافقًا كل الموافقة لأماني أي فريق غير أن حكومة جلالته تود أن تأمل بأنه سيكون لإزالة سوء الفهم السائد الآن ولتفسير مقاصدها تفسيرًا أتم وأوفى الأثر الطيب في إزالة القلق وإعادة الطمأنينة لكلا الفريقين. وستبذل حكومة جلالته جهودها ليس عن طريق هذا البيان الحالي فحسب بل بما يليه من الأعمال الإدارية لإقناع العرب واليهود بتصميمها علي ترقية مصالح الشعبين الأساسية بكل ما أوتيت من قوة على العمل بكل ثبات حتى تتوصل إلى تكوين شعب ميسور الحال في فلسطين يعيش في أمان واطمئنان تحت لواء إدارة غير متحيزة راقية ومع ذلك فمن الضروري في هذا الصدد إيضاح نقطة واحدة هي من الأهمية بمكان كبير ذلك أنه في الظروف الخاصة المحيقة بفلسطين لا يمكن لأية سياسة مهما كانت نيرة جلية أو مهما بذل من جهد في سبيل لتنفيذها أن يقيد لها النجاح ما لم تنل التأييد من جميع الطوائف التي وضعت لمنفعتها وخيرها ليس بقبولها فحسب بل بتعاونها عن طيب خاطر. ليس من حاجة في هذا المقام للبت في الحوادث المشؤومة التي وقعت في العام الماضي وفي الأحوال المؤسفة التي نشأت عنها. غير أن حكومة جلالته ترى نفسها مضطرة لأن تلاحظ أنها لم تنل من الجانبين سوى مساعدة طفيفة في سبيل إزالة التنابذ الذي ساد بينهما في أثناء الأشهر التي توترت فيها العلاقات وزاد فيها القلق بعد اضطرابات آب سنة 1929 وبأن هنالك عقبة أخرى خطرة أضيفت إلى الصعوبات التي نشأت عن الريب والخصومة المتبادلة بين الشعبين ألا وهي خطة عدم الثقة بحكومة جلالته التي غذتها حملة صحافية ساعدت على طمس حقائق الحالة وتشويهها. ولا حاجة إلى التأكد بأن توطيد السلام والرفاهية في البلاد في المستقبل اللتين يتوق إليهما كلا الشعبين يتوقف على تحسين العلاقات بين العرب واليهود. تلك هي الغاية التي ما فتئت تصبو إليها حكومة جلالته وهي تشعر أن في الإمكان الوصول إليها إن تعاون كلا الفريقين عن طيب خاطر مع الحكومة ومع إدارة فلسطين وتأكد من أن حكومة جلالته يمكن الاعتماد عليها عند قيامها بالالتزامات المرتبة عليها في صك الانتداب بل في جميع صلاتها بفلسطين بالمحافظة على مصالح كلا الشعبين والعمل على ترقيتها. 3 - ويلوح أن كثيرًا من سوء الفهم الذي أخذ يساور لسوء الحظ كلا الفريقين نشأ عن العجز عن فهم الواجب الملقى على عاتق حكومة جلالته بموجب أحكام صك الانتداب ولذلك فإن النقطة الثانية التي تشعر حكومة جلالته بوجود تأكيدها بأقوى حجة مستطاعة هي أن هنالك على حد البيان الذي أدلى به رئيس الوزارة في مجلس العموم البريطاني في اليوم الثالث من شهر نيسان سنة 1930: " تصريح يتضمن تعهدًا ذا شقين الشق الواحد منهما للشعب اليهودي والشق الآخر للأهالي غير اليهود في فلسطين، ويظهر أن كثيرًا من القلق الذي ساور النفوس في السنة الماضية نشأ عن عدم التأكد من أهمية هذه الحقيقة الأساسية للتأكد. وقد وجه كلا العرب واليهود إلى الحكومة سيلاً من المطالب والملامة المستند على الظن الفاسد بأن من واجب حكومة جلالته أن تنفذ خططًا سياسية يحظر عليها في الواقع تنفيذها بموجب أحكام صك الانتداب الجلية ". وقد أعلن رئيس الوزراء في البيان المشار إليه أعلاه بعبارة غاية في الوضوح والجلاء بأن حكومة جلالته قد استقر قرارها على الاستمرار في إدارة فلسطين وفقًا لأحكام صك الانتداب كما أقره مجلس جمعية الأمم إذ أن ذلك الصك على حد قول المستر رمي مكدونالد " تعهد دولي لا يمكن العدول عنه " ويلوح أنه رغمًا عن هذا البيان الصريح خامر البعض آمال أنه في الاستطاعة بطريقة من الطرق اجتناب الحدود التي تفرضها بكل وضوح وجلاء أحكام صك الانتداب. فيجب والحالة هذه أن يتأكد الجميع بصورة باتة نهائية بأن من العبث للزعماء اليهود من الجهة الواحدة أن يلحوا على حكومة جلالته لأن تسير في سياستها فيما يتعلق بالمهاجرة والأراضي مثلاً حسب أماني طبقات الرأي العام الصهيوني الأكثر تصلبًا إذ أن قيامها بذلك ليس سوى تجاهل منها للواجب الملقى على الدولة المنتدبة إزاء غير اليهود من أهالي فلسطين ذلك الواجب الذي لا يقل عنه أهمية. كما أنه من العبث أيضًا من الجهة الأخرى للزعماء العرب أن يصروا على مطالبهم لوضع نوع من الدستور يجعل قيام حكومة جلالته أوفى قيام بالتعهد ذي الشقين المشار إليه أعلاه في حكم المستحيل. إن لدى حكومة جلالته ما يدعوها للظن بأن من الأسباب التي آلت إلى بقاء التوتر في العلاقات والقلق بين كلا الفريقين ذلك الأمل الفاسد الذي أوجده المستشارون المضللون بأن في بذل المجهودات لتخويف حكومة جلالته والضغط عليها ما ينجم عنه في النهاية إجبارها على اتباع سياسة تكون في صالح الفريقين الواحد أو الآخر. ولذلك أصبح من الضروري أن توضح حكومة جلالته بادئ ذي بدء بأنها لن تحيد بالضغط أو بالتهديد، عن النهج المبينة حدوده في صك الانتداب كما أنها لن تنحرف عن اتباع سياسة ترمي إلى ترقية مصالح أهالي فلسطين العرب واليهود بكيفية تتفق مع الالتزامات المفروضة عليها في صك الانتداب. 4 - ليست هذه بالمرة الأولى التي بذلت فيها حكومة جلالته جهدها لإيضاح سياستها في فلسطين ففي سنة 1922 نشرت بيانًا وافيًا بلغته للوفد العربي الفلسطيني الذي كان عندئذٍ في لندن وللجمعية الصهيونية. أما الوفد العربي فقد قابل ذلك البيان بالرفض بينما اتخذت اللجنة التنفيذية للجمعية الصهيونية قرارًا أكدت فيه لحكومة جلالته بأن أعمال الجمعية الصهيونية ستسير طبقًا للخطة السياسية التي يتضمنها البيان. وفضلاً عن ذلك فقد ذكر الدكتور وايزمان في الكتاب الذي أرفق به هذا القرار لحكومة جلالته ما يلي: " لقد كانت الجمعية الصهيونية ترغب بإخلاص على الدوام في أن تسير في أعمالها بالتعاون الودي مع جميع طبقات الأهالي في فلسطين. وقد أوضحت مرارًا وتكرارًا قولاً وفعلاً بأنه لن يخطر لها ببال الإجحاف بأقل درجة بحقوق غير الأهالي اليهود المدنية أو الدينية أو بمصالحهم المادية ". وكان من نتيجة الاختبار الذي اكتسب في هذه السنوات التي مرت منذ ذلك الحين أن كشف القناع حتمًا عن بعض نقائص إدارية ومشاكل اقتصادية خاصة يجب أخذها بعين الاعتبار عند النظر في مصالح جميع طبقات الأهالي ومع ذلك فإن بيان الخطة السياسية الذي صدر في سنة 1922 بعد إمعان النظر والتوفيق المطول يعتبر الأساس الذي يجب أن تبنى عليه السياسة البريطانية المقبلة في فلسطين. 5 - وفضلاً عن الاقتراحات لوضع نظام حكم دستوري في فلسطين التي يتناولها البحث في الفقرات التالية توجد ثلاث نقاط هامة بحث فيها هذا البيان وهي: ( أ ) المعنى الذي تعلقه حكومة جلالته على عبارة " الوطن القومي لليهود " الواردة في صك الانتداب. أما بشأن هذه النقطة ففي الاستطاعة اقتباس الفقرة التالية من بيان الخطة السياسية الواردة سنة 1922: " وقد أعاد اليهود في الجيلين أو الأجيال الثلاثة الأخيرة إنشاء طائفة لهم في فلسطين يبلغ عددها الآن ثمانين ألفًا ربعهم تقريبًا مزارعون أو عمله في الأرض، ولهذه الطائفة إدارات سياسية خاصة منها مجمع منتخب لإدارة شؤونها الداخلية ومجالس منتخبة في المدن ورئاسة حاخامين ومجلس رباني لإدارة شؤونها الدينية. وتداول أعمال هذه الطائفة باللغة العبرية كلغتها الوطنية ولها صحف عبرية تفي بحاجاتها وهي تتبع نمطًا تهذيبيًا يميزها عن سواها وتبدي نشاطًا كبيرًا في الحركة الاقتصادية. فهذه الطائفة بسكان المستعمرات والمدن وهيئاتها السياسية والدينية والاجتماعية ولغتها الخاصة وعوائدها وطرق معيشتها الخاصة لها في الحقيقة مميزات قومية. ومتى سأل سائل ما هو معنى ترقية الوطن القومي اليهودي في فلسطين يمكن أن يجاب على ذلك بأنه لا يعني فرض الجنسية اليهودية على أهالي فلسطين إجمالاً بل زيادة رقي الطائفة اليهودية بمساعدة اليهود الموجودين في جميع أنحاء العالم حتى تصبح مركزًا يكون فيه للشعب اليهودي برمته اهتمام وفخر في الوجهتين الدينية والقومية ولكن حتى يكون للطائفة اليهودية أمل وطيد في تقدمها الحر ويفسح للشعب اليهودي مجال وافٍ كي يظهر فيه مقدرته كان من الضروري أن يعلم بأن وجوده في فلسطين هو كحق وليس كمنة. ذلك هو السبب الذي جعل من الضروري ضمان إنشاء الوطن القومي لليهود ضمانًا دوليًا والاعتراف رسميًا بأنه يستند إلى صلة تاريخية قديمة ". إذن هذا هو التفسير الذي تفسر به حكومة جلالته تصريح سنة 1917 - ويرى وزير المستعمرات أن هذا التصريح إن فهم على هذا الوجه لا يتضمن صراحة أو ضمنًا شيئًا من شأنه أن يثير مخاوف عرب فلسطين أو يسبب استياء اليهود. (ب) المبادئ التي يجب أن تسير المهاجرة بموجبها: وقد ورد في ذلك البيان بشأن هذه النقطة ما يلي: " ومن الضروري لأجل تطبيق هذه السياسة تمكين الطائفة اليهودية في فلسطين من زيادة عددها بالمهاجرة. ولكن هذه المهاجرة لا يمكن أن تكون كبيرة إلى حد يزيد في أي ظروف كانت على مقدرة البلاد الاقتصادية إذ ذاك على استيعاب مهاجرين جدد ومن الضروري ضمان عدم صيرورة المهاجرين عالة على أهالي فلسطين عمومًا وعدم حرمان أية فئة من السكان الحاليين من أشغالها. وقد جرت المهاجرة حتى الآن على هذه الشروط وبلغ عدد المهاجرين منذ الاحتلال البريطاني 25 ألف مهاجر. ومن الضروري أيضًا ضمان عدم إدخال الأشخاص غير المرغوب فيهم سياسيًا إلى فلسطين وقد اتخذت الإدارة وستتخذ جميع الاحتياطات لهذه الغاية ". يلاحظ أن المبادئ المبينة أعلاه تجعل من الضروري عند تقرير مقدرة البلاد على استيعاب مهاجرين جدد في أي وقت كان أن يؤخذ بعين الاعتبار عدد العاطلين من العرب واليهود لتقرير نسبة المهاجرين التي يجب السماح بها وفي نية حكومة جلالته أن تتخذ التدابير التي من شأنها أن تضمن بصورة أوفى تطبيق هذه المبادئ تطبيقًا تامًا في المستقبل. (جـ) مركز الوكالة اليهودية: نشير إلى الفقرة المقتبسة أدناه للدلالة على القيود الواردة ضمنًا في صك الانتداب والمقيدة بحكم الضرورة لواجبات الوكالة اليهودية التي ورد النص عليها في المادة الرابعة من صك الانتداب. " وهنالك أمر آخر لابد من لفت النظر إليه وهو أن اللجنة الصهيونية في فلسطين المعروفة الآن باللجنة التنفيذية الصهيونية لا ترغب في أن يكون لها كما أنها لا تملك أي قسط في إدارة البلاد العامة. كما أن المركز الذي تتمتع به الجمعية الصهيونية بموجب المادة الرابعة من صك الانتداب لا يخولها صلاحية هذه الوظيفة وإنما ينحصر مركزها الخاص في التدابير التي تتعلق باليهود ومساعدة البلاد على تقدمها دون أن يخولها ذلك حق الاشتراك في حكومتها في أي حال من الأحوال ". 6 - ترغب حكومة جلالته في أن تؤيد بوجه عام السياسة المتضمنة في البيان الصادر سنة 1922 وعلى الأخص الفقرات الثلاث التي اقتبست منه أعلاه. ويظن بأن كل محاولة لتوسيع المعنى المفهوم من هذه النقاط الثلاث الهامة لن يكون نصيبها سوى جدال عقيم الفائدة. ومع ذلك فإن من المعترف به في نور الاختبار السابق أنه لا يزال هنالك متسع للعمل على تحسين كيفية تطبيق المبادئ المعلنة في الفقرات السابقة تطبيقًا فعليًا. وفي نية حكومة جلالته بالإشارة مع إدارة فلسطين أن تتخذ التدابير الفعالة لإيجاد وسائل إدارية وافية لأجل تلاقي احتياجات العرب واليهود من جهة هذه النقاط الثلاث. ومن المعترف به بوجه خاص أن الضرورة تستدعي زيادة مجهودات المندوب السامي في سبيل إيجاد طريقة للتعاون والاستشارة أوثق وأكثر امتزاجًا بين إدارة فلسطين والوكالة اليهودية على أن يكون ذلك متفقًا على الدوام مع المبدأ الذي يجب اعتباره أساسًا وهو أن مركز الوكالة اليهودية الخاص الذي يخولها تقديم النصح والمعونة لا يخولها بصفتها هذه الاشتراك في إدارة حكومة البلاد وعلى نفس المنوال يجب إيجاد الوسائل الإدارية التي يكفل في الوقت ذاته صيانة المصالح الأساسية للطبقات الأخرى من السكان غير اليهود تمام الصيانة وأن يتاح لتلك الطبقات فرصة وافية للاستشارة مع إدارة فلسطين حول الأمور المتعلقة بتلك المصالح. 7 - ومن المرغوب فيه في هذا الصدد إزالة أي سبب لسوء الفهم مما يكون قد علق بالأذهان من جَرَّاء الفقرات الواردة في صك الانتداب التي تبحث في ضمان حقوق الطوائف غير اليهودية في فلسطين أما الأحكام التي تتناول هذه النقطة بوجه خاص فهي واردة في مواد صك الانتداب الثانية والسادسة والتاسعة والحادية عشرة والثالثة عشرة والخامسة عشرة. 8 - ومما يلاحظ من الجهة الأولى أن المادة الثامنة تجعل الدولة المنتدبة مسؤولة عن ضمان الحقوق المدنية والدينية لجميع أهالي فلسطين بقطع النظر عن الأجناس والأديان ومن الجهة الثانية أن التعهد الوارد في المادة السادسة الذي يقضي بتسهيل الهجرة اليهودية واستقرار اليهود بكثرة مشترط فيه وجوب ضمان عدم إلحاق أي حيف وضرر بحقوق ومركز سائر طبقات الأهالي. وفضلاً عن ذلك فإن المادة الحادية عشرة تقتضي أن تتخذ حكومة فلسطين جميع التدابير اللازمة لصون مصالح الجمهور في كل ماله علاقة بترقية البلاد. ويتضح من نص هذه المادة أن سكان فلسطين على الإطلاق لا فئة منهم فحسب هم الذين يجب أن يكونوا موضعًا لعناية الحكومة. ومما يلاحظ بهذا الشأن أن النص القائل باتخاذ التدابير مع الوكالة اليهودية لإقامة أو إدارة الأعمال والمصالح والمنافع العمومية هو نص اختياري فقط لا إجباري وليس من الجائز أن يتعارض مع مصلحة الأهالي المطلقة. وقد أوردت هذه النقاط بالنظر للادعاءات التي وجهت بالنيابة عن الوكالة اليهودية بأن لهذه الوكالة مركزًا يخولها الاشتراك في إدارة البلاد العمومية تلك الادعاءات التي وجهت بالنيابة عن الوكالة اليهودية بأن لهذه الوكالة مركزًا يخولها الاشتراك في إدارة البلاد العمومية تلك الادعاءات التي لا تستطيع حكومة جلالته إلا أن يعتبرها قد تجاوزت كل التجاوز مقاصد صك الانتداب الصريحة. وفضلاً عن ذلك فقد حاول البعض أن يجادل تأييدًا للادعاءات الصهيونية بأن الفقرات المتعلقة بالوطن القومي اليهودي هي الأساس الرئيسي لصك الانتداب وبأن الفقرات التي ترمي إلى صيانة مصالح غير اليهود إنما هي اعتبارات ثانوية تقيد نوعًا ما ما يُدَّعَى بأنه القصد الرئيسي الذي وضع صك الانتداب من أجله. إن حكومة جلالته ما فتئت تعتبر أن من الخطأ الكلي فهم هذه الأحكام على هذا الوجه وهي ترى أن من المستحيل أن تحاول حل المشكلة باعتبار أن أي من هذين الالتزامين هو أقل أهمية من الآخر حلاً يتفق مع مقاصد صك الانتداب الصريحة مهما كانت الصعوبة التي تعترضها في هذا السبيل. وقد حاول المندوب البريطاني المفوض في البيان الذي أدلى به أمام لجنة الانتدابات الدائمة في اليوم التاسع من شهر حزيران الماضي أن يوضح موقف حكومة جلالته إزاء الصعوبات المستقرة في صك الانتداب. وفي التقرير الذي رفعته لجنة الانتدابات الدائمة لجمعية الأمم المتضمن مطالعاتها على هذا البيان وردت العبارة التالية وهي من الأهمية بمكان: " ومن جميع هذه البيانات يظهر لنا أمران يجب ذكرهما هنا وهما: 1 - أن الالتزامات المفروضة في صك الانتداب بشأن فريقي السكان هي من درجة متساوية. 2 - أن الالتزامين المفروضين على الدولة المنتدبة ليسا مما لا يمكن التوفيق بينهما من أي وجه من الوجوه. وليس لدى لجنة الانتدابات ما تعترض به على هذين التأكيدين اللذين يعربان في رأيها تمام الإعراب عما تدركه من روح صك الانتداب على فلسطين وضمانًا لمستقبلها ". إن حكومة جلالة الملك لعلى تمام الاتفاق مع روح هذا البيان وكأنه لمن دواعي اغتباطها أن يكون هذا البيان قد اكتسب الصيغة النهائية باقترانه بموافقة مجلس جمعية الأمم. إنه لواجب شاق ودقيق ذلك الواجب المفروض على حكومة جلالته الذي يقضي عليها استنباط الوسائل لإعطاء نفس الاعتبار في جميع الأحيان عند تنفيذ سياستها في فلسطين لكلا الالتزامين اللذين يفرضهما عليها صك الانتداب بشأن فريقي السكان والتوفيق بينهما هذين الالتزامين حيثما تتعارض حتمًا مصلحة الفريقين. ومن المأمول أن يؤول إيضاح الواجب المفروض على عاتق حكومة جلالته على هذا الوجه إلى بيان ضرورة تعاون زعماء العرب واليهود عن طيب خاطر على إدارة فلسطين وحكومة جلالته تلك الضرورة التي أعرب عنها فيما تقدم. 9 - إن الفقرات المتقدمة توضح المبادئ التي يجب اعتبارها السياسة الشاملة في فلسطين والشروط المقيدة التي يجب أن تسير تلك السياسة بموجبها ولذلك وجب الآن البحث في المشاكل العملية التي تواجهها حكومة جلالته في فلسطين. وهذه المشاكل يمكن حصرها بوجه التقريب تحت الأبواب الثلاثة التالية: 1 - الأمن العام. 2 - التطورات الدستورية. 3 - التطورات الاقتصادية والاجتماعية. 1 - الأمن العام: 10 - إن من أولى واجبات الإدارة توطيد أركان السلام والنظام وحسن انتظام الحكم في فلسطين وقد أعلنت حكومة جلالته في مقام آخر بأنها لن تحيد عن القيام بواجبها بعامل الضغط أو التهديد. إن الاضطرابات التي وقعت فيما مضى قد أخمدت فورًا. واتخذت تدابير خاصة لمعالجة أية حالة اضطرارية قد تنشأ في المستقبل. ويجب أن يفهم تمامًا أن التحريض على الاضطراب أو الشقاق مهما كان مصدره سينال أشد عقوبة وستتوسع سلطات الإدارة بقدر ما تستوجبه الضرورة كي يتمكن بصورة أوفى وأتم من معالجة مثل هذه المحاولات الخطرة التي لا مسوغ لها. وقد قررت حكومة جلالته أن التحفظ في فلسطين في الوقت الحاضر بفرقتين من المشاة وفضلاً عن ذلك سيكون سربان من الطيارات وأربعة فرق من السيارات المسلحة ميسورة في فلسطين وشرقي الأردن. كما هو معلوم كان المستر دبجن مفتش البوليس العام في سيلان قد أوفد إلى فلسطين للتحقيق في نظام قوة البوليس الفلسطيني وقد رفع تقريرًا مفصلاً قيمًا وهو الآن موضع النظر الدقيق وقد وضع البعض من تواصيه موضع التنفيذ ومن ذلك زيارة فرقتي البوليس البريطاني والفلسطيني ووضع مشروع للدفاع عن المستعمرات اليهودية أشير إليه في الفقرة التاسعة من بيان خطة السياسة البريطانية في فلسطين الذي نشر بصيغة كتاب أبيض تحت رقم (3582) وهنالك تواصي كثيرة أخرى وردت في تقرير السير دوبجن لا تزال موضع البحث والتدقيق بالاشتراك مع المندوب السامي لفلسطين وستُجْرَى تغييرات أخرى متى اتخذت قرارات بشأنها. وتغتنم حكومة جلالته هذه الفرصة كما تؤكد تصميمها على اتخاذ جميع التدابير المستطاعة لقمع الجرائم وتوطيد النظام في فلسطين. وترغب في أن تؤكد في هذا الصدد أنها عند تقرير نوع وكيفية تأليف قوات الأمن العام في فلسطين الضرورية لهذه الغاية تسترشد برأي مستشاريها الاختصاصيين وأنها في كل ذلك سترمي إلى تأمين كون القوات المستخدمة ملائمة للواجبات التي ستقوم بقطع النظر عن أية اعتبارات سياسية. 2 - التطورات الدستورية: 11 - أشير فيما تقدم إلى المطالب التي وجهها الزعماء العرب لإيجاد شكل دستوري يتنافى مع الالتزامات المترتبة على حكومة جلالته بصفتها الدولة المنتدبة ومع ذلك فإن حكومة جلالته ترى بعد التبصر الدقيق أن الوقت قد حان للسير في مسألة منح فلسطين درجة من الحكم الذاتي تلك المسألة الهامة لمصلحة جميع السكان على الإطلاق بدون أي تأخير آخر وقد يكون من المناسب في بادئ الأمر إيراد خلاصة موجزة عن تاريخ هذه المسألة منذ تشكيل الإدارة المدنية. ففي شهر تشرين الأول سنة 1920 شكل في فلسطين مجلس استشاري ألف من عدد متساوٍ من الأعضاء الموظفين وغير الموظفين. وقد كان من العشرة الأعضاء غير الموظفين، أربعة من المسلمين وثلاثة من المسيحيين وثلاثة من اليهود. وفي اليوم الأول من شهر أيلول سنة 1922 صدر دستور فلسطين وهو يقضي بتأليفه حكومة فلسطين توقيتًا لأحكام قانون الاختصاص الأجنبي. وقد قضى الفصل الثالث من هذا الدستور بتشكيل مجلس تشريعي يؤلف من المندوب السامي رئيسًا ومن عشرة أعضاء من الموظفين واثني عشر عضوًا منتخبًا من غير الموظفين. وقد وضعت أصول انتخاب الأعضاء غير الموظفين في الأمر الصادر في المجلس الخاص بشأن تأليف المجلس التشريعي لسنة 1922 وفي شهري شباط وآذار من سنة 1923 حاولت الحكومة إجراء انتخابات توفيقًا لتلك الأصول فأخفقت تلك المحاولة بسبب رفض الأهالي العرب التعاون مع الحكومة (يراجع في هذا الصدد التقرير المفصل الذي صدر عن هذه الانتخابات المتضمن في الكتاب الأبيض رقم 1889 بشأن انتخابات المجلس التشريعي سنة 1923) وعندئذ أوقف المندوب السامي تأليف المجلس التشريعي المقترح واستمر على تسيير الإدارة باستشارة المجلس الاستشاري كالسابق. وقد سنحت فرصتان أخريان لزعماء العرب في فلسطين للتعاون مع الإدارة على حكم البلاد أولاً: بإعادة تأليف مجلس استشاري يعين تعيينًا على أن يكون عدد أعضائه مساويًا لعدد أعضاء المجلس التشريعي الذي كان في النية تشكيله. ثانيًا: بالاقتراح الذي عرض عليهم لتأليف وكالة عربية وكان المقصود أن يناط بهذه الوكالة نفس الواجبات المناطة بالوكالة اليهودية بموجب المادة الرابعة من صك الانتداب. غير أن زعماء العرب رفضوا قبول كلا هاتين الفرصتين وبناءً على رفضهم هذا تألف في شهر كانون الأول سنة 1923 مجلس استشاري من أعضاء موظفين فقط. ولا تزال الحالة كذلك حتى الآن وكل ما طرأ عليها من تغيير هو أن عدد أعضاء المجلس الاستشاري قد زيد بإضافة أعضاء موظفين آخرين اقتضى تقدم الإدارة إضافتهم إلى المجلس. ومما يذكر في هذا الصدد أن حكومة جلالته مسؤولة بموجب أحكام المادة الثانية من صك الانتداب عن جعل البلاد في أحوال سياسية وإدارية واقتصادية تكفل إنشاء الوطن القومي اليهودي وترقية أنظمة الحكم الذاتي والمحافظة على الحقوق المدنية والدينية لجميع الأهالي. قد أوضحت فيما تقدم المجهودات التي بذلت في السنين الأولى المدنية بشأن التطور الدستوري. ورغبة في تمكين أهالي فلسطين من الحصول على اختبار فعلي في الطرق الإدارية ونظم الحكومة والتدرب على حسن التمييز في اختيار ممثليهم أدخل اللورد بلومر الذي شغل منصب المندوب السامي في فلسطين من سنة 1925 إلى سنة 1928 درجة من الحكم الذاتي المحلي أوسع مما كانت عليه الحال في عهد الإدارة البريطانية فيما مضى. وعند تسلم السير جون تشانسلور زمام منصب المندوب السامي في شهر كانون الأول سنة 1928 نظر في مسألة التطور الدستوري وأخذ رأي ممثلي مختلف طبقات الأهالي. وبعد إنعام النظر في الحالة رفع بعض اقتراحات في شهر حزيران سنة 1929 غير أنه تأجل النظر في هذه المسألة بسبب الاضطرابات التي وقعت في شهر آب سنة 1929. ومع ذلك فإن حكومة جلالته ترى بعد التبصر الدقيق أن الوقت قد حان للسير في مسألة منح فلسطين درجة من الحكم الذاتي تلك المسألة الهامة لمصلحة جميع السكان على الإطلاق بدون أي تأخير آخر وقد يكون من المناسب في بادئ الأمر إيراد خلاصة موجزة عن تاريخ هذه المسألة منذ تشكيل الإدارة المدنية. ففي شهر تشرين الأول سنة 1920 شكل في فلسطين مجلس استشاري ألف من عدد متساوٍ من الأعضاء الموظفين وغير الموظفين. وقد كان من العشرة الأعضاء غير الموظفين، أربعة من المسلمين وثلاثة من المسيحيين وثلاثة من اليهود. وفي اليوم الأول من شهر أيلول سنة 1922 صدر دستور فلسطين وهو يقضي بتأليفه حكومة فلسطين توقيتًا لأحكام قانون الاختصاص الأجنبي. وقد قضى الفصل الثالث من هذا الدستور بتشكيل مجلس تشريعي يؤلف من المندوب السامي رئيسًا ومن عشرة أعضاء من الموظفين واثني عشر عضوًا منتخبًا من غير الموظفين. وقد وضعت أصول انتخاب الأعضاء غير الموظفين في الأمر الصادر في المجلس الخاص بشأن تأليف المجلس التشريعي لسنة 1922 وفي شهري شباط وآذار من سنة 1923 حاولت الحكومة إجراء انتخابات توفيقًا لتلك الأصول فأخفقت تلك المحاولة بسبب رفض الأهالي العرب التعاون مع الحكومة (يراجع في هذا الصدد التقرير المفصل الذي صدر عن هذه الانتخابات المتضمن في الكتاب الأبيض رقم 1889 بشأن انتخابات المجلس التشريعي سنة 1923) وعندئذ أوقف المندوب السامي تأليف المجلس التشريعي المقترح واستمر على تسيير الإدارة باستشارة المجلس الاستشاري كالسابق. 12- وقد أمعنت الآن حكومة جلالته النظر في هذه المسألة في نور درجة التقدم والرقي الحالي معتبرة على الأخص الالتزام الملقى على عاتقها الذي يقضي عليها بجعل البلاد في أحوال سياسية وإدارية واقتصادية تكفل ترقية أنظمة الحكم الذاتي. وقررت أن الوقت قد حان للتقدم خطوة أخرى في سبيل منح أهالي فلسطين درجة من الحكم الذاتي تتلاءم مع أحكام صك الانتداب. وبناءً على ذلك تنوي حكومة جلالته أن تشكل مجلسًا تشريعيًا ينطبق عمومًا على الأصول المبينة في بيان الخطة السياسية الذي أصدره المستر تشرشل في شهر حزيران سنة 1922. ونشر كذيل خاص لتقرير لجنة التحقيق عن اضطرابات فلسطين التي وقعت في شهر آب سنة 1929. وتأمل حكومة جلالته أنها ستنال في هذه المرة معاونة جميع طبقات السكان في فلسطين وترغب في أن تعلن بكل وضوح وجلاء بأنها بينما تأسف كل الأسف لأية محاولة قد يقوم بها أي فريق من السكان للحيلولة دون تنفيذ قرارها لتتخذ جميع التدابير المستطاعة لقمع كل محاولة كهذه إن وقعت إذ أنها ترى أن من مصلحة أهالي البلاد على الإطلاق ألا تؤجل قط الخطوة التي تنوي الآن أن تخطوها. وتود حكومة جلالته أن تبين بأنه لو تم تشكيل هذا المجلس التشريعي عندما عقدت النية على تشكيله في المرة الأولى لكان أهالي فلسطين قد نالوا الآن درجة أوفر من الاختبار في كيفية تسيير النظم الدستورية. ذلك أن مثل هذا الاختبار لا مفر منه لنجاح التطور الدستوري فكلما أسرع جميع طبقات الأهالي في إبداء رغبتهم في المعاونة مع حكومة جلالته في هذا الصدد كان في الإمكان إجراء هذا التطور الدستوري الذي تتوق حكومة جلالته لمشاهدته في فلسطين. إن هنالك فوائد جلية يجتنيها جميع طبقات السكان من جَرَّاء تشكيل مثل هذا المجلس ذلك أنه قد يأتي بفائدة مخصوصة للأهالي العرب الذين ليس لديهم الآن وسائل دستورية تمكنهم من وضع آرائهم حول الأمور الاجتماعية والاقتصادية أمام الحكومة. وبالطبع إن ممثليهم في المجلس الذي يراد تشكيله سيتمكنون ليس من أبداء آراء الأهالي العرب في شأن هذه الأمور وخلافها فحسب بل من الاشتراك أيضًا في البحث والتداول فيها. وهنالك فائدة أخرى تجتنيها البلاد على الإطلاق من تشكيل المجلس التشريعي إذ أن اشتراك ممثلي الفريقين من الأهالي بصفتهم أعضاء المجلس التشريعي سيؤول إلى تحسين العلاقات بين اليهود والعرب. 13 - إن المجلس التشريعي الجديد سيؤلف كما ذكر فيما تقدم على النحو المعين في بيان الخطة السياسية الذي صدر سنة 1922. وسيشكل من المندوب السامي ومن اثنين وعشرين عضوًا منهم عشرة أعضاء موظفين واثنا عشر عضوًا من غير الموظفين وسينتخب الأعضاء غير الموظفين بطريق الانتخاب الأولى والثانوي. ومع ذلك ترى حكومة جلالته أن من الأهمية بمكان لاجتناب إعادة حبوط الانتخابات كما حدث في سنة 1923 استنباط تدابير تؤمن تعيين العدد المطلوب من الأعضاء غير الموظفين للمجلس فيما إذا لم يتمكن عضو واحد أو أكثر من الانتخاب بسبب موقف عدم التعاون الذي قد تقفه أية فئة من السكان أو لأي سبب آخر. وسيبقى المندوب السامي متمتعًا بالصلاحية الضرورية التي تضمن تمكين الدولة المنتدبة من القيام بالالتزامات المترتبة عليها إزاء جمعية الأمم ومن ذلك صلاحية وضع أي تشريع تقتضيه الحاجة الماسة وتوطيد النظام. ومتى نشأ خلاف حول قيام حكومة فلسطين بأحكام صك الانتداب يستطاع تقديم عريضة بذلك إلى جمعية الأمم توفيقًا لأحكام المادة (85) من دستور فلسطين لسنة 1922. 3 - التطور الاقتصادي والاجتماعي: 14 - إن المشاكل العملية التي يجدر البحث فيها في هذا الباب هي مسائل الأراضي والمهاجرة والبطالة على الإجمال. فهذه المسائل الثلاث مرتبطة معًا كل الارتباط مع مالها من وجوه سياسية واقتصادية وعلى حلها يجب أن يتوقف كل تقدم يرتجى فيما يتعلق بتوطيد السلم واستقرار اليسر والرخاء في فلسطين. إن هذه الأمور ما زالت منذ أن لفت النظر إليها في تقدير لجنة شو موضع تحقيق دقيق محلي من قبل لجنة عينها المندوب السامي في شهر نسيان الماضي للتحقيق في أحوال المزارعين الاقتصادية وطريقة استيفاء الضرائب منهم ومن قبل السيرجون هوب سمبسون الذي توجه إلى فلسطين في شهر أيار الماضي بناءً على تكليف وزير المستعمرات للبحث في مسائل المهاجرة وتسوية الأراضي واقتصاديات البلاد. 15 - وكان من نتيجة هذه التحقيقات الواسعة المطولة أن كونت بعض استنتاجات وكشف القناع عن بعض حقائق ذكرت فيما يلي بإيجاز: 1 - الأراضي: في الاستطاعة الآن القول بكل حزم إنه لا يوجد في فلسطين في الوقت الحاضر نظرًا للطرق الإدارية الحالية التي يتبعها العرب أية أرض ميسورة لاستقرار المزارعين من المهاجرين الجدد إذا استثنيت الأراضي التي تملكها الوكالات اليهودية المختلفة على سبيل الاحتياط. وقد وجه فيما مضى انتقاد شديد بشأن الأراضي الأميرية القليلة المساحة التي وضعت تحت تصرف المزارعين اليهود. إلا أنه من الخطأ أن يتبادر إلى الذهن أن حكومة فلسطين تملك مساحات شاسعة من الأراضي المحلولة التي في الإمكان وضعها تحت تصرف اليهود لاستعمارها. ذلك أن مساحة الأراضي المحلولة التي تملكها ليست مما يعتد بها. فالحكومة تدعى بمساحات كبيرة من الأراضي التي يتصرف العرب فيها في الواقع ويفلحونها. غير أنه حتى ولو سلم بملكية الحكومة لهذه الأراضي وملكيتها مختلف فيها في كثير من الأحوال فليس في الإمكان وضعها تحت تصرف اليهود لاستقرارهم فيها بالنظر لوجودها في أيدي المزارعين العرب ولضرورة إيجار أراضي إضافية أخرى لإسكان المزارعين العرب الذين أصبحوا الآن بلا أرض. إن إيجاد أراضٍ يمكن وضعها تحت تصرف المستعمرين اليهود يتوقف على ما يتم من التقدم في زيادة قوة إنتاج الأراضي المشغولة الآن. 16 - ويتراءى الآن في ضوء أفضل التقديرات الميسورة أن مساحة الأراضي القابلة للزراعة في فلسطين (إذا استثنيت منطقة بئر السبع) تبلغ 6.544.000 دونم. وهذه المساحة هي أقل بكثير من التقديرات الرسمية بين عشرة وأحد عشر مليون دونم. ويلوح أيضًا أنه بينما تحتاج عائلة الفلاح إلى 130 دونما من الأراضي على الأقل للقيام بأود معيشتها معيشة لائقة في الأراضي البعل (غير المسقية) نجد أنه لو قسمت الأراضي الزراعية الميسورة في البلاد إذا استثنيت الأراضي التي في أيدي اليهود بين المزارعين العرب الحاليين لنال العائلة الواحدة 90 دونمًا. ولكي يتسنى إعطاء العائلة الواحدة من جميع المزارعين 130 دونمًا من الأرض وهو المعدل الذي يحتاج إلى ثمانية ملايين دونم أخرى من الأراضي الزراعية ويظهر أيضًا أنه من بين العائلات العربية القروية التي يبلغ عددها 86980 عائلة يوجد 29.4 في المائة بلا أراضٍ. وليس المعلوم عدد العائلات التي كانت تزرع أرضًا فيما مضى ثم فقدتها إذ أن هذه النقطة هي من جملة النقاط التي ليس في الاستطاعة الآن حصرها بتأكيد بل يؤمل التثبت منها في أثناء الإحصاء الذي سيُجْرَى في السنة القادمة. 17 - إن حالة الفلاح العربي تحتاج إلى كثير من العناية ومن المقتضى وضع سياسة خاصة بالأراضي إن كان يراد تحسين أحوال معيشته. وقد كانت الهيئات الاستعمارية اليهودية العمومية منها والخصوصية الوكالات الوحيدة التي اتبعت لغاية الآن سياسة ثابتة في تحسين الأراضي. وكان لأهالي المستعمرات اليهود كل فائدة يمكنهم اجتناؤها مما تيسر لهم من رأس المال والعلم والتنظيم. فإلى ذلك وإلى نشاط أهالي المستعمرات أنفسهم يرجع الفضل في هذا النجاح الفائق. ومن الجهة الأخرى فإن الأهالي العرب بينما تعوزهم هذه الفوائد التي يتمتع بها أهالي المستعمرات اليهود قد زاد عددهم بسرعة فائقة من جَرَّاء زيادة المواليد على الوفيات في الوقت الذي نقصت فيه الأراضي الميسورة لإعاشتهم بنحو مليون دونم انتقلت إلى أيدي اليهود. 18 - قد سبقت الإشارة فيما تقدم إلى النشاط والنجاح الفائقين اللذين تما في ميدان استعمار اليهود للأراضي. وليس من العدل في شيء أن يقبل الادعاء الذي أُدْليَ به في معرض الخلاف الناشئ بشأن العلاقات بين اليهود والعرب في فلسطين بأن نتيجة استعمار اليهود على السكان العرب كانت في جميع الأحوال مضرة بمصالح العرب فهذا الادعاء لا يمكن التسليم به إجمالاً. لكنه من الضروري عند البحث في هذه الناحية من المشكلة أن يميز بين الاستعمار الذي تقوم به جمعية الاستعمار اليهودي في فلسطين (المعروفة عمومًا بالبيكا) وبين الاستعمار الجاري تحت رعاية الجمعية الصهيونية. فبقدر ما يتعلق الأمر بالسياسة الماضية التي اتبعتها جمعية (البيكا) لا ريب أن العرب قد استفادوا كثيرًا من إنشاء المستعمرات اليهودية وقد كانت العلاقات حسنة فيما مضى بين أهالي المستعمرات وجيرانهم العرب والحالات التي تستند عليها المراجع اليهودية في تأييد ادعائها بأن نتيجة استعمار اليهود كانت مفيدة لمجاوريهم العرب فهي فيما يختص بالمستعمرات التي أنشأتها جمعية (البيكا) قبل أن يشرع الاستعمار من صندوق رأس المال الفلسطيني الذي هو الآن المصدر المالي الرئيسي للوكالة اليهودية. أما المحاولات التي أجريت لإثبات أن الاستعمار الصهيوني لم ينتج عنه انضمام مستأجري الأراضي التي باعها أصحابها إلى الطبقة التي لا أرض لها، فقد ثبت بالتحقيق أنها غير مقنعة إن لم تكن مضللة. 19 - وفضلاً عن ذلك فإن نتيجة الاستعمار اليهودي على الأهالي الحاليين تتأثر تأثرًا كليًا بالشروط التي تمتلك الهيئات اليهودية المختلفة بموجبها الأراضي وتستغلها وتؤجرها فقد نص دستور الوكالة اليهودية الموسعة الموقع في زيورخ في اليوم الرابع عشر من آب سنة 1929 (الفقرتان " د " و" هـ " من المادة الثالثة) على أن الأراضي التي تمتلك تعتبر ملك الشعب اليهودي وملكيتها غير قابلة الانتقال، وعلى وجوب مراعاة مبدأ تشغيل العمال اليهود في جميع الأشغال والمشاريع وفضلاً عن ذلك فقد ورد في المادة (23) من عقد الإيجار الذي في النية تنظيمه بشأن الأراضي التي تمنحها جمعية رأس المال القومي اليهودي، تعهد يقضي على المستأجر بأن يقوم بجميع الأشغال المتعلقة بزراعة الأراضي بواسطة العمال اليهود فقط وفرضت شروط شديدة لتأمين مراعاة التعهد. وهنالك تعهد يرتبط به أهالي المستعمرات الواقعة في السهل الساحلي يقضي عليهم باستئجار العمال اليهود فقط كلما اضطروا إلى استئجار عمال، وهذا التعهد يدرج في الاتفاقات التي تعقد بين صندوق رأس المال الفلسطيني والذين يستغلون أموالاً منه وورد نفس هذا الحكم في الاتفاقات المستعملة في مستعمرات مرج ابن عامر. إن من الصعب أن تتفق هذه الأحكام المشددة مع التصريح الذي أُدْليَ به في المؤتمر الصهيوني المنعقد سنة 1921 بأن " الشعب اليهودي يرغب في أن يعيش مع الشعب العربي بصلات صداقة واحترام متبادلين وأن يعمل بالاشتراك مع الشعب العربي على ترقية البلاد المشتركة بينهما بحيث تؤمن رفاهية كلا الشعبين ". 20 - وقد كان الزعماء اليهود صريحين كل الصراحة في تبرير سياستهم هذه. فقد ادعت اللجنة التنفيذية لجمعية العمال اليهود التي لها نفوذ كبير في تكييف السياسة الصهيونية بأن هذه القيود ضرورية لتأمين إدخال أكبر عدد مستطاع من المهاجرين اليهود وللمحافظة على أسلوب معيشة العمال خشية أن ينحط إلى أسلوب معيشة العمال العرب. ومهما كانت هذه الحجج منطقية من وجهة الحركة الوطنية الصرفة فيجب القول بأنها لم تراع فيها أحكام المادة السادسة من صك الانتداب التي تشترط صراحة على حكومة فلسطين عند تسهيلها الهجرة اليهودية واستقرار اليهود بكثرة في أراضي البلاد أن تكفل " عدم إلحاق أي حيف أو ضرر بحقوق ومركز سائر طوائف الأهالي الأخرى ". 2 - التحسين الزراعي: 21 - إن من واجب الإدارة بموجب صك الانتداب على نحو ما ورد في الفقرة السابقة أن تكفل عدم إلحاق أي حيف أو ضرر بمركز " سائر طوائف الأهالي الأخرى " من جَرَّاء المهاجرة كما أنه من واجبها أيضًا بموجب صك الانتداب أو تشجيع استقرار اليهود بكثرة في أراضي البلاد مراعية في ذلك على الدوام الشرط المتقدم ذكره. 22 - وقد اقتنعت حكومة جلالته من نتيجة التحقيقات الأخيرة بأن الضرورة تقضي رغبة في الوصول إلى هاتين الغايتين بإجراء تحسين فعلي في أساليب الزراعة المتبعة الآن بقصد تأمين زيادة الاستفادة من الأرض. 23 - فباتباع مثل هذه السياسة قد يستطاع استقرار مزارعين آخرين من اليهود في الأراضي بصورة تتفق مع الشروط المقررة في المادة السادسة من صك الانتداب والنتيجة المتوخاة لا يمكن نيلها إلا بعد مرور سنوات من الجد والعمل. ولذا فمن حسن الحظ أن يكون لدى الهيئات اليهودية أراضٍ واسعة احتياطية لم يستقر فيها المستعمرون بعد ولم تعمر. وعلى ذلك يمكنهم الاستمرار في عملهم بدون توقف ريثما توضع تدابير عمومية أخرى لتحسين الأراضي يستطيع الاستفادة منها كلا العرب واليهود. ومع ذلك فمن الواجب بحكم الضرورة أن تناط مراقبة التصرف بالأراضي بالمرجع القائم بهذا التحسين فلا يسمح بانتقال الأراضي إلا متى كان ذلك الانتقال لا يتعارض مع خطط ومشاريع ذلك المرجع. وإذا اعتبرت المسؤوليات المترتبة على عاتق الدولة المنتدبة اتضح أن هذا المرجع يجب أن يكون حكومة فلسطين. 24 - ومن جملة المشاكل التي تستوجب النظر مسائل الري وجعل هذا التحسين مع أعمال دائرة الزراعة وغيرها من دوائر الحكومة وتقرير مجال العمل لكل منها رغبة في اجتناب الاحتكاك والاختلاف والتجاوز في العمل وبغية الحصول على أعظم فائدة مما يبذل من مجهود مشترك. ويجب إنعام النظر أيضًا في حماية المستأجرين بمنحهم حقًا من حقوق الإجارة بأية وسائل أخرى لتأمين عدم إخراجهم من الأرض أو تعريضهم لإجارات فاحشة. ثم إن هنالك مسألة ذات صلة وثيقة بمثل هذا التحسين هي الإسراع في أعمال التسوية والتثبت في الملكية وتسجيل عقود الإيجار. وهنا تخرج إلى حيز الوجود مشكلة هامة بسبب وجود مساحات واسعة من الأراضي في القرى العربية مملوكة بطريق المشاع ذلك أن نصف القرى العربية بوجه التقريب مملوك بطريق المشاع وهنالك اتفاق في الرأي أن مثل هذا النظام هو عقبة كبرى في سبيل ترقية الزراعة في البلاد. ويلوح أن تأليف جمعيات تعاون بين الفلاحين هو من الأمور الأولية المهمة في سبيل تقدمهم ورقيهم. وقد قام مؤخرًا خبير ذو اختبار واسع بإجراء تحقيق في هذه المسألة برمتها بالنيابة عن حكومة فلسطين. 25 - وقد وقع على كاهل مالية فلسطين عبء ثقيل من جَرَّاء الضرورة التي دعت إلى زيادة قوات الأمن العام زيادة كبرى. إلا أن هذه الزيادة اعتبرت ضرورية في نور الحوادث التي وقعت في خريف سنة 1929 وليس في الاستطاعة التنبؤ الآن بالزمن الذي يصح فيه تخفيض النفقات في هذا الباب تخفيضًا محسوسًا؛ إذ أن التخفيض يجب أن يتوقف لدرجة كبرى على ما يطرأ من التحسين في العلاقات المتبادلة بين العرب واليهود ذلك التحسين الذي تأمل حكومة جلالته بأن يكون من إحدى نتائجه. إن السياسة العمومية التي تتبعها حكومة جلالته ترمي فيما ترمي إليه إلى جعل فلسطين قادرة على سد نفقاتها بنفسها فالتحسين المنوي إجراؤه في الطرق والأساليب الزراعية لن يستغرق وقتًا فحسب بل يستلزم نفقات باهظة أيضًا. مع أنه يؤمل أن يكون بعض النفقات التي تصرف في هذا السبيل قابلة الاسترداد. وحكومة جلالته تنظر بكل تدقيق في المركز المالي الذي ينبلج عن هذه الحالة وتبحث الآن في اتخاذ التدابير الضرورية لوضع سياستها هذه موضع التنفيذ. 3 - المهاجرة: 26 - قد وضع مؤخرًا النظام الذي تتبعه حكومة فلسطين في مراقبة المهاجرة إلى فلسطين على بساط البحث والتدقيق من جميع وجوهه. وفي شهر أيار الماضي رأت حكومة جلالته أن من الضروري توقيف إصدار شهادات لإدخال المهاجرين بموجب جدول العمال أي الأشخاص الذين يشتغلون عند الغير (زيادة على الـ 950 شخصًا الذين سبقت الموافقة على إدخالهم) في الستة أشهر التي تنتهي في 30 أيلول سنة 1930 دون أن تتعرض لأصناف المهاجرين الآخرين وذلك ريثما تظهر نتيجة هذا التحقيق وتقرر الخطة السياسية المقبلة. وقد أسفر هذا التحقيق عن إظهار بعض العجز في النظام الحالي وثبت أنه بموجب هذا النظام أدخل كثير من الأشخاص ممن لم يكن في استطاعتهم أن يحصلوا على التأشير على جوازاتهم (فيزا) لو كانت جميع الحقائق عنهم معلومة. والحكومة لا تباشر مراقبة فعالة فيما يتعلق باختيار المهاجرين من الخارج إلى فلسطين يستند على إيجاد مستعمرات مشتركة وعلى مبدأ " اشتغال العامل بنفسه " (أي أن كل إنسان يجب أن يشتغل بنفسه ويتجنب تشغيل العمال المستأجرين) وإن لم يكن في استطاعة العامل " الاشتغال بنفسه " فهي تحتم عليه استخدام وتشغيل العمال اليهود دون غيرهم. ونظرًا للمسؤولية المترتبة على الدولة المنتدبة من الضروري أن تكون حكومة فلسطين بصفتها وكيلة عنها المرجع الذي يفصل في جميع الأمور السياسية المتعلقة بالمهاجرة وتتضح ضرورة ذلك على الأخرى متى أخذت بعين الاعتبار درجة صلة المهاجرة بالبطالة وسياسة تحسين الأراضي. غير أنه لا يمكن استنباط أية تحسينات وافية في الإدارة الحالية إلا إذا حصلت موافقة بين الحكومة من جهة والوكالة اليهودية من جهة أخرى فمما يتعلق بواجبات كل منهما وأخذ بعين الاعتبار التام ذلك النفوذ الذي تصرفه نقابة العمال اليهود العمومية في تكييف سياسة الوكالة. 27 - أما فيما يتعلق بصلة المهاجرة بالبطالة فهنالك صعوبات جمة في الوقت الحاضر بسبب عدم وجود وسيلة وافية يمكن بواسطتها تقدير درجة البطالة في أي وقت ما. ويصدق ذلك على الأخص فيما يتعلق بالأهالي العرب. ورغمًا عن عدم وجود إحصاءات يصح الاعتماد عليها فقد أبديت بيانات كافية تحمل على الاعتقاد بأن درجة البطالة بين الأهالي العرب قد وصلت حدًا خطرًا وأن البطالة بين اليهود قد أدت إلى نواحٍ غير مرضية بالمرة وفي الاستطاعة القول بأنه قد ثبت بصراحة أن تحضير جدول العمال يجب أن يُبْنَى على التثبت من مجموع عدد العمال العاطلين في فلسطين ويلي ذلك وجوب التأكد تمام التأكيد من مقدار عدد العمال العاطلين وستنظر حكومة جلالته بكل إمعان وتدقيق في إيجاد وسيلة لهذا الغرض ولذلك يجب الحكم على مقدرة فلسطين الاقتصادية على استيعاب مهاجرين جدد بالاستناد إلى مركز فلسطين إجمالاً فيما يتعلق بالبطالة ويجب بذل كل عناية عند التأكد من مقدرة البلاد الاقتصادية بحيث يؤخذ بعين الاعتبار أي طلب على العمال يمكن اعتباره مؤقتًا بسبب زيادة التداول في السوق المالية الناشئة عن الأموال المنفقة على التعمير والتحسين أو عن أية أسباب أخرى. 28 - تفرض المادة السادسة من صك الانتداب عدم إلحاق أي حيف أو ضرر بحقوق ومركز سائر طوائف الأهالي من جَرَّاء الهجرة اليهودية. فمن الواضح أنه إذا كانت مهاجرة اليهود تسبب حرمان السكان العرب من الحصول على الأشغال الضرورية لمعيشتهم أو إذا كانت حالة البطالة بين اليهود تؤثر في مركز العمال على العموم تحتم على الدولة المنتدبة توفيقًا لأحكام صك الانتداب إما أن تخفض المهاجرة أو توقفها إذا استدعت الضرورة ذلك ريثما يتسنى للعاطلين من (الطبقات الأخرى) إيجاد عمل لهم. ومما يلاحظ بهذا الصدد أن حكومة جلالته في نور التحقيق الذي جرى في مشكلتي المهاجرة والبطالة تعتبر بأن توقيفها المهاجرة بموجب جدول العمال في شهر أيار الماضي كان مبررًا تمامًا. وقد ادُّعيَ بأن موافقة المندوب السامي على شهادات المهاجرة بموجب جدول العمال يفيد ضمنًا وجود مجال لإدخال مهاجرين من طبقة العمال، وبأن حكومة جلالته بالتالي كانت مدفوعة بعوامل سياسية عندما أوقفت إصدار هذه الشهادات. غير أن الحال ليست كذلك. ذلك أن حكومة جلالته عندما قررت توقيف إصدار هذه الشهادات أخذت بعين الاعتبار الآراء التي أعرب عنها في تقرير لجنة شو من جهة عدم وجود أراضٍ كافية ومن جهة ضرورة تشديد المراقبة على المهاجرة. وقد ثبت أن هذه الأمور تستوجب تحقيقًا بواسطة خبير غير أن حكومة جلالته شعرت أنه ريثما يتم التحقيق فيها على هذا الوجه لا يجوز اتخاذ أية تدابير من شأنها أن تؤكد في سوء الحالة الاقتصادية التي كانت مدعاة للقلق في رأي أكثرية لجنة شو. وكل قرار يتخذ لإدخال المهاجرين اليهود دون اعتبار هذه القيود يجب استنكاره ليس فقط بالنظر إلى مصالح سكان فلسطين عمومًا وإنما بالنظر إلى مصالح الطائفة اليهودية المخصوصة أيضًا. وما زال الريب يساور الأهالي العرب - وهذا مما لا شك فيه - من أن الضائقة الاقتصادية أسفرت عن عدم وجود احتياطات تحول دون وقوع الاحتلال في إصدار شهادات المهاجرين غير المرغوب فيهم. وهناك ناحية أخرى غير مرضية هي أن عددًا كبيرًا من المسافرين الذين يدخلون البلاد بالاستناد على إذن يخولهم الإقامة مدة محدودة يبقون في البلاد بدون موافقة ويقدر عدد الذين دخلوا من هذا الصنف في السنوات الثلاث الأخيرة بنحو 7800 شخص ثم يلي ذلك ناحية خطيرة أخرى هي عدد الذين يدخلون البلاد مجتنبين أماكن المراقبة على الحدود. وفي كل محاولة تُجْرَى لاستنباط وسيلة حكومية وافية لمراقبة المهاجرة يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار الدور المهم الذي تلعبه في الوقت الحاضر نقابة عمال اليهود العمومية فيما يتعلق بمهاجرة اليهود. إن نفوذ هذه النقابة واسع المدى وأعمالها مضاعفة. فهي تكون عاملاً هامًا ضمن الحركة الصهيونية في العالم. وفي مؤتمر زيوريخ الأخيرة كان أكثر من ربع الأعضاء الذين نابوا عن الدوائر الصهيونية سواء في فلسطين أو في الخارج ممن ينتسبون لهذه النقابة... ويظهر النفوذ الذي تستطيع هذه النقابة أن تبذله إزاء المهاجرين بتحريمها على أي عضو من أعضائها الرجوع إلى المحاكم للفصل في أي خلاف يقع بينه وبين عضو آخر ذلك أن لها محاكمها المخصوصة من الدرجتين الابتدائية والثانوية ومحكمة عليا للعمال تستأنف إليها الأحكام التي تصدرها المحاكم الابتدائية. وقد اتبعت هذه النقابة سياسة ترمي إلى إدخال نظام اجتماعي للحالة التي يقاسونها الآن هي بلا شك ناشئة بالأكثر عن مهاجرة اليهود الزائدة وما زالت هنالك أسباب يمكن أن يظهر منها بوضوح من أن هذا الريب متأصل تمامًا فلا يبقى هنالك سوى أمل ضعيف لأي تحسين في العلاقات المتبادلة بين الشعبين. غير أنه على مثل هذا التحسين في العلاقات يتوقف بالأكثر إيجاد الطمأنينة والرفاهية في فلسطين. ومن المأمول أن يُجْرَى تعديل في طريقة تحضير جداول العمال يؤول إلى إنماء العلاقات الودية بين المراجع اليهودية في فلسطين ودائرة المهاجرة. ومن الجلي أن من المرغوب فيه توثيق التعاون بين المراجع اليهودية والحكومة إذ كلما كان التعاون وثيقًا ووديًا كلما سهل جدول للاتفاق مبني على أساس حسن إدراك احتياجات البلاد الاقتصادية من كلا الجانبين. 29 - وقد سبق القول في الفقرات السابقة إن مشاكل تحسين الأراضي والمهاجرة والبطالة متصلة بعضها ببعض وبأن مستقبل فلسطين يجب أن يتوقف على إيجاد سياسة تؤخذ فيها بعين الاعتبار التام جميع هذه العوامل الثلاثة. ولا يمكن تحقيق تصورات الوطن القومي اليهودي بأي وجه من الوجوه إلا متى كانت فلسطين متمتعة بالطمأنينة والسلام والرخاء. فبالتعاون الودي بين العرب واليهود والحكومة يمكن أن يخيم الرخاء في البلاد. ويظهر من الحالة التي كشف القناع عنها التحقيق الدقيق في العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية السائدة أن فلسطين تواجه دوراً عصيبًا في رقيها وتقدمها ويمكن القول إن الحكومة فيما مضى تركت القوى الاقتصادية والاجتماعية تعمل عملها بأقل تداخل أو رقابة منها. غير أنه قد اتضح كل الاتضاح أنه لا يمكن الاستمرار في هذه السياسة فبالتعاون الوثيق بين الحكومة وزعماء العرب واليهود قد يستطاع الحيلولة دون سقوط فلسطين إلى حالة قد تقضي من الجهة الواحدة على العمل المجيد الذي قام به أولئك الذين وضعوا نصب أعينهم بناء الوطن القومي اليهودي ومن الجهة الأخرى على مصالح أكثرية الأهالي الذين يملكون في الوقت الحاضر موارد طفيفة تمكنهم من الكفاح لحفظ كيانه. والأمر الذي تدعو الحاجة إليه هو أن يتفق كلا الشعبين على العيش معًا وأن يحترم كل شعب منهما احتياجات ومطالب الشعب الآخر. لذلك فإن حكومة جلالته تدعو العرب إلى الاعتراف بحقائق الحالة وإلى بذل الجهد المستمر في التعاون على الوصول بالبلاد على الإطلاق إلى حالة من الرخاء واليسر تشمل فائدتها الجميع. كما أن حكومة جلالته تطلب من الزعماء اليهود أن يعترفوا بضرورة إجراء بعض التنازل من جهتهم عن التطورات الاستقلالية الانفصالية التي أخذت تنشأ في بعض الدوائر فيما يتعلق بالوطن القومي اليهودي وأن يعتبروا أن من العوامل الفعالة في تكييف سياستهم أن يتم رقي البلاد بكيفية تضمن نوال مصالح العرب واليهود الاعتبار الوافي بقصد إنماء الرفاهية في كافة أنحاء البلاد وذلك في أحوال لا تبعث إلى إيجاد أسباب للاتهام بالتحيز لفريق دون آخر بل تمكن كلا الشعبين العربي واليهودي من الرقي، والتقدم بوفاق وقناعة. تقرير لجنة شو - مارس سنة 1930 كانت صلاحيات هذه اللجنة مقيدة ومحصورة " في التحقيق عن الأسباب المباشرة التي أدت إلى الانفجار الذي وقع حديثًا والتوصية بما يتخذ من تدابير لتجنب تكراره " فقد جاءت تواصيها ضمن هذا الإطار وتلخص كما يلي: 1 - القيام بتحقيق علمي بواسطة خبراء عن إمكان إدخال أساليب الزراعة الحديثة وأن يؤخذ بعين الاعتبار زيادة سكان الأرياف الطبيعية في أي مشروع يوضع لتحسين وتعمير الأراضي. 2 - أن يوضع حد لوقف إجلاء المزارعين الفلاحين عن الأراضي التي يزرعونها. 3 - أنا ينظر في إعادة البنك الزراعي أو إيجاد وسائل لإقراض المزارعين ليتمكنوا من تحسين أساليب الزراعة التي يتبعونها. 4 - تعيين لجنة لتحديد حقوق الفريقين في حائط المبكى. 5 - أن تصدر الحكومة بيانًا صريحًا عن الهجرة اليهودية وأن تدرس وسائل تنظيمها ومراقبتها بقصد وضع حد لتكرار الزيادة في الهجرة كما وقع في سنة 1925 و1926 وقد أوردت العبارة التالية تحت عنوان الحكم الذاتي: " إن الشعب العربي متحد اليوم في مطالبته بنوع من الحكم النيابي وقد يجوز أن يضعف هذا الاتحاد في الغاية غير أنه قابل للإحياء على أشده عند وقوع أية مشكلة كبيرة تشتمل على مسائل قومية ونحن نعتقد أن مشاكل الحكومة تزيدها خطورة حالة الاستياء التي يشعر بها العرب من جَرَّاء عجزهم على الدوام عن الحصول على درجة من درجات الحكم الذاتي ". كما أوصت " بإصدار تصريح من حكومة جلالة الملك عن السياسة التي تنوي الحكومة اتباعها في فلسطين يكون أكبر عون على تنظيم شؤون الحكم في البلاد وتزداد قيمة هذا البيان إذا تضمن بجلاء وبعبارات واضحة المعنى الذي تعلقه حكومة جلالة الملك على أحكام صك الانتداب التي تنص على صيانة حقوق الطوائف غير اليهودية في فلسطين وأن تجاهر الحكومة البريطانية مرة أخرى بأن المقام الخاص المسموح به للجمعية الصهيونية لا يخولها الحق في أن يكون لها نصيب في حكم فلسطين كما جاء في الكتاب الأبيض لسنة 1922 ". بلاغ حكومة فلسطين عن فشل المحادثات مع الوفد العربي قد صدر في 30 مايو سنة 1930م في يوم 24 يناير سنة 1930 تألف وفد عربي للسفر إلى لندن ومحادثة الحكومة البريطانية بشأن حقوق العرب السياسية والقومية والاقتصادية. وقد سافر إلى لندن وشرع في محادثاته بتاريخ 31 مارس 1930 وقد فشلت المحادثات وأذاعت حكومة فلسطين بلاغًا يوم 30 مايو سنة 1930 هذا نصه: " إن المحادثات التي جرت في لندن بين بعض وزراء حكومة جلالته والوفد الفلسطيني العربي انتهت الآن. وقد أعرب الوفد عن آرائه بشأن عدد من المسائل ولا سيما مسائل الأراضي والمهاجرة ومنح دستور البلاد. وأخذت حكومة جلالته علمًا بآرائه في هذه المسائل وأوضحت له أن التغييرات الدستورية الواسعة النطاق التي طلبها غير مقبولة برمتها إذ أنها تجعل من المستحيل على حكومة جلالته القيام بجميع المسؤوليات الملقاة على عاتقها بصفتها الدولة المنتدبة على فلسطين وبما أن الوفد لم يرَ سبيلاً لتغيير موقفه رغم الإيضاحات والتأكيدات التي أبداها وزراء جلالته فقد ظهر جليًا أنه ليس من فائدة ترجى من متابعة البحث في هذه المسألة، وبناءً على ذلك انتهت المحادثات التي كانت في جميع أدوارها صريحة وودية إلا أنه قيل للوفد إن حكومة جلالته بعد أن أخذت علمًا بوجهة نظر العرب ستلجأ في ضوء المعلومات التي نالتها مباشرة من هذه المحادثات إلى صيانة الطوائف غير اليهودية في فلسطين وستجد حلاً يتناسب من كل الوجوه مع الالتزامات والعهود المترتبة عليها بموجب صك الانتداب وهى مصممة على عدم السماح باتباع سياسة في فلسطين من شأنها أن تعرض مستقبل تلك الطوائف للخطر ولهذا السبب ونظرًا لمشورة لجنة شو أوفد السير جون هوب سمبسون للتحقيق في مسألتي المهاجرة والأراضي ورفع تقريره عنهما ورغبة في عدم إلحاق أي حيف بمصالح غير اليهود من جَرَّاء التأخير الذي لا مندوحة عنه قبل أن يكون في الاستطاعة اتخاذ قرار حاسم على ضوء تقرير السير جون هوب سمبسون ينعم النظر الآن في اتخاذ تدابير خصوصية لأجل اتخاذ الإجراءات المؤقتة التي تضمن تنظيم المهاجرة في خلال هذا التأخير بحيث لا يعرض مستقبل البلاد الاقتصادي للخطر. أما المخاوف التي أعربت عنها بعض الدوائر من أن سياسة حكومة جلالة الملك قد تعرض كيان الشعب العربي في فلسطين للخطر فلا مسوغ لها ومن الأهمية أن يذاع - لمصلحة أهل فلسطين عمومًا - أن كل محاولة يقوم بها أشخاص مخدوعون لإذاعة أخبار مضللة بشأن نيات حكومة جلالته مما يخل بالقانون والنظام في فلسطين عمومًا سيعاقب عليها أشد العقاب وأن في نية حكومة جلالته كما أوضح رئيس وزراء بريطانيا العظمى في مجلس النواب يوم 3 إبريل أن تستعمل جميع الموارد التي تحت تصرفها للقيام بالواجبات المفروضة عليها بصك الانتداب. خلاصة تقرير جون هوب سمبسون عن الهجرة ومشاريع الإسكان والعمران 22 أغسطس سنة 1930 لقد وصل السرجون هوب سمبسون إلى فلسطين يوم 20 مايو سنة 1930 وبعد درس الأمور التي كلف بحثها وضع تقريرًا مفصلاً رفعه إلى وزارة المستعمرات بتاريخ 22 آب سنة 1930 وهذه خلاصة ما جاء فيه: 1 - المهاجرة: إن قانون المهاجرة الأساسي وضع موضع الإجراء سنة 1920 وصرح بموجبه للجمعية الصهيونية أن تدخل سنويًا إلى فلسطين 16.500 مهاجر بشرط أن تكون مسؤولة عن إعالتهم مدة سنة كاملة غير أن هذه الخطة لم تنجح. وفي مايو سنة 1921 صدر أمر بتوقيف المهاجرة ريثما تعدل شروط المهاجرة في القانون على كيفية يمكن تطبيقها. وقد عدل قانون المهاجرة عدة مرات في سنة 1921 و1924 و1925 ثم عدل هذا القانون بقانون آخر صدر في سنة 1928 وهو القانون الذي لا يزال مَرْعي الإجراء حتى الآن وهو يقسم المهاجرين إلى الأصناف التسعة الآتية: ( أ ) الأشخاص الذين يملكون مبلغًا لا يقل عن الألف جنيه وعائلاتهم. (ب) ذوو المهن والحرف الذين يملكون لا أقل من 500 جنيه. (جـ) الصناع الماهرون الذين يملكون لا أقل من 250 جـ. م. (د) الأشخاص الذين لهم إيراد ثابت لا يقل عن 4 جنيهات في الشهر. (هـ) الأيتام القادمون إلى ملاجئ فلسطين. (و) الرجال والنساء الذين يتعاطون الأشغال الدينية والمضمونة معيشتهم ومعيشة عائلاتهم. (ز) الطلبة المضمونة معيشتهم. (ح) العمال من الرجال والنساء وعائلاتهم. (ط) الأشخاص الذين يعتمدون في معيشتهم على أقرباء لهم في فلسطين - إن كان هؤلاء الأقرباء بحالة تمكنهم من إعالتهم. وفضلاً عن المهاجرين من ذوي الأصناف المصرح بها لمن يريدون الاستيطان في فلسطين بدخل البلاد سنويًا عدد وافر من الناس بصفة سائحين يبلغ أحيانًا بضعة آلاف ولا تتنبه الحكومة إلا للقليل منهم وفضلاً عما تقدم عدد ليس بالقليل إلى البلاد بطريق التهريب والتخلص من المراقبة الواقعة على الحدود ولا يمكن مراقبة المهاجرة إلى فلسطين بصورة جدية ما لم تتخذ الإجراءات للضرب على أيدي الذين يدخلون البلاد خلافًا للقانون. فمن الواضح إذن أن الوكالة اليهودية هي المسؤولة عن جميع الحوادث المخالفة للقانون غير أن ذلك لا يجعل من السهل تلافي الحال بعدما يصل المهاجر إلى فلسطين. وأمام هذه الحالة لا مناص لنا من الاستدلال بأن البطالة بين العرب في الوقت الحاضر أصبحت من المظاهر الخطرة في حياة البلاد الاقتصادية وأن هناك عددًا كبيرًا من العرب بلا عمل وأن ذلك قد أفضى إلى انخفاض جلي في مستوى المعيشة بين طبقة العمال منهم وهناك دلائل أيضًا على ازدياد البطالة بين اليهود في الوقت الحاضر. ومن الجلي أن كل تدخل في حرية المهاجرة سيؤدي حتمًا إلى تقليل عدد اليهود الذين يرغبون في أن يكون لهم نصيب في هذا الوطن. ولكن المادة السادسة من صك الانتداب تقضي بضمان عدم الإجحاف بحقوق ووضعية سائر الطوائف من جَرَّاء الهجرة اليهودية فمن الواضح إذن أنه إذا أسفرت هذه الهجرة عن حرمان العرب من الحصول على الأشغال اللازمة لإعالتهم وجب على الحكومة المنتدبة بمقتضى ذلك الصك أن تخفض أو توقف عند الضرورة تلك المهاجرة حتى لا تلحق المهاجرة بمصالح العرب ضررًا في الحصول على الأشغال. 2 - الأراضي: لقد ثبت ثبوتًا قاطعًا أنه لا يوجد في الوقت الحاضر نظرًا للطرق والأساليب الزراعية التي يتبعها العرب أية أرض إضافية يستطاع إقرار المزارعين من المهاجرين الجدد فيها إذا استثنينا الأراضي غير المعمرة التي تملكها الوكالات اليهودية المختلفة على سبيل الاحتياط كما أنه ليس عند الحكومة أراضٍ أميرية لتعطى لليهود. إن لليهود جمعيات خاصة لشراء الأراضي في فلسطين منها " الكارن كايمث " و" الكارن هيسون " و" شركات إعمار الأراضي الفلسطينية " ولكن هذه الجمعيات تسير كلها على نظام خاص وضعت أسسه وغاياته في دستور الوكالة اليهودية. فقد جاء في المادة الثالثة من هذا الدستور ما نصه: " تملك الأراضي كملك لليهود وتسجل باسم صندوق رأس المال القومي اليهودي وتبقى مسجلة باسمه إلى الأبد كما تظل هذه الأملاك مكًا للأمة اليهودية غير قابل الانتقال وتنشط الوكالة الاستعمار الزراعي بواسطة العامل اليهودي والمبدأ العام الذي يتبع في جميع الأشغال والمشاريع التي تقوم بها الوكالة وتنشطها هو استخدام اليهود ". وإليك نص المادة (23) من عقود الإيجار التي تحررها جمعية " الكيرن كايمت " لليهود الذين يستأجرون منها بعض الأراضي. " يتعهد المستأجر بأن يجري جميع الأشغال المختصة بفلاحة الأرض وزراعتها بواسطة عمال من اليهود وإذا خالف المستأجر هذا الشرط فإنه يدفع عشرة جنيهات فلسطينية عن كل مخالفة ويعتبر استخدام عمال من غير اليهود دليلاً قاطعًا على الإخلال بهذا العقد " لقد ظهر لنا أن مساحة الأراضي الصالحة للزراعة في فلسطين (إذا استثنيت منطقة بئر السبع) تبلغ 6.544.000 دونم وبينما تحتاج عائلة الفلاح إلى 130 دونمًا من الأرض للقيام بأودها في مستوى لائق من العيش نجد أنه لو قسمت جميع الأراضي الزراعية الميسورة - إذا استثنيت الأراضي التي في أيدي اليهود بين المزارعين العرب الحاليين لنال العائلة الواحدة منهم ما لا يزيد على 90 دونمًا وكي يتسنى إعطاء العائلة الواحدة 130 دونمًا من الأرض وهذا المعدل يحتاج إلى ثمانية ملايين دونم من الأراضي الزراعية ويلوح أيضًا أن من العائلات العربية القومية التي يبلغ عددها 86.980 عائلة 29.4 في المائة بلا أرض. إن حالة الفلاح العربي قلما تحسنت عن حالته في عهد الحكومة العثمانية ذلك أنه لم تتبع سياسة مقررة لتحسين الأراضي التي يملكها العرب تحسينًا زراعيًا يساعد على رفع مستوى معيشتهم وقد زاد عددهم بسرعة فائقة في الوقت الذي نقصت فيه الأراضي الميسورة لإعاشتهم بنحو مليون دونم انتقلت إلى أيدي اليهود. إن من واجب الإدارة بمقتضى صك الانتداب أن تكفل عدم إلحاق أي حيف أو ضرر بحقوق العرب من جَرَّاء مهاجرة اليهود كما أنه من واجبها أيضًا بمقتضى صك الانتداب أن تشجع استقرار اليهود بكثرة في أراضى البلاد مراعية في ذلك على الدوام الشرط المتقدم ذكره ومن الصعب التوفيق بين هذين الواجبين المتناقضين حسب الظاهر، إلا باتباع سياسة فعالة للعمران الزراعي يكون هدفها استقرار كلا العرب واليهود بكثرة في الأراضي وتوسيع زراعتهم ومن الضروري اتخاذ إجراءات فعالة للوصول إلى هذا الهدف. بيان حزب الاستقلال العربي 1931 " لم يبق أحد لم يشعر بما طرأ على الحكومة الوطنية الاستقلالية في هذه البلاد من ضعف وفتور، وما وقعت فيه من اضطراب وانحلال وفوضى وما تسلط عليها من أهواء ونزعات زعزعت أساسها وبدلت أغراضها ومراميها. فبعد أن كانت قضية استقلالية تحمل خواص القضية العربية الكبرى وتحتفظ بمزاياها الشريفة وتكافح الاستعمار وجهًا لوجه، أصبحت قضية محلية تتأثر بالنزعات الشخصية والأهواء العائلية والقوى الإنتاجية إلى حد كبير. وإذا كانت الحركة الوطنية قد وقفت في أدوارها الأخيرة موقف الكفاح فلم يكن ذلك منها في الأعم الأغلب موقفًا صريحًا لا مواربة فيه، وإنما كان موقف عجز ومسكنة، محصورًا بمقاومة القضية المصطنعة التي نكبنا بها الاستعمار ليلهينا عن أغراضنا المقدسة العليا، بل لقد أصبحنا وليس لنا في هذه البلاد قضية استقلالية نكافح دونها ونرد الأطماع الاستعمارية عنها، وصرنا إلى حالة نستسيغ معها وطأة المستعمر ونستمرئ أساليبه ونتهافت على نيل رضاه التقرب والزلفى ونتبادل به ليغلب فريق منا فريقًا سعى وراء قضايا الأشخاص والأهواء ". ولما كان من الجريمة الوطنية أن تصبح قضيتنا الاستقلالية التي أسس بنيانها على هامات شهداء العرب في جميع الأقطار العربية ورفعت قواعدها على مناكب المجاهدين الأبرار رهن القضايا الشخصية - وفريسة تلك النزعات والحزبيات المحلية، وألا يكون لفريق الاستقلاليين الذي عمل مع الجماعات العربية في ميدان القضية العربية الاستقلالية الكبرى ولمن يجري على مبادئهم وينحو نحو غاياتهم كيان مستقل ينضمون تحت لوائه لاستئناف الجهاد الوطني وفقًا للمبادئ التي اعتنقت وبشر بها تبشيرًا خالصًا لوجه الله والأمة والوطن فإن موقعي هذا البيان اعتقدوا أنه آن الأوان لإقامة مثل هذا الكيان والقيام بحركة وطنية خالصة على يد حزب سياسي استقلالي يكافح الاستعمار وما جره من نكبات كفاحًا شريفًا بلا مداورة ولا مواربة، ويعمل على نيل حقوق الأمة الاستقلالية وإنهاضها حاذيًا حذو الأحزاب الوطنية التي تعتز بالمبادئ الشريفة وتستمد منها الرشد والهدى. وسيكون الأساس الذي يُبْنَى عليه هذا الكيان الحزبي الاستقلالي، التجانس في المبادئ الصحيحة والإخلاص الشريف وحب العمل النزيه والابتعاد كل الابتعاد عن الجري في طريق السياسات المحلية والشخصية والعائلية، وجعل المصلحة العامة فوق كل مصلحة، وعدم الاهتمام البتة لفكرة أكثرية أو أقلية وما يتبعها من سياسات انتخابية لا يراد بها وجه الله والوطن - وعدم الموالاة أو المعاداة لأي كان إلا بما يكون له من موقف أو عمل يتسق أو يتعارض مع مبادئ الحزب وغاياته وخططه وقد أجمع القائمون أمرهم ووضعوا قانون حزبهم الذي ينشرونه مع هذا البيان واثقين كل الثقة أن في البلاد فريقًا كبيرًا من الأحرار المخلصين، يشعرون بالحاجة التي شعر بها القائمون بهذا الحزب، ويألمون مثل ألمهم، فيمدون إليهم يد المؤازرة والتأييد في هذه الحركة التي يرجون من ورائها الخير والخدمة الخالصة المنزهة عن كل شائبة وشين سائلين الله عز وجل أن يثبت أقدامهم ويهديهم السبيل الأقوم لخدمة القضية الوطنية الاستقلالية وللخروج بها من هذه الدوائر الضيقة التي حصرت فيها وتخليصها من تلك الأهواء والنزعات التي ذهبت بنضارتها وقللت من كرامتها، والله ولي التوفيق ". رد اللجنة التنفيذية العربية على بلاغ المندوب السامي كل هذه الحقائق لم يكن أحد من العرب يتوقع إغفالها في منشور صادر على عجل وسابق لأوانه، وتعلمون فخامتكم أن عرب فلسطين قد تكبدوا أكثر من ذلك. وكانت الجنود البريطانية تجدهم عزلاً من السلاح عند أية ضربة تنزل بهم. فإذا لم يزل ثمة عدالة يحق للعرب أن يطلبوا نصيبهم منها فهم يلحون بطلب إجراء تحقيق نزيه، من أشخاص من خارج فلسطين لا يتأثرون أثناء قيامهم بواجبهم نحو العدالة بالنفوذ الصهيوني. وإن التحقيقين اللذين أجريا في فلسطين في ظروف مماثلة سابقة من قبل لجان بريطانية، قد أظهرا مطالب العرب الحقة ومقاصدهم القومية النبيلة كما أظهرا مصائبهم السياسية. إن العرب يعتقدون كل الاعتقاد أن تحقيقات نزيهة كتلك ستروي للعالم حكاية حالهم الآن في هذه الاضطرابات الحاضرة رواية أكثر صدقًا مما صورتموه للعالم في منشوركم الصادر قبل إعطاء العرب فرصة ليسمع صوته فلو كان ذلك لرأى العالم أن اليهود الذين تجاوزوا التعديات السياسية إلى الدينية، والذين أصبحت تعدياتهم في المدة الأخيرة لا تحتمل كما صرحت بهذا الحكومة، والذين كانت أعمالهم الفظيعة في هذه الاضطرابات ينطبق عليها كلام فخامتكم في منشوركم بحق العرب، كانوا هم المسؤولون أولاً عن الاضطرابات الحالية، وكانت السياسة التي تؤيدهم ثانيًا. وإن مثل هذا المنشور كان ينبغي إصداره بعد إجراء التحقيقات التي ينشدها العرب وليس قبل إجرائها. كتاب رسمي من رئيس الوزراء رمزي ماكدونالد إلى الدكتور وايزمان رئيس الوكالة اليهودية لفلسطين 13 فبراير 1931 عزيزي الدكتور وايزمان، 1 - يسرني أن أبعث إليكم البيان التالي عن موقفنا الذي سيعتبر التفسير الرسمي للكتاب الأبيض في الشؤون التي تتناولها هذه الرسالة وذلك للعمل على إزالة بعض ما أسيء إدراكه وفهمه مما ظهر بشأن سياسة حكومة صاحب الجلالة فيما يختص بفلسطين كما هو مبين في الكتاب الأبيض الصادر في أكتوبر سنة 1930 والذي أصبح موضوع نقاش مجلس العموم في 17 نوفمبر وكذلك لمواجهة الانتقادات التي قدمتها الوكالة اليهودية. 2 - لقد قيل بأن سياسة حكومة صاحب الجلالة تتضمن خروجًا جديًا عن التزامات الانتداب كما فهمت حتى الآن وأنها تتجاهلها وترمي إلى سياسة لا تتفق والتزامات الانتداب نحو الشعب اليهودي. 3 - إن حكومة جلالته لا ترى من الضروري بأن تذكر بإسهاب تصريحاتها السياسية التي سبق وأفضت بها ولكنها تود أن تلفت النظر إلى الواقع وهو أن الكتاب الأبيض الصادر في 1930 لا يشير إلى الكتاب الأبيض لسنة 1922 - الذي كانت الوكالة اليهودية قد قبلته - ولا يقره فحسب بل يعترف بأن التزامات الانتداب هي التزامات للشعب اليهودي وليست التزامات للسكان اليهود في فلسطين. وقد وضع الكتاب الأبيض في مقدمة بيانه خطابي الذي ألقيته في مجلس العموم في الثالث من إبريل سنة 1930 والذي أعلنت فيه بكلمات لا يمكن أن تكون أكثر وضوحًا بأن رغبة حكومة جلالته هي الاستمرار في إدارة فلسطين بما يتفق وشروط الانتداب كما أقره مجلس عصبة الأمم. وقد أعيد تأكيد هذا الموقف كما أوضحه مرة أخرى خطابي في مجلس العموم في تاريخ 17 نوفمبر وفي خطابي الواقع في الثالث من شهر إبريل استعملت اللغة الآتية: " إن حكومة جلالته ستستمر بإدارة فلسطين بما يتفق وشروط الانتداب كما وافق عليه مجلس عصبة الأمم. وهذا الالتزام دولي لم يعد التراجع عنه موضع بحث ". " وبموجب شروط الانتداب تعتبر حكومة جلالته نفسها مسؤولة عن تشجيع إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين على أن يكون معلومًا بألا يتم أي شيء من شأنه أن يكون مجحفًا بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين أو بالحقوق والوضع السياسي التي يتمتع بها اليهود في أي بلد آخر ". " وهناك في صك الانتداب التزام مزدوج أحدهما إلى الشعب اليهودي من جهة وآخر إلى سكان فلسطين من غير اليهود من جهة أخرى وقد أصبح قرار حكومة جلالته الحازم تنفيذ كلا الشقين من هذا التصريح بقدر متساوٍ خص جميع طوائف شعب فلسطين بالعدالة المتساوية. وتعتبر حكومة جلالته هذا واجب لن تتخلى عنه وأنها في سبيل القيام به ستستخدم جميع الموارد التي تحت تصرفها ". " إن ذلك التصريح لا يتفق وموارد الانتداب فحسب بل أيضًا ومقدمة صك الانتداب حتى يعاد تأكيده بوضوح ". 4 - وفي تطبيق سياسة الانتداب لا يمكن للدولة المنتدبة أن تتجاهل وجود مصالح ووجهات نظر متضاربة. ولكن هذه المصالح ووجهات النظر ليست في حد ذاتها مستحيلة التوفيق، لكن حلها لا يمكن أن يتم إلا إذا توافر هنالك إدراك صحيح يقر بأن الحل التام للمشكلة يتوقف على تفاهم بين اليهود والعرب. وإلى أن يتم هذا يجب أن ندخل - بصورة أكيدة - اعتبارات التوازن في تفسير السياسة. 5 - لقد وجهت انتقادات كثيرة إلى الكتاب الأبيض على أنه يحتوي بصورة أكيدة على مزاعم تمس حق الشعب اليهودي ومنظمة العمل اليهودية في حين أنه من السهل دحض أي قصد كهذا يمكن أن ينسب إلى حكومة جلالته. إنه لمن المعترف به بأن الوكالة اليهودية قد تعاونت دائمًا وعن طيب خاطر في تنفيذ سياسة الانتداب وبأن العمل الإنشائي الذي تم على يد الشعب اليهودي في فلسطين كان له أثر مفيد في تقدم البلاد ورفاهيتها بصورة عامة. وتعترف حكومة جلالته أيضًا بقيمة الخدمات والعمل التي قامت بها منظمة نقابات العمال اليهودية في فلسطين والتي تستحق أن تمنح كل تشجيع. 6 - وقد ظهرت هنالك مشكلة بشأن المعنى الذي يجب أن يتصل بكلمات " حفظ حقوق جميع سكان فلسطين المدنية والدينية بغض النظر عن الجنس والدين " مما ورد في المادة الثانية من صك الانتداب وكذلك الكلمات التي تؤكد عدم الإجحاف بحقوق بقية طوائف السكان ومركزهم مما ورد في المادة السادسة من الصك المذكور. كما أن الكلمات التي تؤكد ما يحفظ الحقوق المدنية والدينية الواردة في المادة الثانية لا يمكن تفسيرها بأنها تعني أن حقوق أفراد المواطنين المدنية والدينية لا يمكن تغييرها وفي قضية سليمان مرة الذي أشير إليه، قال مجلس الملك الخاص في صدد تفسير هذه الكلمات في المادة الثانية: إن هذا لا يعني أن جميع الحقوق السياسية لكل فرد من سكان فلسطين التي كانت قائمة عند تاريخ الانتداب من شأنها أن تبقى بلا تغيير طيلة بقاء هذا الانتداب. إذا لو كان هذا شرط لازم لصلاحية الانتداب لأصبح من الممكن سن تشريع فعال. ولذلك فالكلمات يجب أن تقرأ بمعنى آخر والوسيلة لإدراك الغرض الحقيقي للجملة ومعناها يجب أن تقع عليها في الكلمات الختامية للمادة: " بغض النظر عن الجنس والدين " إن هذه الكلمات تدل على أن الانتداب - فيما يختص بالحقوق المدنية والدينية - لا يجوز له أن يميز بين الأشخاص على أساس الدين أو الجنس كما أن هذا الشرط الوقائي ينطبق بالتساوي على اليهود والعرب وكذلك جميع أقسام السكان. 7 - إن كلمات " حقوق ومركز بقية طوائف السكان " الواردة في المادة السادسة تشير بوضوح إلى الطائفة غير اليهودية. وإن ما أشرنا إليه من مركز وحقوق لا يجوز الإجحاف بها أي لا يجوز إزالتها أو تحويلها إلى أسوأ. ولذلك فإن أثر سياسة الهجرة والاستيطان على الوضع الاقتصادي للطائفة غير اليهودية لا يمكن إلا أن يؤخذ بعين الاعتبار. ومع ذلك فالكلمات لا يجوز أن تقرأ كأنها تجميد للأوضاع الاقتصادية القائمة في فلسطين بل على العكس من ذلك؛ فإن الالتزام بتسهيل الهجرة اليهودية وتشجيع استيطان اليهود المكتظ في الأراضي يبقى التزامًا إيجابيًا للانتداب يمكن إنجازه دون الإجحاف بحقوق الطوائف الأخرى من سكان فلسطين ومركزها. 8 - ويمكننا أن ننتقل إلى الادعاء القائل بأن الانتداب قد أعيد تفسيره بصورة مجحفة جدًا بمصالح اليهود فيما يختص بقضيتي استيطان الأراضي والهجرة الحيويتين. لقد قيل بأن سياسة الكتاب الأبيض من شأنها أن تقيم العراقيل في وجه الهجرة كما أنها تعطل إن لم تنهِ فعلاً استيطان اليهود المكتظ للأراضي مما هو غرض الانتداب الأول ولدعم هذا الادعاء وجهت أهمية خاصة إلى الفقرة التي تشير إلى الأراضي الأميرية المذكورة في الكتاب الأبيض والتي تنص على: أنه لمن غير الممكن جعل هذه المساحات ميسورة للاستعمار اليهودي وذلك أولاً بالنظر لإشغالها فعلاً من قبل المزارعين العرب من جهة ثم لأهمية العمل على جعل أراضٍ أخرى مهيأة لاستيطان هؤلاء المزارعين الذين لا أرض لهم الآن. 9 - إن لغة هذه الفقرة يجب أن تقرأ على ضوء السياسة كمجموع - إنه لمن المرغوب فيه أن يصبح واضحًا بأن العرب الذين لا أرض لهم والذين كان الغرض من الإشارة إليهم في الفقرة المذكورة هم العرب الذين يعتبرون قد أخرجوا من ديارهم - أي من الأراضي التي كانوا يقيمون فيها - على أثر انتقالها إلى أيدي اليهود ثم لم يحصلوا على غيرها ليتمكنوا من الاستقرار فيها أو الحصول على عمل مُرْضٍ مماثل. إن عدد هذا النوع من العرب يجب أن يكون موضوعًا لتحقيق دقيق. كما أن حكومة جلالته تشعر بأنها ملزمة بتسهيل توطين هذه الطبقة من العرب الذين لا أرض لهم. وإن الاعتراف بهذا الالتزام لا يحط ولا بصورة من قدر أغراض التحسين العظيم التي تعتبرها حكومة جلالته أكثر الوسائل فعالية لتشجيع إنشاء الوطن القومي اليهودي. 10 - وبوضع سياسة لتسوية مشكلة الأراضي من الضروري أن تأخذ حكومة جلالته بعين الاعتبار كل حالة تمت إلى الغرض الأساسي من الانتداب. فمساحة الأراضي القابلة للزراعة وإمكانيات الري وقدرة البلاد الاستيعابية فيما يختص بالهجرة جميعها عناصر تتلائم والنتائج التي يجب أن توضح كما أن إهمال أي واحد منها من شأنه أن يكون مجحفًا عند وضع سياسة عادلة وثابتة. " وفي نية حكومة جلالته أن تقوم بأقرب ما يمكن بتحقيق للتأكيد في أمور كثيرة منها مشكلة الأراضي الأميرية وغيرها من الأراضي الصالحة أو التي يمكن جعلها صالحة للإسكان الكثيف من قبل اليهود المشار إليهم في الالتزام المفروض على الحكومة المنتدبة بموجب المادة السادسة. إن هذا التحقيق سيكون شاملاً في مداه كما يتضمن جميع موارد الأراضي في فلسطين وفي أثناء إجراء تحقيق كهذا ستؤخذ بعين الاعتبار جميع المصالح يهودية كانت أم عربية بصورة تجعل اقتراحات كهذه تتقدم كما يمكن أن يكون مرغوبًا فيها. 11 - إن قضية ازدحام الفلاحين في المناطق الجبلية من فلسطين تنظر إليه حكومة جلالته بعين الاعتبار الدقيق. وينتظر أن تتخذ تدابير لتحسين الأراضي وتنميتها تنمية واسعة ولإدخال مناطق - ربما كانت قد بقيت حتى الآن غير مزروعة ضمن - المنطقة الزراعية مما سيؤمن للفلاحين مستوى أحسن من المعيشة تغنيهم عن الالتجاء إلى الانتقال إلا في حالات شاذة. 12 - وفي حالة تنفيذ سياسة لتسوية مشكلة الأراضي كما هي مبنية في المادة الحادية عشرة من الانتداب من الضروري - إذا ما أردنا تجنب الفوضى وإعطاء هذه السياسة الفرصة لتنتج - أن يكون هنالك إشراف مركزي على الصفقات المختصة بتملك الأراضي وتحولها خلال فترة الانتقال الذي يمكن أن يكون ضروريًا في حدود المعقول لوضع مشروع التحسين على أساس متين. والسلطة المنتظر تكوينها مهمتها تنظيمية لا تحريمية برغم أنها تشتمل على سلطة تمكنها من الحيلولة دون الصفقات المناقضة لفحوى المشروع. لكن استخدام هذه السلطة سيكون محدودًا. كما أنه لن يكون ولا في أي حالة تعسفيًا. وستشترط في كل حالة اعتبارات من شأنها أن تعمل على أحسن طريقة لتحقيق أغراض الانتداب. إن كل رقابة منتظرة ستكون محاطة بالتحفظات اللازمة لضمان أقل ما يمكن من التدخل في انتقال الأراضي بصورة حرة. وسيسري مفعول هذه الرقابة المركزية منذ ذلك التاريخ الذي تبدأ فيه السلطة الموكولة إليها مهمة تنفيذ سياسة تحسين الأراضي القيام بعملها. وإلى أن يتم قيام رقابة مركزية كهذه سيتمتع المندوب السامي بالسلطات الكاملة لاتخاذ جميع الخطوات الضرورية لحماية حقوق المزارع والمشغل من ضمنها حق وضع اليد في جميع أنحاء فلسطين. 13 - وما عدا ذلك فبيان سياسة حكومة جلالته لا يتضمن منع امتلاك اليهود لأراضٍ إضافية فهو لا يحتوي على تحريم كهذا كما أنه ليس هنالك أية نية من هذا القبيل. إن كل ما يرمي إليه هو نوع الرقابة المؤقتة على تلك الأراضي وانتقالها مما يمكن أن يكون ضروريًا لعدم الإضرار بتنسيق وفعالية مشروع الأراضي الذي سيعمل به. إن حكومة جلالته تشعر بأنها ملزمة بأن تشير إلى أنها وحدها - من الحكومات التي كانت مسؤولة عن إدارة فلسطين منذ قبول الانتداب هي التي أعلنت عزمها النهائي على الشروع بسياسة تحسين فعالة يعتقد بأنها ستثمر عن فائدة أساسية ودائمة لكل من اليهود والعرب. 14 - ومما هو ذو صلة بهذه المسألة هو مراقبة الهجرة وقبل كل شيء يجب الإشارة إلى أن مراقبة كهذه لا تعتبر - ولا بصورة - خروجًا على السياسة السالفة. فمنذ سنة 1920 وما بعدها أي عندما أصبح قانون الهجرة الأصلي في حيز التنفيذ كانت تصدر من وقت لآخر أنظمة لمراقبة الهجرة غرضها منع الهجرة غير المشروعة وتحديد الهجرة المرخص بها وتسهيلها. إن هذا الحق في تنظيم الهجرة لم يكن في يوم ما موضوع اعتراض. 15 - ولكن على ما يظهر قد فهم من قصد حكومة جلالته " بألا يسمح لأية هجرة يهودية ما دامت تحول دون حصول أي عربي على عمل يعتاش منه ". إن حكومة جلالته لم تقترح أصلاً اتباع سياسة كهذه. لقد كانت مهتمة لتوضح بأنه من الضروري لتنظيم الهجرة اليهودية - تطبيق المبادئ الآتية: أولاً: ضرورة التأكد من ألا يصبح المهاجرون عبئًا على شعب فلسطين كمجموع ثم ألا يحرم أي فريق من السكان الحاليين عملهم. فإذا كان يترتب على حكومة جلالته من جهة ألا تنسى تسهيل الهجرة اليهودية تحت ظروف ملائمة وتشجيع استعمار اليهود للأراضي فمن جهة أخرى يجب عليها أيضًا ألا تنسى واجبها الذي يفرض عليها أن تتأكد بألا يتولد عن ذلك أضرار تمس الطائفة غير اليهودية ومركزها. وبسبب هذا التعارض الظاهر في الالتزامات شعرت حكومة صاحب الجلالة بأنها ملزمة بتأكيد ضرورة تطبيق مبدأ القدرة الاستيعابية بصورة صحيحة. إن هذا المبدأ حيوي لأي مشروع إعماري يكون غرضه الأول إفساح المجال لاستيطان كل من اليهود والعرب الذين طردوا من أراضيهم. ولهذا السبب كانت حكومة جلالته قد ألحت كما أنها مضطرة لأن تلح على ضرورة المحافظة على مراقبة الحكومة للهجرة وعلى ضرورة تطبيق أنظمة الهجرة تطبيقًا صحيحًا. أما الاعتبارات المختصة بحدود القدرة الاستيعابية فهي اعتبارات اقتصادية محضة. 16 - إن حكومة جلالته لم تأمر كما لا تفكر أصلاً بوقف الهجرة اليهودية أو منعها مهما كان نوعها. إن عادة الموافقة على قائمة " المهاجرين من العمال " الذين يعيشون على الأجرة ستستمر. وفي كل حالة سيؤخذ بعين الاعتبار الاحتياج السابق إلى العمال وذلك للأعمال التي تعتمد على رأسمال يهودي أو أكثره يهودي مما لن يتم القيام بها إلا إذا توافر وجود العمال من اليهود. وأما فيما يختص بالأعمال العامة وأعمال البلديات التي تحول من الأموال العامة فإن ادعاء العمال اليهود بحقهم في قسط معين من الاستخدام المتيسر - على أساس المساهمة اليهودية بالدخل العام - سيؤخذ بعين الاعتبار. أما فيما يختص بأنواع أخرى من الاستخدام فمن الضروري أن يحسب حسابًا في كل وضع للعوامل التي لها علاقة بالحاجة إلى عمل ومن ضمنها عامل البطالة بين كل من اليهود والعرب. والمهاجرون الذين يأملون في الحصول على عمل غير العمل ذي الطابع المؤقت فإنهم لم يحرموا منه وذلك لسبب واحد وهو أن الاستخدام لا يمكن ضمانه على أن يكون لمدة غير محدودة. 17 - في حالة تحديد المدى الذي يسمح فيه للهجرة في أي وقت ما فمن الضروري أيضًا الاهتمام بالسياسة التي صرحت بها الوكالة اليهودية والتي تنص " على أنه في كل الأعمال والمشاريع التي تقوم بها الوكالة اليهودية أو تعقدها يجب أن تعتبر قضية توظيف العامل اليهودي قضية مبدأ ". إن حكومة جلالته لا تتحدى ولا بصورة حق الوكالة اليهودية في وضع سياسة كهذه أو الموافقة عليها وتصديقها. إن مبدأ تفضيل وقصر استخدام المؤسسات اليهودية للعامل اليهودي هو مبدأ من حق الوكالة اليهودية أن تقرره. ولكن من الضروري الإشارة إلى أنه فيما إذا كان العامل العربي - كنتيجة لهذه السياسة قد طرد من عمله أو ازدادت البطالة القائمة تحرجًا عندها يظهر هناك عامل في الموقف يحتم على حكومة الانتداب أن تنظر إليه بعين الاعتبار. 18 - وأخيرًا ترغب حكومة جلالته في أن تقول كما أكدت مرارًا وبصورة قاطعة بأن الالتزامات الملقاة على عاتق الحكومة المنتدبة - عند قبولها الانتداب - هي التزامات دولية مقدسة لم يخطر على بالها اليوم ولا في يوم ما أن تتخلى عنها وقد صممت حكومة جلالته على القيام بالواجبات الملقاة عليها من قبل الانتداب ولن تحيد عنها. ولكن إذا ما أردنا أن تكون جهودها ناجحة فهنالك حاجة ماسة للتعاون والثقة والاستعداد لدى كل الجهات وذلك لتقدير صعوبات هذه القضية وتعقيداتها كما أنه من الواجب - قبل كل شيء - أن يكون هناك اعتراف مطلق بأن لا حل يمكن أن يكون مرضيًا أو دائمًا إلا إذا كان قائمًا على إنصاف كل من الشعب اليهودي وطوائف فلسطين غير اليهودية. وإني يا عزيزي دكتور وايزمان المخلص لكم جدًا. (التوقيع) جـ. رمزي مكدونلد. احتجاج اللجنة التنفيذية العربية على البيان التفسيري للكتاب الأبيض 21/ 2/ 1931 اطلع مكتب اللجنة التنفيذية العربية على الكتاب الذي أرسله النبيل ج. ماكدونالد رئيس الوزارة البريطانية إلى الدكتور حاييم وايزمن رئيس الوكالة اليهودية والذي يتضمن نسخا تامًا لجميع ما جاء في " الكتاب الأبيض " الصادر في أكتوبر 1930 في مسائل الأراضي والمهاجرة ويزيد عليه حقوقًا سياسية واجتماعية جديدة لليهود لم تكن منحت لهم من قبل. إن لجنتكم التنفيذية التي لم تكن راضية تمامًا عن كل ما جاء في " الكتاب الأبيض " المشار إليه لم تخدع حينئذٍ بوعود الحكومة البريطانية فيما يتعلق بمسائل الأراضي والمهاجرة إذ أنها كانت لخصت الكتاب المذكور في البيان الذي وضعته ردًا عليه بالصورة الآتية: ليس في " الكتاب الأبيض " من جديد في حقوق العرب السياسية وإن النصوص والمبادئ الواردة فيه عن حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية لا تضمن للعرب حقوقهم القومية ومصالحهم الاقتصادية. فالمهم ليس بالنصوص والمبادئ ولكن بتنفيذها ". وفي الحق أنه ما كاد يمر شهر واحد على هذا حتى حقق المستر ماكدونالد تنبؤ لجنتكم المشار إليها تمامًا. إننا واثقون أن العرب وجميع العالم المتمدن في سائر البلاد ينظرون إلى هذه الوثيقة الجديدة كخرق جديد للعهود التي قطعتها الحكومة البريطانية باسم الشعب البريطاني للعرب ولعصبة الأمم نفسها. وتجاه هذه الكارثة الفظيعة فإن كلمتنا للأمة العربية هي أنه علينا معاشر العرب أن نقوي أواصر اتحادنا ونوحد صفوفنا ونعمل بكل ما أوتينا من قوة بجميع الوسائل المشروعة لدفع الأخطار العظيمة التي ينزلها بنا هذا الكتاب. وعلينا قبل كل شيء أن ننزع من مخيلتنا الاعتماد على الحكومة البريطانية في الدفاع عن كياننا القومي والاقتصادي إذ أن هذه الحكومة ضعيفة تجاه القوى اليهودية العالمية. فلندع إذن هذه الحكومة تتملق اليهود ما شاءت. ولنطلب النجدة من أنفسنا ومن العالم العربي والإسلامي لنتذرع بالوسائل الفعالة المشروعة التي توصلنا إلى حقوقنا المهضومة. لا جرم أن الخصم شديد وعنيد وقوي ولكننا نحن معاشر العرب بالحق الصريح الذي لنا أكثر منه شدة وعنادًا وأكبر قوة ومراسًا. فهو يهاجمنا اليوم في عقر دارنا بلا رحمة ولا شفقة ويضع يده على منابع الثروة في البلاد فيحرمنا من قسم كبير منها بصورة مخالفة لجميع الحقوق الإنسانية ومبادئ الحقوق العامة وإنه يعمل اليوم بقوة أكثر من ذي قبل للاستيلاء على ما بقي من منابع الثروة التي بأيدينا. فعلينا نحن العرب أن نفهم جيدًا الخطر المحدق بنا وأن نقوم بالواجب الذي يترتب علينا نحو هذا الوطن المقدس وأن نفهم العالم العربي والإسلامي والعالم المتمدن ما يرتكبه الصهيونيون في هذه البلاد من جرائم وحشية تحت حماية ورعاية الحكومة البريطانية. ففلسطين عربية وستبقى عربية وليس لأية حكومة في العالم أن تتصرف بمقدراتها على الرغم من أهلها. قسمت الدول الأوربية البلاد العربية إلى مناطق عديدة وطوقت أعناقها بسلاسل ثقيلة وقطعت لليهود في فلسطين عهد بلفور المشهور كأن فلسطين ملك من أملاكهم الخاصة. ولكن العالم العربي يقف اليوم في فلسطين وقفة الرجل الواحد الذي يدافع عن عرضه ودينه ووطنه ودينه. إن وثيقة المستر مكدونالد الجديدة قد قضت على البقية الباقية من الحرمة الرفيعة التي كان يحملها العربي في نفسه للحكومة البريطانية فلقد رأى العربي أن هذه الحكومة لا تبالي بالمتناقضات من الأمور، ولا تستحي أن تقول عن الأسود أبيض ولا عن الأبيض أسود. فبينما تقول جازمة إنه لا توجد أراضٍ إضافية يمكن حشد اليهود فيها وإنه ليس من الجائز أن يفتح باب المهاجرة ليهود بولونية وروسية وفي البلاد عاطلون من العرب إذا بها تتراجع اليوم عن هذا القول بلا خجل وتسمح لليهود بشراء الأراضي القليلة الباقية بيد العرب وتفتح لهم باب المهاجرة على مصراعيه كما كان في السابق. وبينما تصرح بكون شراء الجمعيات الصهيونية أراضي العرب باسم جميع يهود العالم وحصر الأشغال بعمال اليهود دون العرب هي أعمال غير مشروعة ومخالفة للمادة السادسة من " صك الانتداب " إذا بها تقول اليوم بغير مشروعية هذه المبادئ الوحشية في حين أنها جعلت التحريض على مقاطعة العرب لليهود إثمًا يعاقب عليه جاعله في ذلك الغرم كل الغرم على العربي وحده والغنم كل الغنم لليهودي وحده، وهي مع ذلك مازالت تزعم أنها قابضة على قسطاس العدل بين الفريقين. ومهما يكن من أمر الحكومة البريطانية وتقلبها الفظيع في سياستها العامة في فلسطين فعلينا نحن العرب أن ندافع عن حقوقنا المقدسة بكل ما أوتينا من قوة إيمان وثبات في الوطنية عظيم. فيا أيها العرب من فلسطينيين وسوريين وعراقيين وغيرهم، إن الخصم يريد إرهاقنا بأنواع المظالم حتى يحرجنا فيخرجنا من ديارنا. فيجب على كل عربي إلى أي قطر ينتمي وإلى أي عمل ينتسب أن يذكر فلسطين العربية وأن يعامل اليهود مثل ما يعاملون إخوانهم في فلسطين من ضروب المقاطعة والاضطهاد وأن يعمل بدون انقطاع للمحافظة على هذه البلاد المقدسة وعلى أهلها الذين يمتون إليهم بصلة الوطنية وألا يميل الكفاح حتى يقضي على السياسة الصهيونية قضاءً مبرمًا ويعيد إلى فلسطين المقدسة عهد السلام. بيان حزب الاستقلال العربي 2 نوفمبر سنة 1931 " لقد سلخت هذه البلاد أربعة عشر عامًا وهي تحت سلطة الاستعمار الإنجليزي تتدهور عامًا بعد عام من حضيض إلى حضيض وتبتعد يومًا بعد يوم عن الغاية المقدسة العليا التي رمى إليها العرب حينما اشتركوا وقاسوا أنواع المظالم والإرهاق: وهي الاستقلال والوحدة العربية، التي أخذت الأقطار الأخرى تقترب منها يومًا بعد يوم، محطمة في سبيل الوصول إليها القيود واحدًا بعد آخر. وأنه على الرغم من الصرخات الداوية التي بعثتها الأمة ولا تزال تبعثها استنكارًا للسياسة الغاشمة المسلطة عليها واحتجاجًا على الظلم الفادح النازل بها بحرمانها من حقها الصريح في الحرية والاستقلال وباستهدافها للأخطار القومية والاجتماعية والاقتصادية المنبعثة عن سياستها الاستعمارية والغزوة الصهيونية لإرهاق البلاد، تحت عبء هذه السياسة ونتائجها الفظيعة ظل الإنجليز يستمرون في سياستهم دون رادع من عهد أو شرف أو ضمير. وإذا أردنا أن نستعرض نتائج هذه السياسة وأخطارها رأينا منظرًا من أفظع المناظر وشهدنا رواية من أشد الروايات هولاً تمثل في هذه البلاد ضد مصالح أصحابها العرب وقوميتهم وكيانهم لم يشهد التاريخ أشد فظاعة وهولاً منها: 1 - إن الموازنة المالية في هذه البلاد جعلت لتشكيلات واسعة لا تتحملها طبيعة البلاد بوجه، والمبالغ التي تنفق على هذه الموازنة هي أضعاف ما ينفق على مثيلاتها من البلاد العربية الأخرى، والموظفون الإنجليز ثم الموظفون الغرباء ثم الموظفون اليهود يبتلعون جزءًا كبيرًا من هذه الميزانية على غير ما حاجة فنية أو علمية، وثلث هذه الميزانية تقريبًا ينفق على الحراب التي تحمي المشروع الصهيوني، الذي يعتبر بحق أفظع مشروع سجله التاريخ في أعظم حوادثه وظروفه. 2 - وعلى الرغم من أن الخبراء الإنجليز قد أثبتوا بالأرقام التي تدحض أن الأراضي العربية لا تكفي الآن أهل البلاد العرب لمعيشتهم وحاجاتهم وعلى الرغم من زيادة التناسل العظيمة زيادة جعلت تتحول إلى مشكلة خطيرة هائلة في المستقبل القريب بسبب عدم كفاية الأرض للعرب وعلى الرغم من تعالي الصرخات بوجوب وضع تشريع يمنع انتقال أراضي العرب لليهود، حماية للكيان العربي من الانهدام والفناء لا تزال السلطة الإنجليزية لاهية عن ملاقاة هذا الخطر ولا يزال اليهود يغتنمون فرصة الإملاق الذي أصيب به العرب، من جَرَّاء سياسة الاستعمار فيقتطعون المساحات الواسعة من الأراضي العربية حتى أحدق الخطر الهائل بكيان العرب إحداقًا شديدًا. 3 - وإنه فوق البطالة الضاربة أطنابها في البلاد وانسداد الرزق أمام آلاف العرب الراحلين لا تزال السلطة الإنجليزية فاتحة باب الهجرة على مصراعيه لدخول شذاذ الآفاق اليهود، مما أدى إلى استفحال أمر البطالة ودفع العرب إلى كسب قوتهم، هذا إلى ما تسرب إلى هذه البلاد من المبادئ الاجتماعية الخطيرة كالشيوعية والإباحية والإلحاد مما يحمله أولئك الشذاذ وبدت آثاره وظهرت شروره. 4 - ولقد كان من جَرَّاء هذه السياسة الاستعمارية أن أرهق الأهلون، بالضرائب الفادحة، فأصبح يصيب النفس ضعف ما يصيب أختها في البلاد العربية الأخرى أو أضعافه. ولقد كان قانون الويركو أسوأ مثل قدمته هذه السياسة، بتطبيقه على ما قبله، ولجعل الضريبة خمسة عشر بالمائة. وقد كانت ضرائب العشر وضرائب المواد الغذائية والحاجات الضرورية من أكبر الضربات التي رفعت أسعار المعيشة وجعلت الأهالي على حافة الإفلاس، وكانت عاملاً من عوامل الإضرار للخروج على الأراضي لليهود، هذا إلى الأزمات الاقتصادية الخانقة، التي لم تتقدم هذه السلطات إلى معالجتها وتفريجها بوسيلة من الوسائل الناجحة. 5 - وها هي البلاد تقاسي اليوم أزمة شديدة في التعليم، وها هم أبناؤها يتسكعون في الأزقة محرومين من دور العلم، بينما إدارة المعارف وغيرها مكتظة بذوي الرواتب الكبيرة الذين ليس للبلاد من حاجة إليهم إلا رغبتهم في استدرار الوظائف والمرتبات من الإنجليز ومحسوبيهم، وذلك من عرق جبين الأهالي البائسين. وقد كان من جَرَّاء هذا الإهمال أن حرم خمسة أسداس الأولاد الذين هم في سن الدراسة من المدارس، الأمر الذي يسجل به أكبر عار على السلطة الإنجليزية القائمة في البلاد. 6 - وقد عمدت هذه السلطة إلى وضع مشروع لقانون المعارف تريد به أن يتشرب أبناء الأمة روح الولاء لسلطة صبت على بلادهم أنواع العذاب وحكمتهم بالحديد والنار وهيأت لهم أسباب الفناء والدمار. 7 - وكذلك وضعت مشروع قانون للمطبوعات أرادت به كم الأفواه وتحطيم الأقلام والتهديد بالجزاء الصارم لكل من تحدث له نفسه أن يرفع الصوت بالدفاع عن حقوق الأمة والبلاد عن طريق الصحافة. 8 - وقد سيطر على التشريع والإدارة في هذه البلاد أناس غرباء عنها لا يفهمون روحها ولا احتياجاتها وتقاليدها فأمعنوا في سن القوانين الغريبة المتناقضة مع مصلحة الأمة واحتياجاتها وروحها. كل ذلك وهناك من أبناء الأمة من لا يزال يتطوع لتوطئة مناكبها للاستعمار وترويضها على الأساليب الاستعمارية وبث روح الاستخذاء للسلطة واعتبارها ذات الصفة الشرعية في البلاد، وهناك أيضًا من لا يزال يتزلف إلى السلطات الاستعمارية فيشترك في لجانها ويتنعم بحفلاتها ومآدبها ويساعد على الحفاوة بممثليها وهذا إلى أولئك الأبناء العاقين الآخرين الذين هم حرب على أمتهم وبلادهم باجترامهم جرائم السمسرة والجاسوسية ومساعدة السياسة الاستعمارية والغزوة الصهيونية على بلوغ الوطن والتضييق على خناق الأمة والقضاء الأخير عليها. إن حزب الاستقلال العربي الذي يرى كله هذا بعين تقطر دمًا وقلب يتقطع أسى يبتغي أن تجدد الأمة أملها وألا تستسلم إلى القنوط، لأنه يعتقد بقوة روح هذه الأمة الجبارة وعقيدتها الاستقلالية ومقتها للأساليب الاستعمارية وأعوانها. وإنه استمدادًا من هذه الروح القروية الفياضة يعلن أن البلاد لم تعد تطيق هذه السياسة الاستعمارية الناشئة التي فشلت فشلاً شائنًا وأفلست إفلاساً يسجل به أكبر الإثم والعار على القائمين بها وإن من حق هذه الأمة العربية أن تتمتع بحريتها واستقلالها في بلادها وإنها لن ترضى عن ذلك بديلاً. وإنه وهو مؤمن كل الإيمان بهذا الحق ويعتقد كل الاعتقاد في اعتصام الأمة بعقيدتها الاستقلالية يدعو كل عربي في هذه البلاد إلى تجديد العهد للكفاح ضد الاستعمار وأساليبه وضد الصهيونية وغزوها وضد الخائنين من أبنائها بكل قوة وثبات وعزم وإيمان. ويدعو كل عربي ليعلن معه أن هذه البلاد لن تطمئن على حياتها وكيانها إلا إذا منع بيع الأراضي لليهود منعًا باتًا وأقفل باب الهجرة اليهودية إقفالاً تامًا واستلم أبناء البلاد الحكم ونالت استقلالها التام، متحدة مع البلاد العربية الأخرى. يا أهل فلسطين لقد جد الجد وسارت الركبان. فأين أنتم من إخوانكم أبناء البلاد العربية كنتم في المقدمة فما بالكم تأخرتم؟ أين قضيتكم من قضاياها؟ ارجعوا بها على الأعقاب فابدءوها قضية فلسطينية استقلالية لا لين فيها ولا هوادة. الوطن وطنكم وشرف الأمة العربية بين أيديكم. فاحفظوا الأمانة وصونوا الكرامة وليستشر كل عربي قلبه وليعمل واجبه. أما الوطن فباقٍ وأما الأفراد فزائلون فلنتعاهد على الجهاد في سبيل الحرية والوحدة العربية. يوم 2 نوفمبر عار أبدي، ويجب على كل عربي أن يجاهد ليمحوه من سجل التاريخ والسنين. ولتحيا سوريا الجنوبية عربية حرة مستقلة ". |


